الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: المتساقطون على طريق الدعوة - كيف .. ولماذا ؟
المؤلف: فتحي يكن
التصنيف: سياسي
 

الفصل الثاني : أسباب التساقط

ثانياً : أسباب تتعلق بالفرد

إن المسئولية الحركة عن تساقط الأفراد على الطريق الدعوة لا يعفي هؤلاء لأفراد كذلك من المسئولية .

وإذا كان من الإنصاف القول بان مرد ظاهرة التساقط إلى أسباب تتعلق بالحركة فإن من الإنصاف القول كذلك بان كثيراً من أسباب هذه الظاهرة مرده إلى الأفراد أنفسهم .

فلنستعرض بعضاً من الأسباب الخاصة بالأفراد .....

(1) طبيعة غير إنضباطية : فهنالك أشخاص قد يجتذبون إلى الحركة في ظرف من الظروف وبسبب من الأسباب ثم يتبين انهم غير قادرين على التكيف وفق سياسة الحركة وعلى السمع والطاعة لها ...

- إن من هؤلاء من لا يطيق القيود التنظيمية فعندما يشعر بوطأتها يعمل على التلفت التخلص منها بشتى الوسائل والمبررات .- ومن هؤلاء من يرفض ( الذوبان) في البنية الجماعية ويحرص على أن يحافظ على شخصيته ... وعندما يشعر بما يعرض شخصيته للذوبان ورأيه لعدم القبول يولى الأدبار خلف ستار كثيف من المبررات والمعاذير .

اذكر أن رجلاً من هؤلاء ممن نشأوا على الفوضى وعدم التنظيم كافة نواحي حياتهم الخاصة والعامة وممن يعجزون عن التنظيم ولو أرادوا وحرصوا تسبب بشرخ في منطقة من مناطق العمل الإسلامي بعد انسلاخه عن الحركة وتزعمه لتيار إسلامي شعبي ودعوته إلى (التنظيم ) في العمل الإسلامي ....

كان هذا الرجل يخلط بين حقوق الأخوة الإسلامية وواجبات الجندية ومقتضيات التنظيم ..فتحت ذريعة الأخوة كان لا يرى مانعاً من التهاون في واجبات الجندية والخروج على المقتضيات التنظيم .

فالأخوة في نظره مبرر كاف يشفع كل التجاوزات التنظيمية ..فالذين لا يتقيدون بمواعيد .. والمقصرون والمخطئون والمذنبون والمسيئون معذورون ويحب أن لا يعاقبوا لأنهم اخوة في الله معذورون لأنهم اخوة في الله ...والذين يتجاوزون صلاحياتهم معذورون لأنهم اخوة في الله

هذا المنطق (اللاتنظيمى) مرفوض لأنه منطق غير شرعي يؤدى إلى اختلال القيم والموازين وتعطيل مبدأ الثواب والعقاب وشيوع الفوضى والمزاجية ..

ويكفي أن ننقل هنا دليلاً من كتاب الله تعالى وآخر من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيداً على رفض الإسلام لهذا المنطق ...

* فمن كتاب الله تعالى { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } المجادلة : 22].

* ومن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عائشة رضى الله عنها قالت : إن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد (حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فكلمه أسامة فقال رسول الله (أتشفع في حد من حدود الله ) ثم قام فاختطب فقال : (أيها الناس إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) .

(2) الخوف على النفس والرزق : أو الخوف من الموت والفقر .. وأثر هذا السبب بليغ وكبير في النفس البشرية حيث يؤدى إلى إحباطها وزع الوهن فيها ..

والشيطان يدخل من هذا الباب على المؤمنين والعاملين والدعاة يخوفهم .. بعدهم .. ويمنيهم { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} النساء 12.] { إنما ذلك الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } آل عمران : 157 ].

والذين يتساقطون على طريق الدعوة بهذا السبب كثيرون ولكن القليل الذين يعترفون بذلك ويقرون ..

والقرآن الكريم حفل بكثير من الآيات التي تشير تلميحاً وتصريحاً إلى هذا الداء العضال الذي يمكن أن يجرد المؤمنين من إيمانهم ويلقى بهم في هاوية من الضياع ليس لها قرار ...

فمن كتاب الله تعالى قوله :

{ سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً بل كان الله بما تعملون خبيراً }

{ قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين قل إن الموت الذي ترون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } .

(ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } .

{ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا : لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } .

أذكر أن جماعة إسلامية لقيت إقبالاً شديداً من الناس في مطلع الخمسينات ... وبينما هي على هذا الحال تعرضت الحركة الإسلامية في مصر لمحنة شديدة استشهد فيها من استشهد واعتقل من اعتقل وفرمن فر ..

ولقد كان انعكاس المحنة على تلك الجماعة رهيباً حيث محص الصفوف تمحيصاً فسقط من حياة الدعوة ومحيطها أكثر الذين جاءوا إليها ولما يدركوا طبيعتها وطريقها والذين ظنوها دعوة بدون تكاليف وسلعة من غير ثمن وكأنهم لم يسمعوا :

- قول نبيهم عليه الصلاة والسلام : (( من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل إلا إن سلعة الله غالية إلا إن سلعة الله الجنة )).

- وقوله ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات )).

- وقوله ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة )).

-وقوله ((أشد الناس بلاء في الدنيا نبي أو صفي )).

-وقوله ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها فيلبسها ويبتلى بالقمل حتى يقتله ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدهم بالعطاء )).

أعرف أخاً كان قبل زواجه مقداماً معطاء ولقد نكب بزوجة سيئة وضعت الموت والفقر بين عينيه فكانت كلما رزق منها بغلام ذكرته بحقه (المادي) عليه وأن عليه مضاعفة السعي من أجله ولما تكاثرت ذريته وامرأته على هذه الشاكلة سقط في الامتحان وأصبح عبداً للدينار بعد أن أصبح عبداً للزوجة وهو حتى الآن لم يحس بالجريمة التي ارتكب وبالهاوية التي فيها سقط ولقد نسى ما كان يذكر به إخوانه والناس ((تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ))

وقوله صلى الله عليه وسلم (( تعس عبد الزوجة )) ويروى ع الحس ب على أه قال (( والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبه الله في النار )).

وهنالك ظاهرة تكاد تكو مكررة وهي إ أكثر الذين تساقطوا على طريق الدعوة كانوا بخلاء بشكل أو بآخر وفي ذهني الآن أسماء مجموعة من هؤلاء كانت الشكوى منهم دائماً أنهم يبخلون على الدعوة حتى بقيمة الاشتراكات الشهرية الزهيدة .

(3) التطرف والغلو : والتطرف والغلو من الأسباب التي تؤدى إلى سقوط البعض على طريق الدعوة ..

فالذين يحملون أنفسهم فوق ما تطبق ولا يقبلون التوسط في شئ ويصرون على الغلو في كل شئ هؤلاء معرضون بشكل أو بآخر لانتكاسات نفسية وإيمانية ومثل هؤلاء كمثل من يريد أن يقطع صحراء طويلة بسرعة فيهلك دابته ولا يبلغ ضالته وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : ((إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى )) ويقول (( هلك المتنطعون )) قالها ثلاثاً .. ويقول ((إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين )).

إن النفس البشرية ضعيفة .. وهي قد تتحمل العزائم حيناً ولكن لا تقوى على تحملها في كل حين .. ثم إنها قد تتدرج في التحمل حتى تتمكن من ذلك بعد حين ولكنها قد لا تتمكن من ذلك دفعة واحدة ..

والناس متفاوتون في قدراتهم على التحمل ... فما يطيقه هذا قد لا يطيقه ذاك .. ولهذا وجدت في الشريعة العزائم والرخص وهي إحدى سمات التكامل والواقعية في المنهج الإسلامي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذا فيقول ((إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة يكره أن تؤتى معصيته )) ويقول ((إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه )).

أذكر أن أحد الأخوة أقسم ليحفظن القرآن عن ظهر قلب خلال فصل صيف .. ولقد اجتهد في ذلك ولكنه لم يتمكن فسخط على نفسه سخطاً شديداً وصمم لينتقمن منها أبشع انتقام .. فما كان منه إلا أن حرم نفسه من كل ما أحل الله له ... بدأ بصيام متتابع لا يفطر إلا لماماً وبقيام متتابع لا ينام سهواً .. ثم انقطع عن دراسته وباع كتبه وأثاث غرفته ولقد انتهي به الأمر بعد ذلك إلى (مستشفي للأمراض العصبية) وإلى عيبته عن الدعوة بالكلية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...

وأذكر آخر كان لا يحب أهل الغنى من إخوانه وكان معدوماً بائساً .. ولم يغير حاله معهم ونظرته إليهم ما كانوا يحيطونه به من اهتمام ومساعدة وعون .. وكان لا يفتأ ينتقدهم كلما سمحت له الفرصة .. فإن اشترى أحدهم شقة عادية للسكن فهي في نظره قصر لا يجوز اقتناؤه والسكن فيه .. وإن اقتنى أحدهم سيارة فهو عنده إسراف وتبذير مستدلاً بقوله تعالى { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً } الإسراء 27 ] ثم لم يلبث هذا الأخ أن اغتنى بعد فقر ودخل في التجربة والامتحان فلم يكن منه إلا أن طلق الدعوة بالكلية وأقبل على الدنيا بدون روية .. فالزاهد إذن ليس الفقير الذي ليس في جيبه دينار ولا درهم إنما الزاهد الذي إن أقبلت عليه الدنيا لا يفرح ولا يطغى وإن أدبرت لا يحزن ولا يكفر ....

وأذكر أنه في الخمسينات انضم إلى الحركة شقيقان اثنان كان أحدهما متطرفاً لا يقبل التساهل أو التوسط في شئ وكان الآخر متساهلاً بعض الشيء وكانت المشاحنات بينهما لا تنتهي بسبب وبدون سبب .. وأذكر أنهما جاءا يوماً يتلاعنان يقول المتطرف إن أخي هذا منافق مرتد ويجب أن يقام عليه الحد قلت : وماذا فعل ؟ قال : لقد صلى الفجر اليوم بعد أن أشرقت الشمس قلت : وهل هذا الأمر يوجب ما أنتما عليه من تنازع وشجار وهل من الفقهاء من يقول بارتداد من فعل فعلة أخيك اتق الله يا رجل مولا تكن من المتنطعين واستهد بهدى النبي صلى الله عليه وسلم وتحر سنته وإلا كنت من الهالكين ...

ولكن هذا الإنسان أصر واستكبر ولم يقبل النصح ثم عتت عليه نفسه فظن أنه لوحده على هدى وكل من حوله على ضلال .. ثم لم تنقض عليه فترة من الزمان وهو على هذا الحال حتى حلق لحيته ووقع في غرام ابنة الجيران التي تمكنت بمكرها وكيدها من استلاب إيمانه وإخراجه من دينه وإسلامه لصبح بعد ذلك شيوعياً لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً نسأل الله تعالى العفو والعافية وحسن الختام .

(4) التساهل والترخص : وهي من الأسباب التي تؤدى إلى التساقط على طريق الدعوة فكما أن التطرف والغلو من الأسباب كذلك التساهل والترخص ...

فالذين يتساهلون في امتثالهم أمر الله والتزامهم أحكام الشرع سيجدون أنفسهم مندفعين من تساهل صغير إلى تساهل كبير ومن تساهل في قضية إلى تساهل في كل قضية إلى أن يستحوذ الشيطان عليهم وعلى أعماهم وصدق من قال :

لا تحقرن صغيرة      إن الجبال من الحصى

إن شرع الله هو شرع الله يجب أن يؤخذ كما هو من غير زيادة ولا نقصان .. فالذي يزيد فيه كالذي ينقص منه وحدود الحلال والحرام يجب التزامها كما جاء به الشرع من غير تحايل عليها أو تأويل لها أو تساهل بها ...

فالذي ر يعرف من صفات الله إلا أنه غفور رحيم يجب أن يصحح معلوماته ويعرف أنه كذلك شديد العقاب ....

والذي تتعود نفسه الرخص في كل حين لن يتمكن من حملها على العزائم في أي حين .. وهنا تقع البليلة حيث يسقط الإنسان في أول امتحان عزيمة ...

أعرف أخاً لا تكاد تعثر في حياته على موقف من مواقف العزيمة .. فحياته كلها رخص في رخص وتساهل في تساهل ...

- ففي حياته التجارية لا يرى حرجاً في التعامل بالربا أخذاً وعطاءً ما دامت بنسبة منخفضة لأن الربا في مفهومه ما كان (أضعافاً مضاعفه ..)

- وفي حياته البيتية والعائلية والاجتماعية لا يجد حرجاً في مصافحة النساء وجلسات الاختلاط وتقديم المكروهات كالسجاير إلى الضيوف ...

- وفي حياته الوظيفية لا يجد حرجاً في قبول الرشوة تحت اسم الهدية للاهتمام بقضية من القضايا أو معاملة من المعاملات ...

وهكذا في كافة شؤونه لا يكاد يجد حرجاً في شئ ولو رده إلى الشرع وجد فيه انحرافاً وإثماً مبيناً .

شواهد من شرع الله :

*عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالباً ))

* عن أنس رضى الله عنه قال :(( إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات يعنى المهلكات ))

* وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إياكم ومحرقات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وإن رسول الله صلى الله عليه وسم ضرب هن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطق فيجئ بالعود والرجل يجئ بالعود حتى جمعوا سواداً وأججوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها )).

من هنا كان على العاملين في الحقل الإسلامي السائرين على درب الإسلام أن يحذروا الترخص والتساهل لأنها منافذ الشيطان إلى النفوس وأن يأخذوا بالعزيمة ما استطاعوا من غير مغالاة أو تطرف وبدون إفراط أو تفريط متحرين في ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي لا يحيد عنها إلا زائغ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول ((ومن رغب عن سنتى فليس منى ))..

5- الغرور وحب الظهور : ومن أسباب وخلفيات التساقط على طريق الدعوة داء الغرور وحب الظهور وهو داء عضال يفتك بالدعاة فتكاً يحبط عملهم ويمحو ثوابهم ويشقى عاقبتهم ...

ولو أن هؤلاء نظروا فيمن سبقهم واعتبروا بمن قبلهم لما وقعوا فيما وقعوا فيه ولما سقطوا في الامتحان الذي سقط فيه إبليس وكان من الخاسرين ...

أذكر أن أحد (الأخوة) جاءني مستاءً في أعقاب اجتماع ضمه مع وفد رسمي حيث جاء ترتيب اسمه في الخبر الذي أعطى للصحافة متأخراً فقال معاتباً : أو لم يكن من المناسب أن يكون ترتيب أسماء على غير هذا النحو ؟ قلت : استعذ يا أخي من الشيطان الرجيم واتق الله واذكر قول رسولنا صلى الله عليه وسلم ((إن أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله أما أنى لست أقول يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية )) .

وذكر لي بعض الناس ممن يحصون علينا الأنفاس ويتصيدون السقطات والعيوب أنه التقى سالف الذكر في الطريق وكان على (الرصيف ) الآخر فتقدم نحوه ليصافحه وانتظر أن يبادره الأخ بذلك ولكنه بقى مسمر فيها الغيبة عن نفسه فضلاً عن أن يقاتل التحية بأحسن منها ولقد هزني هزاً حين قال : الله رب العزة والجبروت يقول عن نفسه في الحديث القدسي (أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ون تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشى أتيته هرولة ) .

ثم تكلم بكلام أستحي أن أنقله إلى القراء لما فيه من تقريع جارح ودون أن يترك المجال لي بالرد والتعقيب وتطييب النفس ولو بكلمة ..

وأذكر أن واحداً ممن يدورون في رحى ذواتهم ولا يكادون يخرجون منها أو يتجاوزونها وصل متأخراً لحضور حفل خاص في أحد البيوت وكان صدر المكان قد امتلأ بالحضور فألقى السلام ودخل وبدل أن يجلس حيث ينتهي به المجلس وحيث المكان الفارغ اتجه نحو أحد الجالسين في المقدمة ممن يعتبرهم دونه في المكانة الاجتماعية حيث تخلى له عن مكانه بانكسار وحرقة ..

وفي مناسبة أخرى دخل (المذكور) إلى القاعة ولما لم يجد المكان الذي يرضيه سلم على الحضور وبقى واقفاً هنيهة في صدر (الصالة) حتى شعر الجميع بمراده وأنه يريد من أحدهم أن ينهض ويتخلى له عن مكانه وهكذا كان وسقط هذا الإنسان في الامتحان ..

إن هذا وغيره ممن كبرت نفوسهم حتى أعمتهم عن معرفة حقيقة أنفسهم إن هؤلاء بحاجة إلى صفعة في الدنيا توقظهم قبل فوات الأوان صفعة تفهمهم أنهم خلقوا من (بصقة) ومن (منى يمنى) ومن ( نطفة أمشاج) فعلام يتكبرون وفيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بصق على كفه بصقة ووضع إصبعه عليه يقول الله تعالى : (( ابن آدم تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه ؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد؟ جمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقى قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة ؟)).

إن على العاملين في الحقل الإسلامي والدعاة إلى الله أن يدركوا أن دعوة الإسلام لا يصلح لها ويثبت عليها من كان مختالاً فخوراً أو متكبراً مغروراً فالداعية بحاجة لأن يجلس مع الناس ويتواضع للناس ويخدم الناس ويخفض جناحه للناس ويتقبل النصح والنقد من الناس هكذا كان الداعية الأول صلى الله عليه وسلم وهكذا كان الدعاة الأولون ممن تربوا في مدرسة النبوة رضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين ...

-فعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل متكئاً يقول ((آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد )) .

وعن جرير رضى الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم من بين يديه فاستقبلته رعدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد )).

وكان رسو الله صلى الله عليه وسلم لا يأنف ولا يستكبر أن يجلس إلى المسكين والضعيف أو يذهب معه حتى يفرغ من حاجته وتستوقفه امرأة في الطريق حتى يقضى لها حاجتها فيفعل ويشارك أهل بيته والمسلمين الأعمال كلها كأي واحد منهم ...

على هذا الخلق سار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لم يتسلل العجب إلى نفوسهم ولم يداخل الغرور قلوبهم بل تواضعوا لله فرفعهم الله وأكرمهم في الدنيا والآخرة ...

_أخرج الدينورى عن محمد بن عمر المخزومى عن أبيه قال : نادى عمر بن الخطاب (الصلاة جامعة) فلما اجتمع الناس وكثروا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال ((أيها الناس : لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بنى مخزوم فيقبضن لي القبضة من التمر والزبيب فأظل يومي وأي يوم )) .. ثم نزل فقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه : (( يا أمير المؤمنين ما زدت على أن قمئت نفسك (يعنى عبتها وحقرتها) فقال : ((ويحك يا ابن عوف .. إني خلوت فحدثني نفسي فقالت : أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك .. فأردت أن أعرفها نفسها )).

- وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن قال ((رأيت عثمان رضى الله عنه نائماً في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين )).

- وأخرج ابن عساكر عن زاذان عن على رضى الله عنه ((أنه كان يمشى في الأسواق وحده وهو وال يرشد الضال وينشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين } .

وداء الغرور هذا قد يصيب في الدعوة العاملين في الحقل السياسي كما يصيب العاملين في الحقل التربوي . وإن بقيت (الإصابات ) في الحقل التربوي مخبوءة بعكس ما هو الحال على الساحة ذات الأضواء الكاشفة الفاضحة .

إن مناخ العمل السياسي في مجتمعاتنا مناخ فاسد التعامل فيه يقوم على الغش والخداع والتحايل والذي يبرع في هذا يعتبر ذكياً وناجحاً .. أما الذي يمارس السياسة بمصداقية وأخلاق ويلتزم بالموقف العقائدية الثابتة فيعد غبياً وفاشلاً ..

هذا المناخ الفاسد .. وهذا المنطق الأعوج له أثر حتمي على كل من يدخل حلبة العمل السياسي ولا يكون على جانب من الالتزام الإسلامي من التقوى إذ سرعان ما يألف الجو ويتأثر به تلقائياً بدون شعور ومن ثم يكون السقوط ..

أما الغرور الذي قد يصيب المربين والعابدين والزاهدين فإنه لا يقل خطورة من حيث النتيجة عما يصيب السياسيين .. يبدأ المرض لديهم من خلال العجب والزهو بأنفسهم ومن خلال شعورهم أنهم أفضل من غيرهم .. فهم الأتقى والأنقى والأعبد والأروع وينتهي إلى نتائج وخيمة وردود فعل سيئة قد تخرجهم من حظيرة الإيمان بالكلية ...

ألا فليسمع المغرورون المعجبون بأنفسهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ((ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرْ بنفسه )).

وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام ((لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب )).

قال مطرف : ((لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إلى من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً )).

وقيل لعائشة رضى الله عنها (( متى يكون الرجل مسيئاً ؟ قالت : إذا ظن أنه محسن )).

(6) الغيرة من الآخرين : ومن الأسباب التي تؤدى إلى السقوط على طريق الدعوة الغيرة القاتلة من الآخرين وبخاصة من المتقدمين والمرموقين والذين أوتوا نصيباً من الأهلية التي ينتقدها أولئك ...

فالجماعات تضم بين صفوفها أصنافاً شتى من الناس ومستويات شتى من المؤهلات الشخصية والنفسية والعصبية والفكرية فالذكاء مستويات .. والثقافة مستويات .. والقدرة على الكتابة والخطابة مستويات وهذا ما يجعل العاملين متفاوتين في العطاء والتأثير والتفاعل وفي كل شئ وهو أمر طبيعي وبديهي ...

ولكن بسبب الغيرة أحياناً يرفض (المحدودون ) أن يلتزموا حدودهم فيعمدون إلى (التسلق ) بشكل وبآخر فيجهدون أنفسهم بدون طائل .. وقد يصاب بعضهم بصدمات نفسية تلقى بهم خارج الصف أو تدفعهم إلى الانتقام لأنفسهم ممن يعتبرونهم سبباً في فشلهم .. وهنا قد تقع الطامة حيث يتجاوز المرء حدود كل شئ متفلتاً من كل المثل والقيم والأخلاق لينال من أخيه الذي أضحى عنده عدواً لدوداً لا ترتاح نفسه قبل أن ينتقم منه .

ولكان التاريخ يعيد نفسه وصورة الغيرة القاتلة تتكرر من لدن ابني آدم (قابيل وهابيل ) حيث قال الله تعالى فيهما ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال : لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } .

والقرآن الكريم يشير إلى داء الغيرة والحسد في مواقع كثيرة من ذلك قوله تعالى { أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً }

والرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من الغيرة والحسد في أحاديث كثيرة منها :

- فعن أبى هريرة رضى الله نه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى هاهنا التقوى هاهنا وأشار إلى صدره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله )) .

- وعن ضمرة بن ثعلبة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا ))

(7) فتنة السلاح : وأخطر ظواهر التطرف على الإطلاق ما اتصل منها باستعمال القوة فإنها تصبح آنذاك جائحة لا يقتصر ضررها على الأفراد وإنما قد يأتي على الحركة كلها ..

والساحة الإسلامية تشهد منذ فترة ليست بالقصيرة ظاهرة سوء استعمال القوة بسبب عدم التقيد بالضوابط والسياسات الشرعية في حال استعمال القوة .

وأذكر أننا عانينا في لبنان الأمرين من جراء هذه الظاهرة التي كانت تبرز عقب كل حادث تتعرض فيه الحركة لشدة أو محنة أو إيذاء كما قد يكون بروزها أحياناً من قبيل محاكاة الآخرين وتقليدهم والتشبه بما يفعلون ...

وأرى لزاماً في هذه العجالة أن أقف عند أهم الإشكالات التي تتصل بمفهوم استعمال القوة والتي كانت موضع خلاف بين العاملين وسبب فتنة وبلاء وعامل استدراج الحركة إلى مقاتلها ..

أولاًَ : عدم وضوح الغاية من امتلاك القوة :

فقد يظن البعض أن الهدف من امتلاك الحركة لأسباب القوة هو إثبات وجودها على الساحة الإسلامية .

وظن البعض الآخر أن الهدف هو اجتذاب الشباب الذي يهوى القوى ويعشقها والذي قد لا تجتذبه الأفكار والقيم والمبادئ المجردة ...

والبعض الآخر يرى الهدف هو رد كل اعتداء يمكن أن يقع على الحركة سواء كان من حاكم أو حزب أو فرد .

وهذا المفهوم أو ذاك من شأنه أن يجر الحركة وأفرادها إلى مشاكل ومواجهات يومية لا تكاد تنتهي كما يمكن أن يخرج بها عن خط سيرها الأصيل وأن يعطل دورها الدعوى الرسالى الذي هو مبرر وجودها وبسبب قيامها ..

إن القوة الحسية في الحركة يجب أن تكون محكومة لا حاكمة ويوم تصبح القوة هي الحاكمة وهي الفاعلة يختل السير ويفقد التوازن وتضيع المعايير ...

فالقوة الحسية يجب أن تأخذ حجمها ومكانها المحددين في نطاق المخطط الإسلامي لتشكل مع بقية القوى حجم الحركة وقدرتها وفاعليتها والتي يجب أن توضع في خدمة التغيير الإسلامي ...

فالغاية من امتلاك القوة كل قوة تحقيق التغيير الإسلامي فإقامة أمر الله وتطبيق شرع الله واستئناف الحياة الإسلامية بدليل قوله تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله } البقرة 193] وقوله صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله )) .

فاستعمال القوة يجب دائماً في هذا الإطار ويخدم غير هذا الهدف من شأنه أن يعتق الحركة ويستدرجها إلى معارك جانبية قد تؤدى إلى هلكتها ...

لم يكن استعمال القوة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ردات فعل عفوية بل كان فعلاً مدروساً محكوماً بقواعد وأصول واعتبارات ومعطيات متوافقاً مع طبيعة كل مرحلة وسياستها ونهجها ..

لم يكن كل عدوان على الجماعة المسلمة أو على أي فرد من أفرادها مبرراً لإعلان الحرب وشهر السلاح وبدء القتال ... في المرحلة المكية تعرضت الجماعة المسلمة وتعرض نبيها وقائدها لحملات من الاضطهاد والأذى والتنكيل .

 ومع هذا لم تصدر الأوامر بالمواجهة أو القتال لأن المرحلة كانت مرحلة إعداد الطليعة المؤمنة إعداداً يؤهلها لمواجهة طويلة ودائمة وثابتة إعداداً يؤهلها لحسم كل مواجهة لمصلحة الإسلام ..

من هنا كان توجيه النبوة في هذه المرحلة توجيهاً يتوافق وطبيعتها وأغراضها بالرغم من الظروف الدقيقة الضاغطة وما نزول قوله تعالى في تلك الفترة الذات { فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } إلا أمراً إلهياً مبرماً بالتزام طبيعة المرحلة وسياستها ..

ولم يكن ذلك بطبيعة الحال هيناً وسهلاً على النفوس ولكنها الدعوة ومقتضياتها ومصلحتها والتي يجب أن تعلو على كل اعتبار أو اجتهاد أو نزق شخصي .

ولقد روى أن عبد الرحمن بن عوف ونفر من الصحابة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا : يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم )) .

وروى عن خباب بن الأرت وكان ممن يعذبون بالكي بالنار أنه قال : (( أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة ولقد لقينا معاشر المسلمين من المشركين شدة شديدة فقلت : يا رسول الله ألا تدعو لنا ؟

فقعد محمراً وجهه فقال : لقد كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على فرق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه وليظهرن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله )).

 

ثانياً : عدم التقيد بشروط استعمال القوة :

وفيما يلي أبرز الشروط تلك :

(أ) إفراغ الجهد بالوسائل الأخرى : حتى يكون استعمال القوة آخر الدواء ولقد أجمع العلماء على ذلك ...

- يقول العلامة الجصاص ((أمر الله بالدعاة إلى الحق قبل القتال )).

- ويقول العلامة الزمخشرى ((يبتدئ بالأسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب )).

- ويقول ابن العربي المالكي ((إن الله سبحانه أمر بالصلح قبل القتال وعين القتال عند البغي )).

- ويقول الإمام القرطبي ((فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعل وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو القتل فليفعل فإن زال بدون القتل لم يجز القتل )).

(ب) إناطته بالإمام وجماعة المسلمين :

وليس بالإفراد والعامة يقول العلامة القرطبي ((الأمر بالمعروف باليد على الأمراء وباللسان على العلماء وبالقلب على الضعفاء )).

- يمكن للأفراد استخدام القوة لمنع المنكر قبل وقوعه ما لم ينتج عنه مفسدة أكبر أما بعد وقوعه فالأمر للإمام مباشرة المعصية وأما بعد الفراغ منها فليس ذلك لغير الحاكم )).

وصرح الفقهاء : بأن استخدام القوة بعد الفراغ من ارتكاب المنكر جناية يؤاخذ عليها ..

ويقرر الإمام الغزالي في ذلك أصلاً كلياً فيقول :((ليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وهو إعدام المنكر فلما زاد على قدر الإعدام فهو إما عقوبة على جريمة سابقة أو زجر لا حق وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية ))(

 

 

(ج) أن لا يفضي إلى مفسدة أو فتنة : ففي الأثر ءءدع الخير الذي عليه الشر يربو )) والقاعدة الشرعية أن (درء المفاسد يقدم على جلب المنافع )). وفيما يلي نصوص مختلفة من تصريحات العلماء :- يقول الإمام القرطبي ((فإن لم يقدر أي على إزالة المنكر إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه وذلك إنما هو إلى السلطان لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجاً إلى الفتنة وأيلاً إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )).- ويقول إمام الحرمين في شرح صحيح مسلم ((يسوغ آحاد الرعية أن يصد مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله ما لم ينته العمل إلى نصب قتال أو شهر سلاح فإن انتهي الأمر إلى ذلك ربط الأمر لسلطان)- ويقول العلامة الزمخشرى ((الإنكار الذي بالقتال فالإمام وخلفاؤه أولى لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها ))(د) أن لا يخرج عن السياسة الشرعية في هذا الأمر .... من ذلك :- عدم قتال العدو إذا تترس بين النساء والصبيان المسلمين وهو قول الأوزاعى والليث لقوله تعالى : { ولو رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما } .- عدم التعرض للآمنين وغير المحاربين وللممتلكات وغيرها لقوله صلى الله عليه وسلم ((أعزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله  ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً )) وفي وصية أبى بكر رضى الله عنه وهو يودع جيش أسامة قبل مسيره إلى الشام (( لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلو ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً ولا امرأة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة وسوف تمرون بأقوام قد حبسوا أنفسهم في الصوامع للعبادة فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له )) وكذلك صح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قوله : ((ولا تقتلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شن الغارات ..عدم تعريض المسلمين للتهلكة بما يوجب ملاحظة قوة العدو وعدده .. يقول الإمام الشافعي (( ولا ينبغي أن يولّي الإمام الغزو إلا ثقة في دينه شجاعاً في بدنه حسن الأناة عاقلاً للحرب بصيراً بها غير عجل ولا نزق وأن يقدم إليه وإلى من ولاه : أن لا يحمل المسلمين على مهلكة بحال ولا يأمرهم بنقب حصن يخاف أن يشدخوا تحته ولا دخول مطمورة يخاف أن يقتلوا ولا يدفعوا عن أنفسهم فيها ولا غير ذلك من أسباب المهالك )).

(هِ ) أن يكون وفق الأولويات : فالإعداد في الإسلام يخضع لترتيب وفق أولويات لا يجوز التساهل فيها أو عدم تعريض المسلمين للتهلكة بما يوجب ملاحظة قوة العدو وعدده .. يقول الإمام الشافعي (( ولا ينبغي أن يولّى الإمام الغزو إلا ثقة في دينه شجاعاً في بدنه حسن الأناة عاقلاً للحرب بصيراً بها غير عجل ولا نزق وأن يقدم إليه وإلى من ولاه : أن لا يحمل المسلمين على مهلكة بحال ولا يأمرهم بنقب حصن يخاف أن يشدخوا تحته ولا دخول مطمورة يخاف أن يقتلوا ولا يدفعوا عن أنفسهم فيها ولا غير ذلك من أسباب المهالك )).

(هِ ) أن يكون وفق الأولويات : فإعداد في الإسلام يخضع لترتيب وفق أولويات لا يجوز التساهل فيها أو تجاوزها لأنها مقتضى الصراط المستقيم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

- فكتب الفقه أجمعت على أن للجهاد شروطاً لا بد منها وهي : الإسلام - البلوغ - العقل - الحرية - الذكورة - السلامة من الضرر - وجود النفقة وهذا يدل على أن الأولوية للإسلام قبل الجهاد الجهاد .. وإن الالتزام الإسلامي أوجب من الالتزام الجهادى لأن الأول أصل والثاني فرع وطبيعة المرحلة المكية تؤكد أولوية الدعوة إلى الإسلام والتزامه ثم الجهاد في سبيله ...

- وعدم اعتبار القتال واحداً من أركان الإسلام أو الإيمان مع عظيم فضله ورفيع ثوابه وأجره إنما يؤكد أن الأولوية لهذه الأركان وإن القتال في الإسلام استثناء وليس قاعدة وإن شرط القيام به استكمال أركان الإيمان والإسلام وإن ترك القتال لا ينقض الإسلام والإيمان في حين ينقضه ترك ركن من هذه الأركان ...

- وترتيب وصف الله تعالى لعباده المؤمنين يؤكد الأولويات هذه من ذلك قوله تعالى { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله .. الآية } .

(و) أن يكون إعداداً سليماً متقناً ... ذلك أن (الكيف) في الإسلام مقدم على (الكم) والعبرة في النوع لا في العدد وصدق الله تعالى حيث يقول { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } وقوله { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثن وليتم مدبرين } .

فالإعداد في الإسلام ليس ردة فعل يفرضه موقف أو ظرف أو يمليه نزق واجتهاد أو تعبث به عاطفة مشبوبة غير عاقلة إنما هو منهج متكامل مؤصل بين القسمات واضح المعالم محدد المراحل محدد الأهداف له في شرع الله قواعد وأصول يجب تلمسها والتزامها بل والتشبث بها ...

وإلى هذا المعنى الجلي الواضح أشار الإمام الشهيد حسن البنا في المؤتمر الخامس فقال : ((أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم : اسمعوها منى كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع : إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول أجل قد تكون طريقاً طويلة ولكن ليس هناك غيرها إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة ...

أيها الإخوان ... إنكم تبتغون وجه الله وتحصيل مثوبته ورضوانه وذلك مكفول لكم ما دمتم مخلصين ولم يكلفكم الله نتائج الأعمال ولكن كلفكم صدق التوجه وحسن الاستعداد ونحن بعد ذلك إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين وإما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين على أن التجارب في الماضي والحاضر قد أثبتت أنه لا خير إلا في طريقكم ولا إنتاج إلا مع خطتكم ولا صواب إلا فيما تعملون فلا تغامروا بجهودكم ولا تقامروا نجاحكم واعملوا والله معكم ولن يترك أعمالكم والفوز للعاملين { وما كان الله ليضيع إيمانكم يترك أعمالكم والفوز للعاملين { وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم } .

- إن قوة الحركة وقدرتها قد لا تكون اكتملت بعد فيخشى عليها من أن تصفي أو تهلك وتباد في معركة غير متكافئة وقبل الأوان ...

- وقد تكون قوة العدو وحجمه أضعافاً مضاعفة فلا تلزم المواجهة وإنما تنمية القدرات وتعبئة الطاقات والترقب والانتظار وقد تنفع هنا المناورة والخديعة والتخذيل عن المسلمين ...

-وقد يكون هنالك أكثر من عدو ويحقق إضعاف أحدهم مصلحة للآخر وليس للإسلام فتسعير الحرب بينهم أولى وأمكر .

وأخيراً فإن ردات الفعل لا يحكمها عادة التعقيل والاتزان وإنما تسوقها العاطفة والإرتجال وليس مآل ذلك إلا الفشل ...

(ح) عدم جواز تعريض المسلمين للإبادة في حال عدم تكافؤ القوى :فقد حاء في شرح المقنع (( ولا يحل للمسلمين ولو ظنوا التلف الفرار لقوله تعالى { ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الادبار } الأنفال 15] وشرطه أن لا يزيد عدد الكفار على مثلى المسلمين وهو المراد بقوله { فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } الأنفال 66] قال ابن عباس ((من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فما فر ...)).

وإذا كان لا بد من كلمة في ختام التحدث عن فتنة السلاح فهي إن هذه الفتنة أحدثت شروخاً يصعب أن تلتئم في جسم الحركة الإسلامية وتسببت يسقوط العشرات من الشباب الذين حملوا السلاح قبل أن يحملوا الإيمان ودربوا على استعمال القوة قبل أن يدربوا على الطاعة والانضباط فإذا بالسلاح يتحكم بهم دون أن يتحكموا هم فيه وإذا بمظاهر القوة الخادعة غير المنضبطة وغير العاقلة تقذف بهم إلى هوة ليس لها قرار .. فاعتبروا ياأولى الألباب ..

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

ماذا يعني انتمائي للإسلام 

نحو وعي حركي إسلامي - مشكلات الدعوة و الداعية 

الاستيعاب في حياة الدعوة والداعية 

أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي 

التربية الوقائية في الإسلام 

المتساقطون على طريق الدعوة - كيف .. ولماذا ؟ 

قوارب النجاة في حياة الدعاة 

العالم الإسلامي والمكائد الدولية خلال القرن الرابع عشر الهجري 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca