الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: نظرات في سورة الحجرات
المؤلف: محمد محمود الصواف
التصنيف: جماعات ومنظمات وهيئات
 

الشرح والتفسير والبيان

الآية الحادية عشرة : يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا اجتَنöبوا كَثöراً مöنَ الظّنّö ...

) يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا اجتَنöبوا كَثöراً مöنَ الظّنّö . إنْ بَعْض الظنّö إثْمñ . وَلا تَجَسسُوا . وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضاً ، أيُحöبُّ أحَدُكُم أنْ يأكُلَ لَحْمَ أخيöهö مَيْتاً فَكَرöهتُموهُ ، واتّقُوا اللّهَ ، إنَّ اللهَ تَوّابñ رَحöيمñ ( .

هذه آية كريمة تقرر مبادئ هامة من أصول الأخلاق الاجتماعية ، وتنهى عباد الله المؤمنين عن أخلاق لازمة ولاصقة بكثير من المجتمعات ، وقد ابتلى بها كثير من الناس ، فظنوا بالآخرين سوءاً فوقعوا بالآثام ، وساروا في الظلام ، إذ أنهم لم يهتدوا بنور الإسلام ، ولو اهتدوا بهدي الله عز وجل لما ظنوا سوءاً ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا اغتابوا ، إذ للمؤمن عند الله حرمة ، وأي حرمة ، فصان كرامته وشرفه وحفظ له دمه وعرضه وماله بعد أن خلقه فأحسن الخلق وأكرمه بسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم

واسمعوا ما ورد في حرمة المسلم على لسان النبي الأمين صلوات الله وسلامه عليه :

روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول : " ما أطيبك وأطيب ريحك ، ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك . ماله ودمه . وأن يظن به إلا خيراً " .

هذا مقام المؤمن عند الله سبحانه ، ومنزلته الرفيعة عند الخالق الأعظم . فليس لأحد من الخلق أن يحطّ من قدر هذا المؤمن ، فيظن به شراً وسوءاً ، أو يتجسس عليه ويغتابه .

والله سبحانه وتعالى في هذه الآية ينهى عباده المؤمنين عن كثير من الظن الذي هو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله . لأن بعض ذلك الظن يكون إثماً محضاً ، فليجتنب كثير منه احتياطاً . إذ من الظن ما يباح اتباعه ، كالظن في أمور المعاش وما أشبه ذلك . ومنه ما يجب اتباعه كالظن في الأحكام الشرعية الثابتة بأدلة غير قطعية ، ومنه ما يحرم اتباعه والتفوّه به ، كالظن في الإلهيات والنبوات ، ومن الظن المحرم ظن السوء بالمؤمنين ، فقد حرم الله تعالى من المسلم دمه ، وعرضه ، وماله، وأن يظن به السوء . والمحرّم  منه عقد القلب ، والإصرار على الحكم على غيره بالسوء ، أما حديث النفس والخواطر والشك الزائل فكل ذلك معفو عنه ، فليس لك أن تعتقد سوءاً إلا إذا انكشف سببه لك بالعيان أو ثبت لك ببرهان ، أما ما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك فإياك أن تصدقه ، وتحكم عليه فإن الشيطان يلقيه في القلب .

ولا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال من مشاهدة أو بيّنة عادلة .

وأمارة سوء الظن وعقد القلب هي تغير القلب عما كان عليه ، فإذا أحسست بذلك فتثبّت واستعن بالله ولا تجعل للشيطان إليك سبيلاً ، فإن ظناً سيئاً واحداً برجل بريء قد يودي بك إلى النار ، ويجرّك إلى الدمار وبئس القرار .

فللمؤمن حرمة ، فإياك أن تهتكها ، فمن عرف بالصلاح وأونست فيه الأمانة والإخلاص وشوهد منه التستر والعمل الخالص ، فلا يجوز قطعاً أن تظن به سوءاً لمجرد شبهة لا يقوم معها دليل وليس معها تعليل .

أما المجاهر بالمعاصي فلا يحرم سوء الظن به ، وإن لم يره الظانّ على معصيته ، لأنه مكن من صفحته ، وأزال حرمة عرضه .

ومن الظن ما هو قهري غير مستطاع أن ندفعه ، فلا يتعلق به النهي لعدم القدرة على دفعه ، بل يتعلق بعدم العمل بموجبه ، وقد يظن شخص أن أحداً يريد به سوءاً ، فهذا الظانّ لا يضره أن يحترس ويأخذ حذره ممن ظن به سوءاً . ولكن يضره ويحرم عليه أن يوقع أذى بالمظنون منه السوء ، فمجرد الظن لا يكفي للحكم على الأشخاص ولا على الجماعات ولا من أحد من الناس كائناً من كان .

ورد عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه قال : كتب إليّ بعض إخواني " أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك ، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً ، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه ، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده ، وعليك بإخوان الصدق فكن في اكتسابهم ، فإنهم زينة في الرخاء ، وعدة عند عظيم البلاء واعتزل عدوك ، واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله تعالى ، وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب " .

وورد عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً وأنت تجد لها في الخير محملاً .

وظن السوء مدعاة إلى التحقير والسخرية واللمز ، ومدعاة إلى امتلاء القلوب غيضاً وحقداً وحنقاً ، وقد يؤدي إيى إيقاع الضرر بالمظنون به وهو بريء لا علم له بظن صاحبه ، وظن السوء خدش للعرض وهتك للحرمة ، ونيل من الكرامة لذا نهى الله تعالى عنه بهذه الآية الكريمة ، وقد جعله الرسول صلى الله عليه وسلم أكذب الحديث ، فقال : " إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث " . وظن السوء داء استحكم في كثير من المسلمين . ومن العسير فطامهم عنه ، اللهم إلا إذا تغلّب عليهم خوف الله عز وجل وفهموا كتابه العزيز وتربوا على مائدة القرآن ، فمن السهل عندئذ تركهم لهذه المعصية .

روى الطبراني عن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لازمات لأمتي : الطيرة ، والحسد ، وسوء الظن . فقال رجل : وما يذهبن يا رسول الله ممن هن فيه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : إذا حسدت فاستغفر الله ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فأمض .

وكما نهى الله عز وجل في هذه الآية الكريمة عن سوء الظن ، فقد نهى عن التجسس وتتبع عورات المسلمين . ومن حق المسلم على المسلم ، ستر عوراته ، ومن ستر على مسلم ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة .

وورد عن سفيان الثوري عن راشد بن سعد عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إنك إن اتبعت عورات النساس أفسدتهم ، أو كدت أن تفسدهم "  .

فقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه : كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها . وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : لو رأيت أحداً على حد من حدود الله تعالى لما أخذته ، ولا دعوت إليه أحداً حتى يكون معي غيري .

وفي الحديث الشريف عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ونادى بصوت رفيع حتى اسمع العواتق في خدورهن : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض (يصل ) الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ، وروي لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يوشك أن يفضحه ولو في جوف رحله"  .

وورد عن الأعمش عن زيد رضي الله تعالى عنه قال : أتى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه برجل، فقيل له : هذا فلان  ، تقطر لحيته خمراً ، فقال عبد الله رضي الله تعالى عنه : " إنا قد نُهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيءñ نأخذ به " .

وقال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه : ورد عن دجين كاتب عقبة قال : قلت لعقبة : إن لنا جيراناً يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم . قال : لا تفعل ، ولكن عظهم وتهددهم .

قال : ففعل فلم ينتهوا . قال : فجاءه دجين ، فقال : إني نهيتهم فلم ينتهوا ، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم ، فقال له عقبة : ويحك لا تفعل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ستر الله عورة مؤمن فكأنما استحيا مؤودة من قبرها " .

وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم  " .

وقوله تعالى : ولا تجسسوا أي على بعضكم بعضاً . والتجسس غالباً يطلق في الشر ، ومنه الجاسوس وهو الشرير . وأما النحسس فيكون غالباً في الخير كما قال عز وجل اخباراً عن يعقوب عليه الصلاة والسلام أنه قال : " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من رَوْح الله إنه لا ييأس من رَوْح الله إلا القوم الكافرون " .

وقد يستعمل كل منهما في الشر كما ثبت في الصحيح أن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً . .  " .

وقال الأوزاعي رحمه الله تعالى : التجسس البحث عن الشيء ، والتحسس الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون أو يتسمع على أبواب الناس ليستخبر عن أنبائهم . فلهم الحق في أن يفقأوا عينه المسمومة التي تنظر إلى الناس بالباطل وتتحسس عليهم وهم في بيوتهم آمنون ، وعلى أسرارهم مؤتمنون ، والمرء في بيته مصون وحريته فيه مصونة بحكم الإسلام ، وليس لأحد أن يدخل عليه إلا بإذنه ، كما أنه ليس لأحد أن يتحسس عليه ويتسمع إلى أحاديثه وينظر غليه من شقوق بابه أو يتسلط عليه من سطحه أو جداره المكشوف وقديماً قال الشاعر :

 

أعمِى إذا ما جارتِي تظهِر

 

 

حتِى يِواري جِارتي الستِر

 

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه "  .

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من تحلم بحلم لم يره كُلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صبّ في أذنيه الآنك ومن صور صورة عذب أو كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ "  . 

وقد دفعت كراهة المنكرات والحرص على مصالح الأمة والسهر على رعايتها وأمانتها وحماية أخلاقها ، وصيانة آدابها الإسلامية ، كل ذلك دفع أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين ، من تربى على مائدة القرآن وعاش مع القرآن وللقرآن ، إلى التحسس ومراقبة الناس . فقد نقل الشييخ محمد مصطفى المراغي في تفسيره لسورة الحجرات : أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يعس بالمدينة ويحرس الناس ويكشف أهل الريبة منهم ، فسمع صوت رجل في بيته يغني ، فتسور عليه ، ووجد عنده امرأة وخمراً فقال عمر : يا عدو الله ! أطننت أن الله يسترك وأنت على معصيته ، فقال الرجل : وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ ، إن كنت عصيت الله في واحدة ، فقد عصيته أنت في ثلاث : قال الله تعالى: " لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهليها " ، وقد دخلت بغير إذني فقال أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه : فهل عندك من خير إن عفوت عنك ! قال الرجل : نعم . والله يا أمير المؤمنين لئن عفوت لا أعود إلى مثلها أبداً ، فعفا عنه عمر وتركه .

وقد تضمنت هذه الآية الكريمة لطائف من المعاني وكرائم السجايا الحميدة ، وذكرت أموراً ثلاثة مرتبة بعضها على بعض ، فقد نهت عن الظن بالمسلم ، والقول فيه بغير علم ، ونهت عن البحث عن ذلك لتحقيقه ، ونهت عن البحث عن ذلك بين الناس إذا تحقق ما ظنه من سوء . ثم ختمت الآية بترغيب المؤمنين في رحمة الله تعالى بالتوبة ، وفتح الله سبحانه الباب بقوله على سبيل المبالغة : " إن الله تواب رحيم " .

فليسارع المؤمنون إلى باب هذا التواب الرحيم والرب الكريم والإله العظيم جل جلاله وتباركت أسماؤه وعز كماله .

 

 
تحريم الغيبة

وتضمنت الآية الكريمة نهي الله عز وجل عن الغيبة ، وهي : أن يذكر الإنسان أخاه المسلم في غيبته بما يكره ، سواء كان الذكر صراحة أو كتابة أو إشارة أو رمزاً . وسواء كان ما اغتابه به متعلقاً بدينه أو بدنياه ، بخلقه أو خلقه ، وسواء أكان متصلاً به أو بمن له به رابطة أو صلة ، من ولد أو زوجة أو أب وأم .

ونحرم غيبة المسلم وخاصة المعروف بالصلاح ، وكذلك مستور الحال وبصورة مطلقة اللهم إلا المجاهرين بالفسق والداخلين في مواطن الريب ، فإنه لا تحرم غيبتهم .

وقد نقل الإمام القرطبي رحمه الله تعالى إجماع المسلمين على أن الغيبة من الكبائر ، وبعد أن صورها الله سبحانه أبشع تصوير في آخر الآية ، فلا يصح أن تعد في الصغائر .

ومن الغيبة ما هو هين بسيط ، كعيب الشخص في لباسه أو سيارته ، وما أشبه ذلك مما لا يتصل بالدين والخلق ، فإذا قيل أن أمثال هذه الغيبة من الصغائر كان مقبولاً ، أما ما يتعلق بالدين والخلق والعرض فلا .

ويجوز لمن ظلم أن يشكر ظالمه ، ويذكر ما فعله معه مما يعد عيباً ، كما يجوز لمن يريد تغيير منكر أن يذكر ذلك المنكر للقادر على تغييره ، كما يجوز ذكر ما في الولاة والقضاة من شر للقادر على عزلهم وتغييرهم ولا يعد هذا من الغيبة .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره :

والغيبة محرّمة بالإجماع ، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته ، كما في الجرح والتعديل والنصيحة ، كقوله صلى الله عليه وسلم لما استأذن عليه الرجل الفاجر : " ائذنوا له وبئس أخو العشيرة " .

وكقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها وقد خطبها معاوية وأبو الجهم : " أما معاوية فصعلوك ، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه " ، وكذا ما جرى مجرى ذلك ، ثم بقيتها على التحريم الشديد ، وقد ورد فيها الزجر الأكيد ، ولهذا شببها الله تبارك وتعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت فقال : " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه " أي كما تكرهون هذا طبعاً فاكرهوا ذاك شرعاً . فإن عقوبته أشد من هذا ، ومثل هذا يأتي للتنفير والتحذير ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في العائد في هبته أو الراجع عنها مثله بقوله : كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه .

وقد فسّر الشارع الحكيم الغيبة تفسيراً واضحاً ، فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قيل يا رسول الله ما الغيبة ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " ذكرك أخاك بما يكره " ، قيل : يا رسول الله أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " . والبهتان كذب وزور ، والغيبة إثم وفجور وكلاهما شر وثبور .

 

سبب النزول

وروي عن أبن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما ، فنام عن شأنه يوماً . فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداماً ، وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندي شيء ، فأخبرهما سلمان بذلك . فعند ذلك قالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ، فلما راحا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما : ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما . فقالا : ما تناولنا لحماً فقال : إنكما قد اغتبتما ، فنزلت هذه الآية الكريمة : " ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ، واتقوا الله ، إن الله تواب رحيم " .

ولقد تضافرت أدلة الشريعة على تحريمها وشناعة فعلها وقذارة مرتكبيها .

وللغيبة أسباب أهمها : الغيظ ، وهياج الغضب ، فيذكر عيوب غيره للناس شفاء لنفسه من غضبها ، أو مجاملة الرفقاء والأصدقاء ، أو إرادة أن يرفع الإنسان بالغض من غيره ، أو الحسد وهو أهم الأسباب . ومنها أيضاً اللعب والهزل والمفاكهة وإضاعة الوقت . وقد ورد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذي يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : قلنا يا رسول الله حدثنا ما رأيت ليلة أسري بك. قال : ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير رجال ونساء ، موكل بهم رجال يعمدون إلى عرض جنْبö أحدهم فيجزّون منه الجزّة مثل النعل ، ثم يضعونها في في أحدهم . فيقال له : كلْ كما أكلتَ ، وهو يجد من أكله الموت يا محمد ، وهو يُكره عليه ، فقلت يا جبريل من هؤلاء قال : هؤلاء الهمازون ، اللمازون ، أصحاب النميمة فيقال : " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه " وهو يكره على أكل لحمه .

وإلى الرجال أسوق هذا الحديث الشريف الذي يرويه أبو داود رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من أكل برجل أكلةً فإن الله يطعمه مثلها في جهنم ، ومن كسا ثوباً برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم ، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله تعالى يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة " .

وإلى النساء في بلادنا جميعاً أسوق حديث المرأتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه عن سعد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أمروا بصيام ، فجاء رجل في نصف النهار فقال : يا رسول الله ، فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد ، فأعرض عنه مرتين أو ثلاثاً ، ثم قال : ادعهما ، فجاء بقدح فقال لإحداهما : قيئي ، فقاءت لحماً ودماً عبيطاً وقيحاً  . وقال للأخرى مثل ذلك ثم قال : إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما ، وأفطرتا على على ما حرم الله عليهما ، أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحاً . نعوذ بالله تعالى ونستجير به من شر الغيبة .

وروي عن أبي يعلى رضي الله تعالى عنه عن عم لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن ماعزاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني قد زنيت ، فأعرض عنه حتى قالها أربعاً ، فلما كان في الخامسة قال صلى الله عليه وسلم : زنيت ؟ قال : نعم ، قال : وتدري ما الزنا ؟ قال : نعم ، قال : أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً ؟ قال : نعم ، قال : ما تريد إلى هذا القول ؟ قال : أريد أن تطهرني ، قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أدخلت ذلك منك في ذلك منها ، كما يغيب الميل في المكحلة ، والعصا في البئر ؟ قال ، نعم يا رسول الله . قال ، فأمر برجمه فرجم ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين يقول أحدهما لصاحبه ، ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه . فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلاب . ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى مر بجيفة حمار فقال ، أين فلان وفلان ؟ انزلا . فكلا من جيفة هذا الحمار . قالا : غفر الله لك يا رسول الله ، وهل يؤكل هذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : فما نلتما من أخيكما آنفاً أشد أكلا منه ، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها  .

وهكذا تصنع التوبة الصادقة تنقل الرجل من الرجس والدنس إلى أنهار الجنة يتطهر فيها ويتطيب رضي الله تعالى عنه وأرضاه ، فقد جاد بنفسه في سبيل الله وخوفاً من عقاب الله ، ووعيده في الآخرة .

وقد عرّف الزمخشري الغيبة فقال : غابه واغتابه ، كغاله واغتاله . والغيبة من الاغتياب كالغيلة من الاغتيال وهي ذكر السوء في الغيبة .

وقوله تعالى : " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه " تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض أخيه .

وعن قتادة : كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فأكره لحم أخيك . وعرف الإمام الطبري صاحب مجمع البيان في تفير القرآن ، الغيبة بقوله : الغيبة ذكر العيب بظهر الغيب على وجه تمنع الحكمة فيه . ثم ذكر حديث رسول الله r في تعريفها .

وذكر الطبري رؤيا ميمون بن شاه ، قال ميمون : بينا أنا نائم ، إذا بجيفة زنجي وقائل يقول : كل يا عبد الله ، قلت ولمَ آكل ، قال : بما اغتيب عند فلان ، قلت والله ما ذكرت فيه خيراً ولا شراً ، قال : لكنك استمعت فرضيت . وكان ميمون بعد ذلك لا يدع أن يغتاب عنده أحد .

وقال رجل لابن سيرين : إني قد اغتبتك فاجعلن في حل ، قال : إني أكره أن أحل ما حرّم الله ، ثم قال :

 

وليِس الذئب يأكِل لحم ذئِب

 

ويأكِل بعضنا بعضاً عيانِا

 

وقال :

فإن يأكلِوا لحمي وفِِرت لحومهم

 

 

وإن يهدمِوا مجِدي بنيت لهم مجداً .

 

وروى الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حمى مؤمناً من منافق يغتابه ، بعث الله إليه ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم . ومن رمى مؤمناً بشيء يريد سبه ، حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال .

وعن جابِر بن عبِد الله وأبي طلحِة بن سهل الأنصاري رضي الله تعالى عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من امرئ يخذل امرأ ً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته ، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيها نصرته ، وما من امرئ ينصر امرأ ً مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله عز وجل في مواطن يحب فيها نصرته  . 

هذا بعض ما ورد في الغيبة وحكمها في شرعة الإسلام ، وهو من البشاعة ما يجعل المسلم حذراً متوقياً من ارتكاب أي شيء منها ، خائفاً ربه منيباً إليه ، طاهراً لسانه من الوقوع في أعراض الناس . والتعرض لهم بالشر ، فالمسلم الحق هو الذي ابتعد عن محارم الله فسلم الناس من يده ولسانه وشعر بمراقبة الله عز وجل . " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " ، " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً " .

وسأختم تفسير هذه الآية بشرح مفرداتها :

1 اجتنبه : من قوله تعالى " اجتنبوا " كان على جانب منه ثم شاع في التباعد اللازم له .

2 الظن : اسم لما يحصل عن أمارة قوية أو ضعيفة ، فإن قويت جداً أدت إلى العلم وإن ضعفت جداً لم تتجاوز حد الوهم .

3 والإثم الفعل المبطئ عن الثواب وجمعه آثام ، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقِال : " الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " . وقوله تعالى : " أخذته العزة بالإثم " معناه حملته على فعل ما يؤثم ، والآثم الذي يحتمل الإثم .

4 والجس من قوله تعالى : " ولا تجسسوا " هو مس العرق وتعرف نبضه للحكم على الصحة والسقم ، وهو أخص من الحس ، فإن الحس تعرف ما يدركه الحس . ويرى بعض العلماء أنهما متقاربان ، وأن مشاعر الإنسان يقال لها : الجواس .

هذه خلاصة تفسير قول الحق تبارك وتعالى : " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ، ولا تجسسوا ، ولا يغتب بعضكم بعضاً ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ، واتقوا الله ، إن الله تواب رحيم " .

|السابق| [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

نظرات في سورة الحجرات 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca