وإنما يعنون بصفاء الابتداء معنيين يتتابعان في توال ، فيتلازمان : النية الصالحة ، والهمة العالية ، حصرهما البحتري في شطر مبين و سماهما :
نفس تضيء ، وهمة تتوقد 37
و النفس المضيئة كناية عن النفس التي احتوت نية صافية ، فهي تـنير بما يكون لها من هذا الصفاء .
وهي : ( النية الحرة ) التي ذكرها البحتري أيضاً في بيت آخر38 ، فأحسن الوصف وأجاد ، فكأنها حرة مما يقيد غيرها ، من الأهواء والأطماع والمصالح ، لم يستعبدها درهم ولا دينار ولا جمال أنثى ، ولم تكن رقيقاً لمنصب أو شهوة .
فالداعية لا يصدر قط عن شهوة ، ولا طلب مصلحة ، و إنما له في كل حركة وسكنة تطلعات إلى الأجر .
وكذلك كان الصالحون .
وبهذا الوصف وصف هشام بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز الأموي رحمه الله فقال : " ما أحسب عمر خطا خطوة قط إلا وله فيها نية " 39 . ولذلك استطاع عمر في أقل من سنتين تقويم اعوجاج جيلين ، وعلى داعية الإسلام اليوم أن لا يستـكبر عظم الانحراف الذي عمّ بلاد الإسلام ، فإنه – إن قَرن كل خطوة بنية مثل الراشد الخامس – سيهزم حزبين بإذن الله في أقل من سنتين .
و يتعاظم الخير في عقود المؤمنين مع الله كلما زاد تجردهم حين العقد ، ولذلك رأت الدنيا عظم الخير في ولاية عمر بن عبد العزيز لما تجرد سليمان بن عبد الملك رحمه الله محض التجرد حين عقد له واستخلفه وقال :
" لأعقدنَّ عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب " 40 .
بل العمل الصغير بالنية يعظم ، كما يشير عبد الله بن المبارك في قوله : " رُب عمل صغير تعظمه النية ، ورب عمل كبير تصغره النية " .
ومعقود اللسان من الدعاة يصبح بالنية ناثراً من فيه جواهر البلاغة الآسرة للناس ، كما ينص على ذلك طب عبدالقادر الكيلاني في قوله : " كن صحيحاً في السر : تكن فصيحاً في العلانية " 41
وأما المخلط في نيته فيخلط عليه في أموره وسيرته ، كان ذلك في التاريخ على أهل التخليط حتماً مقضياً ، وهو المعنى الذي كشفه التابعي الجليل مُطرَّف بن الصحابي الجليل عبد الله بن الشخِيّر العامري في قوله : " صلاح العمل بصلاح القـلب ، وصلاح القـلب بصلاح النية ، ومن صفا : صُفّي له . ومن خلط : خُلَّط عليه " .
ونتيجة التخليط أن يضطرب القلب في فوضى تعدم السكينة ، و " إن الخطأ الأكبر أن تـنظيم الحياة من حولك ، وتترك الفوضى في قلبك " ، كما يقول مصطفى صادق الرفاعي 42 .
فاعرف سياسة النفس هذه أيها الداعية ، وأتقِن ولوجها قبل ولوج سياسة الحكم ، فإنه : " فرض على العامل أن يعرف النية من الأمنية " , كما قيل .
فهناك نية وهناك أمنية ، والأمر كما قال يحيى بن معاذ : " لا يزال العبد مقروناً بالتواني , مادام مقيماً على وعد الأماني " 43 .
وما اختار أحدٌ الأماني تـقوده إلا كان أثـقـل ما يكون خطواً ، ووجد ثَم السراب الخادع ، وعّدِم الماءَ وقت العطش ، وأما المضيء النفس ، ومن لا أمنية له من الدعاة ، فإنك تجده سبّاقاً إلى كل خير أبداً ، وتجده على ري دوماً فإنه إن كان ذا قوة : استـقى لنفسه ، أو استسقى ، فيجيبه الله بهطل من السماء ، وإن كان مستضعفاً : وجد وريثاً لموسى عليه السلام ، يسقي له ويزاحم الرعاع .