الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: دعاة لا قضاة
المؤلف: حسن الهضيبي
التصنيف: قضية فلسطين
 

الفصل الثامن

الطاعة والاتباع

قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:

'سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات من القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل'.

قال البعض:

ان المسلم يرتد كافرا مشركا متى أطاع من لم يحكم بما أنزل الله تعالى واتبعه.

والطاعة والاتباع يكونان – حسبما قالوا – بالعمل دون النظر إلى النية والاعتقاد.

وقالوا ان الشخص متى عمل عملا مما دعا إليه الآمر بغير ما أنزل الله فإنه يكون مطيعا ومتبعا له متخذا له ربا من دون الله عز وجل سواء:

1-    عمل العمل وهو معتقد خطأ أن الآمر إنما أمر بحكم حكم الله به، أو أباح الله تعالى له أن يأمر به.

2-    أو عمل بأمر الآمر وهو عالم أن الآمر إنما يأمر بخلاف حكم الله ومعتقد أن الآمر لا يملك أن يغير حكم الله تعالى. وان عمله تنفيذا لأمر ذلك الآمر عصيان لله تعالى.

3-    أو عمل بأمر الآمر وهو عالم بأن الآمر يأمر بخلاف حكم الله ولكنه يعتقد أن ذلك الآمر لقداسته وفضله له أن يحل ما حرم الله. أو يحرم ما أحل الله، وأن يأمر بخلاف حكم الله، وان طاعته واتباعه أمر واجب دون نظر إلى أمر الله.

 

وضربوا لذلك مثلا فقالوا: لو أن مسلما يؤمن بأن الله تعالى هو الخالق لكل شيء دونه، وأنه تعالى هو الحاكم ولا حاكم سواه. وكان ذلك المسلم حريصا على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه قائما بالفرائض من صلاة وزكاة وصيام وحج ثم انه نزلت به نازلة لا يعرف حكم الله فيها وهو غير قادر على النظر في الأدلة واستنباط الأحكام منها، فسأل عالما مشهودا له بالفقه والورع عن حكم الله فيما نزل به فأفتاه ذلك العالم فأخطأ ولم يصب حكم الله في الحقيقة، ثم ان ذلك المسلم المستفتى اعتقد أن ذلك الحكم الذي أفتاه به من وثق به هو حكم الله فعمل به على عقيدة أنه إنما ينفذ حكم الله – قالوا انه يكون بعمله هذا قد أشرك بالله تعالى واتخذ ذلك المفتى ربا له من دون الله.

 

واحتجوا لذلك الذي قالوه بقول الله تعالى: 'اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم' وبحديث عدي بن حاتم أنه لما قال للرسول عليه الصلاة والسلام: إنهم لم يعبدوهم فانه عليه الصلاة والسلام قال حسبما قال ابن كثير في تفسيره للقرآن: 'بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم' وقالوا الاتباع كان العمل بما قال به الرهبان والأحبار دون نظر إلى ما اعتقده العامل وان تلك هي الطاعة. وان نص الآية الكريمة قد سوى بين ربوبية طاعة الأحبار والرهبان بالعمل بما أمروا به وبربوبية الاعتقاد بأن المسيح ابن الله. وان ذلك دليل على أن العمل والاعتقاد في حكم الشريعة متساويان يؤدي كل منهما إلى الوقوع في الشرك. وإنه مما يؤكد ذلك أن الآية الكريمة فيها الحكم على جميع اليهود والنصارى باتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله دون استثناء أحد منهم ودون تفرقة بين المخطئ وغير المخطئ والمعتقد وغير المعتقد.

 

واحتجوا أيضا بقول الله تعالى: 'إنما النسيء زيادة في الكفر'. وقالوا إن النسيء عمل وقد حكم الله بكفر مرتكبه.

واحتجوا أيضا بقوله تعالى: 'قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين' وقالوا ان الاتباع هو العمل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن لم يعمل بما جاء به عليه الصلاة والسلام فهو لم يتبعه فهو قد تولى فهو من الكافرين.

كذلك احتجوا بقوله تعالى: 'ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وان أطعتموهم إنكم لمشركون' وقالوا ان الطاعة المقصودة بالآية هي الأكل مما حرمه الله بصرف النظر عن عقيدة الآكل وإذا كان المسلم يرتد مشركا إذا أطاع في أكل قطعة من اللحم لا تسمن ولا تغني من جوع فكيف إذا أطاع فيما هو أعظم من ذلك شأنا؟

 

  • وكل ذلك الذي احتجوا به لا حجة لهم فيه.
  • والآية الكريمة: 'وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل. قاتلهم الله أني يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا اله الا هو سبحانه عما يشركون' هذه الآية بمقابلتها بقوله تعالى: 'الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين' يبين أن حكم كل من الآيتين ليس عاما في جميع اليهود والنصارى لأن هؤلاء الذين لعنهم الله، وقال جل شأنه إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا من دونه تعالى. هم قطعا وبدون أدنى شك غير هؤلاء الذين أخبرنا تعالى أنهم كانوا قبل بعثة المصطفى عليه السلام ومن قبل نزول القرآن مسلمين يؤكد ذلك قوله تعالى: 'من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين. وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين' فالذين أعلمنا الله تعالى أنهم من الصالحين هم يقينا وبغير أدنى شك طائفة غير التي لعنها الله تعالى وقضى أنها أشركت واتخذت أحبارها ورهبانها وعزيرا والمسيح أربابا من دون الله.

فصح يقينا أن آية سورة براءة ليست حاكمة على اليهود والنصارى كافة بل على الطائفة منهم التي أشركت فقط.

والاتباع في اللغة: هو الامتثال والطاعة.

والطاعة في اللغة: هي العمل بالأمر.

 

والطاعة في الشرع: العمل تنفيذا للأمر مع النية والاعتقاد هذا صريح ما قضى به الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: 'إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه'. وهذا الحديث حديث متفق على صحته وهو متواتر من حيث المعنى لأنه قد روى من طرق مختلفة متفرقة باللفظ قد وقع اختلاف في بعض أحرفها الا أنها جميعا متفقة من حيث المعنى.

 

وطبقا لنص الحديث فإن الأعمال المأمور بها والمنهي عنها في الشرع إذا ما أتاها العبد فإن المدار في حكمها يتوقف على نيته 'وإنما لكل امرئ ما نوى'.

فمن قصد طاعة الله تعالى وتنفيذ حكمه فإنه لا يكون أبدا متبعا أو مطيعا لمن نقل إليه ذلك الحكم أو أمره به أو أفتاه به، ولا يغير من ذلك شيئا أبدا أن يكون الناقل أو الآمر أو المفتي قد أصاب حكم الله في الحقيقة أو أخطأه.

والذي قصد طاعة شخص ما وتنفيذ أمره فيما يدين به ولو خالف أمره أمر الله فهو متبع له في المعنى الشرعي، ولا يغير من ذلك شيئا أن يكون ذلك الشخص قد أمره بما وافق حكم الله أو خالفه.

 

والذي يعتقد أن الآمر له لا يملك تبديل شريعة الله وأن أمره على خلاف شريعة الله باطل لا يحرم ما أحل الله ولا يحل ما حرم الله. وأنه ان عمل بمقتضى أمر ذلك الآمر فإنه يكون عاصيا لله تعالى فعمله بمقتضى أمر ذلك الآمر أو المفتي لا يكون به متبعا له بالمعنى الشرعي ولا متخذا له ربا من دون الله تعالى يستثني من ذلك الأعمال التي ورد بشأنها نص بأن فاعلها ينتفي عنه اسم الإيمان دون نظر إلى نيته وعقيدته رغم نطقه بالشهادتين. فقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من هاجر حين أمر صلى الله عليه وسلم بالهجرة وهو إنما قصد دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فإن هجرته كانت لما هاجر إليه، أي إنها لم تكن طاعة لله ورسوله ولا اتباعا لله ورسوله. ولا يختلف مسلمان ان من جاء من أقصى الأرض متحملا مشاق السفر مرتديا ملابس الإحرام وطاف وسعى ووقف بعرفات في التاسع من ذي الحجة ثم أفاض الى المزدلفة ثم إلى منى فرمى الجمرات وأقام بها يومين ثم طاف بالبيت، انه ان فعل ذلك معتقدا بطلان شريعة الحج فانه لا يكون متبعا أمر الله ورسوله ولا مطيعا لهما بالمعنى الشرعي. والآية الكريمة من سورة براءة 'اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله' ليس فيها ذكر للعمل ولا إشارة إليه إنما فيها النص على 'الاتخاذ'.

 

والاتخاذ يتم بمجرد النية والاعتقاد دون عمل. فمجرد اعتقاد شخص وجوب أن يدين لأمر شخص آخر ولو خالف أمره أمر الله كاف ليكون قد اتخذه ربا من دون الله.

 

وحديث عدي بن حاتم باللفظ الوارد في تفسير ابن كثير 'بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم' ليس فيه أيضا ذكر للعمل وإنما فيه ذكر الأتباع. والاتباع المعتبر شرعا لا بد فيه من النية والاعتقاد.

والاعتقاد: فعل النفس منفردة لا شركة للجسد معها فيه.

والعمل: فعل النفس بتحريك الجسد فهو شيء آخر غير الاعتقاد.

وقد فرق الرسول عليه الصلاة والسلام بينهما بقوله: 'إنما الأعمال بالنيات' فجعل النية وهي الاعتقاد غير العمل.

 

والحديث الذي ذكره ابن كثير لم يورد سنده المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رواه. ابن حزم الترمذي والطحان والكومي وابن جرير الطبري مسندا عن الثقات العدول إلى الرسول عليه الصلاة والسلام باللفظ الذي سبق أن ذكرناه وهو 'كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه' قلت بلى. قال: 'فتلك عبادتهم'.

 

والاستحلال والتحريم يتمان بمجرد العقيدة فقط دون عمل فمن اعتقد أن الخمر حلال فقد استحلها ولو لم يذق منها قطرة ومن اعتقد الطلاق حراما فقد حرمه ولو لم يكن متزوجا ولم تكن له امرأة يطلقها. وطبقا لكل من الروايتين فإن التحريم لا يكون فيه عمل أبدا لأنه امتناع عن عمل. فكيف يصح القول ان العبرة بالعمل دون العقيدة. وكيف يكون اتباع الرهبان والأحبار فيما حرموه بغير عقيدة وغير عمل.

 

والحق أن الآية الكريمة قد سوت لا بين عمل وعقيدة وإنما بين عقيدتين جوهرهما واحد: - بين الاعتقاد والقول أن عزيرا ابن الله والمسيح ابن الله والاعتقاد والقول ان للرهبان والأحبار قداسة وعصمة توجبان الاتباع والانقياد لهما، ولو خالف أمرهما شريعة الله.

 

وهذا هو الأمر الواقع فعلا والمشاهد فهم يسمون 'باباهم'  'قداسة البابا' والقداسة في اللغة هي الطهارة أي أنه هو الطهارة بعينها وهم يعتقدون عصمته فهو في نفوسهم لا يخطئ ومنذ مدة غير بعيدة أصدر قرارا بتحريم وسائل منع الحمل والمعروف لدى كافة أتباعه لحين صدور قراره كان استعمالها حلالا مباحا، لم يحرمه الله عليهم، وإنما من حين صدور قراره بتحريمها فقد أصبحت طبقا لعقيدتهم حراما. والمعروف أيضا والثابت تاريخا أن الطلاق كان لدى المسيحيين مباحا وانه ليس في أناجيلهم ما يحرمه ثم اجتمع مجلس كنسي فحرم 'قرر تحريمه' الطلاق فأصبحت تلك عقيدتهم.

 

ونحن نسأل الذين قالوا: ان العبرة بالطاعة بمعنى العمل دون العقيدة، ماذا يكون موقف مسلم أفتاه مفت أن الطلاق حرام أو أمره حاكم ألا يطلق. أن لا يطلق زوجته، أيكون لزوما عليه أن يطلقها وإلا كان متبعا له دون الله ومتخذا له ربا من دون الله؟ أم انه إذا اعتقد فساد الفتوى وبطلان الأمر فانه لا يكون متخذا له ربا ولو لم يطلق زوجته؟

ونسألهم أيضا: ما الحكم إذا أفتى مفت أو قرر حاكم أن الخمر حلال فاعتقد شخص ذلك، وإنها قد باتت حلالا له أن يشربها رغم علمه أن الله قد حرمها...؟ أيكون ذلك الشخص قد اتخذ المفتي أو الحاكم ربا من دون الله أم لا، سواء شربها أم لم يشربها...؟ لا نظن أن أحدا سوف يزعم أنه ما دام لم يعمل ولم يشرب الخمر فانه لا يكون منبعا. فلا مراء انه باستحلال الخمر، طاعة لذلك المفتي أو الحاكم من دون الله فإنه يكون قد اتخذه ربا من دون الله سواء أنفذ الفتوى أو الأمر فشرب أم لم يشرب.

 

فالمدار إذن على النية والاعتقاد، لا على العمل المجرد من النية والاعتقاد.

ونسألهم أيضا: ما الفرق بين حكم مسلم في بلد تسوده وتنفذ فيه أحكام الشريعة الإسلامية فشرب الخمر وهو معتقد حرمتها، وبين حكمه إذا شربها في بلد ملحد لا يدين لحلال أو حرام، وهو أيضا معتقد حرمتها وان شريعة تلك البلد التي صادف وجوده بها شريعة باطلة...؟ وأي نص من كتاب الله وسنة رسوله تستندون إليه للتفرقة بين الحالتين حتى تستجيزون قولكم انه بعمله في البلد الملحد قد اتبع شريعتها واتخذ حكامها أربابا من دون الله؟

فان قلتم أنه حين شرب الخمر في البلد الذي تسوده أحكام الشريعة الإسلامية فانه يكون خاضعا لها وتوقع عليه العقوبة الشرعية. قلنا ان الحكم إنما يكون على حالة وقت شربه الخمر. أما توقيع العقوبة فأمر لاحق لفعله ولا دخل لإرادته فيه وغيره هو المسئول عنه. والأحكام إنما تصف الشخص وتلحقه وقت مقارفته ما عمل ولا تتغير بما يلي عمل العامل من أعمال يقوم بها غيره ولا دخل لإرادته فيها.

 

ونقول أيضا أن المسلم قد يشرب الخمر في بلد تسوده أحكام الشريعة الإسلامية ثم لا يظهر أره فلا توقع عليه العقوبة. وقد عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الحالة فقال في حديث عبادة بن الصامت الذي سبق أن أوردنا نصه: 'ومن أتى حدا فأقيم عليه فهو كفارة له، ومن ستره الله عليه فأمره إلى الله ان شاء عذبه وان شاء غفر له'.

 

واليقين الذي لا شك فيه هو ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن أعمال الشخص متوقف الحكم عليها على نيته هو لا على نوايا غيره وعلى مقصده هو منها لا على مقاصد غيره وعلى عقيدته هو لا على ما اعتقده سواه.

فان قال قائل: فكيف يكون حكمنا في هذه الدنيا على أعمال الناس وأنتم تقولون أن النية هي عمل النفس المجرد الذي لا يطلع عليه إلا عالم الأسرار جل شأنه؟

قلنا ان الرسول عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نحكم في هذه الدنيا يظاهر حال الناس وبما يقوله المرء بلسانه. قال خالد بن الوليد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال عليه الصلاة والسلام: 'إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطنهم' وسبق أن قدمنا البرهان من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من شهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فإنه إن خالف بعد ذلك بعمله نصا فإنه يكون عاصيا والغرض أنه لم يستحل مخالفة النص ولم يجحد به الا أن يقول هو بلسانه ما يدل على جحده واستحلال العمل على خلاف النص.

 

وإذا صح ما قدمنا بالبرهان من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فإنه يكون اليقين المقطوع به أن الطائفة التي لعنها الله تعالى من اليهود والنصارى لاتخاذها عزيرا والمسيح والرهبان أربابا من دونه تعالى هي الطائفة التي اعتقدت أن عزيرا ابن الله وأن المسيح ابن الله وأن الأحبار والرهبان واجب طاعتهم والانقياد المطلق لأمرهم ولو جاء أمرهم على خلاف أمر الله.

 

قال الإمام ابن تيمية في كتابه الإيمان: قال الربيع بن أنس قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه. فقالوا لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم. فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم).

وقال أيضا: (وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين: أحدهما أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسول، فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا وان لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه بأنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله تعالى ورسوله عليه السلام، مشركا مثل هؤلاء. الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحلال وتحريم الحرام ثابتا أنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب) انتهى.

 

  • أما قوله تعالى: 'إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويرحمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين' فقد قال ابن كثير في ذلك (هذا مما ذم الله به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الفاسدة وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله فإنهم كان فيهم القوة والعصبية والشهامة والحمية.. ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه الى صفر، فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة. كما قال شاعرهم وهو عمير بن قيس المعروف بجزل الطعان.

لقد علمت معد بأن قومي                       كرام الناس أن لهم كراما

السنا الناسئين على معد                        شهور الحل نجعلها حراما

 

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: 'إنما النسيء زيادة في الكفر' قال النسيء أن جناد بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي في الموسم كل عام وكان يكني أبا ثمامة فينادي: ألا ان أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب. ألا وأن صفر العام الأول، العام حلال. فيحله للناس. فيحرم صفر عاما ويحرم المحرم عاما.

وهذا كما هو واضح ليس عملا بل هو قول باللسان واتفاق على تبديل شريعة الله المعلومة المعروفة، وقصد بالعمد إلى تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله.

 

وليس كل محارب في الأشهر الحرم بناسيء. ولا كل قاعد عن القتال في غيرها يناسيء إنما النسيء من أعلن أو اتفق أو اعتقد تحليل القتال في أي من الأشهر الحرم. على أن يعوض ذلك بتحريم القتال في شهر آخر من غيرها.

الست ترى الشاعر يفتخر والعياذ بالله بأن قومه هم الذين كانوا يقومون على إجراء تلك الشريعة المخالفة لشريعة الله فيقول.

                              السنا الناسئين على معد                        شهور الحل نجعلها حراما

 

وقولنا الذي ندين به لله تعالى أن من قال بلسانه في غير إكراه مستحلا خلاف شريعة الله التي بلغته أو بتبديل حكم من أحكامها قاصدا متعمدا تحليل ما علم أن الله تعالى حرمه أو تحريم ما علم أن الله تعالى أحله فهو كافر.

  • أما الآية الكريمة من سورة آل عمران 'قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين' فان العامل بمقتضى أمر الله ورسوله لا هو متبع ولا هو مطيع الا أن يكون علمه بنية الامتثال لأمر الله ورسوله. كما قال عليه الصلاة والسلام : 'إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى'.

ولا مراء في أن المسلم مأمور بالاتباع والطاعة في كل ما أمر الله تعالى به وفي كل ما نهى عنه لا يستسهل صغيرة ولا يجترئ على كبيرة ومن لم يعتقد بوجوب ذلك وبوجوب الاتباع والطاعة في كافة أوامر الله ونواهيه فهو جاحد كافر مشرك منتف عنه الإيمان بنص قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: 'أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به...' والله تعالى الذي حكم بهذا هو سبحانه الذي تفضل على خلقه وعباده بواسع رحمته ففرق بين النية والعمل. وجعل العامل على خلاف الأمر ممن آمن به تعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام وبجميع ما أبلغه إلينا وحيا عن ربه، غير كافر ولا مشرك إلا من عمل عملا ورد النص بانتفاء اسم الإيمان عن فاعله برغم النطق بالشهادتين. وقد أسلفنا القول في الفرق بين الكفر والعصيان، وقدمنا البراهين من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام بما لا حاجة لنا بعده الى مزيد. فصح يقينا أن الكافرين المعنيين في قوله تعالى: 'فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين' هم الذين تولوا من الذين أبوا الإسلام لله والنطق بالشهادتين مع العقد بالقلب، أو من نكث عهده وارتد بعد اسلام.

 

  • أما الآية الكريمة من سورة الأنعام 'ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وان أطعتموهم إنكم لمشركون' فقد ظهر وجه الخطأ في الاستدلال بها بعد أن بينا معنى الطاعة في الشرع وان لكل امرئ ما نوى كما هو الحديث.

وواضح أن أولياء الشياطين إنما يجادلون في وجاهة التحريم وبذلك وردت الآثار. يقول ابن كثير والقرطبي: (ان المشركين كانوا يجادلون المسلمين فيقولون: ما قتل الله لم تأكلوه وما قتلتموه أكلتموه) انتهى.

والمجادلة: دفع القول عن طريق الحجة بالقوة.

 

وواضح من التركيب اللفظي للآية ومن السياق أن قوله تعالى: 'وان أطعتموهم' مقصود منه الاقتناع بما جادلوا به. ولذا يقول القرطبي: 'وان أطعتموهم' في تحليل الميتة.

وهذا ما نقول به. لأن من أطاع غير الله فيما حاج به من تحليل ما حرم الله تعالى فقد أكذب ربه وجحد النص المعلوم له. فهو كافر مشرك بلا خلاف.

قال ابن العربي: (إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في الاعتقاد. فان أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموه) انتهى.

وبذلك أيضا قال ابن تيمية وقد سبق ذكر قوله.

|السابق| [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

رسائل الإمام المرشد حسن الهضيبي 

دعاة لا قضاة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca