الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

في ظلال القرآن الكريم

عودة للآيات

التوبة

من الاية 1 الى الاية 4

بَرَاءةñ مّöنَ اللّهö وَرَسُولöهö إöلَى الَّذöينَ عَاهَدتُّم مّöنَ الْمُشْرöكöينَ (1) فَسöيحُواْ فöي الأَرْضö أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجöزöي اللّهö وَأَنَّ اللّهَ مُخْزöي الْكَافöرöينَ (2) وَأَذَانñ مّöنَ اللّهö وَرَسُولöهö إöلَى النَّاسö يَوْمَ الْحَجّö الأَكْبَرö أَنَّ اللّهَ بَرöيءñ مّöنَ الْمُشْرöكöينَ وَرَسُولُهُ فَإöن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرñ لَّكُمْ وَإöن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجöزöي اللّهö وَبَشّöرö الَّذöينَ كَفَرُواْ بöعَذَابٍ أَلöيمٍ (3) إöلاَّ الَّذöينَ عَاهَدتُّم مّöنَ الْمُشْرöكöينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهöرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتöمُّواْ إöلَيْهöمْ عَهْدَهُمْ إöلَى مُدَّتöهöمْ إöنَّ اللّهَ يُحöبُّ الْمُتَّقöينَ (4)

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بالسورة

هذه السورة مدنية من أواخر ما نزل من القرآن - إن لم تكن هي آخر ما نزل من القرآن - ومن ثم قد تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض ; كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته , وتحديد قيمه ومقاماته , وأوضاع كل طائفة فيه وكل طبقة من طبقاته , ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وكل طبقة وصفا دقيقا مصورا مبينا .

والسورة - بهذا الاعتبار - ذات أهمية خاصة في بيان طبيعة المنهج الحركي للإسلام ومراحله وخطواته - حين تراجع الأحكام النهائية التي تضمنتها مع الأحكام المرحلية التي جاءت في السور قبلها - وهذه المراجعة تكشف عن مدى مرونة ذلك المنهج وعن مدى حسمه كذلك . وبدون هذه المراجعة تختلط الصور والأحكام والقواعد , كما يقع كلما انتزعت الآيات التي تتضمن أحكاما مرحلية فجعلت نهائية ; ثم أريد للآيات التي تتضمن الأحكام النهائية أن تفسر وتؤول لتطابق تلك الأحكام المرحلية ; وبخاصة في موضوع الجهاد الإسلامي , وعلاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى . مما نرجو أن يوفقنا الله لإيضاحه وبيانه في هذا التقديم ; وفي ثنايا استعراض النصوص القرآنية للسورة .

ومن مراجعة نصوص السورة مراجعة موضوعية ; ومراجعة ما جاء في الروايات المأثورة عن أسباب النزول وملابساته ; ومراجعة أحداث السيرة النبوية كذلك . . يتبين أن السورة بجملتها نزلت في العام التاسع من الهجرة . . ولكنها لم تنزل دفعة واحدة . . ومع أننا لا نملك الجزم بالمواقيت الدقيقة التي نزلت فيها مقاطع السورة في خلال العام التاسع , إلا أنه يمكن الترجيح بأنها نزلت في ثلاث مراحل . . المرحلة الأولى منها كانت قبل غزوة تبوك في شهر رجب من هذا العام . والمرحلة الثانية كانت في أثناء الاستعداد لهذه الغزوة ثم في ثناياها . والمرحلة الثالثة كانت بعد العودة منها . أما مقدمات السورة من أولها إلى نهاية الآية الثامنة والعشرين منها فقد نزلتمتأخرة في نهاية السنة التاسعة قبيل موسم الحج في ذي القعدة أو في ذي الحجة . . وهذا - على الإجمال - هو كل ما يمكن ترجيحه والاطمئنان إليه .

وقد تضمنت السورة في المقطع الأول منها - من أولها إلى ختام الآية الثامنة والعشرين - تحديدا للعلاقات النهائية بين المعسكر الإسلامي والمشركين عامة في الجزيرة ; مع إبراز الأسباب الواقعية والتاريخية والعقيدية التي يقوم عليها هذا التحديد , بالأسلوب القرآني الموحي المؤثر , وفي تعبيرات قوية الإيقاع حاسمة الدلالة , عميقة التأثير ; هذه نماذج منها:

براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين . فسيحوا في الأرض أربعة أشهر , واعلموا أنكم غير معجزي الله , وأن الله مخزي الكافرين . وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله , فإن تبتم فهو خير لكم , وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله , وبشر الذين كفروا بعذاب أليم . إلا الذين عاهدتم من المشركين , ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا , فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين , فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم , وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد , فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم , إن الله غفور رحيم . وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله , ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون .

كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ? - فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم , إن الله يحب المتقين . كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة , يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله , إنهم ساء ما كانوا يعملون . لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة , وأولئك هم المعتدون . فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين , ونفصل الآيات لقوم يعلمون . وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر , إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون . ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم , وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة ? أتخشونهم ? فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم , وينصركم عليهم , ويشف صدور قوم مؤمنين , ويذهب غيظ قلوبهم , ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم . أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ? والله خبير بما تعملون . . . .

. . .(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء - إن استحبوا الكفر على الإيمان - ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون . قل:إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم , وأموال اقترفتموها , وتجارة تخشون كسادها , ومساكن ترضونها . . أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله . . فتربصوا حتى يأتي الله بأمره , والله لا يهدي القوم الفاسقين). .

. . .(يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس , فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا , وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله - إن شاء - إن الله عليم حكيم). .

وظاهر من الأسلوب القرآني في الآيات التي اقتطفناها هنا , وفي آيات المقطع كله ; ومن القوة في التحضيضوالتأليب على قتال المشركين ومقاطعتهم في الجزيرة قاطبة , مدى ما كان يعتلج في نفوس الجماعة المسلمة - أو فريق منها على الأقل له وزنه - من التحرج والتخوف والتردد في اتخاذ هذه الخطوة الحاسمة في ذلك الحين , بسبب عوامل شتى نرجو أن نكشف عنها في هذا التقديم وفي أثناء استعراض النصوص القرآنية قريبا .

أما المقطع الثاني - في السورة - فقد تضمن تحديدا للعلاقات النهائية كذلك بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب عامة ; مع بيان الأسباب العقيدية والتاريخية والواقعية التي تحتم هذا التحديد ; وتكشف كذلك عن طبيعة الإسلام وحقيقته المستقلة ; وعن انحراف أهل الكتاب عن دين الله الصحيح عقيدة وسلوكا ; بما يجعلهم - في اعتبار الإسلام - ليسوا على دين الله الذي نزله لهم ; والذي به صاروا أهل كتاب:

(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب , حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .)

(وقالت اليهود عزير ابن الله , وقالت النصارى المسيح ابن الله . . ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل . . قاتلهم الله ! أنى يؤفكون ? اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم , وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا , لا إله إلا هو , سبحانه عما يشركون .)

(يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم , ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون .)

(يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله),

(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم . يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم . . هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون).

وظاهر كذلك من الأسلوب القرآني في هذا المقطع أنه مواجهة لما كان في النفوس يومذاك من تهيب وتردد في مواجهة أهل الكتاب عامة - أو الغالبية العظمى منهم - بهذا اللون من العلاقات التي تنص عليها الآية الأولى في المقطع . . وحقيقة إن المقصود - كان - بالمواجهة ابتداء هم الروم وحلفاؤهم من نصارى العرب في الشام وما وراءها ; وهذا وحده كان يكفي للتردد والتهيب ; لما كان للروم من بأس وسمعة تاريخية بين أهل الجزيرة . . ولكن النص عام في أهل الكتاب عامة ; ممن تنطبق عليهم الأوصاف الواردة في الآية كما سنفصل - إن شاء الله - عند مواجهة النصوص .

وفي المقطع الثالث يبدأ النعي على المتثاقلين الذين دعوا إلى التجهز للغزوة فتثاقلوا إلى الأرض وتكاسلوا عن النفير . . وهؤلاء ليسوا كلهم من المنافقين كما سيتبين , مما يشي بمشقة هذه الخطوة , وهذه الغزوة , على النفوس في ذلك الحين للأسباب التي نرجو أن نفصلها - بإذن الله - ونقف عندها في حينها:

يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم:انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ? أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ? فما متاع الحياة الدنيا في الآخره إلا قليل . إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما , ويستبدل قوما غيركم , ولا تضروه شيئا . والله على كل شيء قدير . إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار , إذ يقول لصاحبه:لا تحزن إن الله معنا , فأنزل الله سكينته عليه , وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى , وكلمة الله هي العليا , والله عزيز حكيم . انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله , ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون .

وظاهر من صيغ التأنيب والتهديد والتوكيد المكررة في هذا المقطع ; ومن تذكير الذين آمنوا بنصر الله للرسول [ ص ] إذ أخرجه الذين كفروا ; دون أن يكون لأحد من البشر مشاركة في هذا النصر ; ومن الأمر الجازم لهم بأن ينفروا خفافا وثقالا . . ظاهر من هذا كله ما كان في الموقف من مشقة ومن تخلف ومن قعود ومن تهيب ومن تردد , اقتضى هذا الحشد من التأنيب والتهديد والتوكيد والتذكير والأمر الشديد . .

ثم يجيء المقطع الرابع في سياق السورة - وهو أطول مقاطعها , وهو يستغرق أكثر من نصفها - في فضح المنافقين وأفاعيلهم في المجتمع المسلم , ووصف أحوالهم النفسية والعملية , ومواقفهم في غزوة تبوك وقبلها وفي أثنائها وما تلاها , وكشف حقيقة نواياهم وحيلهم ومعاذيرهم في التخلف عن الجهاد وبث الضعف والفتنة والفرقة في الصف , وإيذاء رسول الله [ ص ] والخلص من المؤمنين . يصاحب هذا الكشف تحذير الخلصاء من المؤمنين من كيد المنافقين , وتحديد العلاقات بين هؤلاء وهؤلاء , والمفاصلة بين الفريقين وتمييز كل منهما بصفاته وأعماله . . وهذا القطاع يؤلف في الحقيقة جسم السورة ; ويتجلى من خلاله كيف عاد النفاق بعد فتح مكة فاستشرى بعد ما كاد أن يتلاشى من المجتمع المسلم قبيل الفتح , مما سنكشف عن أسبابه في فقرة تالية . ولن نملك أن نستعرض هنا هذا القطاع بطوله فنكتفي بفقرات منه تدل على طبيعته:

(لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك , ولكن بعدت عليهم الشقة , وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم , يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون . . .).

. . .(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة , ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم , وقيل:اقعدوا مع القاعدين . لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا , ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم . . والله عليم بالظالمين . لقد ابتغوا الفتنة من قبل , وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون).

(ومنهم من يقول:ائذن لي ولا تفتني , ألا في الفتنة سقطوا , وإن جهنم لمحيطة بالكافرين . إن تصبك حسنة تسؤهم , وإن تصبك مصيبة يقولوا:قد أخذنا أمرنا من قبل , ويتولوا وهم فرحون). . .

. . .(ويحلفون بالله إنهم لمنكم , وما هم منكم , ولكنهم قوم يفرقون . لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون).

(ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا , وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون . ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله , وقالوا:حسبنا الله , سيؤتينا الله من فضله ورسوله , إنا إلى الله راغبون). . .

. . .(ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن . قل أذن خير لكم , يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين , ورحمة للذين آمنوا منكم , والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم).

(يحلفون بالله لكم ليرضوكم , والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين . ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها , ذلك الخزي العظيم).

يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم , قل:استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون . ولئن سألتهم ليقولن:إنما كنا نخوض ونلعب , قل:أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ? . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم , إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين .

(المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض , يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف , ويقبضون أيديهم , نسواالله فنسيهم , إن المنافقين هم الفاسقون . وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم , ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم). . .

. . .(يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم , ومأواهم جهنم وبئس المصير . يحلفون بالله ما قالوا , ولقد قالوا كلمة الكفر , وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا , وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله , فإن يتوبوا يك خيرا لهم , وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة , وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير). .

(ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين . فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون . فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه , وبما كانوا يكذبون). .

(الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم . استغفر لهم أو لا تستغفر لهم , إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم , ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله , والله لا يهدي القوم الفاسقين).

(فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله , وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله , وقالوا:لا تنفروا في الحر , قل:نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون . فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون . فإن رجعك الله إلى طائفة منهم , فاستأذنوك للخروج . فقل:لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا , إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين . ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره , إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون . ولا تعجبك أموالهم وأولادهم , إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا , وتزهق أنفسهم وهم كافرون). . .

الخ . . . الخ

وهذه الحملة الطويلة الكاشفة تشي بما كان للمنافقين في هذه الفترة من محاولات كثيرة لإيذاء الصف المسلم وفتنته وشغله بشتى الفتن والدسائس والأكاذيب عن وجهته . كما أنها في الوقت ذاته تكشف عن حالة من الخلخلة وعدم التناسق في التكوين العضوي للمجتمع الإسلامي في هذه الفترة ; يشير إليها قول الله سبحانه: (وفيكم سماعون لهم)كما يشير إليها النهي المشدد عن الاستغفار للمنافقين أو الصلاة عليهم . . هذه الحالة التي نشأت عن دخول جماعات كثيرة في الإسلام بعد الفتح لم يكن الإيمان قد استقر في قلوبهم , ولا كانوا قد انطبعوا بالطابع الإسلامي الصحيح ; مما سنفصل القول فيه بعد استعراض التصنيف القرآني الوارد في السورة لهذه الجماعات المتنوعة التي كان المجتمع المسلم يتألف منها في هذه الفترة .

والمقطع الخامس في سياق السورة هو الذي يتولى هذا التصنيف . ومنه نعلم أنه كان إلى جوار السابقين المخلصين من المهاجرين والأنصار - وهم الذين كانوا يؤلفون قاعدة المجتمع المسلم الصلبة القوية - جماعات أخرى . . الأعراب وفيهم المخلصون والمنافقون والذين لم تخالط قلوبهم بشاشة الإيمان والمنافقون من أهل المدينة . وآخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ولم يتم انطباعهم بالطابع الإسلامي ولم يصهروا في بوتقة الإسلام تماما . وطائفة مجهولة الحال لا تعرف حقيقة مصيرها متروك أمرها لله وفق ما يعلمه من حقيقة حالها ومآلها . ومتآمرون يتسترون باسم الدين ! . . والنصوص القرآنية تتحدث عن هذه الجماعات كلها في اختصار مفيد ; وتقرر كيف تعامل في المجتمع المسلم , وتوجه رسول الله [ ص ] والخلص منالمسلمين إلى طريقة التعامل مع كل منهم:

(الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله , والله عليم حكيم . ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما , ويتربص بكم الدوائر , عليهم دائرة السوء , والله سميع عليم . ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر , ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ; ألا إنها قربة لهم , سيدخلهم الله في رحمته , إن الله غفور رحيم).

(والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه , وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا , ذلك الفوز العظيم).

(وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة , مردوا على النفاق , لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين , ثم يردون إلى عذاب عظيم).

(وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا , عسى الله أن يتوب عليهم , إن الله غفور رحيم . خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها , وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم , والله سميع عليم . . .).

. . .(وآخرون مرجون لأمر الله , إما يعذبهم وإما يتوب عليهم , والله عليم حكيم).

(والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل , وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى , والله يشهد إنهم لكاذبون . لا تقم فيه أبدا , لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه , فيه رجال يحبون أن يتطهروا , والله يحب المطهرين . .)الخ .

وظاهر من تعدد الطوائف والطبقات والمستويات الإيمانية في المجتمع المسلم - كما تصفه هذه النصوص - مدى الخلخلة التي وجدت فيه بعد الفتح , مما كان المجتمع قد برئ منه أو كاد قبيل فتح مكة كما سيجيء .

والمقطع السادس في سياق السورة يتضمن تقريرا لطبيعة البيعة الإسلامية مع الله على الجهاد في سبيله وطبيعة هذا الجهاد وحدوده , وواجب أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب فيه , وأنه لا يحل لهم أن يتخلفوا عنه وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ; وضرورة المفاصلة مع المشركين والمنافقين . . وفي ثنايا هذا المقطع يرد بيان لما قضى الله به في شأن بعض الذين تخلفوا عن الغزوة مخلصين غير منافقين ; ووصف لبعض أحوال المنافقين وموقفهم تجاه ما يتنزل من القرآن الكريم:

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة , يقاتلون في سبيل الله , فيقتلون ويقتلون , وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن , ومن أوفى بعهده من الله ? فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به , وذلك هو الفوز العظيم). . .

. . .(ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى , من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم . وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه , فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم). . .

. . . (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم , ثم تاب عليهم , إنه بهم رؤوف رحيم . وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرضبما رحبت , وضاقت عليهم أنفسهم , وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه , ثم تاب عليهم ليتوبوا , إن الله هو التواب الرحيم). . .

. . . (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه , ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله , ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار , ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح , إن الله لا يضيع أجر المحسنين . ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة , ولا يقطعون واديا , إلا كتب لهم , ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون . وما كان المؤمنون لينفروا كافة , فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة , ليتفقهوا في الدين , ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم , لعلهم يحذرون).

يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة , واعملوا أن الله مع المتقين . . .

. . .(وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض:هل يراكم من أحد ? ثم انصرفوا , صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون). .

وفي النهاية تختم السورة بصفة رسول الله [ ص ] وبتوجيهه من ربه إلى التوكل عليه وحده والاكتفاء بكفالته سبحانه:

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم , عزيز عليه ما عنتم , حريص عليكم , بالمؤمنين رؤوف رحيم . فإن تولوا فقل:حسبي الله , لا إله إلا هو , عليه توكلت , وهو رب العرش العظيم).

ولقد أطلنا الاقتباس من نصوص السورة في هذا الاستعراض الإجمالي - قبل مواجهة هذه النصوص فيما بعد بالتفصيل - عن قصد ! ذلك أن سياق السورة يرسم صورة كاملة للمجتمع المسلم في فترة ما بعد الفتح , ويصف تكوينه العضوي . . وفي هذه السورة يتجلى نوع من الخلخلة وقلة التناسق بين مستوياته الإيمانية ; كما تتكشف ظواهر وأعراض من الشح بالنفس والمال , ومن النفاق والضعف , والتردد في الواجبات والتكاليف , والخلط وعدم الوضوح في تصور العلاقات بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات الأخرى , وعدم المفاصلة الكاملة على أساس العقيدة - وإن كان هذا كله لا يتعارض مع وجود القاعدة الصلبة الأمينة الخالصة من المهاجرين والأنصار - مما استدعى حملات طويلة مفصلة ومنوعة للكشف والتوعية والبيان والتقرير , تفي بحاجة المجتمع إليها .

ولقد سبق أن أشرنا إجمالا إلى أن سبب هذه الحالة هو دخول جماعات كثيرة متنوعة من الناس في الإسلام بعد الفتح ; لم تتم تربيتها ; ولم تنطبع بعد بالطابع الإسلامي الأصيل . إلا أن هذه الإشارة المجملة لا يمكن فهمها بوضوح إلا بمراجعة الواقع التاريخي الحركي قبل الفتح وبعده . . وسنحاول أن نلم به هنا بأشد اختصار ممكن ; قبل التعليق بشيء على دلالة هذا الواقع التاريخي ومغزاه , ودلالة النصوص القرآنية التي وردت في سياق هذه السورة كذلك .

لقد ولدت الحركة الإسلامية في مكة على محك الشدة ; فلم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش - تحس بالخطرالحقيقي الذي يتهددها من دعوة:"أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" وما تمثله من ثورة على كل سلطان أرضي لا يستمد من سلطان الله ; ومن تمرد نهائي على كل طاغوت في الأرض والفرار منه إلى الله . ثم بالخطر الجدي من التجمع الحركي العضوي الجديد الذي أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة رسول الله [ ص ]

هذا التجمع الذي يدين منذ اليوم الأول بالطاعة لله ورسوله الله ; ويتمرد ويخرج على القيادة الجاهلية الممثلة في قريش والأوضاع السائدة في هذه الجاهلية .

لم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش أول الأمر - تحس بهذا الخطر وذاك حتى شنتها حربا شعواء على الدعوة الجديدة , وعلى التجمع الجديد , وعلى القيادة الجديدة ; وحتى أرصدت لها كل ما في جعبتها من أذى ومن كيد ومن فتنة ومن حيلة . .

لقد انتفض التجمع الجاهلي ليدفع عن نفسه الخطر الذي يتهدد وجوده بكل ما يدفع به الكائن العضوي خطر الموت عن نفسه . . وهذا هو الشأن الطبيعي الذي لا مفر منه كلما قامت دعوة إلى ربوبية الله للعالمين ; في مجتمع جاهلي يقوم على أساس من ربوبية العباد للعباد ; وكلما تمثلت الدعوة الجديدة في تجمع حركي جديد , يتبع في تحركه قيادة جديدة , ويواجه التجمع الجاهلي القديم مواجهة النقيض للنقيض !

وعندئذ تعرض كل فرد في التجمع الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها , إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان . . ويومئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , والانضمام إلى التجمع الإسلامي الوليد , والدينونة لقيادته الجديدة , إلا كل من نذر نفسه لله ; وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان . .

بذلك تكونت للإسلام قاعدة صلبة من أصلب العناصر عوداً في المجتمع العربي ; فأما العناصر التي لم تحتمل هذه الضغوط فقد فتنت عن دينها وارتدت إلى الجاهلية مرة أخرى ; وكان هذا النوع قليلا , فقد كان الأمر كله معروفا مكشوفا من قبل ; فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام , وقطع الطريق الشائك الخطر المرهوب إلا العناصر المختارة الممتازة الفريدة التكوين .

وهكذا اختار الله السابقين من المهاجرين من تلك العناصر الفريدة النادرة , ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين في مكة ; ثم ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين بعد ذلك في المدينة ; مع السابقين من الأنصار الذين وإن كانوا لم يصطلوها في أول الأمر كما اصطلاها المهاجرون , إلا أن بيعتهم لرسول الله [ ص ] [ بيعة العقبة ] قد دلت على أن عنصرهم ذو طبيعة أصيلة مكافئة لطبيعة هذا الدين . . قال ابن كثير في التفسير:"وقال محمد بن كعب القرظي وغيره:قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله [ ص ] [ يعني ليلة العقبة ]:اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال:" أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا , وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " قالوا:فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك ? قال:" الجنة " . قالوا:ربح البيع , ولا نقيل ولا نستقيل" .

ولقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول الله هذه البيعة ; ولا يرتقبون من ورائها شيئا إلا الجنة ; ويوثقون هذا البيع فيعلنون أنهم لا يقبلون أن يرجعوا فيه ولا أن يرجع فيه رسول الله [ ص ] ! يعلمون أنهم لا يبايعون على أمر هين ; بل كانوا مستيقنين أن قريشا وراءهم , وأن العرب كلها سترميهم ; وأنهملن يعيشوا بعدها في سلام مع الجاهلية الضاربة الأطناب من حولهم في الجزيرة وبين ظهرانيهم في المدينة .

ومن رواية ابن كثير في كتابه:"البداية والنهاية ":"قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ابن خيثم , عن أبي الزبير , عن جابر . قال:مكث رسول الله [ ص ] بمكة عشر سنين , يتبع الناس في منازلهم . . عكاظ والمجنة . . وفي المواسم , يقول:" من يؤويني ? من ينصرني ? حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة " . فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره . حتى إن الرجل ليخرج من اليمن , أو من مضر - كذا قال فيه - فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون:احذر غلام قريش لا يفتنك . ويمضي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب , فآويناه وصدقناه , فيخرج الرجل منا فيؤمن به , ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه , حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الأسلام . ثم ائتمروا جميعا , فقلنا:حتى متى نترك رسول الله [ ص ] يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف ? فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم , فواعدناه شعب العقبة , فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين , حتى توافينا . فقلنا:يا رسول الله علام نبايعك ? قال:" تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل , والنفقة في العسر واليسر , وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم , وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم , ولكم الجنة " . فقمنا إليه وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي - وهو أصغر السبعين - إلا أنا . فقال:رويدا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله , وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة , وقتل خياركم , وتعضكم السيوف . فإنا أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله , وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه , فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله . . قالوا:أبط عنا يا أسعد ! فوالله لا ندع هذه البيعة , ولا نسلبها أبدا ! قال:فقمنا إليه , فبايعناه , وأخذ علينا وشرط , ويعطينا على ذلك الجنة " [ وقد رواه الإمام أحمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبد الرحمن العطار - زاد البيهقي عن الحاكم - بسنده إلى يحيى بن سليم كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي إدريس به نحوه . وهذا إسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه . وقال البزار:وروى غير واحد غير ابن خيثم , ولا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه ] .

فقد كان الأنصار إذن يعلمون - عن يقين واضح - تكاليف هذه البيعة ; وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئا في هذه الحياة الدنيا - حتى ولا النصر والغلبة - وأنهم لم يوعدوا عليها إلا الجنة . . ثم كان هذا مدى وعيهم بها ومدى حرصهم عليها . . فلا جرم أن يكونوا - مع السابقين من المهاجرين الذين بنوا هذا البناء وأعدوا هذا الإعداد - هم القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم أول العهد بالمدينة . .

ولكن مجتمع المدينة لم يظل بهذا الخلوص والنقاء . . لقد ظهر الإسلام وفشا في المدينة ; واضطر أفراد كثيرون - ومعظمهم من ذوي المكانة في قومهم - أن يجاروا قومهم احتفاظا بمكانتهم فيهم . . حتى إذا كانت وقعة بدر قال كبير هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول:هذا أمر قد توجه ! وأظهر الإسلام نفاقا . ولا بد أن كثيرين قد جرفتهم الموجة فدخلوا في الإسلام تقليدا - ولو لم يكونوا منافقين - ولكنهم لم يكونوا بعد قد فقهوا في الإسلام ولا انطبعوا بطابعه . . مما أنشأ تخلخلا في بناء المجتمع المدني ناشئا عن اختلاف مستوياته الإيمانية .

الوحدة الأولى:1 - 28 الموضوع:الوضع النهائي للعهود بين المسلمين والمشركين مقدمة الوحدة

هذا المقطع من سياق نزل متأخرا عن بقيتها ; وإن كان قد جاء ترتيبه في مقدماتها . وترتيب الآيات في السورة كان يتم - كما تقدم - بأمر رسول الله [ ص ] فهو أمر توقيفي منه [ ص ] .

وهو يتضمن إنهاء العهود التي كانت قائمة بين المسلمين والمشركين حتى ذلك الحين . سواء كان هذا الإنهاء بعد أربعة أشهر لمن كانت عهودهم مطلقة , أو الناكثين لعهودهم ; أو كان بعد انتهاء الأجل لمن كانت لهم عهود مقيدة , ولم ينقصوا المسلمين شيئا ولم يظاهروا عليهم أحدا . . فعلى الجملة كانت النتيجة الأخيرة هي إنهاء العهود مع المشركين في الجزيرة العربية ; وإنهاء مبدأ التعاقد أصلا مع المشركين بعد ذلك , بالبراءة المطلقة من المشركين , وباستنكار أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله .

ومن بين ما يتضمنه كذلك عدم السماح للمشركين بالطواف بالمسجد الحرام أو عمارته في صورة من الصور بعد ذلك . خلافا لما كان عليه العهد العام المطلق بين رسول الله [ ص ] والمشركين , أن يأمن بعضهم بعضا في البيت الحرام والأشهر الحرم مع بقائهم على شركهم .

والذي يراجع أحداث السيرة النبوية ووقائعها , ليرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج الحركي الإسلامي ; ويراجع كذلك طبيعة هذا المنهج في ذاته ومراحله وأهدافه . . يرى بوضوح أن هذه الخطوة الحاسمة في العلاقات بين المعسكر الإسلامي في الجزيرة وسائر معسكرات المشركين - وكذلك بينه وبين معسكرات أهل الكتاب التي تقررت في هذه السورة - كان قد جاء موعدها , وتمهدت لها الأرض , وتهيأت لها الأحوال , وأصبحت هي الخطوة الطبيعية في أوانها المحتوم .

كان قد تبين من الواقع العملي مرحلة بعد مرحلة , وتجربة بعد تجربة , أنه لا يمكن التعايش بين منهجين للحياة بينهما هذا الاختلاف الجذري العميق البعيد المدى الشامل لكل جزئية من جزئيات الاعتقاد والتصور , والخلق والسلوك , والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي - والإنساني - وهو الاختلاف الذي لا بد أن ينشأ من اختلاف الاعتقاد والتصور . . منهجين للحياة أحدهما يقوم على عبودية العباد لله وحده بلا شريك ; والآخر يقوم على عبودية البشر للبشر , وللآلهة المدعاة , وللأرباب المتفرقة . ثم يقع بينهما التصادم في كل خطوة من خطوات الحياة ; لأن كل خطوة من خطوات الحياة في أحد المنهجين لا بد أن تكون مختلفة مع الأخرى , ومتصادمة معها تماما , في مثل هذين المنهجين وفي مثل هذين النظامين .

إنها لم تكن فلتة عارضة أن تقف قريش تلك الوقفة العنيدة لدعوة "أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" في مكة . ولا أن تحاربها هذه الحرب الجائرة في المدينة . . ولم تكن فلتة عارضة أن يقف اليهود في المدينة كذلك لهذه الحركة ; وأن يجمعهم مع المشركين معسكر واحد - وهم من أهل الكتاب ! - وأن يؤلب اليهود وتؤلب قريش قبائل العرب في الجزيرة في غزوة الأحزاب لاستئصال شأفة ذلك الخطر الذي يتهدد الجميع بمجرد قيام الدولة في المدينة على أساس هذه العقيدة , وإقامة نظامها وفق ذلك المنهج الرباني المتفرد ! . وكذلك سنعلم بعد قليل أنها لم تكن فلتة عابرة أن يقف النصارى - وهم من أهل الكتاب كذلك ! - لهذه الدعوة ولهذه الحركة سواء في اليمن أم في الشام ; أم فيما وراء اليمن ووراء الشام إلى آخر الزمان ! . . إنها طبائع الأشياء . . إنها أولا طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيدا - ويستشعرها بالفطرة - أصحاب المناهج الأخرى ! طبيعة الإصرار على إقامة مملكة الله في الأرض , وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ; وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين "الناس كافة " وبين حرية الاختيار الحقيقية . . . ثم إنها ثانيا طبيعةالتعارض بين منهجين للحياة لا التقاء بينهما في كبيرة ولا صغيرة ; وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يتهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم ! . . فهي حتمية لا اختيار فيها - في الحقيقة - لهؤلاء ولا هؤلاء !

وكانت هذه الحتمية تفعل فعلها على مدى الزمن , وعلى مدى التجارب ; وتتجلي في صور شتى , تؤكد وتعمق ضرورة الخطوة النهائية الأخيرة التي أعلنت في هذه السورة ; ولم تكن الأسباب القريبة المباشرة التي تذكرها بعض الروايات إلا حلقات في سلسلة طويلة ممتدة على مدى السيرة النبوية الشريفة , وعلى مدى الحركة الإسلامية منذ أيامها الأولى . .

وبهذه السعة في النظرة إلى الجذور الأصيلة للموقف , وإلى تحركاته المستمرة , يمكن فهم هذه الخطوة الأخيرة . وذلك مع عدم إغفال الأسباب القريبة المباشرة , لأنها بدورها لا تعدو أن تكون حلقات في تلك السلسلة الطويلة .

وقد ذكر الإمام البغوي في تفسيره أن المفسرين قالوا:إنه لما خرج رسول الله [ ص ] إلى تبوك أرجف المنافقون , وأخذ المشركون ينقضون عهودهم ; فأنزل الله الآيات بالنسبة لهؤلاء , مع إمهالهم أربعة أشهر إن كانت مدة عهدهم أقل , أو قصرها على أربعة أشهر إن كانت أكثر .

وذكر الإمام الطبري - بعد استعراضه الأقوال في تفسير مطلع السورة -:وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال:لأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين , وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله [ ص ] ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته . فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه , فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه [ ص ] بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله:(إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم , إن الله يحب المتقين).

ومما رواه الطبري كذلك - بإسناده - عن مجاهد قوله:(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)قال:أهل العهد:مدلج والعرب الذين عاهدهم , ومن كان له عهد . قال:أقبل رسول الله [ ص ] من تبوك حين فرغ منها , وأراد الحج . ثم قال:" إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة , فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك " . فأرسل أبا بكر وعليا رحمة الله عليهما , فطافا بالناس بذي المجاز , وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها , وبالموسم كله , وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر . فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات:عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر . ثم لا عهد لهم . وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا . فآمن الناس أجمعون حينئذ , ولم يسح أحد" .

وهذه الأسباب القريبة المباشرة لا شك كان لها وزنها في اتخاذ الخطوة الأخيرة الحاسمة . ولكنها بدورها ليست إلا حلقات في السلسلة الطويلة ; الناشئة ابتداء من الحتمية الجذرية الكبيرة:وهي تعارض المنهجين أصلا , وعدم إمكان التعايش بينهما إلا فترات اضطرارية تنتهي حتما . .

وقد أراد المرحوم الشيخ رشيد رضا أن يلم بحلقات السلسلة منذ بدء الدعوة - وإن يكن لم يحاول أن يلم بأصل الاختلاف الجذري الدائم الذي ينشئ هذه السلسلة بحلقاتها ; والذي ينتهي بما انتهت إليه حتما - فقال في تفسير المنار:

"من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه , أن الله تعالى بعث محمدا رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين , وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة , ذكرنا كلياتها في تفسير:[ 2:3 ] [ ص 190 - ص 228 ج1 ] وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة ; ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة , كما بيناه في تفسير [ 2:256ص 26 - ص 40 ج 3 ] فقاومه المشركون , وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه , وصدوه [ ص ] عن تبليغه للناس بالقوة ; ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب , إلا بتأمين حليف أو قريب . فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة ; ثم اشتد إيذاؤهم للرسول [ ص ] حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علنا في دار الندوة ; ورجحوا في آخر الأمر قتله ; فأمره الله تعالى بالهجرة , كما تقدم في تفسير [ 8:30 وإذ يمكر بك الذين كفروا - ص 650 ج 9 ] فهاجر [ ص ] وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم , ويؤثرونهم على أنفسهم . وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع ومقتضى العرف العام في ذلك العصر . وعاهد [ ص ] أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون . فخانوا وغدروا , ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه . كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء [ ص 1547 - 1556 ] .

"وقد عاهد [ ص ] المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل , عن قوة وعزة , لا عن ضعف وذلة , ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة . ودخلت خزاعة في عهده [ ص ] كما دخلت بنو بكر في عهد قريش ; ثم عدا هؤلاء على أولئك وأعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم , فكان ذلك سبب عودة الحرب العامة معهم , وفتحه [ ص ] لمكة , الذي خضد شوكة الشرك وأذل اهله ; ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا ; وثبت بالتجربة لهم في حالي قوتهم وضعفهم أنهم لا عهود لهم , ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم , وكما يأتي قريبا في قوله تعالى من هذه السورة 7: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلى قوله في آخر آية 12 - فقاتلوا أئمة الكفر , إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون . أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها . والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية , فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه , مع بقائهم على شركهم الذي ليس .له شرع يدان به , فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه . كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق , من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب ?!

"هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة , وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام عليها ; وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة , وجعلها خالصة للمسلمين , مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى:[ 2:190 وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ] وقوله:[ 8:61 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ] بقدر الإمكان . وإن قال الجمهور بنسخ هذه الآية بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك" . . انتهى

وظاهر من هذا الاستعراض ومن التعقيب عليه - ومما جاء بعده في تفسير السورة في تفسير المنار - أنه مع لمس السبب الأصيل العميق الكامن وراء هذه السلسلة من نقض العهود , وابتداء أول فرصة لحرب الإسلام وأهله من المشركين وأهل الكتاب , فإن المؤلف لا يتابع هذا السبب إلى جذوره ; ولا يرى امتداده وشموله ; ولا يستشرف الحقيقة الكبيرة في طبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي ; وطبيعة الاختلاف الجذري بين منهج الله ومناهج العبيد , التي لا يمكن الالتقاء على شيء منها ; وبالتالي لا يمكن التعايش الطويل بين المعسكرات القائمة على منهج الله وهذه المناهج أصلا !

فأما الأستاذ محمد عزة دروزة في تفسيره للسورة في كتابه:"التفسير الحديث" فيبعد جدا عن هذه الحقيقة الكبرى ; ولا يلمس ذلك السبب الأصيل العميق أصلا . ذلك أنه مشغول - كغيره من الكتاب المحدثين الواقعين تحت ضغط الواقع البائس لذراري المسلمين , وللقوة الظاهرة لمعسكرات المشركين والملحدين وأهل الكتاب في هذا الزمان - بتلمس شهادة لهذا الدين بأنه دين السلم والسلام ; الذي لا يعنيه إلا أن يعيش داخل حدوده في سلام ! فمتى أمكنت المهادنة والمعاهدة فهو حريص عليها , لا يعدل بها هدفا آخر !

وهو من ثم لا يرى سببا لهذه النصوص الجديدة الأخيرة في سورة التوبة إلا نقض بعض المشركين لعهودهم مع رسول الله [ ص ] وأن الذين لم ينقضوا عهودهم - سواء كانت مؤقتة أو مؤبدة - فقد جاءت السورة بالمحافظة عليها . وأنه حتى إذا انقضت عهودهم فإنه يجوز أن تعقد معهم معاهدات جديدة ! وكذلك الناكثون أنفسهم ! وأن الآيات المرحلية هي الأصل الذي يقيد عموم الآيات الأخيرة في هذه السورة !!!

وفي ذلك يقول في شرح قوله تعالى:(إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين . فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد , فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم , إن الله غفور رحيم). .

"وفي الآيتين وما قبلهما صور من السيرة النبوية في أواخر العهد المدني , حيث ينطوي فيهما أنه كان بينالمسلمين والمشركين عهود سلم بعد الفتح المكي ربما كانت ممتدة إلى ما قبله , وأن من المشركين من ظلوا أوفياء لعهودهم , ومنهم من نقض أو ظهرت منه علائم النقض والغدر .

"ولقد نبهنا قبل على أن أهل التأويل والمفسرين يسمون الآية الثانية من الآيتين اللتين نحن في صددهما آية السيف , ويعتبرونها ناسخة لكل آية فيها أمر بالتسامح والتساهل مع المشركين وإمهالهم والإغضاء والصفح والإعراض عنهم . وتوجب قتالهم إطلاقا . وبعضهم يستثني المعاهدين منهم إلى مدتهم , وبعضهم لا يستثنيهم ولا يجوز قبول غير الإسلام منهم بعد نزولها . ونبهنا على ما في ذلك من غلو ومناقضة للتقريرات القرآنية المتضمنة لأحكام محكمة بعدم قتال غير الأعداء وترك المسالمين والموادين وبرهم والإقساط إليهم . ولقد كرر المفسرون أقوالهم ورواياتهم عن قدماء أهل التأويل في مناسبة هذه الآية , فروى ابن كثير عن ابن عباس أن الآية أمرت النبي [ ص ] بأن يضع السيف في من عاهدهم حتى يدخلوا في الإسلام , وأن ينقض ما كان سمى لهم من عهد وميثاق . وقد روى المفسر نفسه قولا عجيبا عن سليمان بن عيينة جمع فيه بين هذه الآيات وآيات أخرى من هذه السورة وغيرها ليست في صدد قتال المشركين سماها الأسياف , وقال:إن النبي [ ص ] بعث علي بن أبي طالب بها حين بعثه يؤذن في الناس يوم الحج الأكبر , منها هذه الآية وسماها سيفا في المشركين من العرب , وسيفا في قتال أهل الكتاب وهي آية التوبة هذه:(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)[ 29 ] وسيفا في المنافقين وهو هذه الآية من سورة التوبة أيضا:(يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير)[ 73 ] وسيفا في قتال الباغين وهو هذه الآية في سورة الحجرات: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما , فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)[ 9 ] . ومن العجيب أن الطبري ذهب إلى أن هذه الآية تشمل المعاهدين ومن لا عهد لهم إطلاقا دون تفريق . مع أنه قرر في سياق آية الممتحنة هذه:(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)[ 8 ] أنها محكمة وأن الله لا ينهى المسلمين عن البر والإقساط لمن يقف منهم موقف المسالمة والمحاسنة والحياد من أية ملة كانوا . وهؤلاء قد لا يكونون معاهدين !

"كل هذا والآية كما هو واضح من فحواها وسياقها هي في صدد قتال المشركين المعاهدين الناقضين لعهدهم وحسب . بحيث يسوغ القول إن اعتبارها آية سيف وجعلها شاملة لكل مشرك إطلاقا تحميل لها بما لا يتحمله هذا السياق والفحوى , وكذلك الأمر في اعتبارها ناسخة للتقريرات المنطوية في آيات عديدة والتي عليها طابع المبدأ المحكم العام , مثل عدم الإكراه في الدين والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن والحث على البر والإقساط لمن لا يقاتل المسلمين ولا يخرجونهم من ديارهم على ما نبهنا عليه في مناسبات عديدة سابقة . ويأتي بعد قليل آية فيها أمر صريح للمسلمين بالاستقامة على عهدهم مع المشركين الذين عاهدوهم عند المسجد الحرام ما استقاموا لهم , وفي هذه الآية دليل قوي على وجاهة ما نقرره إن شاء الله .

"وقد ترد مسألتان في صدد ما ينطوي في الآيتين من أحكام أولاهما:أن الاستثناء الوارد في أولى الآيتين محدد بانقضاء مدة العهد , فهل يكون المعاهدون من المشركين حين انقضاء هذه المدة موضع براءة الله ورسوله ويجب قتالهم ? وكلام المفسرين ينطوي على الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب . ولم نطلع على أثر نبوي وثيقفي هذا الصدد . ونرى أن كلام المفسرين يصح أن يكون محل توقف إذا أريد به الإطلاق . وأن الأمر يتحمل شيئا من التوضيح:فالمعاهدون إما أن يكونوا أعداء للمسلمين قبل العهد , وقد وقع حرب وقتال بينهم , ثم عاهدهم المسلمون كما كان شأن قريش وصلحهم من النبي [ ص ] في الحدييبة . وإما أن يكونوا قد رغبوا في موادعة المسلمين ومسالمتهم دون أن يكون قد وقع بينهم عداء وقتال . وآية النساء هذه:(إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق , أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم , ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم . فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا)[ 90 ] تنطوي فيها على ما نعتقد حالة واقعية مثل ذلك . وفي روايات السيرة بعض الأمثلة حيث روى ابن سعد أن النبي [ ص ] وادع بني صخر من كنانة ألا يغزوهم ولا يغزوه ولا يكثروا عليه ولا يعينوا عليه عدوا , وكتب بينه وبينهم كتابا بذلك . وليس في الآية ولا في غيرها ما يمنع تجديد العهد أو تمديده مع هؤلاء ولا مع أولئك إذا رغبوا ولم يكن قد ظهر منهم نقض ولا نية غدر . وليس للمسلمين أن يرفضوا ذلك لأنهم إنما أمروا بقتال من يقاتلهم ويعتدي عليهم بشكل من الأشكال . وفي الآية التي تأتي بعد قليل والتي تأمر المسلمين بصراحة بالاستقامة على عهدهم مع المشركين ما استقاموا لهم قرينة على ما نقول إن شاء الله .

"أما المسألة الثانية:فهي ما تفيده الفقرة الأخيرة من الآية الثانية من كون تخلية سبيل المشركين والكف عن قتالهم بسبب نقضهم منوطين بتوبتهم عن الشرك وإقامتهم الصلاة وإيتائهم الزكاة .

"والذي يتبادر لنا في صدد هذه المسألة أن المشركين بعد أن نقضوا عهدهم وقاتلهم المسلمون فقدوا حق العهد ثانية . وصار من حق المسلمين أن يفرضوا الشرط الذي يضمن لهم الأمن والسلامة , وهو توبتهم عن الشرك ودخولهم في الإسلام وقيامهم بواجباته التعبدية والمالية . ولا يعد هذا من قبيل الإكراه في الدين , بقطع النظر عن أن الشرك يمثل مظاهر انحطاط الإنسانية وتسخيرها لقوى وأفكار وعقائد سخيفة مغايرة للعقل والمنطق والحق , كما يمثل نظاما جاهليا فيه التقاليد الجائرة والعادات المنكرة والعصبيات الممقوتة , وأن الإسلام الذي يشترط عليهم الدخول فيه يضمن لهم الخلاص من ذلك , والارتفاع بهم إلى مستوى الكمال الإنساني عقلا وخلقا وعبادة وعقيدة وعملا . على أننا لسنا نرى في الآيات مع ذلك ما يمنع المسلمين أن يجددوا العهد مع الناكثين بعد الحرب ثانية إذا كانت مصلحتهم تقتضي ذلك . وقد لا يكونون قادرين على متابعة الحرب , أو على إخضاعهم بالقوة . والله تعالى أعلم" . . . انتهى

وواضح من هذه الفقرات التي اقتطفناها ومن أمثالها في تفسير المؤلف كله أنه ابتداء لا يلقي باله إلى حق الإسلام المطلق في أن ينطلق في الأرض لتحرير البشرية من العبودية للعباد , وردها إلى الله وحده , حيثما كان ذلك ممكنا له , بغض النظر عما إذا كان هناك اعتداء على أهله داخل حدودهم الإقليمية أم لم يكن . . فهو يستبعد هذا المبدأ ابتداء . وهو المبدأ الذي يقوم عليه الجهاد في الإسلام . وبدونه يفقد دين الله حقه في أن يزيل العقبات المادية من طريق الدعوة , ويفقد كذلك جديته وواقعيته في مواجهة الواقع البشري بوسائل مكافئة له في مراحل متعددة بوسائل متجددة , ويصبح عليه أن يواجه القوى المادية بالدعوة العقيدية ! وهو هزال لا يرضاه الله لدينه في هذه الأرض !

وواضح كذلك أن المؤلف لا يلقي باله إلى طبيعة المنهج الحركي في الإسلام , ومواجهته للواقع بوسائل مكافئة . فهو يحيل الأحكام النهائية الأخيرة على النصوص المرحلية قبلها . دون التفات إلى أن النصوص السابقة كانت تواجه حالات واقعة غير الحالة التي جاءت النصوص الأخيرة تواجهها . . وحقيقة إن هذه الأحكام ليست [ منسوخة ] بمعنى أنه لا يجوز الأخذ بها مهما تكن الأحوال - بعد نزول الأحكام الأخيرة - فهي باقية لمواجهة الحالات التي تكون من نوع الحالات التي واجهتها . ولكنها لا تقيد المسلمين إذا واجهتهم حالات كالتي واجهتها النصوص الأخيرة , وكانوا قادرين على تنفيذها . .

. . إن الأمر في حاجة إلى سعة ومرونة وإدراك لطبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي كما أسلفنا . .

وبعد , فإننا نعود إلى العبارة التي افتتحنا بها الفقرة السابقة:

"والذي يراجع أحداث السيرة النبوية ووقائعها , ليرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج الحركي الإسلامي , ويراجع كذلك طبيعة هذا المنهج في ذاته ومراحله وأهدافه . . يرى بوضوح أن هذه الخطوة الحاسمة في العلاقات بين المعسكر الإسلامي في الجزيرة وسائر معسكرات المشركين - وكذلك بينه وبين معسكرات أهل الكتاب التي تقررت في هذه السورة - كان قد جاء موعدها , وتمهدت لها الأرض , وتهيأت لها الأحوال , وأصبحت هي الخطوة الطبيعية في أوانها المحتوم" .

كانت التجربة تلو التجربة قد كشفت عن القانون الحتمي الذي يحكم العلاقات بين المجتمع المسلم الذي يفرد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية والتشريع ; والمجتمعات الجاهلية التي تجعل هذا كله لغير الله , أو تجعل فيه شركاء لله . . هذا القانون الحتمي هو قانون الصراع الذي يعبر عنه قول الله سبحانه: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا). . [ الحج:40 ] والذي يقول عنه سبحانه كذلك: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض):[ البقرة:251 ]

وقد ظهرت آثار هذا القانون الحتمي في ظاهرتين بارزتين:

إحداهما:انطلاق الإسلام خطوة بعد خطوة , وغزوة بعد غزوة , ومرحلة بعد مرحلة ; لنشر منهج الله في الأرض حوله ; وإبلاغ كلمة الله إلى أرض بعد أرض وإلى قبيلة بعد قبيلة - في طريقه إلى إبلاغها إلى الناس كافة وإزالة الحواجز المادية التي تحول دون هذا الإعلان العام والبلوغ إلى كل بني الإنسان - حتى فتحت مكة , وخضدت شوكة قريش العقبة الكبرى في طريق الزحف الإسلامي , واستسلمت هوازن وثقيف في الطائف أقوى القبائل بعد قريش في طريق هذا الزحف . وأصبحت للإسلام قوته التي ترهب عدوه ; وتسمح بالقيام بالخطوة النهائية الحاسمة في الجزيرة - تمهيدا لما وراءها من أرض الله حسبما تتهيأ الظروف الملائمة لكل خطوة تالية , حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله .

وثانيتهما:نقض العهود التي كانت المعسكرات الجاهلية تعقدها مع المسلمين - في ظروف مختلفة - عهدا بعد عهد ; بمجرد أن تتاح لها فرصة نقضها , وعند أول بادرة تشير إلى أن المعسكر الإسلامي في ضائقة تهدد وجوده ; أو على الأقل تجعل هذا النقض مأمون العاقبة على ناقضيه من المشركين - ومن أهل الكتاب من قبلهم - فما كانت هذه العهود - إلا نادرا - عن رغبة حقيقية في مسالمة الإسلام ومهادنة المسلمين ; إنما كانت عن اضطرارواقعي إلى حين ! فما تطيق المعسكرات الجاهلية طويلا أن ترى الإسلام ما يزال قائما حيالها ; مناقضا في أصل وجوده لأصل وجودها ; مخالفا لها مخالفة جذرية أصيلة في الصغيرة والكبيرة من مناهجها , يهدد بقاءها بما في طبيعتة من الحق والحيوية والحركة والانطلاق لتحطيم الطاغوت كله , ورد الناس جميعا إلى عبادة الله وحده .

وهذه الظاهرة الأخيرة والقاعدة الأصيلة التي تقوم عليها هي التي يقررها الله سبحانه في قوله عن المشركين: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا). . . [ البقرة:217 ] والتي يقول فيها عن أهل الكتاب: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق). . [ البقرة:109 ] ويقول فيها كذلك: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم). . [ البقرة:120 ] فيعلن - سبحانه - بهذه النصوص القطعية عن وحدة الهدف بين جميع معسكرات الجاهلية تجاه الإسلام والمسلمين ; وعن قوة الإصرار على هذا الهدف وامتدادها عبر الزمان , وعدم توقيتها بظرف أو زمان !

وبدون إدراك ذلك القانون الحتمي في طبيعة العلاقات بين التجمع الإسلامي والتجمعات الجاهلية , وتفسير الظواهر التي تنشأ عنه - على مدار التاريخ - بالرجوع إليه , لا يمكن فهم طبيعة الجهاد في الإسلام ; ولا طبيعة تلك الصراعات الطويلة بين المعسكرات الجاهلية والمعسكر الإسلامي . ولا يمكن فهم بواعث المجاهدين الأوائل , ولا أسرار الفتوحات الإسلامية ; ولا أسرار الحروب الوثنية والصليبية التي لم تفتر قط طوال أربعة عشر قرنا ; والتي ما تزال مشبوبة على ذراري المسلمين - وإن كانوا لسوء حظهم تخلوا عن حقيقة الإسلام ولم يبق لهم منه إلا العنوان - في المعسكرات الشيوعية والوثنية والصليبية كلها:في روسيا والصين ويوغسلافيا وألبانيا . وفي الهند وكشمير . وفي الحبشة وزنجبار وقبرص وكينيا وجنوب افريقية والولايات المتحدة . . وذلك فوق عمليات السحق الوحشية البشعة لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان في العالم الإسلامي - أو الذي كان إسلاميا بتعبير أدق - وتعاون الشيوعية والوثنية والصليبية مع الأوضاع التي تتولى سحق هذه الطلائع , ومد يد الصداقة إليها , وإمدادها بالمعونات التي تبلغ حد الكفالة , وإقامة ستار من الصمت حولها وهي تسحق هذه الطلائع الكريمة !

إن شيئا من هذا كله لا يصبح مفهوما بدون إدراك ذلك القانون الحتمي والظواهر التي يتجلي فيها . .

وقد تجلى ذلك القانون - كما أسلفنا - قبيل نزول سورة التوبة وبعد فتح مكة في هاتين الظاهرتين اللتين أسلفنا الحديث عنهما . وظهر بوضوح أنه لابد من اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة في الجزيرة سواء تجاه المشركين - وهو ما نواجهه في هذا المقطع من السورة - أو تجاه أهل الكتاب , وهو ما سنواجهه في المقطع التالي مباشرة والذي بعده . .

ولكن وضوح ذلك كله للقيادة المسلمة - حينذاك - لم يكن معناه وضوحه - بنفس الدرجة - لكل الجماعات والطوائف في المجتمع المسلم . وبخاصة لحديثي العهد بالإيمان والمؤلفة قلوبهم , فضلا على ضعاف القلوب والمنافقين !

كان في المجتمع المسلم - ولعل بعض هؤلاء من كرام المسلمين وخيارهم - من يتحرج من إنهاء العهود مع المشركين جميعا - بعد أربعة أشهر للناكثين ومن لهم عهود غير موقتة ومن لم يحاربوا المسلمين ولو من غير عهد ومن لهم عهود أقل من أربعة ; وبعد انقضاء الأجل لمن لهم عهود موقوتة ولم ينقصوا المسلمين شيئاًولم يظاهروا عليهم أحداً - ولئن كانوا يستسيغون نبذ عهود الناكثين والذين تخاف منهم الخيانة , كما سبق في الحكم المرحلي الذي تضمنته سورة الأنفال:(وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين). . [ الأنفال:58 ] فإن إنهاء عهود غيرهم بعد أربعة أشهر أو بعد الأجل المقدر , ربما بدا لهم مخالفاً لما عهدوه وألفوه من معاهدة المعاهدين وموادعة الموادعين وترك المهادنين . . ولكن الله - سبحانه - كان يريد أمراً أكبر من المألوف ; وخطوة وراء ما انتهت إليه الأمور !

وكان في المجتمع المسلم كذلك - ولعل بعض هؤلاء من كرام المسلمين وخيارهم كذلك - من يرى أنه لم تعد هناك ضرورة لقتال المشركين عامة , ومتابعتهم حتى يفيئوا إلى الإسلام ; بعدما ظهر الإسلام في الجزيرة وغلب ; ولم تبق إلا جيوب متناثرة هنا وهناك لا خوف منها على الإسلام اليوم . ومن المتوقع أن تفيء رويداً رويداً - في ظل السلم - إلى الاسلام . . ولا يخلو هذا الفريق من التحرج من قتال الأقرباء والأصدقاء ومن تربطهم بهم علاقات اجتماعية واقتصادية متنوعة , متى كان هناك أمل في دخولهم في الإسلام بغير هذا الإجراء العنيف . . ولكن الله سبحانه كان يريد أن تقوم آصرة التجمع على العقيدة وحدها , وأن تخلص الجزيرة للإسلام , وأن تصبح كلها قاعدة أمينة له ; وهو يعلم أن الروم يبيتون للإسلام على مشارف الشام كما سيجيء !

وكان في المجتمع المسلم - ولعل بعض هؤلاء كان من كرام المسلمين وخيارهم أيضاً ! - من يخشى الكساد الذي يتوقعه من تعطل الصلات التجارية والاقتصادية في أنحاء الجزيرة بسبب إعلان القتال العام على المشركين كافة فيها ; وتأثير ذلك في موسم الحج , وبخاصة بعد إعلان ألا يحج بعد العام مشرك , وألا يعمر المشركون مساجد الله . وبخاصة حين يضيف إلى هذا الاعتبار عدم ضرورة هذه الخطوة ; وإمكان الوصول إليها بالطرق السلمية البطيئة ! . . ولكن الله سبحانه كان يريد أن تقوم آصرة التجمع على العقيدة وحدها - كما تقدم - وأن تكون العقيدة أرجح في ميزان القلوب المؤمنة من كل ما عداها . سواء من القرابات والصدقات ; أم من المنافع والمصالح . كما أنه - سبحانه - كان يريد أن يعلمهم أنه هو الرزاق وحده , وأن هذه الاسباب الظاهرة للرزق ليست هي الأسباب الوحيدة التي يملك أن يسخرها لهم بقدرته .

وكان في المجتمع المسلم من ضعاف القلوب والمترددين والمؤلفة قلوبهم والمنافقين , وغيرهم كذلك ممن دخلوا في دين الله أفواجا ولم ينطبعوا بعد بالطابع الإسلامي من يفرق من قتال المشركين كافة ; ومن الكساد الذي ينشأ من تعطيل المواسم , وقلة الأمن في التجارة والتنقل وانقطاع الأواصر والصلات ; وتكاليف الجهاد العام في النفوس والأموال . ولا يجد في نفسه دافعا لاحتمال هذا كله , وهو إنما دخل في الإسلام الغالب الظاهر المستقر ; فهي صفقة رابحة بلا عناء كبير . . أما هذا الذي يرادون عليه فما لهم وما له وهم حديثوا عهد بالإسلام وتكاليفه ?! . . وكان الله - سبحانه - يريد أن يمحص الصفوف والقلوب , وهو يقول للمسلمين(أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم , ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون).

هذه الأعراض المتشابكة في المجتمع المسلم المختلط - بعد الفتح - اقتضت ذلك البيان الطويل المفصل المتعدد الأساليب والإيحاءات في هذا المقطع , لمعالجة هذه الرواسب في النفوس , وهذه الخلخلة في الصفوف , وتلك الشبهات حتى في قلوب بعض المسلمين المخلصين . .

اقتضت أن تفتتح السورة بهذا الإعلان العام ببراءة الله ورسوله من المشركين , وأن يتكرر إعلان البراءةمن الله ورسوله بعد آية واحدة بنفس القوة ونفس النغمة العالية ; حتى لا يبقى لقلب مؤمن أن يبقى على صلة مع قوم يبرأ الله منهم ويبرأ رسوله:

(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين). . [ 1 ]

(وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله). . [ 3 ]

واقتضت تطمين المؤمنين وتخويف المشركين بأن الله مخزي الكافرين , وأن الذين يتولون لا يعجزون الله ولا يفلتون من عذابه:

(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين). . [ 2 ]

(فإن تبتم فهو خير لكم , وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم). . . [ 3 ]

واقتضت استنكار أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلا الذين عاهدوا ثم استقاموا فيستقام لهم مدة عهدهم ما استقاموا عليه - مع تذكير المؤمنين بأن المشركين لا يرقبون فيهم عهدا ولا يتذممون من فعلة لو أنهم قدروا عليهم , وتصوير كفرهم , وكذبهم فيما يظهرونه لهم أحيانا من مودة بسبب قوتهم:

(كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام , فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم , إن الله يحب المتقين - كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة , يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله , إنهم ساء ما كانوا يعملون . لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون). . . [ 7 - 10 ] .

واقتضت استثارة الذكريات المريرة في نفوس المسلمين , واستجاشة مشاعر الغيظ والانتقام وشفاء الصدور من أعدائهم وأعداء الله ودين الله:

ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة ? أتخشونهم ? فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم , ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم , ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم . . [ 13 - 15 ] .

واقتضت الأمر بالمفاصلة الكاملة على أساس العقيدة ; ومقاومة مشاعر القرابة والمصلحة معا ; والتخيير بينها وبين الله ورسوله والجهاد في سبيله , ووقف المسلمين على مفرق الطريق:

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان , ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون . قل:إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم , وأموال اقترفتموها , وتجارة تخشون كسادها , ومساكن ترضونها , أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله , فتربصوا حتى يأتي الله بأمره , والله لا يهدي القوم الفاسقين). . [ 23 - 24 ] .

واقتضت تذكيرهم بنصر الله لهم في مواطن كثيرة , وأقربها يوم حنين الذي هزموا فيه فلم ينصرهم إلا الله بجنده وبتثبيته لرسوله:

(لقد نصركم الله في مواطن كثيرة , ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا , وضاقت عليكم الأرض بما رحبت , ثم وليتم مدبرين ; ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين , وأنزل جنوداً لم تروها , وعذب الذين كفروا , وذلك جزاء الكافرين). . . [ 25 - 26 ] .

واقتضت أخيرا تطمينهم من ناحية الرزق الذي يخشون عليه من كساد الموسم وتعطل التجارة ; وتذكيرهم أن الرزق منوط بمشيئة الله لا بهذه الأسباب الظاهرة التي يظنونها:

يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا . وإن خفتم عليه فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء , إن الله عليم حكيم . . . [ 28 ] .

وهذه التوكيدات والتقريرات , وهذه الإيحاءات والاستثارات , وهذه الحملة الطويلة المنوعة الأساليب . . تشي - كما أسلفنا - بحالة المجتمع المسلم بعد الفتح , ودخول العناصر الجديدة الكثيرة فيه ; وبعد التوسع الأفقي السريع الذي جاء إلى المجتمع المسلم بهذه الأفواج التي لم تنطبع بعد بطابع الإسلام . . ولولا أن مجتمع المدينة كان قد وصل مع الزمن الطويل , والتربية الطويلة إلى درجة من الاستقرار والصلابة والخلوص والاستنارة , لكانت هذه الظواهر مثار خطر كبير على وجود الإسلام ذاته كما ذكرنا ذلك مرارا من قبل .

والآن نكتفي بهذا القدر من الحديث العام عن ذلك المقطع الأول من السورة وما يشي به من حالة المجتمع في حينه ; لنواجه نصوصه بالتفصيل:

الدرس الأول:1 - 6 تحديد مدة العهود مع المشركين ثم الحرب بعد ذلك

براءة ñ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين . فسيحوا في الأرض أربعة أشهر , واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين . وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر:أن الله بريء من المشركين ورسوله , فإن تبتم فهو خير لكم , وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله , وبشر الذين كفروا بعذاب أليم . إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا - فأتموا - إليهم عهدهم إلى مدتهم , إن الله يحب المتقين . فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد , فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم , إن الله غفور رحيم . وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله , ثم ابلغه مأمنه , ذلك بأنهم قوم لا يعلمون .

هذه الآيات - وما بعدها إلى الآية الثامنة والعشرين - نزلت تحدد العلاقات النهائية بين المجتمع الإسلامي الذي استقر وجوده في المدينة وفي الجزيرة العربية - بصفة عامة - وبين بقية المشركين في الجزيرة الذين لم يدخلوا في هذا الدين . . سواء منهم من كان له عهد مع رسول الله [ ص ] فنقضه , حينما لاح له أن مواجهة المسلمين للروم - حين توجهوا لمقابلتهم في تبوك - ستكون فيها القاضية على الإسلام وأهله , أو على الأقل ستضعف من شوكة المسلمين وتهد من قوتهم . . ومن لم يكن له عهد ولكنه لم يتعرض للمسلمين من قبل بسوء . . ومن كان له عهد - موقوت أو غير موقوت - فحافظ على عهده ولم ينقص المسلمين شيئا ولم يظاهر عليهم أحدا . . فهؤلاء جميعا نزلت هذه الآيات وما بعدها لتحدد العلاقات النهائية بينهم وبين المجتمع المسلم ; في ظل الاعتبارات التي أسلفنا الحديث عنها بشيء من التوسع سواء في تقديم السورة , أو في تقديم هذا الدرس خاصة .

وأسلوب هذه الآيات وإيقاع التعبير فيها , يأخذ شكل الإعلان العام , ورنينه العالي ! فيتناسق أسلوب التعبير وإيقاعه مع موضوعه والجو الذي يحيط بهذا الموضوع ; على طريقة القرآن في التعبير .

مقدمة الدرس وقد وردت روايات متعددة في ظروف هذا الإعلان , وطريقة التبليغ به , ومن قام بالتبليغ . أصحها وأقربها إلى طبائع الأشياء وأكثرها تناسقا مع واقع الجماعة المسلمة يومذاك ما قرره ابن جرير وهو يستعرض هذه الروايات . ونقتطف هنا من تعليقاته ما يمثل رؤيتنا لحقيقة الواقعة مغفلين ما لا نوافقه عليه من كلامه وما تناقض فيه بعض قوله مع بعض . إذ كنا لا نناقش الروايات المتعددة ولا نناقش تعليقات الطبري ; ولكن نثبت ما نرجح أنه حقيقة ما حدث من مراجعة ما ورد وتحقيقه:

"قال في رواية له عن مجاهد:(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين). . قال:أهل العهد:مدلج والعرب الذين عاهدهم , ومن كان له عهد . قال:أقبل رسول الله [ ص ] من تبوك حين فرغ منها , وأراد الحج , ثم قال:إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة , فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك . فأرسل أبا بكر وعليا رحمة الله عليهما . فطافا بالناس , بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها , وبالموسم كله ; وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر . . فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات:عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر . ثم لا عهد لهم . وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا . فآمن الناس أجمعون حينئذ , ولم يسح أحد" .

وقال - بعد استعراض جملة الروايات في حقيقة الأجل ومبدئه ونهايته والمقصودين به:

"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال:الأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين , وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله [ ص ] ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته . فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه , فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه [ ص ] بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله:(إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم , إن الله يحب المتقين)" [ سورة التوبة:4 ] .

"فإن ظن ظان أن قول الله تعالى ذكره: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)[ سورة التوبة:5 ] يدل على خلاف ما قلنا في ذلك , إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم قتل كل مشرك فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن , وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا , وفساد ما ظنه من ظن أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك كان له عهد من رسول الله [ ص ] أو لم يكن كان له منه عهد . وذلك قوله:(كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم , إن الله يحب المتقين). [ سورة التوبة:7 ] فهؤلاء مشركون ; وقد أمر الله نبيه [ ص ] والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم , وترك مظاهرة عدوهم عليهم .

"وبعد , ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله - [ ص ]:- أنه حين بعث عليا رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم , أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: ومن كان بينه وبين رسول الله [ ص ] عهد فعهده إلى مدته , أوضح الدليل على صحة ما قلنا . وذلك أن الله لم يأمر نبيه [ ص ] بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه , وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض قبل التأجيل , أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود . فأما من كان أجله محدودا , ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا , فإن رسول الله [ ص ] كان بإتمامعهده إلى غايته مأمورا . وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب" .

وقال في تعقيب آخر على الروايات المتعددة في شأن العهود:

"فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا , وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا . فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل لرسول الله [ ص ] وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم سبيلا , فإن رسول الله [ ص ] قد وفى له بعهده إلى مدته , عن أمر الله إياه بذلك . وعلى ذلك ظاهر التنزيل , وتظاهرت به الأخبار عن رسول الله [ ص ] " .

وإذا نحن تركنا الروايات التي بها ضعف , وما يمكن أن يكون قد تركه الخلاف السياسي - فيما بعد - بين شيعة علي - رضي الله عنه - وأنصار الأمويين , أو أهل السنة , من الأثر في بعض الروايات ; فإننا نستطيع أن نقول:إن رسول الله [ ص ] بعث بأبي بكر - رضي الله عنه - أميرا للحج في هذا العام لما كرهه من الحج والمشركون يطوفون بالبيت عراة . ثم نزلت أوائل سورة التوبة هذه ; فبعث بها عليا - رضي الله عنه - في أثر أبي بكر . فأذن بها في الناس - بكل ما تضمنته من أحكام نهائية ومنها ألا يطوف بعد العام بالبيت مشرك .

وقد روى الترمذي في كتاب التفسير - بإسناده - عن علي قال:" بعثني النبي [ ص ] حين أنزلت "براءة " بأربع . أن لا يطف بالبيت عريان , ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا , ومن كان بينه وبين رسول الله [ ص ] عهد فهو إلى مدته , ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة " . . .

وهذا الخبر هو أصح ما ورد في هذا الباب . فنكتفي به .

(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين). .

هذا الإعلان العام , بهذا الإيقاع العالي ; يتضمن المبدأ العام للعلاقة بين المسلمين والمشركين في ذلك الحين في جزيرة العرب قاطبة . إذ كانت العهود المشار إليها هي التي كانت بين رسول الله [ ص ] والمشركين في الجزيرة . والإعلان ببراءة الله وبراءة رسوله من المشركين , يحدد موقف كل مسلم ; ويوقع إيقاعا عميقا عنيفا على قلب كل مسلم , بحيث لا يبقى بعد ذلك مراجعة ولا تردد !

ثم تأتي بعد الإعلان العام البيانات والمخصصات والشروح لهذا الإعلان:

(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر , واعلموا أنكم غير معجزي الله , وأن الله مخزي الكافرين). .

فهذا بيان للمهلة التي أجل الله المشركين إليها:أربعة أشهر يسيرون فيها ويتنقلون ويتاجرون ويصفون حساباتهم , ويعدلون أوضاعهم . . آمنون . . لا يؤخذون على غزة وهم آمنوا إلى عهودهم . حتى أولئك الذين نقضوا عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم , وعند أول توقع بأن الرسول [ ص ] والمؤمنين لن ينقلبوا إلى أهليهم من تبوك ; وأن الروم سيأخذونهم أسرى ! كما توقع المرجفون في المدينة والمنافقون ! ومتى كان ذلك ? كان بعد فترة طويلة من العهود التي ما تكاد تبرم حتى تنقض ; وبعد سلسلة طويلة من التجارب التي تقطع بأن المشركين لن يزالوا يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا . . وفي أي عصر تاريخي ? في العصر الذي لم تكن البشرية كلها تعرف لها قانونا إلا قانون الغابة ; ولم يكن بين المجتمعات المختلفة إلا القدرة على الغزو أو العجز عنه ! بلا إنذار ولا إخطار ولا رعاية لعهد متى سنحت

التالي


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca