وجاءت الأجازة الصيفية الثانية وكان لزاماً علي أن أقضيها بالمحمودية فلا بد من إيجاد سبب للإقامة هناك طوال الأجازة. فعرضت على الوالد أن أذهب لأفتح دكاناً لنا هناك أعمل فيه بنفسي، كساعاتي مستقل، لأتمرن تمريناً عملياً استقلالياً على الصنعة. -وكان الوالد يعلم السبب الحقيقي ولكنه كان كثيرا ما يسلم لي بما أريد ويشعرني دائما ثقته بتصرفاتي مما عودني به الثقة بنفسي ولهذا سمح لي بالسفر وأوصاني خيرا. وسافرت، وفتحت الدكان، واشتغلت فعلا بإصلاح الساعات، وكنت أجد سعادتين في هذه الحياة، سعادة الاعتماد على النفس والكسب من عمل اليد، وسعادة الاجتماع بالأخ أحمد أفندي وقضاء الوقت معه ومع الحصافية وقضاء ليالي هذه الأجازة معهم نذكر الله، ونتذاكر العلم في المسجد تارة، وفي المنازل تارة، وفي الخلوات بظاهر البلد تارة أخرى، والاستحمام في النيل في النهار أحياناً، وكانت لي وللأخ أحمد أفندي اجتماعات خاصة كثيراً ما تستغرق الليل بطوله. وكان نزولي في منزله طول مدة الأجازة فكنا لا نفترق في ليل أو نهار.
وبالرغم من اشتغالنا الكامل بالعبادة والذكر واستغراقنا في الطريق بأورادها ووظائفها وأحفالها إلا أننا كنا دائما نتعشق العلم والقراءة، وننفر من كل ما يتنافى مع ظاهر الدين وأحكامه، وننكر على- كثير من المنتسبين للطرق خروجهم على تعاليم الإسلام. فكنا مريدين أحراراً في تفكيرنا وإن كنا مخلصين كل الإخلاص في تقديرنا للعبادة والذكر وآداب السلوك.