الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: نظرات في سورة الحجرات
المؤلف: محمد محمود الصواف
التصنيف: جماعات ومنظمات وهيئات
 

الشرح والتفسير والبيان

الآية العاشرة : يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمñ مöنْ قَوْمٍ ..

الآية العاشرة :

) يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمñ مöنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مöنْهُمْ ، وَ لا نöساءñ مöنْ نöساءٍ عَسى أنْ يَكُنّ خَيْراً مöنْهُنّ . وَلا تَلْمöزُوا أنْفُسَكُمْ ، وَلا تَنابَزُوا بöالألْقابö ، بöئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانö ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأولئöكَ هُمُ الظّالöمُونَ (  .

لما أمر الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة بإصلاح ذات البين ونهى عن التفرق وأخبر عن عقد الأخوة الذي ربطه الله برباط الإيمان الوثيق ، عقّب في هذه الآية الكريمة بالنهي عن أسباب الفرقة التي تؤدي إلى الشقاق والمشاحنات والبغضاء .

فالسخرية بالخلق والازدراء بالناس والهمز واللمز والتنابز بالألقاب ما هي إلا عوامل للفساد ومعاول لهدم الأخوة بين المؤمنين ، بل هي الفسوق الذي لا يناسب الإيمان الذي يتحلى ويتجمل به المؤمنون البررة لذا نهى الله عز وجل في هذه الآية الكريمة عن هذه العوامل المهلكة المكدرة لصفو المجتمع والتي تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب فقال عز وجل .

) يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ، ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ( .

 

أخلاق اجتماعية

وقد نهت الآية الكريمة عن السخرية بين الرجال والرجال وبين النساء والنساء .

وقد نزل قوله تعالى : لا يسخر قوم من قوم ، في ثابت بن قيس بن شماس وكان في أذنه وقر أي ثقل في السمع وكان إذا دخل المسجد تفسحوا له حتى يقعد عند النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع ما يقول ، فدخل المسجد يوماً والناس قد فرغوا من الصلاة وأخذوا أماكنهم في الجلوس فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول : تفسحوا تفسحوا ، حتى انتهى إلى رجل فقال له : أصبت مجلساً فاجلس ، فجلس ثابت بن قيس خلف ذلك الرجل مغضباً ، فلما انجلت الظلمة قال ثابت : من هذا ؟ قال الرجل : أنا فلان . فقال ثابت : ابن فلانة ، ذكر أماً له كان يعير بها في الجاهلية ، فنكس الرجل رأسه حياءً وخجلاً ، فنزلت هذه الآية الكريمة : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم " . فقال ثابت بن قيس لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبداً .

وروي عن الضحاك أن قوماً من بني تميم استهزأوا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبي ذر وسالم مولى حذيفة ، فنزلت هذه الآية الكريمة فيهم .

وقوله تعالى : " ولا نساء من نساء " ، نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم سخرن من أم سلمة وعيّرنها بالقصر وأشرن إليها بأيديهن فنزلت هذه الآية فيهن .

وعن عكرمة عن ابِن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن صفية بنت حيي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن النساء يعيرنني ويقلن : يا يهودية بنت يهوديين ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلاّ قلت إن أبي هرون ، وابن عمي موسى ، وأن زوجي محمد ، عليه الصلاة والسلام ، فنزلت هذه الآية في حقها وحق من عيّرها وطعنها في نسبها ، ناهية عن هذا الأسلوب من السخرية والاستهزاء مما لا يليق بالمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات .

والقوم ، في قوله تعالى : لا يسخر قوم من قوم ، المراد بهم الرجال خاصة ، قال الخليل : القوم يقع على الرجال دون النساء لقيام بعضهم مع بعض في الأمور ، قال زهير : وما أدري ولست أخال أدري : أقوم آل حصنٍ أم نساءُ واختصاص القوم بالرجال دون النساء صريح في الآية الكريمة وفي هذا البيت من شعر زهير .

وقال الزمخشري رحمه الله تعالى : القوم الرجال خاصة لنهم القوامون بأمور النساء ، قال تعالى : "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا " .

وقال عليه الصلاة والسلام : النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه ، والذابون هم الرجال .

وأما قولهم قوم فرعون وقوم عاد مثلاً وفيهم الذكور والإناث ، فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين ولكن قصد ذكر الذكور وترك الإناث لأنهن توابع لرجالهن أو من باب تغليب الذكور على الإناث .

وورود لفظ القوم والنساء بصورة النكرة : " لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء " يحتمل معنيين :

أن يراد : لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ، وأن تقصد إفادة الشيوع وأن تصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية والاستهزاء .

قال الزمخشري رحمه الله تعالى : وإن لم يقل الحق عز وجل رجل من رجل ولا إمرأة من إمرأة على التوحيد إعلاماً بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية واستفظاعاً للشأن الذي كانوا عليه . ولأن مشهد الساخرين لا يكاد يخلو من يتلهى ويستضحك على قوله ولا يأتي ما يجب عليه من النهي والإنكار فيكون شريك الساخر وكذلك من يطرق سمعه فيستطيبه ويضحك به فيؤدي ذلك وإن أوجده واحد إلى أن تكثر السخرية وانقلاب الواحد جماعة وقوماً .

وقوله تعالى : " عسى أن يكونوا خيراً منهم " كلام مستأنف قد ورد مورد جواب المتخبر عن العلة الموجبة للنهي عن السخرية في أول الآية الكريمة فقيل للمتسائل : إن هذا المسخور منه قد يكون أفضل وأكرم عند الله تعالى من الساخر ويجب على كل واحد أن يعتقد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيراً من الساخر ، والمستهزأ به أفضل من المستهزئ لأن الناس لا يطلعون إلا على ظواهر الأحوال ولا علم لهم بالخفيات والمستورات والذي يوزن عند الله تعالى ويكون الشأن في علو شأن الناس أو انحطاطهم إنما هو خلوص الضمائر لله ، وتقوى القلوب . وعلم الناس بالضمائر صفر في صفر والله وحده هو الذي يعلم ما في الضمائر والقلوب ومنازل الناس عنده على حسب ما في هذه القلوب التي نجهل عنها كل الجهل ما فيها وما تنطوي عليه ، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذ رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو صغيراً في وظيفته أو فقيراً في مظهره أو متواضعاً في شهادته أو ضعيفاً في حاله ، فلعل هذا الذي تسخر منه أيها الإنسان وتستهزئ به ، لعله يكون أخلص منك ضميراً أو أنقى قلباً وأطهر ذيلاً وأصفى روحاً وأسمى خلقاً وأرفع منزلة عند الله منك ، فلا تظلم نفسك بتحقير من وقره الله تعالى ، والاستهانة بمن عظمه الله تعالى وأكرمه برضاه عنه.

 

ولقد بلغ الخوف ببعض السلف رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من هذه الآية أن أفرطوا في التوقي والحذر من الوقوع في السخرية بالناس .

قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحت منه خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه.

وعن عبد الله بن مسعود قال : البلاء موكل بالقول ، ولو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً .

والسخرية بالخلق تدل على انحطاط في الخلُق ونقصٍ في العقل ، فلكل إنسان منزلته في المجتمع ، ولا يستغني المجتمع عن عمل أحدٍ من الناس مهما صغر هذا العمل أو حقر في نظر البعض .

ولكل إنسان عاطفته وكرامته واحترامه ، بل قد يكون عند العامل البسيط الذي قد يحتقر عمله المثقف أو الموظف أو الغني أو أي أحد من هؤلاء الساخرين الجاهلين والمتكبرين المتجبرين . قد يكون عند هذا العامل من الكرامة وعزة النفس وطيب الخلق وصفاء القلب وطهارة الروح ما ليس عند أولئك جميعاً ، فيتق الله الناس في عباد الله ولا يتطاولوا على أحد ، فإنهم لابد دون منازل الناس عند الله سبحانه، ولا يعلمون حقائق نفوسهم ، فكيف يجترئون عليهم بالباطل ويسخرون منهم ظلماً وعدواناً .

يروى أن الرجل يوماً خاطبت الرأس في البدن فقالت : أيها الرأس ، لا تشمخ بأنفك علي ولا تترفع بما وهبك الله من سمع وبصر ولسان ، ولاتغتر بعلوك على سائر أعضاء البدن ، وإياك أن تسخر مني وتهزأ بي وتقل إنك موطن الحذاء ومداس الأقذار ، فإنك أيها الرأس لولاي أنا الرجل ما سرت على الأرض .

والمجتمع كالجسم ، وهل نقطع الرجل من الجسد لأنها حقيرة ونبقي الرأس لأنه عظيم ، وإذا فعلنا ذلك واحتقرنا الرجل فهل نعدو أن نكون مجانين خارجين عن طور الإنسانية .

فكذلك الشأن في المجتمع ، فإذا احتقرنا الصغير لصغره ، والفقير لفقره ، والعامل لعمله ، والموظف الصغير لوظيفته ، فنحن لا نعدو أن نكون كذلك الذي احتقر رجله فقطعها وهي جزء من جسمه .

فالمجتمع الإسلامي وحدة متكاملة لا تتجزأ ، ولا يجوز لأحد أن يسخر من أحد ، حسب أمر الله عز وجل في هذه الآية الكريمة ، لا رجال من رجال ولا نساء من نساء ، فالسخرية بالناس حرام شرعاً ومنهي عنها بنص هذه الآية الكريمة وبما ورد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخواناً ، كما أمركم ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى ها هنا ويشير إلى صدره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه  .

وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع : " إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا هل بلغت ؟  .

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :

أتدرون أربى الربا عند الله ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : " فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً "  .

وعن سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق "  .

والسخرية : الاستهزاء والنظر إلى المسخور منه بعين النقص والازدراء به قولاً أو فعلاً بحضرته .

واللمز : الطعن والضرب باللسان والتنبيه على المعايب في حضرته ، ولا يدخل في مفهومه قصد الاحتقار كما يدخل في السخرية ، وهذا هو الفارق بينهما .

والتنابز بالألقاب : التداعي بها ، وبنو فلان بتنابزون أي يتداعون بالتلقيب المنهي عنه شرعاً ، وهو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيراً به وذماً له وشيناً .

أما ما يحبه من الألقاب مما يزينه وينوه به فلا بأس به . ففي هذه الآية الكريمة ينهى الله عز وجل عن اللمز والطعن وعن نداء الناس بعضهم لبعض بما يكرهونه من الألقاب فليس من الإنصاف ولا من الرجولة أن تلمز أخاك وتطعنه بغير حق ولا تناديه بما يكره من الألقاب الخبيثة ، وكل هذه الأمور التي ينهى عنها الإسلام مما تولد الفساد والعداوة والبغضاء بين الناس ، والله تبارك وتعالى لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الفرقة والشقاق ، والتفرقة والنفاق .

وانظروا إلى الإلتفاتة العظيمة في هذه الآية الكريمة حيث قال تعالى : " ولا تلمزوا أنفسكم " وقد يتساءل الإنسان وكيف يلمز الإنسان نفسه ؟ والجواب : إن الله تبارك وتعالى جعل المؤمنين كنفس واحدة واعتبرهم كجسد واحد ، فلا يليق أن يطعن بعضهم بعضاً ، لأن الطاعن في هذه الحالة يطعن نفسه ، ويطعن جسده بنفس المدية التي طعن فيها أخاه ، لذلك نهاهم بهذا الأسلوب الحكيم فقال : ولا تلمزوا أنفسكم ومعناه لا يعيّöر بعضكم بعضاً لأن المؤمنين كنفس واحدة ، عاب المؤمنُ المؤمنَ فكأنما عاب نفسه.

وذهب صاحب الكشاف رحمه الله تعالى إلى أن المعنى : وخصوا أنفسكم أيها المؤمنون بالنهي عن اللمز فيها وطعنها وعيبها ، ولا عليكم أن تلمزوا غيركم ممن ليس على دينكم أو ممن ليس على سيرتكم وهم المجاهرون بالفسق . وفي الحديث الشريف . " اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس " .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه . ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن . قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : أشيعوا الكنى فإنها منبهة .

وقلّ من تجد من المشاهير في الجاهلية والإسلام ولا تجد له لقباً حسناً أو كنية ، ولقد لقّب أبو بكر بالصديق ولُقّöب عمر بالفاروق ، ولقب حمزة بأسد الله ، وخالد بن الوليد بسيف الله ، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة ، والكنى تجري في الأمم كلها في تخاطبهم وكتاباتهم من غير نكير أو استغراب ، بل هي من الآداب الرفيعة ، والأخلاق الاجتماعية النبيلة ، التي من شأنها أن تشيع الحب بين الناس وتنمي فيهم روح المودة والاحترام ، وتقرب بين قلوبهم وأرواحهم حتى يكونوا حقاً كنفس واحدة وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى .

وقد ذكرتُ أن النهي ورد عن التلقيب بما هو مكروه ، وأود أن أبيّن هنا أنه لا فرق بين أن يكون اللقب المكروه صفة له أو لأبيه أو لأمه أو غيرهما ممن له بهم صلة ، وقد روي عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال : أدركنا السلف وهم يرون العبادة الكف عن أعراض الناس . وقد قال الله تعالى : " ويل لكل همزة لمزة " والهمزة : الطعان في الناس .

بعد هذ بين الله سبحانه وتعالى أن السخرية واللمز والتداعي بالألقاب موجبة للفسوق والخروج عن طاعة الله تعالى . أفلا يليق بالمؤمن الذي حل قلبه الإيمان واستنار بنور الإسلام لا يليق به أن يكب على وجهه وينقلب على عقبيه فتطلق عليه كلمة الفسق ، وأن يشيع ذكره بين الناس على وصف أنه فاسق بعد أن عرف بالإيمان : " بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان " ، والاسم هنا في قوله عز وجل : بئس الاسم ، معناه الذكر ، مأخوذ من قولهم : طار اسمه في الآفاق ، أي ذكره .

وخلاصة معنى هذه الآية : بئس الذكر أن يذكر المؤمن بالفسوق بعد أن اتصف بالإيمان ، أي أنه لا ينبغي اجتماع هذين الوصفين : الإيمان والفسوق ، كقولهم : بئس الشأن بعد الكبْرةö الصبوة ، وهم يريدون استقباح الجمع بين الصبوة وكبر السن ، أي ما يكون في حال الكبر من الميل إلى الجهل .

وينبغي أن نذكر هنا أن اللقب القبيح قد يشيع ويصبح علماً على عائلة أو فرد من الناس فيذكر ذلك اللقب ولا يتأذى صاحبه منه . وقد تدعو إليه الضرورة فيذكر لا على قصد التحقير ، كما يقول المحدثون : سليمان الأعمش وواصل الأحدب ، وفي هذه الحالة لا ضرر فيه ولا ينهى عنه شرعاً .

 

التوبة من الذنوب

بعد هذا النهي وهذا البيان لما يجب أن يجتنبه الإنسان ، ذكر اللّه سبحانه التوبة عن هذه الأمور واعتبرها واجبة لازمة كالتوبة عن سائر المعاصي والذنوب ومن لم يتب فهو ظالم لنفسه موبق لها لأنه عرضها لسخط الله وعذابه ، قال تعالى : ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون .

والتوبة نعمة من الله عز وجل امتن بها علينا ويسّرها لنا وجعلها باباً مفتوحاً لمن يود الدخول فيه ، وليست التوبة كلمات مجردة في اللسان يطلقها الإنسان من غير أن يُطلّöق الذنب ويهجره ، فقولك : استغفر الله العظيم وأتوب إليه ، لا يسمّى توبة ولا هو الذي يطلبه الله عز وجل ويحبه منك ويحب أصحابه لأن التوبة تستدعي معرفة عظيم ضرر الذنوب والإدمان عليها ، كما تستدعي ألم القلب وحزن النفس فتذوب أسى وحزناً وأسفاً وأنه لا يغفر الذنوب إلا الله ولا مفرج إلا هو ، فهو غفّار الذنوب وستّار العيوب ، وحينئذ ينال رضا الله عز وجل : " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " .

قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم : قال العلماء : التوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى ولا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط :

أحدها : أن يقلع عن المعصية .

الثاني : أن يندم على فعلها .

الثالث : أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً .

فإن فقد شرط من الثلاثة لم يصح توبته ، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة :

هذه الثلاثة . وأما الرابع : أن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت مالاً أو نحوه رد إليه ، وإن كان حد قذف مكنه منه أو طلب عفوه ، وإن كان غيبة استحله منها .

ويجب أن يتوب من جميع الذنوب ، فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي .

وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة من كل ذنب ، فالمؤمن قد تجنح نفسه إلى الشر فتقترف إثماً أو تكتسب خطيئة ، فما عليه إلا المبادرة إلى التوبة ليغسل ما أصابه من درن المعصية وأوضار الخطيئة ، فإن التوبة تغسل الحوبة وتصقل القلب وتمسح عنه رين المعصية وآثارها السوداء التي تتركها على قلب المؤمن .

ففي الأثر أن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نقطة سوداء في قلبه ، فإن تاب واستغفر صقل منها قلبه ، وإن زاد زادت حتى يغلف قلبه بالسواد ، وذلك الران الذي قال الله فيه : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " .

وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا أيها الناس ، توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة " .

وحقيقة التوبة : علم ، وندم ، وقصد . فإذا فقد أحدها فقدت .

ومعرفة كون المعاصي مهلكات جزء من الإيمان ، وعدم المبادرة إلى التوبة مفوّöت لجزء من أجزاء الإيمان ، ولو كان الإيمان كاملاً لما أقدم مؤمن على معصية ، وهذا يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " .

ولابد في التوبة المقبولة أن تكون قريبة من الذنب ، قال تعالى : " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، فأولئك يتوب الله عليهم ، وكان الله عليماً حكيماً . وليست التوبة للذين يعملون السيئات ، حتى إذا حضر أحدهم الموت . قال : إني تبت الآن ، ولا الذين يموتون وهم كفار ، أولئك اعتدنا لهم عذاباً أليماً " .

فإذا استرسل المذنب في ذنبه حتى صار طبعاً له ، وران على قلبه فلا تنفعه الندامة وحدها ولا ينفعه مجرد الاستغفار ، فلو قال سبعين مرة استغفر الله ولم يقلع عن الذنب فلا يسمى تائباص ، وكان قوله كقول القائل غسلت ثوبي ولم يغسله ، فهل يزيل مثل هذا الكلام الأدران دون استعمال الماء .

فيا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا ، وبادروا بالعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم فلا تقطعوه بالعصيان ، واعلموا أن آجالكم ليست بأيديكم ولا ملكاً  لكم ، فلا تعلم نفس ما تكسب غداً ولا تدري نفس بأي أرض تموت ففي قلب كل واحد منكم دقات تنذره بقرب الخطر :

دقِات قلِب المرء قائلِة لِه

 

 

إن الحيِِاة دقائِق وثِِواني

 

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

نظرات في سورة الحجرات 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca