مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

بسم الله الرحمن الرحيم  **** مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: دعاة لا قضاة
المؤلف: حسن الهضيبي
التصنيف: فكر
 

الفصل السابع

الرد على من خالف الأصول السابقة

وقد حاول البعض الخروج على الأصول العامة التي سبق أن شرحناها، فقال:

 

(أولا)

ان الشخص قد يكون مشركا من أصحاب النار الخالدين فيها الذين أمرنا بقتالهم وأحل الله لنا دماءهم وأموالهم، وهو مع ذلك لا يعلم أنه مشرك. وان ذلك دليل على أن المسلم الذي نطق بالشهادتين: يرتد كافرا مشركا ان وقع في أي نوع من أنواع الشرك وان جهل ذلك وان لم يكن عامدا أو كان جاهلا أو متأولا مخطئا. واحتجوا على هذه الدعوى بقوله عز وجل: 'وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه. ذلك بأنهم قوم لا يعلمون'.

 

وقالوا ان قوله تعالى: 'ذلك بأنهم قوم لا يعلمون' معناه أنهم لا يعلمون أنهم مشركون.

والعجب ان الذين قالوا بذلك هم الذين افتتحوا دعواهم المستحدثة بقولهم: 'انه لما نزل القرآن على الناطقين بالضاد كان كل منهم يعرف معنى الاله وما المراد بالرب ومن ثم إذا قيل لهم لا اله الا الله ولا رب سواه ولا شريك له في ألوهيته وربوبيته أدركوا ما دعوا إليه تماما، وبين لهم من غير ما لبس ولا إبهام أي شيء قد نفاه القائل ومنع غير الله أن يوصف به، وأي شيء قد خصه وأخلصه لله تعالى وان الذين كفروا إنما كفروا عن بينة'.

 

ثم إنهم نسوا قولهم هذا ليزعموا أن العرب قد جهلوا معنى كلمة الشرك ذلك المعنى المحدد غير المختلف عليه. ونسوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يقاتل الناس على الرئاسة أو الملك أو المال أو لخلاف شخصي بينه وبينهم، وانه لم تكن بينه عليه الصلاة والسلام وبين أحد من الناس مقاتلة إلا على شهادة أن لا اله الا الله، أرادها منهم. فلم يسلموا بها. وقالوا: 'أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب'.

 

ثم يأتي بعد هذا من يقول ان الذي كان يسجد لهبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ويقول ان عزير ابن الله وأن عيسى عليه السلام ابن الله، ويقاتل محمدا عليه الصلاة والسلام لا لشيء الا لأنه يأبى أن يسلم بأن تلك ليست آلهة، فإن هذا لم يكن يعرف أنه يشرك في السلطان على الدنيا وما فيها أكثر من اله...!!

والزعم أن قوله تعالى: 'ذلك بأنهم قوم لا يعلمون' معناه أنهم لا يعلمون أنهم مشركون إدخال على الآية ما ليس فيها.

 

أما أنهم لا يعلمون فحق، وصدق الله العظيم. فهم لا يعلمون عظمة الله وجلالته وما يجب أن ينزه عنه من المثيل والشريك فهم قوم لا يعلمون.

والذي يطلب من هؤلاء المقاتلين الأمان ليعرف حقيقة دعوة الإسلام وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، جاهل ظاهره أنه غير معاند ولا متكبر، حري بأن يعلم ويعرف وتقام عليه الحجة ويوضح له الأمر حتى يعلم بعد أن لم يكن يعلم.

 

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: 'وان أحد من المشركين، الذين أمرتك بقتالهم فأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم 'استجارك' أي استأمنك فأجبه إلى طلبته 'حتى يسمع كلام الله' أي القرآن، فاقرأه عليه، وتذكر له شيئا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله 'ثم أبلغه مأمنه' أي هو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه. 'ذلك بأنهم قوم لا يعلمون' أي إنما شرعت أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده).

 

وبذلك سقط الاستدلال بهذه الآية الكريمة على ما أرادوا الاستدلال بها عليه.

  • أما نحن فنقول بفضل الله تعالى: ان الأحكام إنما هي لله تعالى وحده، فما سماه الله تعالى كفرا وشريكا. فهو كما قال الله تعالى.

والذي لا شك فيه. أخذا بالنصوص الثابتة، أنه ليس في الناس إلا مسلم أو كافر مشرك. وليس في أحكام هذه الدنيا دون هاتين الصفتين صفة ثالثة.

والمسلم هو المؤمن وقد يكون عاصيا فاسقا. وهو ما لم تظهر منه ردة باق في أحكام هذه الدنيا من المسلمين المؤمنين.

 

والإجماع الذي لا شك فيه أيضا المبني على نصوص ثابتة كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به.. الخ' ان من لم ينطق بالشهادتين ليس مسلما، وهو في أحكام هذه الدنيا في عداد الكافرين المشركين.

 

أما المسلم – وكل من نطق بالشهادتين وقال انه آمن بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة وعلى الغيب. وبرئ من كل دين غير الإسلام فهو مسلم – فهو أما مكلف أو غير مكلف.

وغير المكلف، المجنون أو غير البالغ. مرفوعة عنه الأحكام.

أما المكلف، فهو العاقل. ولابد للعاقل من قدر من الفهم والتمييز والعلم مهما قل. وعلى قدر فهمه وتميزه وعلمه يكون إدراكه لمعنى الشهادتين ومضمونهما. والنقص في فهمه معنى الشهادتين ومضمونهما لا يقدح في إسلامه ووجوب حرمة دمه وماله. وعلى القادرين تعليمه، فما أبلغ به من الحق وقامت عليه به الحجة وجب عليه اعتقاده. فإن عاند فهو مرتد كافر مشرك. وهو قبل ذلك مسلم معصوم الدم والمال مهما اعتور فهمه معنى الشهادتين ومضمونهما من نقص بسبب جهله أو بسبب خطئه في تفهم النصوص، وهو معذور بجهله وخطئه. وقد سبق إيضاح ذلك.

 

(ثانيا)

قالوا أيضا: ان الله تعالى عاب على من لم يتبع الرسول عليه الصلاة والسلام خوفهم ن بطش الناس بهم وتخطفهم لهم وحكم بكفرهم وذلك رغم تصديقهم أنه عليه السلام رسول وأن الذي جاء به هو الهدى من الله عز وجل. فدل على أن اتباع الرسول هو العمل بما جاء به وأنه لا يعذر أحد بتخوفه صاحب السلطان أن يبطش به وأن ينكل به أن يتبع ويعمل وذلك قوله عز وجل: 'وقالوا ان نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون'.

 

وقالوا أيضا ان الله تعالى قد أعلمنا أن المستضعفين الذين اتبعوا كبراءهم ولم يتبعوا أمر الله ورسوله هم من الكفار المشركين الخالدين في النار، وقد نفى تعالى عنهم الإيمان رغم أنهم كانوا مستضعفين خائفين، وذلك مقتضى قوله تعالى: 'ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا. وان الله شديد العذاب. اذ تبرأ الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار'. 'وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص'. 'يوم تقلب وجوههم في النار يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، قالوا: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل'. 'ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين. قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين، وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون'. 'قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا: بل لم تكونوا مؤمنين' وقالوا ان اليمين معناها القوة. وآيات أخرى في ذات المعنى.

 

وأضافوا ان الله تعالى قد حكم بأن ما من إنسان إلا ويبتليه الله فلا بد من البلاء. ولابد من تحمل البلاء والصبر عليه وإلا كان الشخص منافقا كاذبا في ادعائه الإسلام والإيمان. وذلك مقتضى قوله تعالى: 'ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين' إلى قوله تعالى: 'ومن الناس من يقول آمنا بالله. فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله. ولئن جاء من نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم. أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين'.

 

  • ونحن نقول بعون الله: ان كلام الله تعالى حق والقرآن الكريم والأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جميع ذلك وحي من الله إلى رسوله وكل ذلك جملة واحدة وعبارة واحدة يفسر بعضها بعضا ويبين كل منها المعنى المراد من باقيها وليس في أي جزء من آية أو حديث صحيح ما ينافي أو يتعارض أو يختلف مع آيات أو أحاديث صحاح أخر.

'ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا'.

وكل آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام حق واجب اعتقاده والعمل به. وليست هناك آية تقدم على آية أخرى ولا تطرح آية من أجل آية أخرى ولا حديث من أجل حديث ولا من أجل آية، إلا ما ثبت بالدليل الجازم أنه منسوخ. 'أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب'.

 

والإيمان في اللغة: ليس مجرد العلم. أي تيقن الشيء على حقيقته أو بعبارة أخرى ليس مجرد التصديق، بل هو العقد بالقلب. أي التصديق بالقلب والنطق باللسان بما يفيد الإقرار بما صدقه القلب، فليس بمؤمن من قال بلسانه وهو لا يعتقد بقلبه وليس بمؤمن من استيقن بقلبه ولم ينطق مقرا بلسانه.

 

وأيا كان الاختلاف حول المعنى اللغوي لكلمة الإيمان فإن الذي أسلفناه هو معناها الشرعي – مع اختلاف حول ما إذا كانت الأعمال تدخل في مدلول الإيمان شرعا على ما سبق أن أشرنا إليه وما سنعرض له تفصيلا بعد قليل بإذن الله -. ولذا كان لا بد أن ينطق العبد بلسانه مقرا ومعلنا اعتقاده أنه لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وأن كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من عند الله ولو كان الإيمان مجرد العلم وتيقن النفس لكان فرعون وملؤه من المؤمنين. فقد علموا واستيقنوا أن موسى عليه السلام رسول حق من عند الله رغم أنهم أبوا الإقرار بذلك والنطق به. قال تعالى: 'وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا'. ولكانت اليهود والنصارى مؤمنين فقد عرفوا النبي عليه الصلاة والسلام واستيقنوا من ذلك ومنهم من ذكر ذلك بلسانه ولكن ليس على سبيل التسليم والإقرار بل على سبيل الحكاية. قال تعالى: 'الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون' وهؤلاء إذ جحدوا ما علموه واستيقنوا منه وأبوا الإقرار بلسانهم بالحق والتسليم به كفروا ولم يكونوا من المؤمنين. وأصل كلمة الكفر في اللغة، كما قدمنا: التغطية والستر. فهؤلاء ضاقت صدورهم بالحق الذي عرفوه، وأعرضت قلوبهم عن التسليم والإقرار بما استيقنته، فعلموا على تغطيته وستره عن أنفسهم وعن غيرهم وجحدوا به وأبوا الإقرار والنطق بكلمة الحق فهم ممن شرح بالكفر صدرا. ونعوذ بالله من سوء العاقبة.

 

وهذا بيقين هو ذات حال من قطع الله بكفرهم في الآيات السالف الإشارة إليها من الضعفاء الذين اتبعوا سادتهم وكبراءهم في الكفر والشرك. إذ لا يعجز أحد مهما كان الإكراه الواقع عليه عظيما وكبيرا وشنيعا أن يعتقد ويؤمن بقلبه بالحق ويسر إلى ربه تعالى ناطقا بلسانه بالشهادتين مقرا بالحق الذي وقر في قلبه. إذ لا سلطان لأحد في الدنيا على ما في قلب الإنسان أبدا، ولا يعجز أحدا أبدا أن يجد برهة وجيزة يتمتم فيها بالشهادتين مسرا إلى السميع البصير مقرا بالحق دون أن يسمعه أحد سوى مولاه جل شأنه. ولا يعجز عن ذلك إلا كاذب دعى قاصد التولي عن الحق والإعراض عنه قد شرح بالكفر صدرا لم يرد الله تعالى أن يهديه.

 

وذلك على وجه القطع واليقين هو شأن كل مستضعف اتبع سادته وكبراءه ولم يعقد بقلبه وينطق شهادة الحق بلسانه زاعما أن سلطانا ما في الأرض حال بينه وبين ذلك 'ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب'. أما فيما عدا عقد القلب والنطق بشهادة الحق باللسان إقرارا وتسليما فقد وردت النصوص الصريحة التي لا شبهة فيها. والتي لا أشكال في أنها أباحت للمكره أن ينطق بلسانه ما دام واقعا تحت الإكراه بأي كلام حتى ولو كان ذلك الكلام مما كان يعتبر به كافرا لو أنه قاله في غير إكراه ولم يستثن الله تعالى من ذلك شيئا إلا عقد القلب فقط. وأيضا ما فيه بغي على الغير وإضرار به قال تعالى: 'إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم. ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وان الله لا يهدي القوم الكافرين'.

 

كذلك لا إشكال في أن النصوص أباحت للمكره أن يعمل كل ما اضطر وأكره على عمله ما دام واقعا تحت الإكراه، مما كان يعتبر به كافرا لو أنه عمله في غير إكراه وما دام قلبه مطمئنا بالإيمان. ولم يستثن الله تعالى من الأعمال التي تباح للمكره إلا ما كان فيه اعتداء على حقوق غيره من العباد طبقا للنصوص التي سبق شرحها.

 

وقد أسلفنا الحديث الوارد في شأن عمار بن ياسر رضي الله عنه، وانه لما عذبه المشركون نطق بلسانه بما لا شك أنه كلمة الكفر، لو لم يكن مكرها حال نطقه بها لكان مرتدا مشركا رضوان الله تعالى عليه، وان الرسول عليه الصلاة والسلام علم بما نطق به عمار بل ان عمارا هو الذي أبلغ النبي عليه الصلاة والسلام بما حدث. فما زاد عليه الصلاة والسلام على ان سأله عن حال قلبه فلما أجاب بأن قلبه مطمئن بالإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: 'فان عادوا فعد' فكان ذلك التصريح منه عليه الصلاة والسلام تأكيدا بأن الإكراه يبيح حتى كلمة الكفر.

 

وأيضا قد أسلفنا ما أورده القرطبي بشأن الرجلين اللذين أسرهما عيون مسيلمة الكذاب وأنهما أحضرا إليه فسأل أولهما ان كان يشهد أنه 'أي مسيلمة' رسول من عند الله تعالى فأجاب بالموافقة ولا شك أن هذه كلمة كفر صريحة من قالها في غير إكراه ارتد وكفر بإجماع أمة المسلمين وان الرسول عليه الصلاة والسلام علم بالواقعة والذي أعلمه هو ذاته الذي نطق بكلمة الكفر، فلم يعتبره عليه الصلاة والسلام مرتدا كافرا وإنما أعلمه بأن العبرة باطمئنان قلبه بالإيمان.

 

  • والمقابلة بين الآيات والأحاديث والجمع بينها وأعمال كل منها كما هو واجب وعدم إغفال بعضها واعمال البعض دون البعض وهو ما لا يجوز شرعا ينتهي بنا إلى أحد نتيجتين لا ثالث لهما:

الأولى: وهو ما نقول به. ان الآيات الواردة في شأن عذاب المستضعفين والمبتلين الذين حكم الله بكفرهم خاصة أولئك الذين انشرحت صدورهم بالكفر وجحدوا الحق الذي عرفوه واستيقنوا منه، فستروه عن أنفسهم وحجبوه عن قلوبهم فلم يعقدوا عليه قلوبهم، ويقروا ناطقين به بألسنتهم أو الذين بعد ما عقدوا قلوبهم على الإيمان ونطقوا مقرين به مالت عنه نفوسهم وانفرط عقد قلوبهم فانقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة 'ذلك هو الخسران المبين'.

 

الثانية: أن يقال ان الآيات الواردة في شأن المستضعفين والمبتلين الذين حكم الله بكفرهم قد نسخت الآيات والأحاديث الخاصة بالإكراه وحكم المكره وهذه تكون دعوى بلا برهان وقولا لا دليل عليه إذ نسخ الأحكام لا يكون إلا بالنص الصريح أو حيث لا يمكن إعمال النصوص كلها مع بعضها على أية حال من الأحوال أو بأي وجه من الوجوه. لأننا مأمورون بطاعة الله وذلك بأعمال كافة نواهيه وأوامره وأحكامه. ومن العصيان أن يعطل النص ولا ينفذ حكمه مع إمكان العمل به. والأمة جميعها مجمعة على أن آيات وأحاديث الإكراه وحكم المكره لم يلحقها أي نسخ.

 

وانه لما يتعين تقريره ان الآيات التي صدرنا بها كلامنا هذا ليست كلها حاكمة بكفر من توعدهم الله بالعذاب من المستضعفين والمبتلين. ومن المعلوم أن المسلم قد يعذب في نار جهنم فيقتص الله منه بعدله بعد الموازنة إذا ما رجحت سيئاته بحسناته، ثم يخرجه بعد ذلك من النار بفضله ورحمته وبشفاعة الشافعين.

وليس كل ضعيف متبع لسادته وكبرائه بمكره وهذا واقع محسوس ملموس مشاهد في وقتنا هذا. فإن الكثيرين من الضعفاء يحاكون أصحاب الجاه والسلطان والنفوذ وهم لضعف نفوسهم يتبعونهم ويقلدونهم في ملبسهم وعاداتهم واحتفالاتهم واجتماعاتهم وغير ذلك رغم ما فيها من عصيان لله عز وجل وخروج عن أحكام الشريعة الغراء كل ذلك وهم غير مكرهين ولا مضطرين إنما هو حب الدنيا وتسلط الشهوات.

 

وإذا كان المكره مبتلى بالإكراه الواقع عليه، فليس الإكراه هو الصورة الوحيدة للابتلاء، وليس كل ابتلاء إكراه وقد يكون الابتلاء بما يؤذي ويحزن ويؤلم كفقد المال وذهاب الجاه والسلطان وضيق العيش وتفرق الأحباب والأنصار والمرض وموت الزوجة والولد إلى غير ذلك. وقد يكون الابتلاء بعكس ذلك من إقبال الدنيا وكمال الصحة والعافية وسعة العيش وقوة السلطان وكثرة الأحباب والأنصار. وجميع ذلك لا يقع في اللغة تحت اسم الإكراه أو الاضطرار وهو كله ابتلاء من الله عز وجل: 'ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون'. 'عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون'.

 

  • ونستدرك ما فاتنا: فنقول بعون الله ان الله عز وجل قد قطع بنص واضح مفسر في شأن المستضعفين وحكم تعالى ان المستضعف حقا المطمئن قلبه بالإيمان معذور وليس بكافر ولا عاص، بل مغفور له. قال تعالى: 'ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها. فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا' ثم استثنى عز وجل من جملة هؤلاء المستضعفين حقا، المكرهين فعلا المطمئنة قلوبهم بالإيمان فقال: 'إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم وكان الله عفوا غفورا'.

وهذا نص مفسر لغيره من آيات المستضعفين فصح بتوفيق الله ما سبق أن قلناه.

|السابق| [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

رسائل الإمام المرشد حسن الهضيبي 

دعاة لا قضاة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select
 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca