الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: دعاة لا قضاة
المؤلف: حسن الهضيبي
التصنيف: قضية فلسطين
 

الفصل التاسع

التحكيم

'وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن، ان الشيطان ينزغ بينهم' قال البعض ان الأمة ينتفي عن أفرادها اسم الإيمان إلا أن تقوم فيها حكومة إسلامية أي ولي أمر مسلم يقوم على تطبيق وتنفيذ أحكام شريعة الله.

واحتجوا لقولهم هذا بقول الله عز وجل:

'فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما'.

'قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم'.

'إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون'.


وقالوا أن الآية الأولى أوجبت التحكيم إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والرضاء بقضائه والتسليم به تسليما، وان ذلك لا يكون إلا بقيام الحكومة الإسلامية وسيادة شريعة الإسلام في الأمة وإنفاذها فعلا. لأنه إذا لم تكن شريعة الإسلام هي السائدة فلا بد أن تسود شريعة أخرى يضطر الناس إلى التحاكم إليها ولو على كره منهم. وأن يخضعوا لها في كافة شئون حياتهم فلا يتحقق بذلك ما أمر الله تعالى به من تحكيم رسوله عليه الصلاة والسلام والرضاء والتسليم بقضائه. وقالوا: ان ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب وانه إذا كان تحقيق حكم الله في الأرض حسبما تقضي به الآية الكريمة من سورة النساء لا يتم ولا يتحقق الا بقيام الحكومة الإسلامية فان قيامها يكون مما نصت عليه الآية وأوجبته فينتفي اسم الإيمان عن أفراد الناس بنص الآية ما دام أن الحكومة الإسلامية غير قائمة.

 

  • ونحن نقول بعون الله:

اما ان الآية الكريمة توجب تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام والتسليم بقضائه تسليما، وبعبارة أخرى تحكيم شريعة الله والرضاء والتسليم بحكم الله فيما أحل وحرم وفرض ونهى وأباح، فهذا حق خالص لا شبهة فيه.

أما ان التحكيم لا يكون إلا بقيام الحكومة الإسلامية فهذا غير صحيح.

ويتعين التفرقة بين شريعة الله، وبين إنفاذ حكم الله  وإجراء الأحكام الشرعية على العباد فتحكيم شريعة الله إنما يكون بالرجوع إلى النصوص الشرعية التي نطق بها الرسول عليه الصلاة والسلام وحيا عن ربه. لنعرف منها إذا كان الشيء حلالا أم حراما. وهل الأمر فرض أو منهي عنه وهل لنا حق أو علينا واجب ما؟ وكل ذلك يعرف من مجرد الرجوع الى النصوص.

 

وهذا هو معنى تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام وتحكيم الشريعة الإسلامية. وأيضا معنى التحاكم إليها، ومعنى الرد إليها.

فإذا تم تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام وعرف حكم الله، وجب اطمئنان القلب أنه الحق الواجب اعتقاده والعمل به. وذلك هو معنى التسليم به تسليما.

وذلك كله كما ترى لا علاقة له بوجود الحكومة الإسلامية أو عدمها.

فأنت حيثما كنت تستطيع أن ترد إلى شريعة الله لتعرف حكم الله فيما تأكله وتلبسه. والمرأة التي يحل لك تزوجها. والمال الذي بين يديك وبين أيدي الآخرين وعلاقتك مع زوجك وأولادك وجيرانك والقائمين على أمر البلد الذي تعيش فيه ونظرتك إلى الناس في غيره. إلى غير ذلك مما يشمل جميع شئون حياتك.

 

وأيضا فانه ان قامت بينك وبين غيرك منازعة حول أمر من الأمور، فالفرض عليكما أن تتحاكما إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك بالرجوع إلى ما قال به عليه الصلاة والسلام من أحكام الشريعة فتعرفا حكم الله في الواقعة موضع التنازع، فيعرف كل ذي حق حقه فإذا وقع الإختلاف على مقصود الله من الآية الكريمة أو الحديث الشريف وبعبارة أخرى إذا وقع الخلاف حول حقيقة حكم الله في الواقعة موضوع التنازع، فلا سبيل إلى قطع الخلاف إلا أن يقيم أحد الطرفين الحجة اللائحة على الآخر فإذا أقام أحد الطرفين الحجة اللائحة الظاهرة الدالة على حقيقة حكم الله. وجب على الطرف الآخر أن يصدع للبرهان ويعتقد بحكم الله الذي دل عليه وانه الحق فيسلم به تسليما، ثم هو مأمور بعد ذلك، أي بعد أن تمت عملية التحكيم والتسليم بالطاعة، أي بتنفيذ حكم الله.

 

وقد أسلفنا القول ان عمل الحكومة الإسلامية أو الإمام المسلم أو ولي الأمر المسلم، لا أن يبتدع تشريعا ولا أن يقضى بما يراه بعقله حسنا أو حقا ولكن أن ينفذ حكم الله وما قضى به تعالى انه الحق. فإذا كان الحكم الشرعي مما وقع فيه الإجماع، فقد خرج عن مجال الاجتهاد وانتفت احتمالات الخطأ والتأويل، أما إذا كان الحكم مما تعددت فيه الآراء واختلفت فتيه وجهات النظر، فإن ولي الأمر يجتهد ما وسعه ثم ينفذ ما أداه إليه اجتهاده. فما عمل ولي الأمر المسلم – والقاضي المسلم انما ينوب عنه ويستمد ولايته منه – الا أن يأمر بإنفاذ ما يراه هو أنه حكم الله حسبما يؤدي إليه اجتهاده وحسما للنزاع. وهو بعد غير معصوم فقد يخطئ في فهم الآي والحديث، وقد لا يصيب حكمه حكم الله في الحقيقة. ولذا فان حكمه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، والعبرة في الحلال والحرام بحكم الله في الحقيقة.

 

فحكم ولي الأمر إنما هو إنفاذ لما يعتقد انه حكم الله وحسبما يبين له الحق من الواقع والأدلة التي قد تتوافر لدى غير ذي الحق ويعجز عنها ذو الحق.

يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: 'إنكم تختصمون إلى وإنما أنا بشر مثلكم، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر، فأقضى له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار'.

وظاهر من قول الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يقضي في النزاع والقضاء هنا بمعنى إنفاذ الأمر، حسب الظاهر، وطبقا لما تثبته البينات وتقوم عليه الأدلة التي يقدمها كل من طرفي النزاع ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام ان أحد الطرفين قد يكون أقوى حجة من الآخر وأقدر على تقديم البرهان، ورغم ذلك قد لا يكون صاحب حق، فإذا ما قضى له عليه الصلاة والسلام، أي أنفذ الأمر لصالحه، فليس معنى ذلك ان ما لم يكن له حق قد صار له حق بل هو رغم القضاء وانفاذ الأمر لم يزل محرما عليه ولذا ينهاه الرسول عليه الصلاة والسلام عن أخذه ويعلمه أنه ان أخذه فإنما يأخذ قطعة من النار.

 

وإذا كان هذا هو شأن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقضاء هنا بمعنى إنفاذ الأمر، وهو المعصوم عليه الصلاة والسلام من الخطأ في معرفة حقيقة حكم الله، ومن الوهم في فهم الآية وحقيقة مقصود الله تعالى منها فغيره ممن يرد عليه الخطأ في معرفة حقيقة حكم الله والوهم في فهم الآية أو الحديث كما يرد عليه الجهل ببعض الشرائع، هذا الغير حكمه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ويبقى كل من طرفي الخصومة مأمورا بالتحاكم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام أي بالرد إلى نصوص الشريعة، ومأمورا باتباع الحق الذي يقر في قلبه نتيجة ذلك التحكيم ولو خفي ذلك الحق على ولي الأمر أوالقاضي وحكم بخلافه.

 

وبالاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف ما قضى به فيتعين الرضا به والتسليم به تسليما أي الإعتقاد الجازم أنه الحق من الله عز وجل الواجب طاعته وهذا كله يتم ويكون سواء وجدت حكومة إسلامية أم لم توجد، بل ان وجود الحكومة الإسلامية لا يكفي لتحقيقه. فقد توجد الحكومة الإسلامية ويعتقد شخص بخلاف حكم الله فلا يحكم بذلك الرسول عليه السلام، أو لا يسلم قلب إنسان بما قضى به عليه الصلاة والسلام في مسألة من المسائل.

 

وليس أبين في أن التحاكم إلى شريعة الله لا يتوقف على وجود ولي الأمر المسلم من ذات النصوص قال تعالى: 'يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول' والرد المنصوص عليه في هذه الآية هو بلا شك التحاكم. فإذا كان التحاكم إلى شريعة الله على قولهم لا يكون إلا عن طريق ولي الأمر المسلم فكيف يمكن أن نرد ونتحاكم إلى الله ورسوله إذا وقع النزاع بيننا وبين ولي الأمر؟ ولقد أسلفنا الأحاديث الآمرة بطاعة أولي الأمر والتي تنص أيضا أن لا سمع ولا طاعة في معصية. ونحن لا نستطيع أن نعرف إذا كان أمر ولي الأمر معصية لله أم لا إلا إذا رددنا وتحاكمنا إلى الله ورسوله. أي عرضنا الأمر الصادر من ولي الأمر على الكتاب والسنة، فنتبين أن فيه خروجا ومعصية ومخالفة لهما فنعرف أنه معصية. فإذا كان التحاكم إلى الرسول لا يتم ولا يكون كما يقولون إلا عن طريق ولي الأمر لعجزنا عن رد أمر ولي الأمر إلى الرسول وتبين ما إذا كان معصية لله أم طاعة له تعالى.

والحق أن إنفاذ حكم الله وإجراء الأحكام الشرعية – وليس التحاكم – هو الذي يقتضي ويوجب قيام الحكومة الإسلامية. وما ولي الأمر المسلم أو الحكومة الإسلامية، على ما سبق أن بينا إلا تلك التي تنفذ أحكام الله تعالى وتجري الأحكام الشرعية على العباد.

 

فنحن إذ نحتكم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام نعرف أن السرقة حرام وان السارق والسارقة حكم الله فيهما أن يعاقبا بحد معين هو قطع اليد. وهذا الاحتكام يتم سواء وجدت الحكومة الإسلامية أم لا. ولكن لابد حتى ينفذ حكم الله في السارق والسارقة من وجود السلطة العامة بين أمة المسلمين التي تقوم بإنفاذ تلك العقوبة المحددة في الشريعة.

فالاحتكام إلى شريعة الله والرضاء بما حكم به الله تعالى ورسوله: قضية.

وإنفاذ حكم الله تعالى الذي يعرف نتيجة للاحتكام: قضية أخرى.

 

وكل خطاب من الله تعالى ورسوله إنما يعطينا حكم ما فيه، ولا يعطينا حكم ما في غيره. فمثلا خطاب الله تعالى إلينا بالآية الكريمة 'ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا' يعطينا حكم أن الصلاة فرض على المؤمنين، وانه فرض موصوف بوصف معين هوالوقت وهذا هو كل ما يعطينا حكمه ذلك الخطاب، أما ما خرج عن مدلول معنى خطاب الآية فلا حكم لها فيه. فالآية لا تعطينا حكم تارك الصلاة الفرض كما لا تعطينا حكم ما نفعله إزاء عدوان يقع علينا لمنعنا من أداء الصلاة كما لا تعطينا حكما في السارق والزاني وشارب الخمر إلى غير ذلك... وإنما حكم ذلك كله نجده ونطلبه من خطاب آخر يتضمنه.

والآية الكريمة من سورة النساء والتي نحن بصددها 'فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك... الخ' إنما تعطينا الحكم بوجوب تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام والرضاء والتسليم بما قضي به، وتعطينا أيضا حكم من لم يحكم الرسول أو لم يرض ويسلم بقضائه عليه الصلاة والسلام.

وليس في الآية حكم من لم ينفذ حكم الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام.

فهذه القضية الأخيرة خارجة عن مدلول خطاب الآية الكريمة التي نحن بصددها فالحكم فيها متوقف على الدليل الذي يرد فيها.

 

كذلك فان الخطاب الموجه إلينا بالآية الكريمة التي نحن بصددها ليس فيه تكليف لنا برد ودفع ما قد يقع من عدوان يمنع من التحاكم إلى الرسول. وإنما خطابها إلينا قاصر على وجوب تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام والرضاء بقضائه – وقد علمنا من آيات وأحاديث رفع الإثم عن المكره ان حكم الآية التي نحن بصددها غير وارد على من أكره على التحاكم إلى غير ما قضى به الرسول ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان.

وليس كل تكليف بأمر يتضمن حتما تكليفا برد العدوان المانع من تنفيذ الأمر.

فالأمر بإقامة الصلاة – كما قدمنا – لا يتضمن تكليفا برد عدوان مانع من إقامتها.

والأمر بأداء فريضة الحج لا يتضمن أمرا بمقاتلة ومدافعة من منع من أدائها.

فالأمر والخطاب الوارد بتكليف ما: قضية.

ورد العدوان المانع من تحقيق الأمر والتكليف قضية أخرى وشريعة أخرى يقوم الدليل على وجوبها من نصوص أخرى كقوله تعالى: 'أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير' وكقوله تعالى: 'وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله' إلى غير ذلك من النصوص التي أوجبت رد العدوان ومدافعة المعتدين والقتال لتكون كلمة الله هي العليا وتغيير المنكر على ما سبق شرحه.

 

  • أما القول بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فهذا مصطلح من وضع البشر غير المعصومين لم يرد به نص من قرآن أو سنة. والذين وضعوا هذا المصطلح إنما عبروا به عن معنى لاحظوه في نصوص تأتي بتكاليف قالوا انها ليست مقصودة لذاتها، ولكن خدمة لمقصود آخر يراد تحقيقه. فالأمر بالوضوء مقصود به، حسبما قالوا، التطهر للصلاة، والأمر بطلب الماء مقصود به تحقيق الوضوء. والأمر بغض النظر ومنع الملامسة مقصود به ما قد يترتب على ذلك من الوقوع في الوطء الحرام المنهي عنه. فعبروا عن هذه المعاني التي لاحظوها بذلك المصطلح. أما حيث يكون الخطاب بالأمر يتضمن الإتيان بأعمال لابد منها لتنفيذ الأمر، فقد اعتبر بعض الفقهاء تلك الأعمال من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والحق ما قال به آخرون من أن تلك الأعمال هي من مدلول ذلك الخطاب ومما يقتضيه حتما تنفيذ الأمر، إذ لا يأتي تنفيذه بحال من الأحوال بدونها، فهي جزء من ذات الأمر.

وذهب البعض إلى محاولة إتخاذ مصطلح 'ما لا يتم الواجب الا به فهوا واجب' كقاعدة شرعية، غير أنهم اختلفوا في تطبيقها.

وحتى الذين حاولوا جعل ذلك المصطلح قاعدة فإنهم لم يزعموا ان حكم ما لا يتم الواجب الأصلي إلا به، ولذا اعتبروه واجبا، هو ذات حكم الواجب الأصلي. فعدم غض النظر أو الملامسة غير المشروعة ليس حكمها حكم الزنا. وحيازة الخمر وبيعها إثم لا شك فيه ولكن حكم الحائز والبائع ليس حكم الشارب والعبرة في تحديد الأحكام بالنص الوارد في شأن كل منها.

 

وعلى ذلك فإنه لو صح – وهو لا يصح – ان الآية الكريمة 'فلا وربك لا يؤمنون...' تتضمن تكليفا برد العدوان الذي قد يقع ويمنع من التحاكم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنها لا تتضمن حكم القاعد من أداء ذلك التكليف ورد العدوان.

ومن ذلك يتضح وجه الخطأ في التفسير الذي قالوا به لهذه الآية ووجه الخطأ في الاسناد إليها للزعم بانتفاء الإيمان عن الناس ما لم تقم الحكومة الإسلامية.

على أنه يتعين علينا أن نفرق بين القول بانتفاء الإيمان من كافة أفراد الأمة إذا لم تكن الحكومة الإسلامية قائمة. وبين حكم الفرد الذي يستجيز عدم قيامها. فالمستحل عدم قيام الحكومة المسلمة بعد علمه بالنصوص القاطعة الدلالة على وجوبها، جاحد للنص متسجيز خلاف حكم الله تعالى ورسوله، وهو كافر مشرك بلا خلاف. أما المعتقد بوجوبها، وان أمر الله أن تقوم الحكومة الإسلامية، فإنه ان قعد عن العمل على قيامها فهو فاسق آثم كما قدمنا ما لم يكن معذورا بعذر شرعي مقبول.

 

والحق أن القول بانتفاء إسم الإيمان عن جميع أفراد الأمة إذا لم توجد الحكومة الإسلامية يؤدي إلى نتائج خطيرة تعارض النصوص القاطعة والإجماع. إذ مما لا شك فيه أن الآية 'فلا وربك'. خطابها عام موجه إلى جميع الإنس والجن، ومقتضى القول الذي قالوا انه لا يؤمن أحد حتى تقوم الحكومة الإسلامية التي تحكم العالم كله وتمنع التحاكم في أي جهة ما وفى أي بقعة من الأرض إلى غير شريعة الله تعالى. كما أنه – طبقا لذلك القول – ينتفي إسم الإيمان عن جميع المسلمين وعن جميع الناس إذا وجد مسلم في بقعة من الأرض مكرها على التحاكم إلى شريعة غير شريعة الإسلام. كما أنه إذا عدل الحاكم المسلم في قضية عامدا عن أمر الله فإنه ينتفي إسم الإيمان عن جميع أفراد الأمة لأنه متى عدل الحاكم عامدا عن أمر الله تعالى في قضية ما فقد انتفت عنه فيها صفة الإمام الحق، فينتفي في لحظتها وجود ولي الأمر المسلم، وتكون قد سادت بحكمه غير الموافق للشريعة، شريعة غير شريعة الله تعالى. ومعنى هذا أنه لم يكن هناك مسلم على وجه الأرض في أي وقت ما غير الرسول عليه الصلاة والسلام.

 

  • ونحن نقول بعون الله تعالى: ان الحكم الوارد في تلك الآية هو تكليف موجه إلى كل فرد بعينه أن يحكم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يعرض له من كافة شئون حياته سواء في ذلك المعتقدات أو العبادات أو المعاملات وغيرها فيرد ذلك كله إلى شريعة الله تعالى، فيعرف ما قضى به الرسول وحيا عن ربه ثم يعتقد جازما أن ذلك هو الحق الواجب الإتباع فيسلم به تسليما. وان من لم يرتض تحكيم الرسول بقلبه أو بقوله أو لم يسلم تسليما بقضائه فقد انتفى عنه اسم الإيمان.

وسبق بيان عذر الجاهل بجهله والمخطئ في اجتهاده بخطئه، والمكره والمضطر بما هو واقع عليه من إكراه واضطرار.

  • أما الآية الكريمة 'قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم' فيكفي لبيان وجه الخطأ للاحتجاج بها في هذا المقام انها بعض سورة المائدة التي نزلت بالمدينة بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إليها، وبعد أن كانت دعوة الإسلام موجهة للعالمين وللناس كافة بما فيهم أهل الكتاب، وكان الفرض على هؤلاء أن يؤمنوا أن محمدا عبد الله ورسوله وأن يؤمنوا بجميع ما جاء به عليه الصلاة والسلام فينصاعوا لحكمه ولجميع الشرائع التي أتى بها ولا شك أن شريعته ناسخة لكافة ما سبقها فلا يتأتى أن يكون أهل الكتاب كانوا مكلفين في ذات الوقت بإقامة دولة أو حكومة لإنفاذ حكم التوراه والإنجيل والشرائع التي وردت بهما بعد نسخها. اللهم إلا إذا قيل أن المقصود إقامة ما في التوراة والانجيل من شرائع لم تنسخ تقضي بأن الله واحد لا شريك له. ومن نصوص منذره بمبعثه عليه الصلاة والسلام ودالة على صدق رسالته وأن الناس جميعا ومنهم أهل الكتاب عليهم أن يؤمنوا به عليه الصلاة والسلام وبكل ما جاء به وأن يخضعوا لحكمه وينضووا تحت لوائه.
  • أما الآية الكريمة 'إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون' فحق، وهي تكليف شخصي لكل فرد، وليس فيها حكم عام ينسحب على مجموع من الناس. بصرف النظر عن موقف كل منهم وعقيدته وقوله وعمله. وما سبق أن قلناه هو ما حكمت به هذه الآية وغيرها من الآيات التي سبق لنا الاستدلال بها ونحن نقول بما قاله الله عز وجل من أنه ليس بمؤمن من إذا دعى الى الله ورسوله لمعرفة الحكم في أمر متنازع عليه، أبى وأعرض مستكبرا مستحلا خلاف أمر الله تعالى ورسوله ولم يقل سمعنا وأطعنا.

وقد سبق أن قلنا أن من أعرض حرا مختارا عن حكم الله، وأبى الاحتكام إلى شريعة الله تعالى التي بلغته وعاند بلسانه أو بقلبه فهو كافر مشرك بلا خلاف. وأما من عاند بعمله بعد أن سلم بقلبه، أي عمل عملا على خلاف الأمر معتقدا بطلان عمله وأنه بعمله عاص لأمر الله ورسوله الواجب لهما الإتباع والطاعة، فذلك فاسق عاص وان لم يخرج عن الإسلام ولم ينتف عنه إسم الإيمان.

|السابق| [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

رسائل الإمام المرشد حسن الهضيبي 

دعاة لا قضاة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca