ونصوص القرآن والحديث الشريف تشهد للأمراء وتمنحهم حق الطاعة، لكنَ بعض مَن يُحاور في قضايا الفتن يظن أن هذه الآيات والأحاديث لا تنطبق على علاقات الإمارة والجندية في الساحة الدعوية، ويذهب إلى أنها غير صالحة للاستشهاد بها، لأنها إنما وردت في الأمير الذي يحكم كل أو بعض بلاد المسلمين حكماً سياسياً من خلال دولة ونظام.
ولسنا نجادل في أنها وردت في ولاة الحكم، ولكن معناها يتعدى ليسري على الإمارة الدعوية من خلال القياس الأصولي، وعبر استحضار الروح العامة للشريعة في باب الإمارة، وهي الروح التي احتكم لها ابن تيمية في بعض إفتائه. وعنصر القوة في قبول هذا القياس: أن البيعة لأمراء الدعوة قد انعقدت بعقد رضائي تام، وألزم الدعاة أنفسهم بهذه الطاعة اختياراً، لما قام في قلوبهم من معني لزومها لإيجاد حقيقة العمل الجماعي الكفيل بوضع الدعوة في موضع المكافأة لخصوم الإسلام في ساحة التنافس، ولم يقل أحد من الدعاة بلزوم طاعة عامة المسلمين لأمراء الدعوة، و انما مضى مذهبهم بوجوبها على مَن بايع عن قناعة واختار هدر حقوقه في الإجتهاد والتصرف إذا خالفتهما توجهات وأوامر أمراء الدعوة، ويزداد رجحان صحة هذا القياس إذا كان الدعاة في زمان أو مكان ليس فيهما حاكم شرعي أتت به بيعة شرعية شورية، فتكون مسارعة الدعاة الى مبايعة أمير دعوي نوعاً من التعويض المستند الى منطق فقهي صحيح، لما تؤدي إليه هذه البيعة الناقصة الحالية من احتمال إحلال البيعة السياسية الحكمية في عالم الواقع مستقبلا، وما لا يدرك كله لا يترك جُله، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وسيأتي من كلام ابن حجر ما يؤيد هذا القياس .
==
فاترك تساهل من يعفيك من صرامة الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في الأمراء بحجة عدم انطباقها على الواقع الدعوي، وعظ نفسك بها، وتأمل معانيها جيدا، فان لك فيها بإذن الله عصمة من شطط وقع فيه نفر ممن مرّ قبلك...
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه قال: (مَن كره من أميره شيئاً فليصبر، فانه مَن خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية) وفي لفظ (مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليهَ، فان مَن فارق الجماعة شبراً فماتَ إلا مات ميتة جاهلية)17
(وقالَ ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة: السعي في حَلّ البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكني عنها بمقدار الشبر.)18
(والمراد بالميتة الجاهلية- وهي بكسر الميم- : حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد انه يموت كافراً، بل يموت عاصيا)19
واخرج البخاري عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخَذَ علينا أنْ بايَعَنا على السمع والطاعة في مَنْشَطنا ومكرهنا، وعُسرنا وُيسرنا، وأثَرة علينا، وأن لا ننازع الأمرَ أهله إلاَ أن تروا كفراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان)20
وذكر ابن حجر أن في رواية عند ابن حِبان وأحمد: (إلا أن يكون معصية لله بواحا).
ثم قال: (قال النووي: المراد بالكفر هنا: المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا ان تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فاذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا الحق حيثما كنتم. انتهى.
وقال غيره: المراد بالإثم هنا والمعصية: الكفر، فلا يعترض على السلطان إلاّ إذا وقع في الكفر الظاهر .
والذي يظهر: حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية: نازعه في المعصية، بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادراً، والله أعلم.
ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر.
وعن بعضهم: لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدثَ جَوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع، إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه.)21
وفي هذا الكلام قاعدة دعوية مهمة جداً، فقد توهم بعض مَن يجري مع الظاهر بلا فقه أن المسلم عليه أن يقف صامتاً ذا لم ير الكفر، وليس كذلك الأمر، بل عليه أن يأمر وينهى وينكر على الحكام أصحاب المعاصي، فإنما اختلفوا في جواز منازعتهم في الولاية، ولم يختلف الفقهاء في وجوب الإنكار عليهم والصدع بالحق، فتأمل!!
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سِباب المسلم فسوق وقتاله كفر.)22
وقد تكلم ابن حجر في توجيه إطلاق الكفر على قتال المؤمن فقال: (إن أقوى ما قيل في ذلك انه أطلق عليه مبالغة في التحذير من ذلك لينزجر السامع عن الإقدام عليه، أو أنه على سبيل التشبيه، لان ذلك فعل الكافر،)23
وعن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (مَن أطاعني فقد أطاعِ الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)24
قال ابن حجر: (في رواية همام والأعرج عند مسلم: ومَن أطاع الأمير. ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد، فان كل مَن يأمر بحق- وكان عادلاً فهو أمير الشارع، لأنه تولى بأمره وبشريعته، ويؤيده توحيد الجواب في الأمرين، وهو قوله: فقد أطاعني، أي عمل بما شرعته، وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر انه المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث ، وأما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ووقع في رواية همام أيضاً: ومَن يُطع الأمير فقد أطاعني، بصيغة المضارعة، وكذا: ومن يعص الأمير فقد عصاني، وهو أدْخلُ في إرادة تعميم مَن خوطب ومن جاء بعد ذلك.)25
وهذا الكلام من ابن حجر في غاية الأهمية، لما فيه من تأييد ما ذهبنا إليه من القياس الأصولي لأمور أمراء الدعوة الذين يأمرون بالحق على أمراء الحُكم، مما ذكرناه آنفا .
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبُّ وكرِه ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.)26
وقال النبي صلي الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سَمُرَة رضي الله عنه: (يا عبد الرحمن لا تَسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة: وكِلتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة: اُعِنتَ عليها )27