الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

في ظلال القرآن الكريم

عودة للآيات

الحجرات

من الاية 13 الى الاية 28

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إöنَّا خَلَقْنَاكُم مّöن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائöلَ لöتَعَارَفُوا إöنَّ أَكْرَمَكُمْ عöندَ اللَّهö أَتْقَاكُمْ إöنَّ اللَّهَ عَلöيمñ خَبöيرñ (13) قَالَتö الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمöنُوا وَلَكöن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلö الْإöيمَانُ فöي قُلُوبöكُمْ وَإöن تُطöيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلöتْكُم مّöنْ أَعْمَالöكُمْ شَيْئاً إöنَّ اللَّهَ غَفُورñ رَّحöيمñ (14) إöنَّمَا الْمُؤْمöنُونَ الَّذöينَ آمَنُوا بöاللَّهö وَرَسُولöهö ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بöأَمْوَالöهöمْ وَأَنفُسöهöمْ فöي سَبöيلö اللَّهö أُوْلَئöكَ هُمُ الصَّادöقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلّöمُونَ اللَّهَ بöدöينöكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فöي السَّمَاوَاتö وَمَا فöي الْأَرْضö وَاللَّهُ بöكُلّö شَيْءٍ عَلöيمñ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إöسْلَامَكُم بَلö اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لöلْإöيمَانö إöن كُنتُمْ صَادöقöينَ (17) إöنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö وَاللَّهُ بَصöيرñ بöمَا تَعْمَلُونَ (18)

أخيه ميتا ? فكرهتموه ! واتقوا الله , إن الله تواب رحيم).

وهو عالم له فكرته الكاملة عن وحدة الإنسانية المختلفة الأجناس المتعددة الشعوب ; وله ميزانه الواحد الذي يقوم به الجميع . إنه ميزان الله المبرأ من شوائب الهوى والاضطراب:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى , وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . إن أكرمكم عند الله أتقاكم , إن الله عليم خبير). .

والسورة بعد عرض هذه الحقائق الضخمة التي تكاد تستقل برسم معالم ذلك العالم الرفيع الكريم النظيف السليم , تحدد معالم الإيمان , الذي باسمه دعي المؤمنون إلى إقامة ذلك العالم . وباسمه هتف لهم ليلبوا دعوة الله الذي يدعوهم إلى تكاليفه بهذا الوصف الجميل , الحافز إلى التلبية والتسليم: يا أيها الذين آمنوا . . ذلك النداء الحبيب الذي يخجل من يدعى به من الله أن لا يجيب ; والذي ييسر كل تكليف ويهون كل مشقة , ويشوق كل قلب فيسمع ويستجيب:(قالت الأعراب:آمنا . قل:لم تؤمنوا , ولكن قولوا:أسلمنا . ولما يدخل الإيمان في قلوبكم . وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا , إن الله غفور رحيم . إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله , ثم لم يرتابوا , وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله , أولئك هم الصادقون . قل:أتعلمون الله بدينكم , والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض , والله بكل شيء عليم). .

وتكشف السورة في ختامها عن ضخامة الهبة الإلهية للبشر . هبة الإيمان التي يمن بها على من يشاء , وفق ما يعلمه فيه من استحقاق: يمنون عليك أن أسلموا . قل:لا تمنوا علي إسلامكم . بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون . .

فأما الأمر الثاني الذي يبرز للنظر من خلال السورة , ومن مراجعة المناسبات الواقعية التي صاحبت نزول آياتها , فهو هذا الجهد الضخم الثابت المطرد , الذي تمثله توجيهات القرآن الكريم والتربية النبوية الحكيمة , لإنشاء وتربية تلك الجماعة المسلمة , التي تمثل ذلك العالم الرفيع الكريم النظيف السليم , الذي وجدت حقيقته يوما على هذه الأرض ; فلم يعد منذ ذلك الحين فكرة مثالية , ولا حلما طائرا , يعيش في الخيال !

هذه الجماعة المثالية التي تمثلت حقيقة واقعة في فترة من فترات التاريخ لم تنبت فجأة ولم توجد مصادفة ; ولم تخلق بين يوم وليلة . كذلك لم تظهر نتيجة نفحة تغير طبائع الأشياء كلها في لحظة أو ومضة . بل نمت نموا طبيعيا بطيئا كما تنمو الشجرة الباسقة العميقة الجذور . وأخذت الزمن اللازم لنموها , كما أخذت الجهد الموصول الثابت المطرد الضروري لهذا النمو . واحتاجت إلى العناية الساهرة , والصبر الطويل , والجهد البصير في التهذيب والتشذيب , والتوجيه والدفع , والتقوية والتثبيت . واحتاجت إلى معاناة التجارب الواقعية المريرة والابتلاءات الشاقة المضنية ; مع التوجيه لعبرة هذه التجارب والابتلاءات . . وفي هذا كله كانت تتمثل الرعاية الإلهية لهذه الجماعة المختارة - على علم - لحمل هذه الأمانة الكبرى ; وتحقيق مشيئة الله بها في الأرض . وذلك مع الفضائل الكامنة والاستعدادات المكنونة في ذلك الجيل ; وفي الظروف والأحوال المهيأة له على السواء . . وبهذا كله أشرقت تلك الومضة العجيبة في تاريخ البشرية ; ووجدت هذه الحقيقة التي تتراءى من بعيد وكأنها حلم مرفرف في قلب , أو رؤيا مجنحة في خيال !

الدرس الأول:1 - 5 توجيه المسلمين إلى الأدب مع الرسول عليه السلام:غض الصوت وعدم التقدم عليه وعدم مناداته بجلافة

(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله , واتقوا الله إن الله سميع عليم . يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي , ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض , أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى , لهم مغفرة وأجر عظيم .إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون . ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم , والله غفور رحيم). .

تبدأ السورة بأول نداء حبيب , وأول استجاشة للقلوب . (يا أيها الذين آمنوا). . نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب . واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به , وتشعرهم بأنهم له , وأنهم يحملون شارته , وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده , وأنهم هنا لأمر يقدره ويريده , وأنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم اختيارا لهم ومنة عليهم , فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن يكونوا , وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره , يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم , ويسلم ويستسلم:

(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله , واتقوا الله إن الله سميع عليم). .

يا أيها الذين آمنوا , لا تقترحوا على الله ورسوله اقتراحا , لا في خاصة أنفسكم , ولا في أمور الحياة من حولكم . ولا تقولوا في أمر قبل قول الله فيه على لسان رسوله , ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول الله وقول رسوله .

قال قتادة:ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون:لو أنزل في كذا وكذا . لو صح كذا . فكره الله تعالى ذلك . وقال العوفي:نهوا أن يتكلموا بين يديه . وقال مجاهد:لا تفتاتوا على رسول الله [ ص ] بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه . وقال الضحاك:لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم . وقال علي بن طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -:لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة .

فهو أدب نفسي مع الله ورسوله . وهو منهج في التلقي والتنفيذ . وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته . . وهو منبثق من تقوى الله , وراجع إليها . هذه التقوى النابعة من الشعور بأن الله سميع عليم . . وكل ذلك في آية واحدة قصيرة , تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصلية الكبيرة .

وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم ; فما عاد مقترح منهم يقترح على الله ورسوله ; وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله [ ص ] أن يدلي به ; وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم , إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول . .

روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه - باسناده - عن معاذ - رضي الله عنه - حيث قال له النبي [ ص ] حين بعثه إلى اليمن:" بم تحكم ? " قال:بكتاب الله تعالى . قال [ ص ]:" فإن لم تجد ? " قال:بسنة رسول الله [ ص ] قال [ ص ]:" فإن لم تجد ? " قال - رضي الله عنه -:أجتهد رأيي . فضرب في صدره وقال " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله [ ص ] لما يرضي رسول الله " .

وحتى لكأن رسول الله [ ص ] يسألهم عن اليوم الذي هم فيه , والمكان الذي هم فيه , وهم يعلمونه حق العلم , فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم:الله ورسوله أعلم . خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله !

جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي - رضي الله عنه - أن النبي [ ص ] سأل في حجة الوداع:

"أي شهر هذا ? " . . قلنا:الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال:" أليس ذا الحجة ? " قلنا بلى ! قال:" أي بلد هذا ? " قلنا:الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميهبغير اسمه . فقال:" أليس البلدة الحرام ? " قلنا:بلى ! قال:" فأي يوم هذا ? " قلنا:الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال:أليس يوم النحر ? قلنا بلى ! . . الخ .

فهذه صورة من الأدب , ومن التحرج , ومن التقوى , التي انتهى إليها المسلمون بعد سماعهم ذلك النداء , وذلك التوجيه , وتلك الإشارة إلى التقوى , تقوى الله السميع العليم .

والأدب الثاني هو أدبهم مع نبيهم في الحديث والخطاب ; وتوقيرهم له في قلوبهم , توقيرا ينعكس على نبراتهم وأصواتهم ; ويميز شخص رسول الله بينهم , ويميز مجلسه فيهم ; والله يدعوهم إليه بذلك النداء الحبيب ; ويحذرهم من مخالفة ذلك التحذير الرهيب:

(يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي , ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض , أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون). .

يا أيها الذين آمنوا . . ليوقروا النبي الذي دعاهم إلى الإيمان . . أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . . ليحذروا هذا المزلق الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم , وهم غير شاعرين ولا عالمين , ليتقوه !

ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب , وهذا التحذير المرهوب , عمله العميق الشديد:

قال البخاري:حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي , حدثنا نافع بن عمر , عن ابن أبي مليكة . قال:كاد الخيران أن يهلكا . . أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . . رفعا أصواتهما عند النبي [ ص ] حين قدم عليه ركب بني تميم "في السنة التاسعة من الهجرة " فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس - رضي الله عنه - أخي بني مجاشع "أي ليؤمره عليهم" وأشار الآخر برجل آخر . قال نافع:لا أحفظ اسمه "في رواية أخرى أن اسمه القعقاع بن معبد" فقال:أبو بكر لعمر - رضي الله عنهما - ما أردت إلا خلافي . فقال:ما أردت خلافك . فارتفعت أصواتهما في ذلك . فأنزل الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي , ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض , أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون). قال ابن الزبير - رضي الله عنه -:فما كان عمر - رضي الله عنه - يسمع رسول الله [ ص ] بعد هذه الآية حتى يستفهمه ! وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال لما نزلت هذه الآية:قلت:يا رسول الله , والله لا أكلمك إلا كأخي السرار "يعني كالهمس ! " .

وقال الإمام أحمد:حدثنا هاشم , حدثنا سليمان بن المغيرة , عن ثابت , عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:لما نزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي - إلى قوله:وأنتم لا تشعرون وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت . فقال:أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله [ ص ] أنا من أهل النار . حبط عملي . وجلس في أهله حزينا . ففقده رسول الله [ ص ] فانطلق بعض القوم إليه , فقالوا له:تفقدك رسول الله [ ص ] مالك ? قال:أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي [ ص ] وأجهر له بالقول . حبط عملي . أنا من أهل النار . فأتوا النبي [ ص ] فأخبروه بما قال . فقال النبي [ ص ]:" لا . بل هو من أهل الجنة " . قال أنس - رضي الله عنه -:فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة .

فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب , وذلك التحذير الرعيب ; وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله [ ص ] خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون . ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم ! ولكن هذا المنزلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم , فخافوه واتقوه !

ونوه الله بتقواهم , وغضهم أصواتهم عند رسول الله [ ص ] في تعبير عجيب:

(إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله , أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى . لهم مغفرة وأجر عظيم). .

فالتقوى هبة عظيمة , يختار الله لها القلوب , بعد امتحان واختبار , وبعد تخليص وتمحيص , فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها , وقد ثبت أنه يستحقها . والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله قد اختبر الله قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة . هبة التقوى . وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم .

إنه الترغيب العميق , بعد التحذير المخيف . بها يربي الله قلوب عباده المختارين , ويعدها للأمر العظيم . الذي نهض به الصدر الأول على هدى من هذه التربية ونور .

وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي [ ص ] قد ارتفعت أصواتهما , فجاء فقال:أتدريان أين أنتما ? ثم قال:من أين أنتما ? قالا:من أهل الطائف . فقال:لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا !

وعرف علماء هذه الأمة وقالوا:إنه يكره رفع الصوت عند قبره [ ص ] كما كان يكره في حياته [ ص ] احتراما له في كل حال .

ثم أشار إلى حادث وقع من وفد بني تميم حين قدموا على رسول الله [ ص ] في العام التاسع . الذي سمي "عام الوفود" . . لمجيء وفود العرب من كل مكان بعد فتح مكة , ودخولهم في الإسلام , وكانوا أعرابا جفاة , فنادوا من وراء حجرات أزواج النبي [ ص ] المطلة على المسجد النبوي الشريف:يا محمد . اخرج لنا . فكره النبي [ ص ] هذه الجفوة وهذا الإزعاج . فنزل قوله تعالى:

(إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون , ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم , والله غفور رحيم). .

فوصفهم الله بأن أكثرهم لا يعقلون . وكره إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي [ ص ] وحرمة رسول الله القائد والمربي . وبين لهم الأولى والأفضل وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم . وحبب إليهم التوبة والإنابة , ورغبهم في المغفرة والرحمة .

وقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع , وتجاوزوا به شخص رسول الله [ ص ] إلى كل أستاذ وعالم . لا يزعجونه حتى يخرج إليهم ; ولا يقتحمون عليه حتى يدعوهم . . يحكى عن أبي عبيد - العالم الزاهد الراوية الثقة - أنه قال:"ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه" . .

الدرس الثاني:6 - 8 توجيه المسلمين للتثبت من خبر الفاسق وبيان آثار الإيمان

(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين . واعلموا أن فيكم رسول الله , لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ; ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم , وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان , أولئك هم الراشدون , فضلا من الله ونعمة , والله عليم حكيم). .

كان النداء الأول لتقرير جهة القيادة ومصدر التلقي . وكان النداء الثاني لتقرير ما ينبغي من أدب للقيادة وتوقير . وكان هذا وذلك هو الأساس لكافة التوجيهات والتشريعات في السورة . فلا بد من وضوح المصدر الذي يتلقى عنه المؤمنون , ومن تقرير مكان القيادة وتوقيرها , لتصبح للتوجيهات بعد ذلك قيمتها ووزنهاوطاعتها . ومن ثم جاء هذا النداء الثالث يبين للمؤمنين كيف يتلقون الأنباء وكيف يتصرفون بها , ويقرر ضرورة التثبت من مصدرها:

(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا , أن تصيبوا قوما بجهالة , فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). .

ويخصص الفاسق لأنه مظنة الكذب . وحتى لا يشيع الشك بين الجماعة المسلمة في كل ما ينقله أفرادها من أنباء , فيقع ما يشبه الشلل في معلوماتها . فالأصل في الجماعة المؤمنة أن يكون أفرادها موضع ثقتها , وأن تكون أنباؤهم مصدقة مأخوذا بها . فأما الفاسق فهو موضع الشك حتى يثبت خبره . وبذلك يستقيم أمر الجماعة وسطا بين الأخذ والرفض لما يصل إليها من أنباء . ولا تعجل الجماعة في تصرف بناء على خبر فاسق . فتصيب قوما بظلم عن جهالة وتسرع . فتندم على ارتكابها ما يغضب الله , ويجانب الحق والعدل في اندفاع .

وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله [ ص ] على صدقات بني المصطلق . وقال ابن كثير . قال مجاهد وقتادة:أرسل رسول الله [ ص ] الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يتصدقهم فتلقوه بالصدقة , فرجع فقال:إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك - زاد قتادة وأنهم قد ارتدوا عن الإسلام - فبعث رسول الله [ ص ] خالد بن الوليد - رضي الله عنه - إليهم , وأمره أن يتثبت ولا يعجل , فانطلق حتى أتاهم ليلا , فبعث عيونه , فلما جاءوا أخبروا خالدا - رضي الله عنه - أنهم مستمسكون بالإسلام , وسمعوا أذانهم وصلاتهم , فلما أصبحوا أتاهم خالد - رضي الله عنه - فرأى الذي يعجبه ; فرجع إلى رسول الله [ ص ] فأخبره الخبر , فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة . قال قتادة:فكان رسول الله [ ص ] يقول:" التثبت من الله والعجلة من الشيطان " . . وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى , ويزيد بن رومان , والضحاك , ومقاتل بن حبان . وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في الوليد بن عقبة . والله أعلم . . [ انتهى كلام ابن كثير في التفسير ] " . .

ومدلول الآية عام , وهو يتضمن مبدأ التمحيص والتثبت من خبر الفاسق ; فأما الصالح فيؤخذ بخبره , لأن هذا هو الأصل في الجماعة المؤمنة , وخبر الفاسق استثناء . والأخذ بخبر الصالح جزء من منهج التثبت لأنه أحد مصادره . أما الشك المطلق في جميع المصادر وفي جميع الأخبار , فهو مخالف لأصل الثقة المفروض بين الجماعة المؤمنة , ومعطل لسير الحياة وتنظيمها في الجماعة . والإسلام يدع الحياة تسير في مجراها الطبيعي , ويضع الضمانات والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها ابتداء . وهذا نموذج من الإطلاق والاستثناء في مصادر الأخبار .

ويبدو أنه كان من بعض المسلمين اندفاع عند الخبر الأول الذي نقله الوليد بن عقبة , وإشارة على النبي [ ص ] أن يعجل بعقابهم . وذلك حمية من هذا الفريق لدين الله وغضبا لمنع الزكاة . فجاءت الآية التالية تذكرهم بالحقيقة الضخمة والنعمة الكبيرة التي تعيش بينهم ليدركوا قيمتها وينتبهوا دائما لوجودها:

(واعلموا أن فيكم رسول الله). .

وهي حقيقة تتصور بسهولة لأنها وقعت ووجدت . ولكنها عند التدبر تبدوا هائلة لا تكاد تتصور ! وهل من اليسير أن يتصور الإنسان أن تتصل السماء بالأرض صلة دائمة حية مشهودة ; فتقول السماء للأرض ;وتخبر أهلها عن حالهم وجهرهم وسرهم , وتقوم خطاهم أولا بأول , وتشير عليهم في خاصة أنفسهم وشؤونهم . ويفعل أحدهم الفعلة ويقول أحدهم القولة , ويسر أحدهم الخالجة ; فإذا السماء تطلع , وإذا الله - جل جلاله - ينبئ رسوله بما وقع , ويوجهه لما يفعل وما يقول في هذا الذي وقع . . إنه لأمر . وإنه لنبأ عظيم . وإنها لحقيقة هائلة . قد لا يحس بضخامتها من يجدها بين يديه . ومن ثم كان هذا التنبيه لوجودها بهذا الأسلوب: (واعلموا أن فيكم رسول الله). . اعلموا هذا وقدروه حق قدره , فهو أمر عظيم .

ومن مقتضيات العلم بهذا الأمر العظيم أن لا يقدموا بين يدي الله ورسوله . ولكنه يزيد هذا التوجيه إيضاحا وقوة , وهو يخبرهم أن تدبير رسول الله [ ص ] لهم بوحي الله أو إلهامه فيه الخير لهم والرحمة واليسر . وأنه لو أطاعهم فيما يعن لهم أنه خير لعنتوا وشق عليهم الأمر . فالله أعرف منهم بما هو خير لهم , ورسوله رحمة لهم فيما يدبر لهم ويختار:

(لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم). .

وفي هذا إيحاء لهم بأن يتركوا أمرهم لله ورسوله , وأن يدخلوا في السلم كافة , ويستسلموا لقدر الله وتدبيره , ويتلقوا عنه ولا يقترحوا عليه .

ثم يوجههم إلى نعمة الإيمان الذي هداهم إليه , وحرك قلوبهم لحبه , وكشف لهم عن جماله وفضله , وعلق أرواحهم به ; وكره إليهم الكفر والفسوق والمعصية , وكان هذا كله من رحمته وفيضه:

(ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ; وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان . أولئك هم الراشدون . فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم). .

واختيار الله لفريق من عباده , ليشرح صدورهم للإيمان , ويحرك قلوبهم إليه , ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم , وتدرك ما فيه من جمال وخير . . هذا الاختيار فضل من الله ونعمة , دونها كل فضل وكل نعمة . حتى نعمة الوجود والحياة أصلا , تبدو في حقيقتها أقل من نعمة الإيمان وأدنى ! وسيأتي قوله تعالى: (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان)فنفصل القول إن شاء الله في هذه المنة .

والذي يستوقف النظر هنا هو تذكيرهم بأن الله هو الذي أراد بهم هذا الخير , وهو الذي خلص قلوبهم من ذلك الشر:الكفر والفسوق والعصيان . وهو الذي جعلهم بهذا راشدين فضلا منه ونعمة . وأن ذلك كله كان عن علم منه وحكمة . . وفي تقرير هذه الحقيقة إيحاء لهم كذلك بالاستسلام لتوجيه الله وتدبيره , والاطمئنان إلى ما وراءه من خير عليهم وبركة , وترك الاقتراح والاستعجال والاندفاع فيما قد يظنونه خيرا لهم ; قبل أن يختار لهم الله . فالله يختار لهم الخير , ورسول الله [ ص ] فيهم , يأخذ بيدهم إلى هذا الخير . وهذا هو التوجيه المقصود في التعقيب .

وإن الإنسان ليعجل , وهو لا يدري ما وراء خطوته . وإن الإنسان ليقترح لنفسه ولغيره , وهو لا يعرف ما الخير وما الشر فيما يقترح .(ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا). ولو استسلم لله , ودخل في السلم كافة , ورضي اختيار الله له , واطمأن إلى أن اختيار الله أفضل من اختياره , وأرحم له وأعود عليه بالخير . لاستراح وسكن . ولأمضى هذه الرحلة القصيرة على هذا الكوكب في طمأنينة ورضى . . ولكن هذا كذلك منة من الله وفضل يعطيه من يشاء .

الدرس الثالث:9 - 10 الإصلاح بين المؤمنين والتذكير بأخوتهم

(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما . فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتىتفيء إلى أمر الله . فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا . إن الله يحب المقسطين . إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم , واتقوا الله لعلكم ترحمون). .

وهذه قاعدة تشريعية عملية لصيانة المجتمع المؤمن من الخصام والتفكك , تحت النزوات والاندفاعات . تأتي تعقيبا على تبين خبر الفاسق , وعدم العجلة والاندفاع وراء الحمية والحماسة , قبل التثبت والاستيقان .

وسواء كان نزول هذه الآية بسبب حادث معين كما ذكرت الروايات , أم كان تشريعا لتلافي مثل هذه الحالة , فهو يمثل قاعدة عامة محكمة لصيانة الجماعة الإسلامية من التفكك والتفرق . ثم لإقرار الحق والعدل والصلاح . والارتكان في هذا كله إلى تقوى الله ورجاء رحمته بإقرار العدل والصلاح .

والقرآن قد واجه - أو هو يفترض - إمكان وقوع القتال بين طائفتين من المؤمنين . ويستبقي لكلتا الطائفتين وصف الإيمان مع اقتتالهما , ومع احتمال أن إحداهما قد تكون باغية على الأخرى , بل مع احتمال أن تكون كلتاهما باغية في جانب من الجوانب .

وهو يكلف الذين آمنوا - من غير الطائفتين المتقاتلتين طبعا - أن يقوموا بالإصلاح بين المتقاتلين . فإن بغت إحداهما فلم تقبل الرجوع إلى الحق - ومثله أن تبغيا معا برفض الصلح أو رفض قبول حكم الله في المسائل المتنازع عليها - فعلى المؤمنين أن يقاتلوا البغاة إذن , وأن يظلوا يقاتلونهم حتى يرجعوا إلى أمر الله . وأمر الله هو وضع الخصومة بين المؤمنين , وقبول حكم الله فيما اختلفوا فيه , وأدى إلى الخصام والقتال . فإذا تم قبول البغاة لحكم الله , قام المؤمنون بالإصلاح القائم على العدل الدقيق طاعة لله وطلبا لرضاه . . (إن الله يحب المقسطين). .

ويعقب على هذه الدعوة وهذا الحكم باستجاشة قلوب الذين آمنوا واستحياء الرابطة الوثيقة بينهم , والتي جمعتهم بعد تفرق , وألفت بينهم بعد خصام ; وتذكيرهم بتقوى الله , والتلويح لهم برحمته التي تنال بتقواه:

(إنما المؤمنون إخوة , فأصلحوا بين أخويكم , واتقوا الله لعلكم ترحمون). .

ومما يترتب على هذه الأخوة أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في الجماعة المسلمة , وأن يكون الخلاف أو القتال هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه ; وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف , وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة . وهو إجراء صارم وحازم كذلك .

ومن مقتضيات هذه القاعدة كذلك ألا يجهز على جريح في معارك التحكيم هذه , وألا يقتل أسير , وألا يتعقب مدبر ترك المعركة , وألقى السلاح , ولا تؤخذ أموال البغاة غنيمة . لأن الغرض من قتالهم ليس هو القضاء عليهم , وإنما هو ردهم إلى الصف , وضمهم إلى لواء الأخوة الإسلامية .

والأصل في نظام الأمة المسلمة أن يكون للمسلمين في أنحاء الأرض إمامة واحدة , وأنه إذا بويع لإمام , وجب قتل الثاني , واعتباره ومن معه فئة باغية يقاتلها المؤمنون مع الإمام . وعلى هذا الأصل قام الإمام علي - رضي الله عنه - بقتال البغاة في وقعة الجمل وفي وقعة صفين ; وقام معه بقتالهم أجلاء الصحابة رضوان الله عليهم . وقد تخلف بعضهم عن المعركة منهم سعد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وابن عمر - رضي الله عنهم - إما لأنهم لم يتبينوا وجه الحق في الموقف في حينه فاعتبروها فتنة . وإما لأنهم كما يقول الإمام الجصاص:"ربما رأو الإمام مكتفيا بمن معه مستغنيا عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود عنه لذلك" . . والاحتمال الأول أرجح , تدل عليه بعض أقوالهم المروية . كما يدل عليه ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - في ندمه فيما بعد على أنه لم يقاتل مع الإمام .

ومع قيام هذا الأصل فإن النص القرآني يمكن إعماله في جميع الحالات - بما في ذلك الحالات الاستثنائية التي يقوم فيها إمامان أو أكثر في أقطار متفرقة متباعدة من بلاد المسلمين , وهي حالة ضرورة واستثناء من القاعدة - فواجب المسلمين أن يحاربوا البغاة مع الإمام الواحد , إذا خرج هؤلاء البغاة عليه . أو إذا بغت طائفة على طائفة في إمامته دون خروج عليه . وواجب المسلمين كذلك أن يقاتلوا البغاة إذا تمثلوا في إحدى الإمامات المتعددة في حالات التعدد الاستثنائية , بتجمعهم ضد الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله . وهكذا يعمل النص القرآني في جميع الظروف والأحوال .

وواضح أن هذا النظام , نظام التحكيم وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله , نظام له السبق من حيث الزمن على كل محاولات البشرية في هذا الطريق . وله الكمال والبراءة من العيب والنقص الواضحين في كل محاولات البشرية البائسة القاصرة التي حاولتها في كل تجاربها الكسيحة ! وله بعد هذا وذاك صفة النظافة والأمانة والعدل المطلق , لأن الاحتكام فيه إلى أمر الله الذي لا يشوبه غرض ولا هوى , ولا يتعلق به نقص أو قصور . . ولكن البشرية البائسة تطلع وتعرج , وتكبو وتتعثر . وأمامها الطريق الواضح الممهد المستقيم !

الدرس الرابع:11 تحريم السخرية والنبز واللمز

(يا أيها الذين آمنوا , لا يسخر قوم من قوم , عسى أن يكونوا خيرا منهم ; ولا نساء من نساء , عسى أن يكن خيرا منهن . ولا تلمزوا أنفسكم , ولا تنابزوا بالألقاب . بئس الاسم:الفسوق بعد الإيمان . ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون). .

إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن مجتمع له أدب رفيع , ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس . وهي من كرامة المجموع . ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس , لأن الجماعة كلها وحدة , كرامتها واحدة .

والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب: يا أيها الذين آمنوا . وينهاهم أن يسخر قوم بقوم , أي رجال برجال , فلعلهم خير منهم عند الله , أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله .

وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية , التي يوزن بها الناس . فهناك قيم أخرى , قد تكون خافية عليهم , يعلمها الله , ويزن بها العباد . وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير . والرجل القوي من الرجل الضعيف , والرجل السوي من الرجل المؤوف . وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخام . وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم . وذو العصبية من اليتيم . . . وقد تسخر الجميلة من القبيحة , والشابة من العجوز , والمعتدلة من المشوهة , والغنية من الفقيرة . . ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس , فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين !

ولكن القرآن لا يكتفي بهذا الإيحاء , بل يستجيش عاطفة الأخوة الإيمانية , ويذكر الذين آمنوا بأنهم نفس واحدة من يلمزها فقد لمزها: (ولا تلمزوا أنفسكم). . واللمز:العيب . ولكن للفظة جرسا وظلا ; فكأنما هي وخزة حسية لا عيبة معنوية !

ومن السخرية واللمز التنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها , ويحسون فيها سخرية وعيبا . ومن حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به . ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا . وقد غير رسول الله [ ص ] أسماء وألقابا كانت في الجاهلية لأصحابها , أحس فيها بحسه المرهف , وقلبه الكريم , بما يزري بأصحابها , أو يصفهم بوصف ذميم .

والآية بعد الإيحاء بالقيم الحقيقية في ميزان الله , وبعد استجاشة شعور الأخوة , بل شعور الاندماج في نفس واحدة , تستثير معنى الإيمان , وتحذر المؤمنين من فقدان هذا الوصف الكريم , والفسوق عنه والانحراف بالسخرية واللمز والتنابز: (بئس الاسم:الفسوق بعد الإيمان). فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان ! وتهدد باعتبار هذا ظلما , والظلم أحد التعبيرات عن الشرك: (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون). . وبذلك تضع قواعد الأدب النفسي لذلك المجتمع الفاضل الكريم .

الدرس الخامس:12 تحريم سوء الظن والغيبة والتجسس

(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن , إن بعض الظن إثم , ولا تجسسوا , ولا يغتب بعضكم بعضا . أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ? فكرهتموه . واتقوا الله , إن الله تواب رحيم). .

فأما هذه الآية فتقيم سياجا آخر في هذا المجتمع الفاضل الكريم , حول حرمات الأشخاص به وكراماتهم وحرياتهم , بينما هي تعلم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم , في أسلوب مؤثر عجيب . .

وتبدأ - على نسق السورة - بذلك النداء الحبيب: يا أيها الذين آمنوا . . ثم تأمرهم باجتناب كثير من الظن , فلا يتركوا نفوسهم نهبا لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك . وتعلل هذا الأمر: (إن بعض الظن إثم). وما دام النهي منصبا على أكثر الظن , والقاعدة أن بعض الظن إثم , فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيء أصلا , لأنه لا يدري أي ظنونه تكون إثما !

بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيء , فيقع في الإثم ; ويدعه نقيا بريئا من الهواجس والشكوك , أبيض يكن لإخوانه المودة التي لا يخدشها ظن السوء ; والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك , والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع . وما أروح الحياة في مجتمع بريء من الظنون !

ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب . بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل , وسياجا حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف , فلا يؤخذون بظنة , ولا يحاكمون بريبة ; ولا يصبح الظن أساسا لمحاكمتهم . بل لا يصح أن يكون أساسا للتحقيق معهم , ولا للتحقيق حولهم . والرسول [ ص ] يقول:" إذا ظننت فلا تحقق " . . ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء , مصونة حقوقهم , وحرياتهم , واعتبارهم . حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه . ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم !

فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص ! وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا , وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلا , وحققه في واقع الحياة , بعد أن حققه في واقع الضمير ?

ثم يستطرد في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتصل باجتناب الظنون:

(ولا تجسسوا). .

والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن ; وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات , والاطلاع على السوءات .

والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية , لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوآتهم . وتمشيا مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب .

ولكن الأمر أبعد من هذا أثرا . فهو مبدأ من مباديء الإسلام الرئيسية في نظامه الاجتماعي , وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية .

إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور , ولا أن تمس بحال من الأحوال .

ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم , آمنين على بيوتهم , آمنين على أسرارهم , آمنين على عوراتهم . ولا يوجد مبرر - مهما يكن - لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات . حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس . فالناس على ظواهرهم , وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم . وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم . وليس لأحد أن يظن أو يتوقع , أو حتى يعرف أنهم يزاولون في الخفاء مخالفة ما , فيتجسس عليهم ليضبطهم ! وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها , مع الضمانات الأخرى التي ينص عليها بالنسبة لكل جريمة .

قال أبو داود:حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة , قال:حدثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن زيد بن وهب . قال:أتى ابن مسعود , فقيل له:هذا فلان تقطر لحيته خمرا . فقال عبد الله:إنا قد نهينا عن التجسس , ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .

وعن مجاهد:لا تجسسوا , خذوا بما يظهر لكم , ودعوا ما ستر الله .

وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن دجين كاتب عقبة . قال:قلت لعقبة:إن لنا جيرانا يشربون الخمر , وأنا داع لهم الشرط , فيأخذونهم . قال:لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم . قال:ففعل فلم ينتهوا . قال:فجاءه دجين فقال:إني قد نهيتهم فلم ينتهوا . وإني داع لهم الشرط فتأخذهم . فقال له عقبة:ويحك ! لا تفعل , فإني سمعت رسول الله [ ص ] يقول:" من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها " .

وقال سفيان الثوري , عن راشد بن سعد , عن معاوية بن أبي سفيان , قال:سمعت النبي [ ص ] يقول:" إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم " . فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - كلمة سمعها معاوية - رضي الله عنه - من رسول الله [ ص ] نفعه الله تعالى بها .

فهكذا أخذ النص طريقه في النظام العملي للمجتمع الإسلامي ! ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب , بل صار سياجا حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم , فلا تمس من قريب أو بعيد , تحت أي ذريعة أو ستار .

فأين هذا المدى البعيد ? وأين هذا الأفق السامق ? وأين ما يتعاجب به أشد الأمم ديمقراطية وحرية وحفظا لحقوق الإنسان بعد ألف وأربع مائة عام ?

بعد ذلك يجيء النهي عن الغيبة في تعبير عجيب , يبدعه القرآن إبداعا:

(ولا يغتب بعضكم بعضا . أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ? فكرهتموه). .

لا يغتب بعضكم بعضا . ثم يعرض مشهدا تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية . مشهد الأخ يأكل لحم أخيه . . ميتا . . ! ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز , وأنهم إذن كرهوا الاغتياب !

ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة شعور التقوى , والتلويح لمن اقترف من هذا شيئا أن يبادر بالتوبة تطلعا للرحمة:

(واتقوا الله إن الله تواب رحيم). .

ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس , وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب . ويتشدد فيه رسول الله [ ص ] متمشيا مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض .

في حديث رواه أبو داود:حدثنا القعنبي , حدثنا عبد العزيز بن محمد , عن العلاء , عن أبيه , عن أبي هريرة قال:قيل:يا رسول الله , ما الغيبة ? قال [ ص ]:" ذكرك أخاك بما يكره " . قيل:أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ? قال [ ص ]:" إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته , وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " . . [ ورواه الترمذي وصححه ] .

وقال أبو داود:حدثنا مسدد , حدثنا يحيى , عن سفيان , حدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة , عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:قلت للنبي [ ص ]:حسبك من صفية كذا وكذا "قال عن مسدد تعني قصيرة " فقال [ ص ]:" لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " . قالت:وحكيت له إنسانا . فقال [ ص ]:" ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا " . .

وروى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك قال:قال رسول الله [ ص ]:" لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم . قلت:من هؤلاء يا جبرائيل ? قال:هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم " . .

ولما اعترف ماعز بالزنا هو والغامدية , ورجمهما رسول الله [ ص ] بعد إقرارهما متطوعين وإلحاحهما عليه في تطهيرهما , سمع النبي [ ص ] رجلين يقول أحدهما لصاحبه:ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب ! ثم سار النبي [ ص ] حتى مر بجيفة حمار , فقال:" أين فلان وفلان ? انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار " . قالا:غفر الله لك يا رسول الله ! وهل يؤكل هذا ? قال [ ص ]:" فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه . والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها " .

وبمثل هذا العلاج الثابت المطرد تطهر المجتمع الإسلامي وارتفع , وانتهى إلى ما صار إليه:حلما يمشي على الأرض , ومثلا يتحقق في واقع التاريخ .

الدرس السادس:13 تذكير الناس بأصلهم وان التقوى أساس التفاضل وبعد هذه النداءات المتكررة للذين آمنوا ; وأخذهم إلى ذلك الأفق السامي الوضيء من الآداب النفسية والاجتماعية ; وإقامة تلك السياجات القوية من الضمانات حول كرامتهم وحريتهم وحرماتهم , وضمان هذا كله بتلك الحساسية التي يثيرها في أرواحهم , بالتطلع إلى الله وتقواه . .

بعد هذه المدارج إلى ذلك الأفق السامق , يهتف بالإنسانية جميعها على اختلاف أجناسها وألوانها , ليردها إلى أصل واحد , وإلى ميزان واحد , هو الذي تقوم به تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الأفق السامق:

(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى , وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . إن أكرمكم عند الله أتقاكم . إن الله عليم خبير). .

يا أيها الناس . يا أيها المختلفون أجناسا وألوانا , المتفرقون شعوبا وقبائل . إنكم من أصل واحد . فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتخاصموا ولا تذهبوا بددا .

يا أيها الناس . والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم . . من ذكر وأنثى . . وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل . إنها ليست التناحر والخصام . إنما هي التعارف والوئام . فأما اختلاف الألسنة والألوان , واختلاف الطباع والأخلاق , واختلاف المواهب والاستعدادات , فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق , بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات . وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله . إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم , ويعرف به فضل الناس: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). . والكريم حقا هو الكريم عند الله . وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين: (إن الله عليم خبير). .

وهكذا تسقط جميع الفوارق , وتسقط جميع القيم , ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة , وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر , وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان .

وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض ; وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس . ويظهر سبب ضخم واضح للألفة والتعاون:ألوهية الله للجميع , وخلقهم من أصل واحد . كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته:لواء التقوى في ظل الله . وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من عقابيل العصبية للجنس , والعصبية للأرض , والعصبية للقبيلة , والعصبية للبيت . وكلها من الجاهلية وإليها , تتزيا بشتى الأزياء , وتسمى بشتى الأسماء . وكلها جاهلية عارية من الإسلام !

وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها , ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة:راية الله . . لا راية الوطنية . ولا راية القومية . ولا راية البيت . ولا راية الجنس . فكلها رايات زائفة لا يعرفها الإسلام .

قال رسول الله [ ص ]:" كلكم بنو آدم , وآدم خلق من تراب . ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم , أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان " .

وقال [ ص ] عن العصبية الجاهلية:" دعوها فإنها منتنة " .

وهذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي . المجتمع الإنساني العالمي , الذي تحاول البشرية

السابق - التالي


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca