الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: نظرات في سورة الحجرات
المؤلف: محمد محمود الصواف
التصنيف: جماعات ومنظمات وهيئات
 

الشرح والتفسير والبيان

الآية الثانية : يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا تَرفَعُوا أصواتَكم فَوقَ صَوتö النَّبيّö ...

) يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا تَرفَعُوا أصواتَكم فَوقَ صَوتö النَّبيّö ولا تَجهَروا لَهُ بöالقَولö كَجَهرö بَعْضöكُمْ لöبَعضٍ أنْ تَحبَطَ أعْمالُكُمْ وأنْتُم لا تَشْعُرونَ (

كانت الآية الأولى لبيان الأدب مع الله عز وجل ، وهذه الآية الثانية وآيات بعدها ، لبيان الأدب مع رسول الله r فقد أمر الله المؤمنين ألا يجعلوا أصواتهم عند الحديث مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم مرتفعة فوق صوته وألا يكون خطابهم إياه كخطاب بعضهم بعضاً من الجهر وعلو الصوت وارتفاع الكلام .

وقيل أن الأول : لا ترفعوا أصواتكم . يخص حال مكالمته صلى الله عليه وسلم  وكأنه قيل : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوته إذا نطق وتكلم وتحدث . والثاني : ولا تجهروا له بالقول . حال صمتهصلى الله عليه وسلم وكأنه قال : ولا تجهروا له عند دعائه إذا سكت وتكلمتم .

ويلزم من هذا كله . أن يكون صوتهم أخفض من صوته صلى الله عليه وسلم ، وأن يراعوا في دعائه ومخاطبته اللين في القول ، واللطف في المخاطبة أدباً مع مقام النبوة وجلالها وعظيم قدرها فيجب أن يخاطب بأدب وسكينة ووقار وتعظيم .

وقد كره العلماء رفع الصوت عند قبره الشريف صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته وبين يديه لأنه صلوات الله وسلامه عليه محترم حياً وفي قبره دائماً وأبداً .

قال القاضي أبو بكر بن العربي : حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتاً كحرمته حياً ، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثالُ كلامه المسموع من لفظه ، فإذا قرئ كلامه ، وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ، ولا يُعرض عنه ، كما كان يلزم ذلك في مجلسه عند تلفظه به . وقد نبَّه الله سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى : " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا " .

وكلامه صلى الله عليه وسلم من الوحي ، وله من الحكمة مثل ما للقرآن ، " إلا معاني مستثناة ، بيانها في كتب الفقه " انتهى ما ذكره القرطبي في تفسيره ، وكره بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفاً لهم لنهم ورثة الأنبياء .

وقال الإمام القرطبي في تفسيره :

وليس الغرض برفع الصوت ، ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة . لأن ذلك كفر . والمخاطبون مؤمنون . وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يُهاب به العظماء ويوقر الكبراء ، فيتكلف الغض منه ورده إلى حد يميل به إلى ما يتبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير . ولم يتناول النهي أيضاً رفع الصوت الذي يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك ، ففي الحديث أنه قال عليه السلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين " أصرخ بالناس " وكان العباس أجهر الناس صوتاً . " يروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس : يا صباحاه ! فأسقطت الحوامل لشدة صوته " انتهى .

لقد أدب الله المؤمنين بهذا الأدب الرفيع الرقيق فأخذوه فرحين ، وطبقوه مغتبطين ، مع انهم كانوا غلاظاً وكانوا حديثي عهد بجاهلية ومن سمات الجاهلية الجفاء في الخطاب ، والإغلاظ في القول . ولكنهم رضي الله عنهم ما كادوا يسمعون لأمر الله عز وجل إلا وخفضت أصواتهم ، وهدأت مخاطباتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومع بعضهم للبعض الآخر . بل ومع الناس أجمعين .

فقد روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعد نزول هذه الآية قال : يا رسول الله : والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله .

وكان إذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفود ، أرسل إليهم من يعلمهم كيف يُسَلّöمون ، ويأمرهم بالسكينة والوقار .

وروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتفعِت أصواتهما فجاء فقال : أتدريان أين أنتما ؟ ثم قال : من أين أنتما ؟ قالا : من أهل الطائف ، فقال : لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً .

وقد أدبهم الله بهذا الأدب الرفيع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن الغلظة ، ومن شأن النهي أن يردعهم ويصدهم عما الفوه وقد فعلوا وأن يمكن فيهم عادة اللين والأدب في القول والعمل ، وأن تطرد تلك العادة مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع غيره من المؤمنين ، فإن هذا الأدب كما هو أدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو أدب مع المؤمنين بعضهم مع البعض . ولا نجد رجلاً ليّöن القول لين المعاملة سهلاً عند الحديث سهل العريكة غلا وهو ذو نفس مهذبة ، صقلته الأيام ، وحنكته التجارب . وفاض عليه طيب عنصره ، وكرم أرومته ، وغمرته سحائب الرحمة من أخلاق دينه القويم وطريقه المستقيم .

وقد أدبهم الله بهذه الآداب ونهاهم عما يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام ، مع العلم أن النبي لم يكن جباراً في الأرض ولا متكبراً مختالاً ، بل كان جم التواضع ، عظيم الحلم ، كثير الحياء . توقفه الأمَةُ في الطريق لتحدثه فلا يتركها حتى تتركه هي ، وقال لرجل دخل عليه وهو يرتجف من هيبة الرسول صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد " إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان كثير التفكير بحمل ذلك العبء الجسيم في هذه الدعوة المباركة العظيمة الجليلة .

 

" إنا سنلقي عليك قولاً وثقيلاً " وكان عليه الصلاة والسلام كثير الشواغل يتلقى الوحي من ربه ثم يبلغه للناس ويبينه ، ويسوس المسلمين دنيا وأخرى . ويفكر في عزتهم ودفع الأذى عنهم وينظر في حرب من يحاربه وسلم من يسالمه ، ويسعى لتوفير الخير للمسلمين . وهو مع ذلك بشر تؤذيه الغلظة ، وتقلق باله الفظاظة ، ومن كان هذا حاله ، وجب أن يوفر له الهدوء والسكينة ، وأن يباعد عنه كل شيء مشوش للخاطر . وقد أكرمه الله بذلك فطبع المسلمين على هذه الآداب العالية وأمرهم أن يتمسكوا بها في حياتهم الدنيا . وأمرهم معها بأن يقولوا للناس حسناً . فاستمسكوا بكل حسن من الأقوال والأفعال ، وأطاعوا الله ورسولِه ، حتى استحقوا أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله . وكانت آدابهم أرفع الآداب وأخلاقهم أسمى الأخلاق . بل كانوا غرة في جبين الدهر . ودرة في سماء المجد جعلنا الله منهم وحشرنا جميعاً معهم . إنه تبارك وتعالى نعم المولى ونعم النصير ، والحمد لله رب العالمين .

قوله تعالى : ) أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ( .

ومعنى هذه الآية الكريمة : أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يؤذيه تصرفكم هذا ، ويزعجه صوتك المرتفع بغير داع ولا سبب فيغضب من ذلك ، فيغضب الله تعالى لغضبه فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري ، كما جاء في الحديث الصحيح مما يماثل هذا . وهو : " ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يكتب له بها الجنة ، وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض " .

وقوله تعالى :  " أن تحبط أعمالكم " .

أي : تفسد ، وتبطل ، وتذهب سدى ، لا يكتب لكم بها أجر ولا ثواب لمخالفتكم لأمر الله عز وجل في أمور نهاكم عنها . فلم تنتهوا فأحبط أعمالكم من حيث لا تشعرون . فاحذروا هذا المسلك المعوج الوعر الشائك فإن ارتكاب المحرم قد يكون داعياً إلى استمرائه والاسترسال فيه من غير مبالاة لعقوبة الله . فتكثر السيئات وتحبط الأعمال ، من حيث لا يشعر الإنسان . فالرذيلة تكون أولاً حالاً وعرضاً ، ثم تصير ملكة ومرضاً . وكذلك الفضيلة . وقد نقل عن أفلاطون قوله : لا تصحب الشرير فإن طبعك يَسْرق وأنت لا تدري .

 

أوْجُه حبوط الأعمال :

حبوط الأعمال يكون على ثلاثة أوجه ومن الخير أن ننبه إليها ، ليتجنب الناس تلك المزالق الخطرة التي تحبط أعمالهم وتذهب بها أدراج الرياح فيكونون قد خسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين .

 

الوجه الأول : أن تكون الأعمال دُنيوية خالصة لا يؤمن صاحبها بالله ولا باليوم الآخر . فهذه الأعمال وإن كان منها صالحاً كإنفاق النفقات والمشاركة في الأعمال الخيرية الخاصة أو العامة فإنها لا تغني في الآخِرة شيئاً عن صاحبها . إذ لا ينفع عمل مع الكفر بخالق العامل والعمل . وليس بعد الكفر ذنب ، وليس بعد الكفر قرب . قال تعالى في حق أمثال هؤلاء :

" وقَدöمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً " .

 

الوجه الثاني : أن تكون الأعمال أخروية ولكن صاحبها لم يقصد بها وجه الله تبارك وتعالى ، إنما قصد بها أموراً أخرى كالرياء والسمعة والمفاخرة . فهي محبطة أيضاً . وليس لصاحبها ثواب عند الله تعالى ، وفيمِا رواه الإمام مسلم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم العبرة والدليل والكفاية . فقد قال :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتöيَ به فعرفه نعمه فعرفها فقال : ما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت قال : كذبت ولكنك قاتلت لن يقال جرئ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى القي في النار . ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال : ما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن قال : كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال قارئ . فقد قيل . ثم أمöرَ به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار .

ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال : فما عملت فيها ؟ فقال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيها لك قال : كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد . فقد قيل . ثم أمöرَ به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار . نعوذ بالله ونستجير به من حبوط العمال وسوء الأحوال . فمن لم يُرöد وجه الله بعمله خالصاً مخلصاً فقد حبط عمله وبطل أمله .

 

الوجه الثالث : أن يقوم المرء بأعمال صالحة كريمة ولكنه إلى جانب ذلك يقوم بسيئات كبيرات تطغى علِى هِذه الأعمِال الصالحة فتحبطها وتأكلها أكلاً لمّا ، كما تأكل النار الحطب ويكون ذلك الإنسان كمن خلطوا عمِلاً صالحاً وآخِر سيئِاً . فهذا أيضاً من الذين ستحبط أعمالهم ولا ينالون بها ثواب الله عز وجل .

روى الإمام مسلم وغيره عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع . فقال : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة . ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا . فيعطي هذا من حسناته ، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثم طرح في النار.

فهذه ثلاثة أوجه ومسالك ، تحبط فيها الأعمال وتبطل ، فلا يستفيد منها صاحبها ، ولا تأتي بثمراتها الطيبة . فليحذر العبد سلوكها والتورط فيها . فقد حذرنا الإسلام منها ودعانا إلى الإخلاص الكامل في الأقوال والأعمال . ولا حجة للناس بعد بيان الله وتحذيره لهم . فلا جزاء ، ولا ثمرة ، للعمل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله تبارك وتعالى . ومن عمل عملاً أشرك فيه غير الله ، فهو لمن أشرك وليس له عند الله نصيب .. وهل يجازي ويكافي غير الله الغني القوي العزيز الحكيم ؟ قال تعالى : " فادعوه مخلصين له الدين " . وقال تعالى : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " . سورة البينة : 5

ورد في الحديث الشريف عن محمود بن لبيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر . قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء . يقول الله يوم القيامة . إذا جزى الناس بأعمالهم يقول : إذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا . فانظروا ، هل تجدون عندهم جزاء ؟

فلا قبول للعمل إذن إلا مع الإخلاص التام لله رب العالمين . وحقيقة الإخلاص هو أن يقصد المرء بقوله وعمله وجهاده وإنفاقه وجه الله تبارك وتعالى وابتغاء مرضاته ، من غير نظر إلى مغنم أو جاه ، أو لقب ، أو مظهر . حتى يرتفع عن نقائص الأعمال ، ورذائل الأخلاق ويتصل بالله مباشرة . فلا يريد إلا وجهه ، ولا يعمل إلا له في جميع أعماله وسائر تصرفاته ويحقق هذا قوله تعالى :

" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له . وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ". الأنعام : 162

هذا هو الإسلام . أن يتجرد المسلم من كل هوى ، ويبتعد عن كل مبتغى ليس فيه وجه الله سبحانه .

روى ابن أبي حاتم عن طاووس أن رجلاً قال : يا رسول الله . إني أقف المواقف أريد وجه الله ، وأحب أن يرى موطني ؟ فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزلت هذه الآية : " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً " . الكهف : 110

وقد جعل الإسلام الإخلاص دليلاً على كمال الإيمان . ومن كمل إيمانه فهو في عليين ، ومن خير البرية .

روى أبو داود والترمذي بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله فقد استكمل الإيمان " . وطوبى لهؤلاء المخلصين فهم مصابيح الدجى تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء . وهم النجوم الزاهرة التي يهتدي بنورها السالكون ، فبالإخلاص والنية الصالحة يبلغ المرء الذروة من السمو والرفعة . وينزل بهما منازل الأبرار الأطهار من المهاجرين والأنصار يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم :

" طوبى للمخلصين : الذين إذا حضروا لم يعرفوا .. وإذا غابوا لم يفتقدوا أولئك هم مصابيح الهدى تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء " رواه البيهقي عن ثوبان .

ولقد كان التحلي بحلية الإخلاص سبباً في تطهير أنفس الصحابة الكرام من الرياء والنفاق والكذب . وكانوا بحق مصابيح الدجى والهدى . انجلت عنهم كل فتنة ظلماء . واندفعوا إلى غاياتهم الكبرى . وأهدافهم السامية ينشدون إقامة الحق والعدل ويبتغون وجه الله وإعلاء كلمته . فمكن الله لهم في الأرض وفتح لهم مشارقها ومغاربها وجعلهم قادة الدنيا ، وسادة العالم ، وأئمة النصر والفتوح .

والاتصاف بصفة الإخلاص والصدق يكسب الفرد النجاح والظفر ، والجماعة التي تتألف من أفراد مخلصين تتجه إلى الخير ، وتتنزه عن الدنايا ، وتترفع عن شهوات الدنيا ، وتسير إلى غاياتها تظللها المحبة ، ويعمها الأمن والرخاء والسلام .

- والإسلام العظيم الذي ربى النفوس على أنبل الأخلاق وأسماها يريد من المسلم أن يكون سره كإعلانه ، وظلمة ليله كضوء نهاره . فإذا اختلف الظاهر والباطن ، وتعارض القول والعمل ، وتأرجح الإنسان بين دوافع الخير ونوازع الشر ، كان النفاق الذي يفقد المرء شخصيته فلا يقدر على الجهر بالحق، ولا يقوى على المصارحة ، ولا يقف موقف البطل الشجاع .

روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن أناساً قالوا له : إنا ندخل على سلاطيننا . فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم . قال ابن عمر: كنا نعد هذا نفاقاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن يرد أن يتتبع الآثار السيئة التي يتركها عدم الإخلاص في المجتمع البشري ، وفي الحياة الإنسانية ، ومدى ما أحدثه الرياء والنفاق وفساد الأخلاق ، من اضطراب في النظم ، وتغيير للعرف الصالح ، وتَعْويق عن النهوض والارتقاء . بل والانحطاط إلى أسفل الدركات ، فلينظر إلى حالتنا الحاضرة ويتفحص ما وصلنا غليه من تدهور وانحطاط فإن نظرة واحدة تكفيه عبرة عما كنا عليه وما أصبحنا فيه . وما ذلك كله إلا لفقدان الإخلاص في مجتمعاتنا الإسلامية . وانتشار النفاق والرياء . ومن شأن الرياء أن يحجب المرء عن الله وينزل به إلى مستوى الحيوان ، فلا تزكو له نفس ، ولا يقبل منه عمل ، ذلك أن المرائي والمنافق لا رأي له ولا مبدأ ولا عقيدة ولا دين ، ولكنه كالحرباء يتلون بكل لون ويميل مع كل ريح . وتُفْقد منه الرجولة والأنفة والشجاعة ، ولا يهمه من أمر الدنيا إلا نفسه الأمارة بالسوء . وخداع الناس ومخادعة الله عز وجل قال تعالى : " إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءُون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً " . النساء 142 .

وهؤلاء من الذين سيحبط الله أعمالهم في الدنيا والآخرة ويجعلهم الأخسرين الأسفلين وهم في الدرك الأسفل من النار : " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار " .

 

ثناء الناس لا يحبط العمل

من الناس أناس يعملون العمل لله ويُسّöرون ذلك العمل ويخفونه عن الناس خشية أن يقعوا في الرياء وهم صادقون في إخلاصهم ، ثم يطلع الناس على أعمالهم دون قصد منهم ، فيثنون عليهم ، ويحمدون لهم ما صنعوا . ويذكرونهم بكل خير وشكر ، فيعجبهم هذا الثناء وينزل منهم منزلة الماء البارد على القلب الولهان . فهؤلاء العاملون المخلصون وإن أعجبهم هذا الثناء ، وظهرت أعمالهم بين الناس ، فإن هذا لا يُحبَط معه عملهم ، ولا ينقص شيئاً من أجرهم وثوابهم . ما داموا مخلصين لله تبارك وتعالى . روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله ، الرجل يعمل العمل فيُسّöره . فإذا اطُلöع عليه أعجبه ذلك ؟ . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " له أجران : أجر السر ، وأجر العلانية " .

بل قد يكون ثناء الناس على أعمال هؤلاء المخلصين الذين أخفوا أعمالهم لله ، ولكن الله أظهرها . قد يكون هذا من البشريات المعجلة لهؤلاء الصادقين . فقد ورد عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تلك عاجل بشرى المؤمن " . رواه مسلم .

 

إتقاء الرياء

ولعل خير ما نختم به تفسير هذه الآية الكريمة : " أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " ، هو في كيفية الاتقاء من الرياء . ولا شك أن اللجوء إلى الله عند الملمات هو الطريق الأقوم ، والسبيل الأسلم . وقد أرشدنا المعلم الأكبر ، رسول هذه الأمة الإسلامية ، ومبعوث الله إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً محمد صلى الله عليه وسلم إلى طريق الاتقاء والرياء ، فقد روى الإمام أحمد رحمه الله عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال :

يا أيها الناس : اتقوا هذا الشرك ، فإنه أخفى من دبيب النمل ، فقال رجل : وكيف نتقيه ؟

قال : قولوا : " اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه " .

ونحن نقول صادقين ومنيبين إلى الله عز وجل : " اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه " والحمد لله رب العالمين .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

نظرات في سورة الحجرات 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca