الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  مقالات مختارة

 - عرض حسب التصنيف -  - عرض حسب الكاتب -  - عرض  أبجدي -
مقالات مختارة
عنوان المقال: إöنَّمَا مَثَلöي وَمَثَلُكُمْ مثلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا يَأْتöيهöم
الكاتب: الدكتور عبد الرحمن البر
التصنيف: دعوة
المصدر:الشبكة الدعوية

إöنَّمَا مَثَلöي وَمَثَلُكُمْ مثلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا يَأْتöيهöم

قوله صلي الله عليه وسلم  إöنَّمَا مَثَلöي وَمَثَلُكُمْ مثلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا يَأْتöيهöم
أخرج مسلم عن أَبöي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه عَنö النَّبöيّö صلي الله عليه وسلم قَالَ: «إöنَّ مَثَلöي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنöيَ اللهُ بöهö كَمَثَلö رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمö إöنّöي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بöعَيْنَيَّ، وَإöنّöي أَنَا النَّذöيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائöفَةñ مöنْ قَوْمöهö، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتöهöمْ، وَكَذَّبَتْ طَائöفَةñ مöنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلöكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنöي وَاتَّبَعَ مَا جöئْتُ بöهö، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانöي وَكَذَّبَ مَا جöئْتُ بöهö مöنَ الْحَقّö».
وأخرج مسلم أيضا عَنْ قَبöيصَةَ بْنö الْمُخَارöقö، وَزُهَيْرö بْنö عَمْرٍو، قَالَا: لَمَّا نَزَلَتْ {وَأَنْذöرْ عَشöيرَتَكَ الْأَقْرَبöينَ} [الشعراء: 214]، قَالَ: انْطَلَقَ نَبöيُّ اللهö صلي الله عليه وسلم إöلَى رَضْمَةٍ (أي حجارة مجتمعة) مöنْ جَبَلٍ، فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا، ثُمَّ نَادَى «يَا بَنöي عَبْدö مَنَافَاهْ، إöنّöي نَذöيرñ، إöنَّمَا مَثَلöي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلö رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ (أي يحفظهم ويتطلع لهم)، فَخَشöيَ أَنْ يَسْبöقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتöفُ، يَا صَبَاحَاهُ».
وأخرج أحمد بسند حسن عَنْ بُرَيْدَةَ بن الحَصöيب رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ إöلَيْنَا النَّبöيُّ صلي الله عليه وسلم يَوْمًا فَنَادَى ثَلَاثَ مöرَارٍ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ تَدْرُونَ مَا مَثَلöي وَمَثَلُكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «إöنَّمَا مَثَلöي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا يَأْتöيهöمْ، فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَرَاءَى لَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلöكَ أَبْصَرَ الْعَدُوَّ، فَأَقْبَلَ لöيُنْذöرَهُمْ، وَخَشöيَ أَنْ يُدْرöكَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُنْذöرَ قَوْمَهُ، فَأَهْوَى بöثَوْبöهö: أَيُّهَا النَّاسُ أُتöيتُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ أُتöيتُمْ» ثَلَاثَ مöرَار.
1 – شرح الحديث والمثل:
بعث الله عز وجل رسوله صلي الله عليه وسلم للناس بدعوة الحق {شَاهöدًا وَمُبَشّöرًا وَنَذöيرًا. وَدَاعöيًا إöلَى اللَّهö بöإöذْنöهö وَسöرَاجًا مُنöيرًا} [الأحزاب: 45، 46]، وأمده ربه بالآيات البينات التي تؤكد صدقه، فآمن به السعداء الموفقون، وأعرض عن دعوته الأشقياء المخذولون، وكان النبي صلي الله عليه وسلم شديد الحرص على هداية الضالين وإرشاد الحائرين وإنقاذ الناس أجمعين، حتى كادت نفسه تذهب حسرات على قومه الذين كفروا به وصدوا عنه، ومع شدة إيذائهم له كان يشفق عليهم ويتمنى هدايتهم، ويدعو لهم بالمغفرة، أخرج الشيخان عن عَبْدö اللَّهö بن مسعود رضي الله عنه قال: كَأَنّöي أَنْظُرُ إöلَى النَّبöيّö صلي الله عليه وسلم يَحْكöي نَبöيًّا مöنَ الأَنْبöيَاءö ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهöهö وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفöرْ لöقَوْمöي فَإöنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» ويأبى أن يعذبهم الله مع كل ما أنزلوه به من الأذى، ويقول فيما أخرجه الشيخان من حديث عائشة ر ضي الله عنها: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرöجَ اللَّهُ مöنْ أَصْلاَبöهöمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرöكُ بöهö شَيْئًا»، ولا يقطع الأمل مطلقا في هدايتهم وإنقاذهم.
وفي هذا الحديث يضرب النبي صلي الله عليه وسلم مثلا لهذا الحرص عليهم، وصدق الرغبة في إنقاذهمº بجماعة خافوا جيشا من أعدائهم يباغتهم بالهجوم عليهم، فبعثوا رجلا عاقلا منهم يراقب العدو وينظر ما يصنعون ويستطلع الأمر، فرأى الرجل جيش العدو وقد أقبل يريد غزو قومه وَيريد أَنْ يُفَاجöئَهُمْ، وَكَانَ يَخْشَى أن يلحق العدو قومه قَبْلَ لُحُوقöهö، فأراد أن يسرع بتبليغهم ليأخذوا حذرهم ويعدوا عدتهم، حتى لا يأخذهم العدو على غöرَّة، فخلع ثوبه ورفعه على خشبة أو عصا ليراه قومه، وجعل يرفع صوته وهو يقول لهم: إن العدو في طريقه إليكم، وقد أوشك أن يدخل عليكم، فأدركوا أنفسكم، وكان قومه حيال ذلك فريقين: فريقا صدق النذارة فأخذ أهبته وأعد للأمر عدته فانطلقوا ونجوا بأنفسهم، وفريقا آخر لم يحفل بصياحه ولم يلق بالا لتحذيره، فبقوا في غفلتهم حتى تمكن العدو منهم، فأهلكهم قتلا وأسرا، ولم يبق منهم أحدا.
وهكذا الناس مع رسالة الحق التي جاء بها محمد صلي الله عليه وسلم، فهو يصيح فيهم لينقذهم من النار، فقد أخرج الشيخان عَنö ابْنö عَبَّاسٍ رضي الله عنهم: أَنَّ النَّبöيَّ صلي الله عليه وسلم خَرَجَ إöلَى البَطْحَاءö، فَصَعöدَ إöلَى الجَبَلö فَنَادَى: «يَا صَبَاحَاهْ» فَاجْتَمَعَتْ إöلَيْهö قُرَيْشñ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إöنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ مُصَبّöحُكُمْ أَوْ مُمَسّöيكُمْ، أَكُنْتُمْ تُصَدّöقُونöي؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإöنّöي نَذöيرñ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدöيدٍ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلöهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {تَبَّتْ يَدَا أَبöي لَهَبٍ} [المسد: 1] إöلَى آخöرöهَا. فهدى الله به للإيمان قوما أخلصوا لله، فنجوا وفازوا بعز الدنيا وسعادة الآخرة، وأضل آخرين بكفرهم وعنادهمº لا عن يقين يعتقدونه، ولكن تكبرا وعتوا، كما فعل أبو لهب وغيره، فباؤوا بالخزي والعذاب الأليم.
ومن أبلغ الأمثلة القريبة من ذلك -وإن كان ضعيف السند- ما أخرجه ابن المبارك في (الزهد والرقائق) قال: بَلَغَنَا عَنö الْحَسَنö أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهö صلي الله عليه وسلم: «إöنَّمَا مَثَلöي وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلö قَوْمٍ سَلَكُوا مَفَازَةً غَبْرَاءَ، لَا يَدْرُونَ مَا قَطَعُوا مöنْهَا أَكْثَرَ أَمْ مَا بَقöيَ مöنْهَا، فَحَسَرَ ظَهْرُهُمْ، وَنَفöدَ زَادُهُمْ، وَسَقَطُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيö الْمَفَازَةö، فَأَيْقَنُوا بöالْهَلَكَةö، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلöكَ إöذْ خَرَجَ عَلَيْهöمْ رَجُلñ فöي حُلَّةٍ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ، فَقَالُوا: إöنَّ هَذَا لَحَدöيثُ الْعَهْدö بöالرّöيفö، فَانْتَهَى إöلَيْهöمْ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ يَا هَؤُلَاءö؟ قَالُوا: مَا تَرَى، حَسَرَ ظَهْرُنَا، وَنَفöدَ زَادُنَا، وَسَقَطْنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيö الْمَفَازَةö، وَلَا نَدْرöي مَا قَطَعْنَا مöنْهَا أَكْثَرَ أَمْ مَا بَقöيَ عَلَيْنَا؟ قَالَ: مَا تَجْعَلُونَ لöي إöنْ أَوْرَدْتُكُمْ مَاءً رُوَاءً، وَرöيَاضًا خُضْرًا؟ قَالُوا: نَجْعَلُ لَكَ حُكْمَكَ، قَالَ: تَجْعَلُونَ لöي عُهُودَكُمْ، وَمَوَاثöيقَكُمْ أَنْ لَا تَعْصُونöي، قَالَ: فَجَعَلُوا لَهُ عُهُودَهُمْ، وَمَوَاثöيقَهُمْ أَنْ لَا يَعْصُوهُ، فَمَالَ بöهöمْ، وَأَوْرَدَهُمْ رöيَاضًا خُضْرًا، وَمَاءً رُوَاءً، فَمَكَثَ يَسöيرًا، ثُمَّ قَالَ: هَلُمُّوا إöلَى رöيَاضٍ أَعْشَبَ مöنْ رöيَاضöكُمْ هَذöهö، وَمَاءٍ أَرْوَى مöنْ مَائöكُمْ هَذَا، فَقَالَ جُلُّ الْقَوْمö: مَا قَدَرْنَا عَلَى هَذَا حَتَّى كöدْنَا أَنْ لَا نَقْدöرَ عَلَيْهö، وَقَالَتْ طَائöفَةñ مöنْهُمْ: أَلَسْتُمْ قَدْ جَعَلْتُمْ لöهَذَا الرَّجُلö عُهُودَكُمْ، وَمَوَاثöيقَكُمْ أَنْ لَا تَعْصُوهُ، وَقَدْ صَدَقَكُمْ فöي أَوَّلö حَدöيثöهö، فَآخöرُ حَدöيثöهö مöثْلُ أَوَّلöهö، فَرَاحَ وَرَاحُوا مَعَهُ، فَأَوْرَدَهُمْ رöيَاضًا خُضْرًا، وَمَاءً رُوَاءً، وَأَتَى الْآخَرöينَ الْعَدُوُّ مöنْ تَحْتö لَيْلَتöهöمْ، فَأَصْبَحُوا مöنْ بَيْنö قَتيöلٍ وَأَسöيرٍ».
2-حرصه صلي الله عليه وسلم علي هداية أمته والناس أجمعين :
شبه النبي صلي الله عليه وسلم نفسه بالنذير العريان، وهو «مَثَلñ مَشْهُورñ سَائöرñ بَيْنَ الْعَرَبö، يُضْرَبُ لöشöدَّةö الْأَمْرö وَدُنُوّö الْمَحْذُورö وَبَرَاءَةö الْمُحَذّöرö عَنö التُّهْمَةö، وَأَصْلُهُ: أَنَّ الرَّجُلَ إöذَا رَأَى الْعَدُوَّ قَدْ هَجَمَ عَلَى قَوْمöهö، وَأَرَادَ أَنْ يُفَاجöئَهُمْ وَكَانَ يَخْشَى لُحُوقَهُمْ قَبْلَ لُحُوقöهö تَجَرَّدَ عَنْ ثَوْبöهö، وَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسö خَشَبَةٍ وَصَاحَ لöيَأْخُذُوا حöذْرَهُمْ، وَقöيلَ: هُوَ الَّذöي غَشöيَهُ الْعَدُوُّ وَكَانَ رَبöيئَةَ قَوْمöهö، أَيْ: جَاسُوسَهُمْ، فَأَخَذُوهُ وَتَعَلَّقُوا بöثöيَابöهö، فَانْسَلَّ مöنْهَا وَلَحöقَ بöقَوْمöهö فَأَنْذَرَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلَى حَالَتöهö تöلْكَ ارْتَحَلُوا عَنْ آخöرöهöمْ، وَقöيلَ: إöنَّهُ الَّذöي سَلَبَ الْعَدُوُّ مَا عَلَيْهö مöنَ الثّöيَابö فَأَتَى قَوْمَهُ عُرْيَانًا يُخْبöرُهُمْ، فَصَدَّقُوهُ لöمَا عَلَيْهö مöنْ آثَارö الصّöدْقö، وَخُصَّ الْعُرْيَانُ بöالذّöكْرöº لöأَنَّهُ أَبْيَنُ فöي الْعَيْنö وَأَغَرُّ وَأَشْنَعُ عöنْدَ الْبَصَرö»([1]) 
وفي تشبيه النبي صلي الله عليه وسلم نفسه بالنذير العريان بيان لكونه حريصا كل الحرص علي هداية الناس أجمعين، ويتبين ذلك في أنه لم يدع بابا من الخير إلا ودل الناس عليه، ولم يدع بابا من الشر إلا وحذر الناس منه، فقد أخرج أحمد والطبراني في الكبير –واللفظ له- وصححه ابن حبان عَنْ أَبöي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: تَرَكْنَا رَسُولَ اللهö صلي الله عليه وسلم وَمَا طَائöرñ يُقَلّöبُ جَنَاحَيْهö فöي الْهَوَاءö، إöلَّا وَهُوَ يُذَكّöرُنَا مöنْهُ عöلْمًا، قَالَ: فَقَالَ: صلي الله عليه وسلم: «مَا بَقöيَ شَيْءñ يُقَرّöبُ مöنَ الْجَنَّةö، ويُبَاعöدُ مöنَ النَّارö، إöلَّا وَقَدْ بُيّöنَ لَكُمْ».
ولم يدع شيئا مما يكون بينه وبين الساعة للأمة خير في معرفته إلا أخبرهم به، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه، فقد أخرج البخاري عن عُمَرَ رضي الله عنه قال: قَامَ فöينَا النَّبöيُّ صلي الله عليه وسلم مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءö الخَلْقö، حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةö مَنَازöلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارö مَنَازöلَهُمْ، حَفöظَ ذَلöكَ مَنْ حَفöظَهُ، وَنَسöيَهُ مَنْ نَسöيَه.
وأخرج مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَامَ فöينَا رَسُولُ اللهö صلي الله عليه وسلم مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فöي مَقَامöهö ذَلöكَ إöلَى قöيَامö السَّاعَةö، إöلَّا حَدَّثَ بöهö، حَفöظَهُ مَنْ حَفöظَهُ وَنَسöيَهُ مَنْ نَسöيَهُ، قَدْ عَلöمَهُ أَصْحَابöي هَؤُلَاءö، وَإöنَّهُ لَيَكُونُ مöنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسöيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلö إöذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إöذَا رَآهُ عَرَفَهُ».
وأخرج مسلم أيضا عن عَمْرöو بْنö أَخْطَبَ رضي الله عنه قَالَ: «صَلَّى بöنَا رَسُولُ اللهö صلي الله عليه وسلم الْفَجْرَ، وَصَعöدَ الْمöنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتö الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعöدَ الْمöنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتö الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعöدَ الْمöنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتö الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بöمَا كَانَ وَبöمَا هُوَ كَائöنñ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا».
وأخرج الترمذي وحسنه عَنْ أَبöي سَعöيدٍ الخُدْرöيّö رضي الله عنه قَالَ: «صَلَّى بöنَا رَسُولُ اللَّهö صلي الله عليه وسلم يَوْمًا صَلَاةَ العَصْرö بöنَهَارٍ، ثُمَّ قَامَ خَطöيبًا، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إöلَى قöيَامö السَّاعَةö إöلَّا أَخْبَرَنَا بöهö، حَفöظَهُ مَنْ حَفöظَهُ، وَنَسöيَهُ مَنْ نَسöيَهُ» الحديث.
ومن ذلك أنه حذر أمته من التنافس على الدنيا، ومن المتابعة لأعدائها، ومن الفتن التي تموج كموج البحر، ومن فتنة الدجال، وأطلع الأمة على علامات الساعة الصغرى والكبرى، لتبقى الأمة في حالة يقظة مستمرة. 
ويدل على حرصه الكبير صلي الله عليه وسلم فرحُه الشديد حينما يؤمن به إنسان كان علي الشرك ويموت علي الإيمان، كالغلام اليهودي الذي مرض فذهب النبي صلي الله عليه وسلم يعوده وأسلم علي يديه ثم مات بعد ذلك ، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ غُلَامًا مöنَ الْيَهُودö كَانَ مَرöضَ فَأَتَاهُ النَّبöيُّ صلي الله عليه وسلم يَعُودُهُ فَقَعَدَ عöنْدَ رَأْسöهö، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلöمْ» فَنَظَرَ إöلَى أَبöيهö، وَهُوَ عöنْدَ رَأْسöهö، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أَطöعْ أَبَا الْقَاسöمö، فَأَسْلَمَ، فَقَامَ النَّبöيُّ صلي الله عليه وسلم، وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لöلَّهö الَّذöي أَنْقَذَهُ بöي مöنَ النَّارö».
كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يحزن حزنا شديداً حينما يموت إنسان علي الشرك، مع أن الله جل وعلا قال له {مَا عَلَى الرَّسُولö إöلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [المائدة: 99] وكان يحرص ألا تفلت نفس منه إلي النار.
وكان يدعو للمخالفين له أن يهديهم الله لهذا الحق، وأن يكونوا من حملة هذا النور، وهذا ما حصل منه مع كفار مكة، مع أنهم آذوه وطاردوه، لكنه كان يدعو الله لهم بالهداية ، فكان يدعو الله أن يعز الإسلام بأحد العمرين عمرو بن هشام أو عمر بن الخطاب، فقد أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح من حديث ابْنö عُمَرَ رضي الله عنهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهö صلي الله عليه وسلم قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعöزَّ الإöسْلَامَ بöأَحَبّö هَذَيْنö الرَّجُلَيْنö إöلَيْكَ، بöأَبöي جَهْلٍ أَوْ بöعُمَرَ بْنö الخَطَّابö» قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إöلَيْهö عُمَرُ.
ولما رجع من الطائف وقد لقي من أهلها إيذاءً شديداً وجاءه ملك الجبال بإذن الله ليأمره فيهم بما شاء لم يكن في نفسه لهم إلا رجاء هدايتهم إلى الحق، فقد أخرج الشيخان من حديث عَائöشَةَ رَضöيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجö النَّبöيّö صلي الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ لöلنَّبöيّö صلي الله عليه وسلم: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمñ كَانَ أَشَدَّ مöنْ يَوْمö أُحُدٍ، قَالَ: «لَقَدْ لَقöيتُ مöنْ قَوْمöكö مَا لَقöيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقöيتُ مöنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةö، إöذْ عَرَضْتُ نَفْسöي عَلَى ابْنö عَبْدö يَالöيلَ بْنö عَبْدö كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجöبْنöي إöلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومñ عَلَى وَجْهöي، فَلَمْ أَسْتَفöقْ إöلَّا وَأَنَا بöقَرْنö الثَّعَالöبö، فَرَفَعْتُ رَأْسöي، فَإöذَا أَنَا بöسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنöي، فَنَظَرْتُ فَإöذَا فöيهَا جöبْرöيلُ، فَنَادَانöي فَقَالَ: إöنَّ اللَّهَ قَدْ سَمöعَ قَوْلَ قَوْمöكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إöلَيْكَ مَلَكَ الجöبَالö لöتَأْمُرَهُ بöمَا شöئْتَ فöيهöمْ، فَنَادَانöي مَلَكُ الجöبَالö فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلöكَ فöيمَا شöئْتَ، إöنْ شöئْتَ أَنْ أُطْبöقَ عَلَيْهöمُ الأَخْشَبَيْنö؟ فَقَالَ النَّبöيُّ صلي الله عليه وسلم: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرöجَ اللَّهُ مöنْ أَصْلاَبöهöمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرöكُ بöهö شَيْئًا»
وقد سجل الله هذا الحرص الكبير، فقال تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولñ مöنْ أَنْفُسöكُمْ عَزöيزñ عَلَيْهö مَا عَنöتُّمْ حَرöيصñ عَلَيْكُمْ بöالْمُؤْمöنöينَ رَءُوفñ رَحöيمñ} [التوبة: 128]
هكذا كان حرصه صلي الله عليه وسلم ليس علي أمته فحسب بل علي الناس كافة{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إöلَّا رَحْمَةً لöلْعَالَمöينَ} [الأنبياء: 107]، حتى كانت نفسه تتقطع حسرات على إعراضهم عن الحق وإصرارهم على الكفر {فَلَعَلَّكَ بَاخöعñ نَفْسَكَ عَلَى آثَارöهöمْ إöنْ لَمْ يُؤْمöنُوا بöهَذَا الْحَدöيثö أَسَفًا} [الكهف: 6]، {لَعَلَّكَ بَاخöعñ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمöنöينَ} [الشعراء: 3]، أي: لعلك قاتل نفسك، ومتلف جسدك، ومضيع وقتك وأنت تتبع القوم، وتمضي في إثرهم، وهم يعرضون عنك، أنت تريد لهم الخير وهم يبتعدون عنك، وقال له ربه تبارك وتعالى {فَإöنَّ اللَّهَ يُضöلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدöي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهöمْ حَسَرَاتٍ إöنَّ اللَّهَ عَلöيمñ بöمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8]. وقال له ربه مسليا ومسريا {واصبر وما صبرك وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهöمْ وَلا تَكُ فöي ضَيْقٍ مöمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل:127] .
وحين يطلب منه بعض المسلمين أن يدعو على المعرضين عن الحق يدعو لهم بالهداية والرشاد، كما فعل مع قبيلة دوس، فقد أخرج الشيخان وأحمد –واللفظ له- عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسöيُّ إöلَى رَسُولö اللَّهö صلي الله عليه وسلم، فَقَالَ: إöنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهöمْ. فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهö صلي الله عليه وسلم الْقöبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهö، فَقَالَ النَّاسُ: هَلَكُوا. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدö دَوْسًا وَائْتö بöهöمْ، اللَّهُمَّ اهْدö دَوْسًا وَائْتö بöهöمْ».
ويبلغ حرصه على الناس حد احتمال الأذى من المنافقين الذين يسيئون إليه، فيأتيهم ويواصلهم وهو يعلم مانطوت عليه من الكفر والحقد قلوبهم، فقد أخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قَالَ: قöيلَ لöلنَّبöيّö صلي الله عليه وسلم: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهö بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إöلَيْهö النَّبöيُّ صلي الله عليه وسلم وَرَكöبَ حöمَارًا، فَانْطَلَقَ المُسْلöمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ وَهöيَ أَرْضñ سَبöخَةñ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبöيُّ صلي الله عليه وسلم، فَقَالَ: إöلَيْكَ عَنّöي، وَاللَّهö لَقَدْ آذَانöي نَتْنُ حöمَارöكَ، فَقَالَ رَجُلñ مöنَ الأَنْصَارö مöنْهُمْ: وَاللَّهö لَحöمَارُ رَسُولö اللَّهö صلي الله عليه وسلم أَطْيَبُ رöيحًا مöنْكَ، فَغَضöبَ لöعَبْدö اللَّهö رَجُلñ مöنْ قَوْمöهö، فَشَتَمَهُ، فَغَضöبَ لöكُلّö وَاحöدٍ مöنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبñ بöالْجَرöيدö وَالأَيْدöي وَالنّöعَالö، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزöلَتْ: {وَإöنْ طَائöفَتَانö مöنَ المُؤْمöنöينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلöحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]
إن الداعية المهموم بدعوته الحريص على رسالته لا تكاد الرغبة في هداية الخلق إلى طريق الحق تفارق خياله، فدلالة الناس على الحق شاغله في كل أحواله، وليست الدعوة بالنسبة له هواية عارضة، أو قضية ثانوية، أو عملاً يشغل به فضول أوقاته، بل شعاره {قُلْ إöنَّ صَلاتöي وَنُسُكöي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتöي لöلَّهö رَبّö الْعَالَمöينَ. لا شَرöيكَ لَهُ وَبöذَلöكَ أُمöرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلöمöينَ} [الأنعام:162-163] . يشتد فرحه حين تنفتح القلوب لدعوته، وتقر عينه حين يؤمن أحد برسالته، ويأتي الناس في مسجدهم وناديهم ومحال أعمالهم، ولا يألو جهدا في البحث عن سبل الوصول إلى قلوبهم، ويحرص على احترام الخلق وتقديرهم ، ممتثلا توجيه النبي صلي الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهö صلي الله عليه وسلم: «لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بöأَمْوَالöكُمْ، فَلْيَسَعْهُمْ مöنْكُمْ بَسْطُ وَجْهٍ، وَحُسْنُ خُلُقٍ» ، ولا يتردد في مخاطبتهم بالتي هي أحسنº رجاء استمالتهم إلى الحق، ويلين لهم حتى يجتمعوا من حوله ويسمعوا له {فَبöمَا رَحْمَةٍ مöنَ اللَّهö لöنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلöيظَ الْقَلْبö لَانْفَضُّوا مöنْ حَوْلöكَ} (آل عمران: 159)، ويشغل نفسه بالدعاء للعصاة والضالين بالهداية لا بالانتقام، ويحتال للأخذ بأيديهم إلى طريق رب العالمين.
هل أتاك أيها الأخ الكريم نبأ قصة مالك بن دينار التي ذكرها الذهبي في (سير أعلام النبلاء) حين دخل عليه لص، فما وجد ما يأخذ، فناداه مالك: لم تجد شيئا من الدنيا، فترغب في شئ من الآخرة ؟ قال: نعم. قال: توضأ، وصل ركعتين، ففعل ثم جلس وخرج إلى المسجد، فسئل من ذا ؟ قال: جاء ليسرق فسرقناه!.
هذه هي الروح التي بها ينطلق الداعية المخلص، الذي يرى نفسه صيادا يصيد الخلق بشباك الحرص والشفقة والرغبة الصادقة في هداية الخلق إلى طريق الحق.
3-  قيامه صلي الله عليه وسلم  بالإنذار وانقطاع عذر الكفّار والمنافقين وإقامة الحجّة عليهم:
أرسل الله نبيه صلي الله عليه وسلم {شَاهöدًا وَمُبَشّöرًا وَنَذöيرًا}، أي: شاهدا على الأمّة، ومبشّرا للمطيعين بالجنّة ومنذرا للعصاة بالنّار، وقد قام صلي الله عليه وسلم بالنذارة بما أنزل الله عليه من الآيات {تَبَارَكَ الَّذöي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدöهö لöيَكُونَ لöلْعَالَمöينَ نَذöيرًا} [الفرقان: 1] يعني ينذر الناس عقاب ربهم، ويخوّفهم عذابه إن لم يوحّدوه ولم يخلصوا له العبادة ويخلعوا كلّ ما دونه من الآلهة والأوثان، ومن تمام عدله سبحانه ألا يعذب الناس إلا بعد أن يقيم الحجة عليهم  {وَمَا كُنَّا مُعَذّöبöينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] فإذا أنذرهم الرسول وأقام الحجة عليهم لم يكن لهم عذر بين يدي الله حين يسألهم ويحاسبهم {كُلَّمَا أُلْقöيَ فöيهَا فَوْجñ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتöكُمْ نَذöيرñ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذöيرñ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مöنْ شَيْءٍ إöنْ أَنْتُمْ إöلا فöي ضَلالٍ كَبöيرٍ} [الْمُلْكö: 8، 9]، وقال تعالى{وَسöيقَ الَّذöينَ كَفَرُوا إöلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إöذَا جَاءُوهَا فُتöحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتöكُمْ رُسُلñ مöنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتö رَبّöكُمْ وَيُنْذöرُونَكُمْ لöقَاءَ يَوْمöكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكöنْ حَقَّتْ كَلöمَةُ الْعَذَابö عَلَى الْكَافöرöينَ} [الزُّمَرö: 71]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُمْ يَصْطَرöخُونَ فöيهَا رَبَّنَا أَخْرöجْنَا نَعْمَلْ صَالöحًا غَيْرَ الَّذöي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمّöرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فöيهö مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذöيرُ فَذُوقُوا فَمَا لöلظَّالöمöينَ مöنْ نَصöيرٍ} [فاطر: 37]، وقال تعالي {وَمَا أَهْلَكْنَا مöنْ قَرْيَةٍ إöلَّا لَهَا مُنْذöرُونَ} [الشعراء: 208]، وقال جل شأنه {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلöكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فöي أُمّöهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهöمْ آيَاتöنَا وَمَا كُنَّا مُهْلöكöي الْقُرَى إöلَّا وَأَهْلُهَا ظَالöمُونَ} [القصص: 59]  إöلَى غَيْرö ذَلöكَ مöنَ الْآيَاتö الدَّالَّةö عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُدْخöلُ أَحَدًا النَّارَ إöلَّا بَعْدَ إöرْسَالö الرَّسُولö إöلَيْهö.
وقام النبي صلي الله عليه وسلم بنذارة الأمة وفي مقدمتها عشيرته الأقربونº حتي لا يتكل أحد علي أنه قريب لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وأنه سيشفع له يوم القيامة فيكون سببا في تقاعسه عن العمل، وقد أخرج الشيخان من حديث أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهö صلي الله عليه وسلم حöينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: {وَأَنْذöرْ عَشöيرَتَكَ الأَقْرَبöينَ} [الشعراء: 214] قَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلöمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ أُغْنöي عَنْكُمْ مöنَ اللَّهö شَيْئًا، يَا بَنöي عَبْدö مَنَافٍ لاَ أُغْنöي عَنْكُمْ مöنَ اللَّهö شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدö المُطَّلöبö لاَ أُغْنöي عَنْكَ مöنَ اللَّهö شَيْئًا، وَيَا صَفöيَّةُ عَمَّةَ رَسُولö اللَّهö لاَ أُغْنöي عَنْكö مöنَ اللَّهö شَيْئًا، وَيَا فَاطöمَةُ بöنْتَ مُحَمَّدٍ سَلöينöي مَا شöئْتö مöنْ مَالöي لاَ أُغْنöي عَنْكö مöنَ اللَّهö شَيْئًا»
وعند مسلم من حديث عَائöشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَأَنْذöرْ عَشöيرَتَكَ الْأَقْرَبöينَ} قَامَ رَسُولُ اللهö صلي الله عليه وسلم عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ: «يَا فَاطöمَةُ بöنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفöيَّةُ بöنْتَ عَبْدö الْمُطَّلöبö، يَا بَنöي عَبْدö الْمُطَّلöبö، لَا أَمْلöكُ لَكُمْ مöنَ اللهö شَيْئًا، سَلُونöي مöنْ مَالöي مَا شöئْتُمْ».
وأخرج البخاري في (الأدب المفرد) وابن أبي عاصم في (السنة) بسند حسن عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنّ رَسُولَ اللَّهö صلي الله عليه وسلم قَالَ: «إöنَّ أَوْلöيَائöي يَوْمَ الْقöيَامَةö الْمُتَّقُونَ، وَإöنْ كَانَ نَسَبñ أَقْرَبَ مöنْ نَسَبٍ، لا يَأْتöي النَّاسُ بöالأَعْمَالö وَتَأْتُونöي بöالدُّنْيَا تَحْمöلُونَهَا عَلَى رöقَابöكُمْ، فَتَقُولُونَ يَا محمد! فأقول هكذا» أو أعرض في عطفيه.
وهكذا يقيم النبي صلي الله عليه وسلم الحجة على الخلق أجمعين، بدءا بآل بيته وعشيرته الأقربين، وحين يحس بدنو الأجل بستشهد بالأمة على تمام البلاغ المبين فيقول فيما أخرجه البخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه بعد أن خطب فيهم يوم النحر: «أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟» . قَالُوا: نَعَمْ . قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلّöغö الشَّاهöدُ الْغَائöبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مöنْ سَامöعٍ...» الحديث، وفي حديث البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «أَلاَ إöنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دöمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، كَحُرْمَةö يَوْمöكُمْ هَذَا، فöى بَلَدöكُمْ هَذَا، فöى شَهْرöكُمْ هَذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟» . قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلاَثًا، وَيْلَكُمْ، أَوْ وَيْحَكُمُ، انْظُرُوا لاَ تَرْجöعُوا بَعْدöى كُفَّارًا، يَضْرöبُ بَعْضُكُمْ رöقَابَ بَعْضٍ».
وما فارق صلي الله عليه وسلم الدنيا حتى كان قد أتم البلاغ وقطع الأعذار وأبان سبيل النجاة وحذر من سبل الهلاك، أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبغوي في (شرح السنة) وصححه الألباني عَنْ عَبْدö اللَّهö بْنö مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنö النَّبöيّö صلي الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ مöنْ شَيْءٍ يُقَرّöبُكُمْ إöلَى الْجَنَّةö، وَيُبَاعöدُكُمْ مöنَ النَّارö، إöلا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بöهö، وَلَيْسَ شَيْءñ يُقَرّöبُكُمْ مöنَ النَّارö، وَيُبَاعöدُكُمْ مöنَ الْجَنَّةö إöلا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإöنَّ الرُّوحَ الأَمöينَ نَفَثَ فöي رُوعöي: أَنَّهُ لَيْسَ مöنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفöيَ رöزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمöلُوا فöي الطَّلَبö، وَلا يَحْمöلَنَّكُمُ اسْتöبْطَاءُ الرّöزْقö أَنْ تَطْلُبُوهُ بöمَعَاصöي اللَّهö، فَإöنَّهُ لا يُدْرَكُ مَا عöنْدَ اللَّهö إöلا بöطَاعَتöهö». وأخرج مسلم عن عَبْدö اللهö بْنö عَمْرöو بْنö الْعَاصöرضي الله عنهم قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولö اللهö صلي الله عليه وسلم فöي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزöلًا فَمöنَّا مَنْ يُصْلöحُ خöبَاءَهُ، وَمöنَّا مَنْ يَنْتَضöلُ، وَمöنَّا مَنْ هُوَ فöي جَشَرöهö (يعني في وسط دوابه)، إöذْ نَادَى مُنَادöي رَسُولö اللهö صلي الله عليه وسلم: الصَّلَاةَ جَامöعَةً، فَاجْتَمَعْنَا إöلَى رَسُولö اللهö صلي الله عليه وسلم، فَقَالَ: «إöنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبöيّñ قَبْلöي إöلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهö أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرö مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذöرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإöنَّ أُمَّتَكُمْ هَذöهö جُعöلَ عَافöيَتُهَا فöي أَوَّلöهَا، وَسَيُصöيبُ آخöرَهَا بَلَاءñ، وَأُمُورñ تُنْكöرُونَهَا، وَتَجöيءُ فöتْنَةñ فَيُرَقّöقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجöيءُ الْفöتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمöنُ: هَذöهö مُهْلöكَتöي، ثُمَّ تَنْكَشöفُ وَتَجöيءُ الْفöتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمöنُ: هَذöهö هَذöهö، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنö النَّارö، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتöهö مَنöيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمöنُ بöاللهö وَالْيَوْمö الْآخöرö، وَلْيَأْتö إöلَى النَّاسö الَّذöي يُحöبُّ أَنْ يُؤْتَى إöلَيْهö... » الحديث.
وأخرج أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم عن الْعöرْبَاضö بْنö سَارöيَةَرضي الله عنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهö صلي الله عليه وسلم مَوْعöظَةً ذَرَفَتْ مöنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجöلَتْ مöنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهö، إöنَّ هَذöهö لَمَوْعöظَةُ مُوَدّöعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إöلَيْنَا؟ قَالَ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءö لَيْلُهَا كَنَهَارöهَا، لَا يَزöيغُ عَنْهَا بَعْدöي إöلَّا هَالöكñ، مَنْ يَعöشْ مöنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتöلَافًا كَثöيرًا، فَعَلَيْكُمْ بöمَا عَرَفْتُمْ مöنْ سُنَّتöي، وَسُنَّةö الْخُلَفَاءö الرَّاشöدöينَ الْمَهْدöيّöينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بöالنَّوَاجöذö، وَعَلَيْكُمْ بöالطَّاعَةö، وَإöنْ عَبْدًا حَبَشöيًّا، فَإöنَّمَا الْمُؤْمöنُ كَالْجَمَلö الْأَنöفö، حَيْثُمَا قöيدَ انْقَادَ».
وأخرج ابن أبي عاصم في (السنة) عَنْ أَبöي الدَّرْدَاءö رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهö صلي الله عليه وسلم عَلَيْنَا فَقَالَ: «ايْمُ اللَّهö لَأَتْرُكَنَّكُمْ عَلَى مöثْلö الْبَيْضَاءö، لَيْلُهَا كَنَهَارöهَا سَوَاءñ» . فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءö: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَدْ تَرَكَنَا عَلَى مöثْلö الْبَيْضَاءö.
وإذ كان الأمر كذلك فلا عذر لهذه الأمة في التخلي عن سبيل النجاة، أو البحث عن أسباب السعادة بعيدا عن هذا المنهج الرباني الكريم، الذي أنزله الله على نبيه صلي الله عليه وسلم بشقيه القرآن والسنة، الذين تضمنا أصول الحياة السعيدة وأصول النهضة الرشيدة وأسباب العز والتمكين. وإن الأمة لمطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تعيد صياغة حياتها ومناهج تعليمها وتربيتها وفق هذه المرجعية، حتى لا تتفرق بها السبل أو يلتبس عليها الحق، فتضل كما ضل غيرها من الأمم {أَلَمْ يَأْنö لöلَّذöينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لöذöكْرö اللَّهö وَمَا نَزَلَ مöنَ الْحَقّö وَلَا يَكُونُوا كَالَّذöينَ أُوتُوا الْكöتَابَ مöنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهöمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثöيرñ مöنْهُمْ فَاسöقُونَ} [الحديد/16]، {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذöينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مöنْ بَعْدö مَا جَاءَهُمُ الْبَيّöنَاتُ وَأُولَئöكَ لَهُمْ عَذَابñ عَظöيمñ} [آل عمران/105]. آن للأمة أن تسمع نداء ربها تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آَمَنُوا أَطöيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذöينَ قَالُوا سَمöعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُون} [الأنفال/20- 21]، وأن تنتبه إلى تحذيره عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسñ مَا قَدَّمَتْ لöغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إöنَّ اللَّهَ خَبöيرñ بöمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذöينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئöكَ هُمُ الْفَاسöقُونَ} [الحشر/18، 19].
 


([1]) مرقاة المفاتيح 1/231.


المقالات الخاصة بنفس الكاتب

الحرابة وتطبيق الحدود 
العلاقة بين الدين والديمقراطية في مصر 
الخطاب الدعوي في المرحلة المقبلة آمال وآفاق 
أخبار القضاة 
أخلاق الكرام وأخلاق العبيد 
مرة أخرى .. إن دماءكم حرام 
من تأنى نال ما تمنى 
الحسد السياسي 
معركة الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم بين الربح والخسارة 
وَمَا تُخْفöي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ 
الذين لا يعجبهم العجب 
الحق ثقيل والباطل خفيف 
رمضان وانطلاق مشروع النهضة 
قاض في الجنة 
عفوا يا أستاذ سعدة 
الأزهر والإخوان 
الذين يبغونها عوجا 
كل عام وأنتم بخير 
استخدام القسوة مع المواطنين في النظام الإسلامي 
التنصت على المواطنين في النظام الإسلامي 
[1] [2] [3] [4] [5] |التالي|


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca