لئن رأينا أبا الدرداء رضي الله عنه بعد فـراقة حزب محمد صلى الله عليه وسلم باكياً ، فإنه سرعان ما انـقلب ضاحكاً ، ليقول : ( أضحكني : مؤمل الدنيا ، والموت يطلبه , وغافل ، ليس بمغفول عنه , و ضاحك بملء فيه ولا يدري أرضى الله أم أسخطه ) 108
وإنما هـو ضحك التعجـب من صورة حياتية يشاهـدها كل مراقب لحياة الناس ، يرى خلالها أنماطاً من الغـفـلة تحرف شدةُ طمع تصاحبها بعضَ الناس عن رؤية مصير رهيب يتخطف غيرَهم من حولهم ، وما لهم أدنى ضمان لدفعه لو جاءهم كما يجيء أولئك .
فالناس في غـَفـَلاتهم **** ورَحى المنيّة تـَطْحنُ
وهي ضحكة قد تهجم على صاحبها لأول وهـلة حين يحار في تـفسير هذه الظاهرة ، لكنها سرعان ما تتحول إلى شفـقة ورحمة تأبى إلا أن تصدم الغافل صدمة إيقاظ تخرجه عن سكونه .
رحمة حركـت أبا الدرداء برفـق فأتى إلى هـذا الذي أضحكه فنـقـر بأصبعه على كتـفه فالتـفـت ، فهمس في أذنه أن : ( ويحك كيف بك لو قد حُـفِـرَ لك أربعُ أذرع من الأرض ) 109 وما نـدري مدى حظ ذاك المرء من التوفيق ، إن كان انخلع من غـفـلتـه أم سَدر فيها ولكنا ندري أن هـمسة أبي الدرداء ما زالت حية ، وأن ما ذرعه لم تـزده الأيام سعة وطولاً ، وأن قبل هذه الأذرع الأربعة وبعدها قصة متصلة المشاهـد ، يرويها الرواة لمن يلـقي السمع وهـو شهيد .