الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: مجموعة الرسائل
المؤلف: حسن البنا
التصنيف: فقه الحج
 

محتويات الكتاب

رسالة المؤتمر الخامس

مقدمِِة

 

بöِسِِْمö اللهö الرَّحْمَِنö الرَّحöيِمö

أيها الإخوان :

كنت أود أن نظل دائما نعمل ولا نتكلم , وأن نكل الأعمال وحدها الحديث عن  الإخوان وخطوات الإخوان , وكنت أحب أن تتصل خطواتكم اللاحقة بخطواتكم السابقة في هدوء وسكون من غير هذا الفاصل الذي نحدد به جهاد عشر سنوات مضت لنستأنف مرحلة أخرى من مراحل  الجهاد الدائب في سبيل تحقيق فكرتنا السامية .

ولكنكم أردتم هذا , وأحببتم أن تسعدونا بهذا الاجتماع الشامل فشكرا لكم , و لا بأس أن ننتهز هذه الفرصة الكريمة فنستعرض نتائجنا , ونراجع فهرس أعمالنا , ونستوثق من مراحل طريقنا ونحدد الغاية والوسيلة فتتضح الفكرة المبهمة , و تصحح النظرة الخاطئة , و تعلم الخطوة المجهولة , وتتم الحلقة المفقودة , ويعرف الناس الإخوان المسلمين على حقيقة دعوتهم , من غير لبس ولا غموض .

لا بأس بهذا , ولا بأس بأن يتقدم إلينا من وصلته هذه الدعوة و من سمع أو قرا هذا البيان , برأيه في غايتنا و وسيلتنا و خطواتنا فنأخذ الصالح من رأيه , و ننزل على الحق من مشورته , فإن الدين النصيحة لله و لرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم .

 

أيها الإخوان :

أجدني في غنى عن تحيتكم  و شكركم , وعن وصف ما يغمرني من السعادة بموقفي هذا بينكم , ومن السرور و الفرح بلقائكم و من الأمل العظيم بمؤازرتكم و توفيق الله إياكم .

أجدني في غنى عن بيان هذا كله بهذا الفيض من العواطف النبيلة الذي يغمر ج هذا الاجتماع , فكان كل ما فيه ينطق بالحب العميق والارتباط الوثيق و الأخوة الصادقة و التعاون المكين , ووفقكم الله لخير ما يحب ويرضى .

 

 

 

الإخوان فكرة في نفوس أربعة

 

أيها الإخوان الكرام :

طالعت كثيرا و جربت كثيرا و خالطت أوساطا كثيرة و شهدت حوادث عدة , فخرجت من هذه السياحة القصيرة المدى الطويلة المراحل بعقيدة ثابتة لا تتزلزل , هي أن :

السعادة التي ينشدها الناس جميعا إنما تفيض عليهم من نفوسهم و قلوبهم , و لا تأتيهم من خارج هذه القلوب أبدا , و أن الشقاء الذي يحيط بهم و يهربون منه إنما يصيبهم بهذه النفوس و القلوب كذلك , و إن القرآن الكريم يؤيد هذا المعنى و يوضحه , ذلك قول الله تعالى :  ( إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ) (الرعد:11) .

و ما رأيت كلاهما أعمق في فلسفة الاجتماع من قول ذلك :

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها         و لكن أخلاق الرجال تضيق

 

اعتقدت هذا و اعتقدت إلى جانبه أنه ليست هناك نظم و لا تعاليم تكفل سعادة هذه النفوس البشرية و تهدي الناس إلى الطرق لهذه السعادة كتعاليم الإسلام الحنيف الفطرية الواضحة , و ليس هنا مجال تفصيل هذه التعاليم هذه التعاليم , و لا مجال التدليل على أنها تتضمن هذه النتيجة , و تكفل سعادة البشرية جميعا فلذلك مجال آخر , فضلا عن أننا كلنا فيما أعتقد شركاء في التسليم بصحة هذه النظرية , على أن كثيرا من غير المسلمين يقر بها و يعترف بما في الإسلام من جمال و كمال .

و لهذا وقفت نفسي منذ نشأت على غاية واحدة هي إرشاد الناس إلى الإسلام حقيقة و عملا , و لهذا كانت فكرة الإخوان المسلمين إسلامية بحتة في غايتها و في وسائلها , لا تتصل بغير الإسلام ي شيء .

ظلت هذه الخواطر حديثا نفسانيا ومناجاة روحية بها في نفسي لنفسي , و قد أفضي بها إلى كثير ممن حولي , و قد تظهر في شكل دعة فردية أو خطابة وعظية أو درس في المساجد إذا سنحت فرصة التدريس , أو حث لبعض الأصدقاء و العلماء على بذل الهمة و مضاعفة المجهود , في إنقاذ الناس و إرشادهم إلى ما في الإسلام من خير .

ثم كانت في مصر و غيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث عدة ألهبت نفسي و أهابت كوامن في قلبي , و لفتت نظري إلى وجوب الجد و العمل , و سلوك طريق التكوين بعد التنبيه , و التأسيس بعد التدريس , و لا أطيل عليكم بتفصيل حوادث انتهى أمرها و عفت آثارها , و فاء إلى الرشد أو بعض الرشد أصحابها .

 

و لقد أخذت أفاتح كثيرا من كبار القوم في وجوب النهوض و العمل و سلوك طريق الجد و التكوين , فكنت أجد التثبيط أحيانا و التشجيع أحيانا و التريث أحيانا , و لكني لم أجد ما أريد من الاهتمام بتنظيم الجهود العملية , و من الوفاء أذكر في هذا المقام المرحوم أحمد باشا تيمور أفسح الله له في جنته , فما رأيته إلا مثالا للهمة المتوثبة و الغيرة المتوقدة , و ما تحدثت إليه في شأن من شؤون الأمة العامة إلا وجدت العقل الكامل و الاستعداد التام و الإلمام الشامل و ترقب ساعة العمل , فرحمه الله و أجزل مثوبته .

و ليت وجهي شطر الأصدقاء و الإخوان ممن جمعني و إياهم عهد الطلب و صدق الود و الشعور بالواجب , فوجدت استعدادا حسنا , و كان أسرعهم إلى مشاركتي عبء التفكير و أكثرهم اقتناعا بوجوب العمل في إسراع و همة , الإخوان الفضلاء : أحمد أفندي السكري , و الأخ المفضال المرحوم الشيخ حامد عسكرية اسكنه الله فسيح جنته , و الأخ الشيخ أحمد عبد الحميد وكثير غيرهم .

و كان عهد و كان موثق أن يعمل كل منا لهذه الغاية , حتى يتحول العرف العام في الأمة إلى وجهة إسلامية صالحة .               

ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة ، وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء , ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء , وكم كنا نعجب إذ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة و الخليون هاجعون يتسكعون بين المقاهي و يترددون على أندية الفساد و الإتلاف , فإذا سألت أحدهم عما يحمله على هذه الجلسة الفارغة المملة قال لك : أقتل الوقت , و ما دري هذه المسكين أن من يقتل وقته إنما يقتل نفسه , فإنما الوقت هو الحياة .  

كنا نعجب لهؤلاء الناس و كثير منهم من المثقفين , و من هم أولى منا بحمل هذا العبء , ثم يقول بعضنا لبعض : أليس هذا داء من أدواء الأمة و لعله أخطرها , ألاّ تفكر في مرضها و ألاّ تعمل لعلاج نفسها .

و لهذا و أمثاله نعمل و لإصلاح هذا الفساد , وقفنا أنفسنا فنتعزى و نحمد الله على أن جعلنا من الداعين إليه العاملين لدينه .

و عمل الزمن عمله فتفرقنا نحن الأربعة فكان أحمد أفندي السكري بالمحمودية , و كان المرحوم الشيخ حامد عسكرية بالزقازيق , و كان الشيخ أحمد عبد الحميد بكفر الدوار , و كنت بالإسماعيلية أذكر قول الشاعر :

 

بالشام أهلي و بغداد الهوى و أنا              بالرقمتين و بالفسطاط جيراني

 

و في الإسماعيلية أيها الإخوان وضعت أول نواة تكوينية للفكرة , و ظهرت أول هيئة متواضعة نعمل و نحمل لوائها  نعاهد الله على الجندية التامة في سبيلها تحت اسم (الإخوان المسلمون) و كان ذلك في ذي القعدة سنة 1347 هِ .

 

إسلام الإخوان المسلمين

 

و اسمحوا لي إخواني استخدام هذا التعبير , و لست أعني به أن للإخوان المسلمين إسلاما جديدا غير الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن ربه , و إنما أعني أن كثيرا من المسلمين في كثير من المسلمين في كثير من العصور خلعوا عن الإسلام نعوتا و أوصافا و رسوما من عند أنفسهم , و استخدموا مرونته و سعته استخداما ضارا مع أنها لم تكن إلا للحكمة السامية , فاختلفوا في معنى الإسلام اختلافا , و انطبعت للإسلام في نفس أبنائه صور عدة تقرب أو تبعد أو تنطبق على الإسلام الأول الذي مثله رسول الله و أصحابه خير تمثيل . 

فمن الناس من لا يرى الإسلام شيئا غير حدود العبادة الظاهرة فإن أداها أو رأى من يؤديها اطمأن إلى ذلك و رضي به و حسبه قد وصل على لب الإسلام , و ذلك هو المعنى الشائع عند عامة المسلمين .

و من الناس من يرى الإسلام إلا الخلق الفاضل و الروحانية الفياضة , و الغذاء الفلسفي الشهي للعقل و الروح , و البعد بهما عن أدران المادة الطاغية الظالمة .

و منهم من يقف إسلامه عند حد الإعجاب بهذه المعاني الحيوية العملية في الإسلام فلا يتطلب النظر إلى غيرها و لا يعجبه التفكير في سواها .

و منهم من يرى الإسلام نوع من العقائد الموروثة و الأعمال التقليدية التي لا غناء فيها و لا تقدم معها , فهو متبرم بالإسلام و بكل ما يتصل بالإسلام , و تجد هذا المعنى واضحا في نفوس كثير من الذين ثقفوا ثقافة أجنبية و لم تتح لهم فرص حسن الاتصال بالحقائق الإسلامية فهم لم يعرفوا عن الإسلام شيئا أصلا , أو عرفوه صورة مشوهة بمخالطة من لم يحسنوا تمثيله من المسلمين .

و تحت هذه الأقسام جميعا تندرج أقسام أخرى يختلف نظر كل منها إلى الإسلام عن نظر الآخر قليلا أو كثيرا , وقليل من الناس أدرك الإسلام صورة كاملة واضحة تنتظم هذه المعاني جميعا .

هذه الصور المتعددة للإسلام الواحد في نفوس الناس جعلتهم يختلفون اختلافا بينا في فهم الإخوان المسلمون وتصور فكرتهم .

فمن  الناس من يتصور الإخوان المسلمون جماعة وعظية إرشادية كل همها أن تقدم للناس العظات فتزهدهم في الدنيا و تذكرهم بالآخرة .

و منهم من يتصور الإخوان المسلمين طريقة صوفية تعني بتعليم الناس ضروب الذكر و فنون العبادة و فنون العبادة و ما يتبع ذلك من تجرد و زهادة .

و منهم من يظنهم جماعة نظرية فقهية كل نظرهم أن تقف عند طائفة من الإحكام تجادل فيها و تناضل عنها ,  و تحمل الناس عليها و تخاصم أو تسالم من لم يسلم بها معها .

و قليل من الناس خالطوا الإخوان المسلمين و امتزجوا بهم و لم يقفوا عند حدود السماع  و لم يخلعوا على الإخوان المسلمين إسلاما يتصورنه هم , فعرفوا حقيقتهم و أدركوا كل شيء عن دعوتهم علما وعملا , وهذا أحببت أن أتحدث لحضراتكم عن معنى الإسلام و صورته الماثلة في نفوس الإخوان , المسلمين , حتى يكون الأساس الذي ندعو إليه و نعتز بالانتساب له و الاستمداد منه واضحا جليا .

 

( 1 ) نحن نعتقد أن أحكام الإسلام و تعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا و الآخرة , و أن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئو نفي هذا الظن , فالإسلام عقيدة و عبادة , و وطن و جنسية , و دين ودولة , , و روحانية و عمل , و مصحف و سيف , و القرآن الكريم ينطق بذلك كله و يعتبره من لب الإسلام و من صميمه و يوصي بالإحسان فيه جميعه , و إلى هذا تشير الآية الكريمة  :      (وَابْتَغö فöيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخöرَةَ وَلا تَنْسَ نَصöيبَكَ مöنَ الدُّنْيَا وَأَحْسöنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إöلَيْكَ) (القصص:77)

و إنك لتقرأ في القرآن و في الصلاة إن شئت قول الله تبارك و تعالي في العقيدة و العبادة  :   (وَمَا أُمöرُوا إöلاّ لöيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلöصöينَ لَهُ الدّöينَ حُنَفَاءَ وَيُقöيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلöكَ دöينُ الْقَيّöمَةö) (البينة:5)  .

وتقرأ قوله تعالى في الحكم والقضاء و السياسة :   (فَلا وَرَبّöكَ لا يُؤْمöنُونَ حَتَّى يُحَكّöمُوكَ فöيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجöدُوا فöي أَنْفُسöهöمْ حَرَجاً مöمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّöمُوا تَسْلöيماً) (النساء:65)

و تقرأ قوله تعالى في الدين و التجارة :   (يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا إöذَا تَدَايَنْتُمْ بöدَيْنٍ إöلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتöبñ بöالْعَدْلö وَلا يَأْبَ كَاتöبñ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلöلö الَّذöي عَلَيْهö الْحَقُّ وَلْيَتَّقö اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مöنْهُ شَيْئاً فَإöنْ كَانَ الَّذöي عَلَيْهö الْحَقُّ سَفöيهاً أَوْ ضَعöيفاً أَوْ لا يَسْتَطöيعُ أَنْ يُمöلَّ هُوَ فَلْيُمْلöلْ وَلöيُّهُ بöالْعَدْلö وَاسْتَشْهöدُوا شَهöيدَيْنö مöنْ رöجَالöكُمْ فَإöنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنö فَرَجُلñ وَامْرَأَتَانö مöمَّنْ تَرْضَوْنَ مöنَ الشُّهَدَاءö أَنْ تَضöلَّ إöحْدَاهُمَا فَتُذَكّöرَ إöحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إöذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغöيراً أَوْ كَبöيراً إöلَى أَجَلöهö ذَلöكُمْ أَقْسَطُ عöنْدَ اللهö وَأَقْوَمُ لöلشَّهَادَةö وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إöلا أَنْ تَكُونَ تöجَارَةً حَاضöرَةَ تُدöيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحñ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهöدُوا إöذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتöبñ وَلا شَهöيدñ) (البقرة:282)

و تقرا قوله تعالى في الجهاد و القتال و الغزو :  (وَإöذَا كُنْتَ فöيهöمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائöفَةñ مöنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلöحَتَهُمْ فَإöذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مöنْ وَرَائöكُمْ وَلْتَأْتö طَائöفَةñ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حöذْرَهُمْ وَأَسْلöحَتَهُمْ وَدَّ الَّذöينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلöحَتöكُمْ وَأَمْتöعَتöكُمْ فَيَمöيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحöدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إöنْ كَانَ بöكُمْ أَذىً مöنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلöحَتَكُمْ وَخُذُوا حöذْرَكُمْ ) (النساء:102)

و إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة البارعة في هذه الأغراض نفسها و في غيرها من الآداب العامة و شؤون الاجتماع .

و هكذا اتصل الإخوان بكل بكتاب الله و استلهموه و استرشدوه فأيقنوا أن الإسلام هو هذا المعنى الكلي الشامل , وأنه يجب أن يهيمن على كل شؤون الحياة و أن تصطبغ جميعها به و أن تنزل على حكمه , وأن تساير قواعده و تعاليمه و تستمد منها ما دامت الأمة تريد أن تكون مسلمة إسلاما صحيحا , أما إذا أسلمت في عباداتها و قلدت غير المسلمين في بقية شؤونها , فهي أمة ناقصة الإسلام تضاهئ الذين قال تعالى فيهم :   (أَفَتُؤْمöنُونَ بöبَعْضö الْكöتَابö وَتَكْفُرُونَ بöبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلöكَ مöنْكُمْ إöلا خöزْيñ فöي الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقöيَامَةö يُرَدُّونَ إöلَى أَشَدّö الْعَذَابö وَمَا اللهُ بöغَافöلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:85)

 

( 2 )  إلى جانب هذا يعتقد الإخوان المسلمون أن أساس التعاليم الإسلامية  معينها هو كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم , اللذان إن تمسكت بهما فلن تضل أبدا , و أن كثيرا من الآراء و العلوم التي اتصلت بالإسلام و تلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها و الشعوب التي عاصرتها , و لهذا يجب أن تستقي النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي معين السهولة الأولى , و أن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة و التابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم , و أن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا الله به , و لا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معنا.

 

( 3 ) و إلى جانب هذا أيضا يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام كدين عام انتظم كل شؤون الحياة في كل الشعوب و الأمم لكل الأعصار و الأزمان , جاء أكمل و أسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة و خصوصا في الأمور الدنيوية البحتة , فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشؤون , و يرشد الناس إلى الطريق العملية للتطبيق عليها و السير في حدودها .

و لضمان حق الصواب في هذا التطبيق أو تحريهما على الأقل , عني الإسلام عناية تامة بعلاج النفس الإنسانية و هي مصدر النظم و مادة التفكير و التصوير و التشكل , فوصف لها من الأدوية الناجعة ما يطهرها من الهوى و يغسلها من أضرار الغرض و الغاية و يهديها إلى الكمال و الفضيلة , و يزجرها عن الجور القصور  العدوان , و إذا استقامت النفس و صفت فقد أصبحت كل ما يصدر عنها صالحا جميلا , يقولون إن العدل ليس في نص القانون و لكنه في نفس القاضي , و قد تأتي بالقانون الكامل العادل إلى القاضي ذي الهوى و الغاية فيطبقه تطبيقا جائرا لا عدل معه , و قد تأتي بالقانون الناقص و الجائر إلى القاضي الفاضل العادل البعيد عن الأهواء و الغايات فيطبقه تطبيقا فاضلا عادلا فيه كل الخير و البر و الرحمة و الإنصاف و من هنا كانت النفس الإنسانية محل عناية كبرى في كتاب الله , و كانت النفوس الأولى التي صاغها هذا الإسلام مثال الكمال الإنساني , و لهذا كله كانت طبيعة الإسلام تساير العصور و الأمم , و تتسع لكل الأغراض و المطالب , و لهذا أيضا كان الإسلام لا يأبى أبدا الاستفادة من كل نظام صالح لا يتعارض مع قواعده الكلية و أصوله العامة .

لا أحب أيها أن استرسل في هذا البيان فذلك باب و اسع و حسبنا هذه الإلمامة الموجزة تلقي ضوءا على هذا المعنى للفكرة الإسلامية في نفوس الإخوان المسلمين .

 

الإخوان فكرة إصلاحية شاملة

 

كان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة ، وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفكر الإصلاحية ، وأصبح كل مصلح مخلص غيور يجد فيها أمنيته ، والتقت عندها آمال محبي الإصلاح الذين عرفوها وفهموا مراميها ، وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك ، إن الإخوان المسلمين :

     ( 1 ) دعوة سلفية : لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله.

     ( 2 ) وطريقة سنية : لأنهم يحملون أنفسهم علي العمل بالسنة المطهرة في كل شيء ، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلا .

     ( 3 ) وحقيقة صوفية : لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس ، ونقاء القلب ، والمواظبة علي العمل ، و الإعراض عن الخلق ، والحب في الله ، والارتباط علي الخير .

     ( 4 ) وهيئة سياسية : لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج ، وتربية الشعب علي العزة والكرامة والحرص علي قوميته إلي أبعد حد .

     ( 5 ) وجماعة رياضية : لأنهم يعنون بجسومهم ، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف ، وأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول : (إن لبدنك عليك حقاً) و إن تكاليف الإسلام كلها لا يمكن أن تؤدي كاملة صحيحة إلا بالجسم القوي ، فالصلاة والصوم والحج والزكاة لا بد لها من جسم يحتمل أعباء الكسب والعمل والكفاح في طلب الرزق ، ولأنهم تبعاً لذلك يعنون بتشكيلاتهم وفرقهم الرياضية عناية تضارع وربما فاقت كثيراً من الأندية المتخصصة بالرياضة البدنية وحدها .

     ( 6 ) ورابطة علمية ثقافية : لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة علي كل مسلم ومسلمة ، ولأن أندية الأخوان هي في الواقع مدارس للتعليم والتثقيف ومعاهد لتربية الجسم والعقل والروح .

     ( 7 ) وشركة اقتصادية : لأن الإسلام يعني بتدبير المال و كسبه من وجهه وهو الذي يقول نبيه صلي الله عليه وسلم  : (نعم المال الصالح للرجل الصالح) ويقول : (من أمسي كالاً من عمل يده أمسي مغفوراً له) ، (إن الله يحب المؤمن المحترف)

     ( 8 ) وفكرة اجتماعية : لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلي طرق علاجها وشفاء الأمة منها .

 

وهكذا نري أن شمول معني الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولاً لكل مناحي الإصلاح ، ووجه نشاط الإخوان إلي كل هذه النواحي ، وهم في الوقت الذي يتجه فيه غيرهم إلي ناحية واحدة دون غيرها يتجهون إليها جميعاً ويعلمون أن الإسلام يطالبهم بها جميعاً .

ومن هنا كان كثير من مظاهر أعمال الإخوان يبدو أمام الناس متناقضاً وما هو بمتناقض .

فقد يري الناس الأخ المسلم في المحراب خاشعاً متبتلاً يبكي ويتذلل ، وبعد قليل سكون هو بعينه واعظاً مدرساً يقرع الآذان بزواخر الوعظ ، وبعد قليل تراه نفسه رياضياً أنيقاً يرمي بالكرة أو يدرب علي العدو أو يمارس السباحة ، وبعد فترة يكون هو بعينه في متجره أو معمله يزاول صناعته في أمانة وفي إخلاص . هذه مظاهر قد يراها الناس متنافرة لا يلتئم بعضها ببعض ، ولو علموا أنها جميعاً يجمعها الإسلام ويأمر بها الإسلام ويحض عليها الإسلام لتحققوا فيها مظاهر الالتئام ومعاني الانسجام ، ومع هذا الشمول فقد اجتنب الإخوان كل ما يؤخذ علي هذه النواحي من المآخذ ومواطن النقد والتقصير.

كما اجتنبوا التعصب للألقاب إذ جمعهم الإسلام الجامع حول لقب واحد هو  الإخوان المسلمون.

 

خصائص دعوة الإخوان

 

لعل من صنع الله لدعوة الإخوان المسلمين أن تنبت بالإسماعيلية , و أن يكون ذلك على أثر خلاف فقهي بين الأهلين و انقسام دام سنوات حول بعض النقاط الفرعية التي أذكى نار الفرقة فيها ذوو المطامع و الأغراض , و أن تصادف نشأتها عهد الصراع القوي العنيف بين الأجنبي المتعصب و الوطني المجاهد , فكان من أثر هذه الظروف أن تميزت هذه الدعوة بخصائص خالفت فيها كثيرا من الدعوات التي عاصرتها .

و من هذه الخصائص : 

( 1 ) البعد عن مواطن الخلاف

( 2 )  البعد عن هيمنة الأعيان و الكبراء

( 3 ) البعد عن الأحزاب و الهيئات

( 4 ) العناية بالتكوين و التدرج في الخطوات

( 5 ) إيثار الناحية العملية الإنتاجية على الدعاية والإعلانات

( 6 ) وشدة الإقبال من الشباب

( 7 ) و سرعة الانتشار في القرى و المدن

 

1 - البعد عن مواطن الخلاف

فأما البعد عن مواطن الخلاف الفقهي فلأن الإخوان يعتقدون أن الخلاف في الفرعيات أمر ضروري لابد منه، إذ إن أصول الإسلام آيات وأحاديث وأعمال تختلف في فهمها وتصورها العقول و الأفهام ، لهذا كان الخلاف واقعاً بين الصحابة أنفسهم ومازال كذلك، وسيظل إلى يوم القيامة، وما أحكم الإمام مالك ِ رضي الله عنه ِ حين قال لأبي جعفر وقد أراد أن يحمل الناس على الموطأ: "إن أصحاب رسول الله ص تفرقوا في الأمصار وعند كل قوم علم، فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة"، وليس العيب في الخلاف ولكن العيب في التعصب للرأي والحجر على عقول الناس وآرائهم، هذه النظرة إلى الأمور الخلافية جمعت القلوب المتفرقة على الفكرة الواحدة، وحسب الناس أن يجتمعوا على ما يصير به المسلم مسلماً كما قال زيد ِ رضي الله عنه ِ وكانت هذه النظرة ضرورية لجماعة تريد أن تنشر فكرة في بلد لم تهدأ بعد فيه ثائرة الخلاف على أمور لا معنى للجدل ولا للخلاف فيها .

 

2 - البعد عن هيمنة الكبراء و الأعيان :

و أما البعد عن هيمنة الكبراء و الأعيان  فلانصرافهم عن هذه الدعوات الناشئة المجردة من الغايات و الأهواء إلى الدعوات القائمة , التي تستتبع المغانم و تجر المنافع و لو في ظن الناس لا في حقيقة الحال , و لأننا معشر القائمين بدعوة الإخوان تعمدنا هذا , لأول عهد الدعوة بالظهور , حتى لا يطمس لونها الصافي لون آخر من ألوان الدعوات التي يروج لها هؤلاء الكبراء , و حتى لا يحاول أحد منهم أن يستغلها أو يوجهها في غير الغاية التي تقصد إليها , و ذلك إلى أن كثير من العظماء ينقصه الكمال الإسلامي الذي يجب أن يتصف به المسلم العادي فضلا عن المسلم العظيم الذي يحمل اسم دعوة إسلامية لإرشاد الناس , و على هذا فقد ظل هذا الصنف بعيدا عن الإخوان اللهم إلا قليلا من الأكرمين الفضلاء , يفهم فكرتهم و يعطف على غايتهم و يشارك في أعمالهم و يتمنى لهم التوفيق و النجاح .

 

3 - البعد عن الهيئات و الأحزاب

وأما البعد عن الاتصال بالأحزاب و الهيئات فلما كان و لا يزال بين هذه الهيئات من التنافر و التناحر الذي لا يتفق مع أخوة الإسلام , و دعوة الإسلام عامة تجمع و لا تفرق و لا ينهض بها و لا يعمل لها إلا من تجرد من كل ألوانه و صار لله خالصا , و قد كان هذا المعنى من قبل عسيرا على النفوس الطامحة , التي تريد أن تصل عن طريق حزبيتها أو جماعتها إلى ما تريد من جاه و مال , لهذا آثرنا أن نتجنب الجميع و أن نصبر على الحرمان من كثير من العناصر الصالحة حتى ينكشف الغطاء , و يدرك الناس بعض الحقائق المستورة عنهم فيعودوا إلى الخطة المثلى بعد التجربة و قد امتلأت قلوبهم باليقين و الإيمان .

و نحن الآن وقد اشتد ساعد الدعوة و صلب عودها و أصبحت تستطيع أن توجه و لا توجه و أن تؤثر و لا تتأثر , نهيب بالكبراء و الأعيان و الهيئات و الأحزاب أن ينضموا إلينا , و أن يسلكوا سبيلنا و أن يعملوا معنا و أن يتركوا هذه المظاهر الفارغة التي لا غناء فيها , و يتوحدوا تحت لواء القرآن العظيم يستظلوا براية النبي الكريم و منهاج الإسلام القويم , فإن أجابوا فهو خيرهم و سعادتهم في الدنيا و الآخرة و تستطيع الدعوة بهم أن تختصر الوقت و الجهود , و إن أبوا فلا بأس علينا أن ننتظر قليلا و نلتمس المعونة من الله و حده حتى يحاط بهم أو يسقط في أيديهم و يضطرون إلى العمل للدعوة أذنابا و قد كانوا يستطيعون أن يكونوا رؤساء  ,   ( وَاللهُ غَالöبñ عَلَى أَمْرöهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21) .

 

 4 - التدرج في الخطوات

وأما التدرج والاعتماد على التربية ووضوح الخطوات في طريق الإخوان المسلمين، فذلك أنهم اعتقدوا أن كل دعوة لابد لها من مراحل ثلاث: مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها إلى الجماهير من طبقات الشعب، ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين، ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج، وكثيراً ما تسير هذه المراحل الثلاث جنباً إلى جنب نظراً لوحدة الدعوة وقوة الارتباط بينها جميعاً، فالداعي يدعو، وهو في الوقت نفسه يتخير ويربي، وهو في الوقت عينه يعمل وينفذ كذلك .

 ولكن لاشك في أن الغاية الأخيرة أو النتيجة الكاملة لا تظهر إلا بعد عموم الدعاية وكثرة الأنصار، ومتانة التكوين.

في حدود هذه المراحل سارت دعوتنا ولا تزال تسير، فقد بدأنا بالدعوة فوجهناها إلى الأمة في دروس متتالية وفي رحلات متلاحقة وفي مطبوعات كثيرة وفي حفلات عامة وخاصة، وفي جريدة الإخوان المسلمين الأولى ثم في مجلة النذير الأسبوعية، ولا زلنا ندعو، وسنظل كذلك، حتى لا يكون هناك فرد واحد لم تصله دعوة الإخوان المسلمين على حقيقتها الناصعة، وعلى وجهها الصحيح، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وأظن أننا وصلنا في هذه المرحلة إلى درجة نطمئن عليها وعلى اطراد السير فيها، وصار من ألزم واجباتنا أن نخطو الخطوة الثانية، خطوة الاختيار والتكوين والتعبئة .

خطونا الخطوة الثانية في صور ثلاث:

1 ِ الكتائب: ويراد بها تقوية الصف بالتعارف، وتمازج النفوس والأرواح ومقاومة العادات والمألوفات، والمران على حسن الصلة بالله تبارك وتعالى، واستمداد النصر منه، وهذا هو معهد التربية الروحية للإخوان المسلمين.

2 ِ الفرق للكشافة والجوالة والألعاب الرياضية: ويراد بها تقوية الصف بتنمية جسوم الإخوان، وتعويدهم الطاعة والنظام والأخلاق الرياضية الفاضلة، وإعدادهم للجندية الصحيحة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم، وهذا هو معهد التربية الجسمية للإخوان المسلمين.

3 ِ درس التعاليم في الكتائب أو في أندية الإخوان المسلمين: ويراد بها تقوية الصف بتنمية أفكار الإخوان وعقولهم بدراسة جامعة لأهم ما يلزم الأخ المسلم معرفته لدينه ودنياه، وهذا هو معهد التربية العلمية والفكرية للإخوان المسلمين، ذلك إلى مختلف نواحي النشاط الأخرى التي يدرب بها الإخوان على الواجب الذي ينتظرهم كجماعة تعد نفسها لقيادة أمة، بل لهداية العالمين.

بعد أن نطمئن على موقفنا من هذه الخطوة نخطو إن شاء الله الخطوة الثالثة، وهي الخطوة العملية التي تظهر بعدها الثمار الكاملة لدعوة الإخوان المسلمين .

 

مصارحة

 أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم :

اسمعوها مني كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع : إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده . ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول ، أجل قد تكون طريقاً طويلة ولكن ليس هناك غيرها . إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب ، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال ، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلي غيرها من الدعوات . ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك علي الله ، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين : إما النصر والسيادة ، وإما الشهادة والسعادة .

 

أيها الإخوان المسلمون :

ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول ، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف ، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع ، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة . ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ، ولا تصادموا نواميس  الكون فأنها غلابة ، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها علي بعض ، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد .

 

أيها الإخوان المسلمون

إنكم  تبتغون وجه الله وتحصيل مثوبته ورضوانه ، وذلك مكفول لكم ما دمتم مخلصين . ولم يكلفكم الله نتائج الأعمال ولكن كلفكم صدق التوجه وحسن الاستعداد ، ونحن بعد ذلك إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين ، وإما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين . علي أن التجارب في الماضي والحاضر قد أثبتت أنه لا خير إلا طريقكم ، ولا إنتاج إلا مع خطتكم ، ولا صواب إلا فيما تعملون ، فلا تغامروا بجهودكم ولا تقامروا بشعار نجاحكم . واعملوا والله معكم ولن يتركم أعمالكم والفوز للعاملين   (وَمَا كَانَ اللهُ لöيُضöيعَ إöيمَانَكُمْ إöنَّ اللهَ بöالنَّاسö لَرَؤُوفñ رَحöيمñ) (البقرة:143) .

 

متي تكون خطوتنا التنفيذية ؟

 

أيها الإخوان المسلمون :

نحن هنا في مؤتمر أعتبره مؤتمراً عائلياً يضم أسرة الإخوان المسلمين ، وأريد أن أكون معكم صريحاً للغاية فلم تعد تنفعنا إلا المصارحة :

إن ميدان القول غير ميدان الخيال ، وميدان العمل غير ميدان القول ، وميدان الجهاد غير ميدان العمل ، وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ .

يسهل علي كثير ين أن يتخيلوا ، ولكن ليس كل خيال يدور بالبال يستطاع تصويره أقوالا باللسان ، وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا ولكن قليلاً من هذا الكثير يثبت عند العمل ، وكثير من هذا القليل يستطيع أن يعمل ، ولكن قليلا منهم يقدر علي حمل أعباء الجهاد الشاق والعمل المضني . وهؤلاء المجاهدون وهم الصفوة القلائل من الأنصار قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله ، وفي قصة طالوت بيان لما أقول ، فأعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختبار الدقيق وامتحنوها بالعمل ، العمل القوي البغيض لديها الشاق عليها ، وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها .

وفي الوقت الذي يكون فيه منكم ِ معشر الإخوان المسلمين ِ ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسيا روحياً بالإيمان والعقيدة ، وفكرياً بالعلم والثقافة ، وجسمياً بالتدريب والرياضة ، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لحج البحار ، وأقتحم بكم عنان السماء . وأغزو بكم كل عنيد جبار ، فإني فاعل إن شاء الله ، وصدق رسول الله القائل: (ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة). إني أقدر لذلك وقتاً ليس طويلاً بعد توفيق الله واستمداد معونته وتقديم إذنه ومشيئته ، وقد تستطيعون أنتم معشر نواب الإخوان ومندوبهم أن تقصروا هذا الآجل إذا بذلتم همتكم وضاعفتم جهودكم ، وقد تهملون فيخطئ هذا الحساب ، وتختلف النتائج المترتبة عليه ، فأشعروا أنفسكم العبء وألقوا الكتائب وكونوا الفرق ، وأقبلوا علي الدروس ، وسارعوا إلي التدريب وانشروا دعوتكم في الجهاد التي لم تصل إليها بعد ، ولا تضيعوا دقيقة بغير عمل .

 وقد يظن من يسمع هذا أن الإخوان المسلمين قليل عددهم أو ضعيف مجهودهم ، ولست إلى هذا أقصد وليس هذا هو مفهوم كلامي ، فالإخوان المسلمون والحمد لله كثيرون ، وإن جماعة يمثلها في هذا الاجتماع آلاف من أعضائها كل منهم ينوب عن شعبة كاملة لأكثر من أن يستقل عددها أو ينسي مجهودها أو يغمط حقها ، ولكن أقصد إلى ما ذكرت أولا من أن رجل القول غير رجل العمل , و رجل العمل غير رجل الجهاد , و رجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات .

 

5 - إيثار الناحية العملية

و أما إيثار الناحية العملية فقد أثارها في نفوس الإخوان و دعا إليها في منهاجهم أمور :

منها ما جاء في الإسلام خاصا بهذه الناحية بالذات , و مخافة أن تشوب هذه الأعمال شوائب الرياء فيسرع إليها التلف و الفساد و الموازنة بين هذه النظرة و بين ما ورد في   إذاعة الخير والأمر به والمسارعة إلى إعلانه ليتعدى نفسه , أمر دقيق قلما يتم إلا بتوفيق .

و منها نفور الإخوان الطبيعي من اعتماد الناس على الدعايات الكاذبة و التهريج الذي ليس من ورائه عمل , و ما أنتجه في هذه الأمة من أثر سيئ و تضليل كبير و فساد ملموس .

و منها ما كان يخشاه الإخوان من معاجلة الدعوة بخصومة حادة أو صداقة ضارة ينتج عن كليهما تعويق السير أو تعطيل عن الغاية .

كل هذه أمور و ضعها الإخوان في ميزانهم آثروا أن يسيروا في دعوتهم بجد و إسراع و إن لم يشعر بهم إلا من حولهم , و إن لم يؤثر ذلك إلا في محيطهم .

قليل من الناس من يعرف أن الداعية من دعاة الإخوان قد يخرج من عمله المصلحي في عصر الخميس , فإذا هو في العشاء بالمنيا يحاضر الناس , و إذا هو في صلاة الجمعة يخطب بمنفلوط , فإذا هو في العصر يحاضر بأسيوط , و بعد العشاء يحاضر بسوهاج , ثم يعود أدراجه هادئ النفس مطمئن القلب يحمد الله على ما وفقه إليه و لا يشعر به إلا الذين استمعوه .

هذا مجهود لو قام به غير الإخوان لملأ الدنيا صياحا و دعاية , و لكن الإخوان ِ لما قدمت ِ يؤثرون ألا يراهم الناس إلا عاملين , فمن أقنعه العمل فبها , و من لم يؤثر فيه العمل فلن يرشده القول .

قد يقضي الأخ شهرا أو شهرين بعيدا عن أهله و بيته و زوجه و ولده يدعو إلى الله , هو في الليل محاضر و في النهار مسافر , يوما بحزوى و يوما بالعقيق , فيلقي أكثر من ستين محاضرة من شرق القطر إلى غربه , و قد تضم الحفلات التي يحاضر فيها الآلاف من مختلف الطبقات , ثم هو بعد ذلك يوصي ألا يكون محل دعاية أو إعلان .

يعقد الإخوان معسكرا نموذجيا بالأسكندرية قرابة شهر فيكون معسكرا نموذجيا بحق , يجمع رياضة الفكر و الروح إلى رياضة البدن و الجسم , و تتمثل فيه بجلاء وضوح المعاني الرياضية و العسكرية الكاملة , و يدوم ذلك طول هذه الفترة , و يضم تحت خيامه المباركة مائة من الشباب التقي المؤمن , فلا يكون لذلك صداه في غير من حضروه من الإخوان المسلمين .

يعقد مؤتمر كمؤتمركم هذا  و هو في الواقع أصدق برلمان لمصر إذ مثلت فيه مديرياتها و مراكزها و قراها و حواضرها من كل الطبقات أصدق تمثيل , و قد حضرتم جميعا لا يحملكم إلى ذلك إلا الرغبة الأكيدة في العمل المنتج , فنوجه إليكم الدعوة و يضمكم معشر الإخوان المسلمين هذا المكان المبارك .

يقوم الإخوان المسلمون بهذا و بغيره من ضروب الإصلاح التي تنتج أحسن الآثار ثم هم بذلك لا يتشدقون و لا يباهون , و لا يذكرون حتى الحقيقة فضلا عن المبالغة و الإغراق , و لو كان بعض هذا النشاط و بعض هذه الأعمال مما يوفق إليه غير الإخوان من الهيئات لملئوا الدنيا صراخا , و لأسمعوا من في المشرق و المغرب , و عجب فنحن في عصر الدعايات .

 

أيها الإخوان :

ذلك المعنى الذي تقصدون إليه معنى جميل حقا و خطة محمودة عند الله و عند الناس , فادرجوا عليها و لا بأس عليكم ,  و لكن لا حظوا أنكم الآن و قد أرغمتكم الدعوة على أن تتخطوا الحواجز الخاصة إلى ا لميادين الواسعة , و قد أظهرت الدعوة نفسها فأخذ الناس يتساءلون عنها و عنكم , و أخذ بعض الفضوليين يتطوع بتصويركم لغيركم و هو لا يدري قليلا و لا كثيرا من شؤونكم , فقد وجب عليكم أن تبينوا للناس غايتكم و وسيلتكم و حدود فكرتكم و منهاج أعمالكم , و أن تعلنوا هذه الأعمال على الناس لا للمباهاة بها و لكن للإرشاد إلى ما فيها من نفع للأمة و خير لأبنائها فاكتبوا إلى النذير و هي لسانكم , و اكتبوا إلى الصحف اليومية و أظنها لا تقف ي سبيلكم , و احرصوا على أن تكونوا صادقين لا تتجاوزون الحقيقة , و أن تكون دعايتكم في حدود الأدب الكامل و الخلق الفاضل و الحرص التام على جمع القلوب و تأليف الأرواح , و استشعروا كلما ظهرت دعوتكم أن الفضل في ذلك كله لله :   (بَلö اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لöلإöيمَانö إöنْ كُنْتُمْ صَادöقöينَ) (الحجرات:17) .

 

6 - إقبال الشباب على الدعوة

و أما إقبال الشباب على الدعوة , و نموها في كثير من الأوساط التي هي أخصب المنابت للدعوات التي هي أخصب المنابت للدعوات من الطبقات العاملة و الوسطى , فتوفيق كبير نحمد الله عليه , فقد أقبل الشباب من كل مكان على دعوة الإخوان يؤمن بها و يؤيدها و يناصرها , و يعاهد الله على النهوض بحقها و العمل في سبيلها .

تقدم ستة من شباب الجامعة منذ سنوات يهبون الله نفوسهم و جهودهم , و علم الله منهم ذلك فأيدهم و آزرهم , فإذا بالجامعة كلها من أنصار الإخوان المسلمين تحبهم و تحترمهم و تتمنى لهم النجاح  , و إذا من الشباب الجامعي فئة كريمة مؤمنة تتفانى في الدعوة و تبشر بها في كل مكان .

قل مثل ذلك في الأزهر الشريف , و الأزهر بطبعه معقل الدعوة الإسلامية و موئل الإسلام , فليس غريبا عليه أن يعتبر دعوة الإخوان المسلمين دعوته و أن يعد غايتها غايته , و أن تمتلئ الصفوف الإخوانية و الأندية الإخوانية بشبابه الناهض و علمائه الفضلاء و مدرسيه و وعاظه , و أن يكون لهم جميعا أكبر الأثر في نشر الدعوة و تأييدها و المناداة بها في كل مكان , و لم يقتصر إقبال الشباب على طوائف الطلبة و الفضلاء و من إليهم , بل إن كثيرا من طبقات الشعب المؤمنة أقبل على الدعوة و كان خير معوان في مناصرتها , و إن كثيرا من الشباب كان ضالا فهداه الله و كان حائرا فأرشده الله , و كانت المعصية له عادة فوفقه الله إلى الطاعة , و كان لا يعرف له غاية من الحياة فوضحت أمامه الغاية ,  (يَهْدöي اللهُ لöنُورöهö مَنْ يَشَاءُ) (النور:35) .

و إنا لنعتبر ذلك من علامات التوفيق و نلمس كل يوم تقدما جديدا في هذا الباب  يدعونا إلى الأمل القوي و المثابرة و مضاعفة الجهود ,  (وَمَا النَّصْرُ إöلا مöنْ عöنْدö اللهö الْعَزöيزö الْحَكöيمö) (آل عمران:126) .

 

 7 - سرعة الانتشار في القرى و المدن

و أما سرعة انتشار الدعوة في القرى و المدن فقد قدمت لكم أن الدعوة نشأت في الإسماعيلية , و ترعرعت في جوها الصافي و درجت على رمالها الممتدة الجميلة , يغذيها و ينميها ما ترى ما ترى كل صباح و مساء من مظاهر الاحتلال الأجنبي و الاستئثار الأوربي بخير هذا البلد , فهذه قناة السويس علة الداء و أصل البلاء , و في الغرب المعسكر الإنجليزي بأدواته و معداته , و في المشرق المكتب العام لإدارة شركة القناة بأثاثه و رياسته و عظمته و مرتباته , و المصري غريب بين كل هذه الأجواء في بلده محروم و غيره ينعم بخير وطنه ذليل , و الأجنبي يعتز بما يغتصبه من موارد رزقه , كان هذا الشعور غذاء جميلا و مدادا طيبا لدعوة الإخوان فبسطت رواقها في منطقة القناة ثم تخطتها إلى البحر الصغير ثم إلى مديرية الدقهلية , تحتل قلوب المؤمنين بها بذرة صغيرة متواضعة , ثم لا تلبث أن تستولي على هذه القلوب و تستغرق شعورها و تفكيرها , و تصبح للرجل أمل الآمال و غاية الغايات فيدعو و يضحي و يبذل .

و خطت الدعوة إلى القاهرة باندماج جمعية الحضارة الإسلامية بدعاتها و أدواتها إلى الإخوان , إيمانا بفكرتهم و إيثارا للعمل مع الجماعة , و زهادة في الألقاب و الأسماء , و احتقارا لهذه الأنانية الفردية التي أفسدت علينا كل عمل , ثم تبع ذلك تكون مكتب الإرشاد العام بالقاهرة و إشرافه على شعب الجماعة الناشئة في الأقاليم و البلدان , و عمله الدائب على نشر الفكرة و إيصالها للبلدان التي لم تتصل بها بعد .

و دأب المكتب بعد ذلك يقتطع أعضاؤه من قوتهم و أوقاتهم و جهودهم ما يستعينون به على خدمة عقيدتهم في عفة الأسد , و في طهارة ماء الغمام , لا يمدون لأحد يدا و لا يسألون كبيرا و لا هيئة شيئا , و لا يأخذون من مال حكومة و لا يطلبون معونة أحد إلا الله , حتى انتشرت شعب الإخوان بسرعة فائقة في جميع نواحي القطر المصري من أسوان إلى الإسكندرية إلى رشيد إلى بورسعيد إلى السويس إلى طنطا , إلى الفيوم إلى بني سويف , إلى المنيا , إلى أسيوط , إلى جرجا , إلى قنا , و فيما بين ذلك من المراكز و القرى .

و لم تقف عند هذه الحدود المصرية بل تجاوزتها إلى القسم الجنوبي من الوطن الغالي , إلى السودان المفدى , ثم إلى بقية أجزاء الوطن الإسلامي العزيز : سوريا بأقسامها شرقا , و المغرب بأقسامه غربا , ثم إلى غير ذلك من بقية بلادنا الإسلامية المباركة .

كنا نوجه الدعوة و نعمل على انتشارها , أما الآن فقد صارت الدعوة تسبقنا إلى البلاد و القرى و تضطرنا إلى ملاحقتها و أداء حقوقها مهما كان في ذلك من عنت و من إرهاق , و المهم أن الصلة بين هذه الهيئات كلها ليس مجرد التشابه في الاسم أو الوحدة في المقصد  العام , كلا بل إنها أقوى الصلات جميعا , إنها صلة الحب العميق و التعاون الوثيق ,و الارتباط القدسي المتين , و الالتفاف التام حول محور الدعوة و مركزها , و الوحدة و الشاملة في الألم و الأمل و الجهاد و العمل , و الوسائل و الغايات و المناهج و الخطوات , و ليس بعد ذلك زيادة لمستزيد.

و ليست هذه الهيئات في البلدان  القرى مقتصرة في عملها على تنفيذ تعليمات المكتب الرئيسي لها بالقاهرة , بل إنها تجد و تعمل في مناحي الخدمة العامة فتبني أنديتها , و كثير منها قد بنى داره و أصبحت ملكا خالصا له خاصا به , و كثير منها كذلك قام بالكثير من المشروعات الخيرية و الاقتصادية و الاجتماعية , و  جميعها دائمة النشاط جمة الإنتاج كما أن صلة المكتب بفروعه و هيئاته المختلفة ليست صلة الرئيس بالمرؤوس , و ليس صلة الإدارة البحتة و الإشراف العلمي فقط  ,و لكنها صلة فوق ذلك كله : صلة الروح أولا , و صلة أفراد الأسرة الواحدة بعضهم ببعض , التزاور في الله , فدعاة الإخوان يزورن إخوانهم و يختلطون بهم و يعرفون أهم ما يتصل بحياتهم و شؤونهم الخاصة و العامة , و لم يتوفر ذك لهيئة من الهيئات القائمة فيما أعلم , وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

 

أيها الإخوان :

لا أكتمكم أني مزهو بهذه الوحدة الإخوانية الصادقة , فخور بهذا الارتباط الرباني القوي المتين , عظيم الأمل في المستقبل , ما دمتم كذلك أخوة في الله متحابين متعاونين , فاحرصوا على هذه الوحدة فإنها سلاحكم و عدتكم .

و عن كثيرا من الناس ليتساءل : و من أين يقوم الإخوان المسلمون بنفقات هذه الدعوة , و هي نفقات كثيرة تعجز الأغنياء فضلا عن الفقراء ؟

ألا فليعلم هؤلاء و ليعلم غيرهم أن الإخوان المسلمين لا يبخلون على دعوتهم يوما من الأيام بقوت أولادهم و عصارة دمائهم و ثمن ضرورياتهم , فضلا عن كمالياتهم و الفائض من نفقاتهم , و أنهم يوم أن حملوا هذا العبء عرفوا جيدا أنها دعوة لا ترضى بأقل من الدم و المال , فخرجوا عن ذلك كله لله و فقهوا معنى قوله تعالى :  (إöنَّ اللهَ اشْتَرَى مöنَ الْمُؤْمöنöينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بöأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (التوبة:111)  , فقبلوا البيع و قدموا البضاعة عن رضا و طيب نفس , معتقدين أن الفضل كله لله , فاستغنوا بما في أيديهم عما في أيدي الناس , و منحهم الله البركة في القليل فأنتج الكثير .

إلى الآن أيها الإخوان لم يمنح مكتب الإرشاد العام إعانة واحدة من حكومة أيا كانت , و ها هو يباهي و يفاخر و يتحدى الناس جميعا أن يقول أحدهم إن هذا المكتب قد دخل خزانته قرش واحد من غير جيوب أعضائه , و لسنا نريد إلا هذا ، ولن نقبل إلا من عضو أو من محب ، ولن نعتمد علي الحكومات في شيء ، ولا تجعلوا في ترتيبكم ولا منهاجكم ذلك ولا تنظروا إليه ولا تعملوا له ،  (وَاسْأَلُوا اللهَ مöنْ فَضْلöهö إöنَّ اللهَ كَانَ بöكُلّö شَيْءٍ عَلöيماً) (النساء:32).

تلك أيها الإخوان بعض خصائص دعوتكم ، انتهزت هذه الفرصة لأتحدث إليكم عنها ، وأنتقل بعد ذلك إلى ناحية هامة من نواحي الدعوة قد يلتبس الأمر في موقف الإخوان منها علي كثير من الناس ، وربما خفي علي بعض الإخوان أنفسهم حتى نحدد معاً ونكشف معاً ما عسي أن يكون من إبهام .

 

 

منهاج الإخوان المسلمين

 

الغاية والوسيلة

أظنكم أيها الاخوة الفضلاء قد عرفتم من هذا الحديث الطويل غاية الإخوان ووسيلتهم ومهمتهم تماماً .

إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل علي صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها :  صيغة الله ومن أحسن من الله صيغة وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة علي هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول علي حكمها º وأنهم ساروا إلى غايتهم في حدود وسيلتهم فوصلوا إلى درجة من النجاح يطمئنون إليها ويحمدون الله عليها ، و أظنني لست في حاجة إلي مزيد شرح أو بيان في هذه الناحية .

 

الإخوان والقوة والثورة

ويتساءل كثير من الناس : هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم ؟ وهل يفكر الإخوان المسلمين في إعداد ثورة عامة علي النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر ؟ ....

ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة ، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء ، فليسمع من يشاء .

أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه و تشريعاته , فالقرآن الكريم ينادي في وضوح و جلاء:   (وَأَعöدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مöنْ قُوَّةٍ وَمöنْ رöبَاطö الْخَيْلö تُرْهöبُونَ بöهö عَدُوَّ اللهö وَعَدُوَّكُمْ) (لأنفال:60).

و النبي يقول (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف) , بل إن القوة شعار الإسلام حتى  في الدعاء و هو مظهر الخشوع و المسكنة ,  واسمع ما كان يدعو به النبي في خاصة نفسه و يعلمه أصحابه و يناجي به ربه : (اللّهُمّ إöنّي أَعوذُ بöكَ مöنَ الْهَمّ وَالْحَزَنö، وَأَعوذُ بöكَ مöنَ الْعَجْزö وَالْكَسَلö، وَأعوذُ بöكَ مöنَ الْجُبْنö والْبُخْلö وَأعوذُ بöكَ مöنْ غَلَبَةö الدّيْنö وَقَهْرö الرّجَال) , ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف : ضعف الإرادة بالهم و الحزن ,  و ضعف الإنتاج بالعجز و الكسل , و ضعف الجيب و المال بالجبن و البخل , و ضعف العزة و الكرامة بالدين و القهر ؟ .. فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويا في كل شيء , شعاره القوة في كل شيء ؟.. فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء , و لابد أن يعملوا في قوة .

و لكن الإخوان المسلمين أعمق فكرا و أبعد نظرا من أن تستهويهم سطحية الأعمال و الفكر , فلا يغوصوا في أعماقها و لا يزنوا نتائجها و ما يقصد منها و ما يراد بها , فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة و الإيمان , ثم يلي ذلك قوة الوحدة و الارتباط , ثم بعدهما قوة الساعد و السلاح , و لا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعا , و أنها إذا استخدمت قوة الساعد و السلاح و هي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء و الهلاك .

هذه نظرة , و نظرة أخرى : هل أوصى الإسلام ِ و القوة شعاره ِ باستخدام القوة في كل الظروف و الأحوال ؟ أم حدد لذلك حدودا و اشترط شروطا و وجه القوة توجيها محدودا ؟

و نظرة ثالثة : هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي ؟ و هل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة و نتائجها الضارة و ما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف ؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة و ليكن بعد ذلك ما يكون ؟

هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه , و الثورة أعنف مظاهر القوة , فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق و أعمق , و بخاصة في وطن كمصر جرب حظه من الثورات فلم يجن من ورائها إلا ما تعلمون .

و بعد كل هذه النظرات و التقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين : إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها ، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة ، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعزة ، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.

وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها , ولا يعتمدون عليها ، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها ، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت علي هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذا المشاكل ، فسيؤدي ذلك حتما إلي ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم ، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال ، وإهمال مرافق الإصلاح , وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن و يستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر ، فليسرع المنقذون بالأعمال .

 

الإخوان المسلمون والحكم

 

ويتساءل فريق آخر من الناس : هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يكونوا حكومة وأن يطالبوا بالحكم ؟ وما وسيلتهم إلى ذلك ؟ ...

ولا أدع هؤلاء المتسائلين أيضاً في حيرة ، ولا نبخل عليهم بالجواب .

فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم علي هدي الإسلام الحنيف كما فهموه ، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة . وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه ، ويعتمد علي التنفيذ كما يعتمد علي الإرشاد ، وقديماً قال الخليفة الثالث رضي الله عنه : (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) . وقد جعل النبي صلي الله عليه وسلم الحكم عروة من عري الإسلام  . والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول ، لا من الفقهيات والفروع ، فالإسلام حكم وتنفيذ ، كما هو تشريع وتعليم ، كما هو قانون وقضاء ، لا ينفك واحد منها عن الآخر . والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيهاً مرشداً يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول ، وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله ويحملونها بقوة التنفيذ علي مخالفة أوامره ، فان النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد ونفخة في رماد كما يقولون .

قد يكون مفهوما أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ و الإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله و تنفيذا لأحكامه و إيصالا لآياته و لأحاديث نبيه , و أما الحال كما نرى : التشريع الإسلامي في واد و التشريع الفعلي في واد آخر , فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف .

هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا , و لكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف

وعلى هذا فالإخوان المسلمون  لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله .

وعلى هذا فالإخوان المسلمون أعقل و أحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم و نفوس الأمة على هذا الحال , فلابد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان و تسود , و يتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة .

و كلمة لابد أن نقولها في هذا الموقف : هي أن الإخوان المسلمين لم يروا في حكومة من الحكومات التي عاصروها ِ و لا الحكومة القائمة و لا الحكومة السابقة , و لا غيرهما من الحكومات الحزبية ِ ن ينهض بهذا العبء أو من يبدي الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية , فلتعلم الأمة ذلك , و لتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية , و ليعمل الإخوان المسلمون .

و كلمة ثانية : أنه ليس أعمق في الخطأ من ظن بعض الناس أن الإخوان المسلمين كانوا في أي عهد من عهود دعوتهم مطية لحكومة من الحكومات , أو منفذين لغاية غير غايتهم , أو عاملين على منهاج غير منهاجهم , فليعلم ذلك من لم يكن يعلمه من الإخوان و من غير الإخوان .

 

الإخوان المسلمون و الدستور

ويتساءل كذلك فريق من الناس ما موقف مجموعة الإخوان المسلمين من الدستور المصري ؟ و لاسيما بعد أن كتب الأخ صالح أفندي عشماوي رئيس تحرير مجلة النذير في هذا الموضوع , و تناولت كتابته صحيفة ( مصر الفتاة ) بالنقد و الموازنة ,و هذه فرصة طيبة لأتحدث إلى حضراتكم فيها عن رأي الإخوان المسلمين و موقفهم من الدستور المصري ,   وأحب قبل هذا أن نفرق دائما بين ( الدستور ) وهو نظام الحكم العام الذي ينظم حدود السلطات وواجبات الحاكمين ومدى صلتهم بالمحكومين , وبين ( القانون ) وهو الذي ينظم صلة الأفراد بعضهم ببعض ويحمى حقوقهم الأدبية والمادية ويحاسبهم على ما يأتون من أعمال .

و أستطيع بعد هذا البيان أن أجلي لكم موقفنا من نظام الحكم الدستوري عامة , و من الدستور المصري خاصة :

الواقع أيها الإخوان : أن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة  على الحرية الشخصية بكل أنواعها , وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب و محاسبتهم على ما يعملون من أعمال , وبيان حدود كل سلطة من السلطات هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم .

ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظاماً آخر .

بقي بعد ذلك أمران : أولهما النصوص التي تصاغ في قالبها هذه المبادئ , و ثانيهما طريقة التطبيق التي تفسر بها عمليا هذه النصوص , إن المبدأ السليم القويم قد يوضع في نص مبهم غامض فيدع مجالا للعبث و بسلامة المبدأ في ذاته , و إن النص الظاهر الواضح للمبدأ السليم القويم قد يطبق و ينفذ بطريقة يمليها الهوى و توحيها الشهوات , فيذهب هذا التطبيق بكل ما يرجى من فائدة .

و إذا تقرر هذا فإن من نصوص من الدستور المصري ما يراه الإخوان المسلمون غامضا مبهما يدع مجالا واسعا للتأويل و التفسير الذي تمليه الغايات و الأهواء , فهي في حاجة إلى وضوح و إلى تحديد و بيان ... هذه واحدة , و الثانية : هي أن طريقة التنفيذ التي يطبق بها الدستور , و يتوصل بها إلى جني ثمرات الحكم الدستوري في مصر , طريقة أثبتت التجارب فشلها و جنت الأمة منها الأضرار لا المنافع , فهي في حاجة شديدة إلى تحوير و إلى تعديل يحقق المقصود و يفي بالغاية .

و حسبنا أن نشير هنا إلى قانون الانتخاب , و هو وسيلة اختيار النواب الذين يمثلون الأمة و يقومون بتنفيذ دستورها و حمايته , و ما جره هذا القانون على الأمة من خصومات و حزازات , و ما أنتجه يشهد به الواقع الملموس , و لابد أن تكون فينا الشجاعة الكافية لمواجهة الأخطاء و العمل على تعديلها .

لهذا يعمل الإخوان المسلمون جهدهم حتى تحدد النصوص المبهمة في الدستور المصري , و تعدل الطريقة التي ينفذ بها هذا الدستور في البلاد , و أظن أن موقف الإخوان قد وضح بهذا البيان , و ردت الأمور إلى نصابها الصحيح .

إن الأخ صالح أفندي عشماوي قد أراد أن يعبر في مقاله الأول عن وجهة النقد التي يراها الإخوان فاحتد و اشتد , و لما نبهناه إلى أن هذا ليس موقفنا في الواقع , فنحن نسلم بالمبادئ الأساسية للحكم الدستوري باعتبارها متفقة بل مستمدة من نظام الإسلام , و إنما ننقد الإبهام و طرائق الإنفاذ , أراد أن يعبر عن ذلك و يقر الأمر في وضعه الطبيعي بالنسبة للإخوان فتساهل و لان , و هو في كلا الموقفين مأجور , فالخير أراد , و نية المرء خير من عمله , و نحن نشكر الذين أخذوا على الأخ صالح أفندي هذا الموقف , و لا يضره فيما أعتقد أن يستفيد من هذا التنبيه فيؤثر الاعتدال في كل حال , و أعتقد أنه لا مجال لقول بعد هذا البيان , أما الأمثلة التفصيلية و الأدلة الوافية و وصف طرائق العلاج و الإصلاح ففي رسالة خاصة إن شاء الله .

 

الإخوان المسلمون و القانون

قدمت أن الدستور شيء و القانون شيء آخر , و قد أبنت موقف الإخوان من الدستور , و أبين لحضراتكم الآن موقفهم من القانون .

إن الإسلام لم يجئ خلواً من القوانين، بل هو قد أوضح كثيراً من أصول التشريع وجزئيات الأحكام، سواء أكانت مادية أم جنائية، تجارية أم دولية ، والقرآن والأحاديث فياضة بهذه المعاني، وكتب الفقهاء غنية كل الغنى بكل هذه النواحي، وقد اعترف الأجانب أنفسهم بهذه الحقيقة، وأقرها مؤتمر لاهاي الدولي أمام ممثلي الأمم من رجال القانون في العالم كله .

 فمن غير المفهوم ولا المعقول أن يكون القانون في أمة إسلامية متناقضًا مع تعاليم دينها وأحكام قرآنها وسنة نبيها، مصطدماً كل الاصطدام بما جاء عن الله ورسوله، وقد حذر الله نبيه ص من ذلك من قبل، فقال تبارك وتعالى:  (وَأَنö احْكُمْ بَيْنَهُمْ بöمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبöعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتöنُوكَ عَنْ بَعْضö مَا أَنْزَلَ اللهُ إöلَيْكَ فَإöنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرöيدُ اللهُ أَنْ يُصöيبَهُمْ بöبَعْضö ذُنُوبöهöمْ وَإöنَّ كَثöيراً مöنَ النَّاسö لَفَاسöقُونَ , أَفَحُكْمَ الْجَاهöلöيَّةö يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مöنَ اللهö حُكْماً لöقَوْمٍ يُوقöنُونَ) (المائدة:49-50)  , ذلك بعد قوله تعالى:  (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بöمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئöكَ هُمُ الْكَافöرُونَ ُِ الظَّالöمُونَ ِ الْفَاسöقُونَ) (المائدة:44 , 45 , 47)  ، فكيف يكون موقف المسلم الذي يؤمن بالله وكلماته إذا سمع هذه الآيات البينات وغيرها من الأحاديث والأحكام، ثم رأى نفسه محكوماً بقانون يصطدم معها؟ فإذا طالب بالتعديل قيل له: إن الأجانب لا يرضون بهذا ولا يوافقون عليه ، ثم يقال بعد هذا الحجر والتضييق : إن المصريين مستقلون وهم لم يملكوا بعد أن يتمتعوا بحرية الدين، وهي أقدس الحريات .

على أن هذه القوانين الوضعية كما تصطدم بالدين ونصوصه تصطدم بالدستور الوضعي نفسه الذي يقرر أن دين الدولة هو الإسلام , فكيف نوافق بين هذين يا أولى الألباب ؟

 وإذا كان الله ورسوله قد حرم الزنا وحظر الربا ومنع الخمور وحارب الميسر وجاء القانون يحمى الزانية و الزاني ويلزم بالربا ويبيح الخمر وينظم القمار فكيف يكون موقف المسلم بينهما ؟ أيطيع الله ورسوله ويعصى الحكومة وقانونها والله خير وأبقى ؟ أم يعصى الله ورسوله ويطيع الحكومة فيشقى في الآخرة والأولى ؟ نريد الجواب على هذا من رفعة رئيس الحكومة و معالي وزير العدل و من علمائنا الفضلاء الأجلاء .

أما الإخوان المسلمون  فهم لا يوافقون على هذا القانون أبدا ولا يرضونه بحال وسيعملون بكل سبيل على أن يحل مكانه التشريع الإسلامي العادل الفاضل في نواحي القانون ولسنا هنا في مقام الرد على ما قيل في هذه الناحية من شبهات أو ما يعترض سبيلها من توهم العقبات ولكننا في مقام بيان موقفنا الذي عملنا وسنعمل عليه متخطين في سبيله كل عقبة موضحين كل شبهة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .

و لقد تقدم الإخوان المسلمون إلى معالي وزير العدل بمذكرة إضافية في هذا الموضوع , و لقد حذروا الحكومة في نهايتها من إحراج الناس هذا الإحراج , فالعقيدة أثمن ما في الوجود , و سوف يعاودون  الكرّة , و سوف لا يكون ذلك آخر مجهودهم (وَيَأْبَى اللهُ إöلا أَنْ يُتöمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرöهَ الْكَافöرُونَ) (التوبة:32)

 

 

الإخوان والقومية والعروبة والإسلام

كثيرا ما تتوزع أفكار الناس في هذه النواحي الثلاثة : الوحدة القومية والوحدة العربية والوحدة الإسلامية وقد يضيفون إلى ذلك الوحدة الشرقية ثم تنطلق الألسنة والأفكار بالموازنة بينها وإمكان تحققها أو صعوبة ذلك الإمكان ،  ومبلغ الفائدة أو الضر منها و التشجيع لبعضها دون البعض الآخر .

فما  موقف الإخوان المسلمين من هذا الخليط ومن الأفكار والمناحي ؟ ولا سيما وكثير من الناس يغمزون الإخوان المسلمين في وطنيتهم ويعتبرون تمسكهم بالأفكار الإسلامية مناعة إياهم من الإخلاص للناحية الوطنية .

والجواب عن هذا أننا لن نحيد عن القاعدة التي وضعناها أساسا لفكرتنا وهى السير على هدى الإسلام وضوء تعاليمه السامية . فما موقف الإسلام نفسه من هذه النواحي ؟

إن الإسلام قد فرضها فريضة لازمة لا مناص منها وأن يعمل كل إنسان لخير بلده وأن يتفانى في خدمته , و أن يقدم أكثر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها وأن يقدم في ذلك الأقرب فالأقرب رحما وجوارا حتى أنه لا يجز أن تنقل الزكوات أبعد من مسافة القصر إلا لضرورة إيثارا للأقربين بالمعروف فكل مسلم مفروض عليه أن يسد الثغرة التي هي عليها وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه ومن هنا كان المسلم أعمق الناس وطنية لأن ذلك مفروض عليه من رب العالمين وكان الإخوان المسلمون بالتالي أشد الناس حرصا على خير وطنهم وتفانيا في خدمة قومهم , وهم يتمنون لهذه البلاد العزيزة المجيدة كل عزة ومجد وكل تقدم ورقى , وكل فلاح ونجاح , و قد انتهت إليها رياسة الأمم الإسلامية بحكم ظروف كثيرة تضافرت على هذا الوضع الكريم , و إن حب المدينة لم يمنع رسول الله أن يحن إلى مكة و أن يقول لأصيل , و قد أخذ يصفها (يا أصيل دع القلوب تقر) و أن يجهل بلالا يهتف في قرارة نفسه :

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة             بواد وحولي إذخر وجليِل
وهل أردن يوما ميِاه مجنة             وهل يبدون لي شامة وطفيل


 فالإخوان المسلمون يحبون وطنهم , ويحرصون على وحدته القومية بهذا الاعتبار لا يجدون غضاضة على أي إنسان يخلص لبلده , وأن يفنى في سبيل قومه وأن يتمنى لوطنه كل مجد وكل عزة وفخار , هذا من وجهة القومية الخاصة .

ثم أن الإسلام الحنيف نشأ عربيا و وصل إلى الأمم عن طريق العرب , و جاء كتابه بلسان عربي مبين , و توحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين , و قد جاء في الأثر : إذا ذل العرب ذل الإسلام , و قد تحقق هذا المعنى حين دال سلطان العرب السياسي و انتقل المر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم و الديلم و من إليهم , فالعرب هم عصبة الإسلام و حراسه . 

و أحب هنا أن ننوه إلى أن الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة , كما عرفها النبي , فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : (ألا إن العربية اللسان , ألا إن العربية السان) .

ومن هنا كانت وحدة العرب أمرا لابد منه لإعادة الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه , ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وهذا موقف مجموعة البحث من الوحدة العربية .

بقي علينا أن نحدد موقفنا من الوحدة الإسلامية , و الحق أن الإسلام كما هو عقيدة وأنه قضى على الفوارق النسبية بين الناس فالله تبارك وتعالى يقول :  (إöنَّمَا الْمُؤْمöنُونَ إöخْوَةñ) (الحجرات:10)  , والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم) والمسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على سواهم .

 فالإسلام والحالة هذه لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا يعتبر الفروق الجنسية والدموية , ويعتبر المسلمين جميعا أمة واحدة , ويعتبر الوطن الإسلامي وطنا واحدا مهما تباعدت أقطاره وتناءت حدوده .

وكذلك الإخوان المسلمون يقدسون هذه الوحدة ويؤمنون بهذه الجامعة , ويعملون لجمع كلمة المسلمين وإعزاز أخوان الإسلام وينادون بأن وطنهم هو كل شبر أرض فيه مسلم يقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما أروع ما قال في هذا المعنى شاعر من شعراء الإخوان :

ولست أدرى سوى الإسلام لي وطنا  الشام فيها و وادي النيل سيان

وكلمِِِا ذكر أسم الله فى بلِِد  عددت أرجاءه من لب أوطِاني

 

يقول بعض الناس : إن ذلك يناقض تيار الفكرة السائدة  في العالم فكرة التعصب للأجناس و الألوان , و العالم الآن تجربة موجة القوميات الجنسية  , فكيف تقفون أمام هذا التيار , و كيف تخرجون على ما اتفق عليه الناس ؟

و جواب ذلك أن الناس يخطئون و أن نتائج خطئهم في ذلك ظاهرة ملموسة في إقلاق راحة الأمم و تعذيب ضمائر الشعوب مما لا يحتاج إلى برهان , و ليست مهمة الطبيب أن يجاري المرضى و لكن أن يعالجهم و أن يهديهم سواء السبيل , و تلك مهمة الإسلام و من وصل دعوته بالإسلام .

و يقول آخرون : إن ذلك غير ممكن و العمل له عبث لا طائل من تحته و مجهود لا فائدة منه , و خير للذين يعملون لهذه الجامعة أن يعملوا لأقوامهم  يخدموا أوطانهم الخاصة بجهودهم .

و الجواب على هذا أن هذه لغة الضعف و الاستكانة , فقد كانت هذه الأمم مفرقة من قبل متخالفة في كل شيء : الدين و اللغة , و المشاعر و الآمال و الآلام , فوحدها الإسلام و جمع قلوبها على كلمة سواء , و مازال الإسلام كما هو بحدوده و رسومه , فإذا وجد من أبنائه من ينهض بعبء الدعوة إليه و تجديده في نفوس المسلمين , فإنه يجمع هذه الأمم جميعا من جديد كما جمعها من قديم , و الإعادة أهون من الابتداء , و التجربة أصدق دليل  على الإمكان .

يهتف بعض الناس بعد هذا بالوحدة الشرقية , و أظن أنه لم يثر هذه النعرة في نفوس الهاتفين بها إلا تعصب الغربيين لغربهم و سوء عقيدتهم في الشرق و أبنائه , و هم في ذلك مخطئون , و إذا استمر الغربيون على عقيدتهم هذه فستجر عليهم الوبال و النكال , و الإخوان المسلمون لا ينظرون إلى هذه الوحدة الشرقية إلا من خلال هذه العاطفة فقط , و الشرق و الغرب عندهم سيان إذا استوى موقفهما من الإسلام , و هم لا يزنون الناس إلا بهذا الميزان .

وضح إذا أن الإخوان المسلمين يحترمون قوميتهم الخاصة باعتبارها الأساس الأول للنهوض المنشود , و لا يرون بأسا بأن يعمل كل إنسان لوطنه , و أن يقدمه للوطن على سواه , ثم هم بعد ذلك يؤيدون الوحدة العربية  باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض , ثم هم يعملون للجامعة الإسلامية باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي العام , ولى أن أقول بعد هذا : إن الإخوان يريدون الخير للعالم كله , فهم ينادون بالوحدة العالمية لأن هذا هو مرمى الإسلام وهدفه ومعنى قول الله تبارك وتعالى :  (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إöلا رَحْمَةً لöلْعَالَمöينَ) (الأنبياء:107) .

و أنا في غنى بعد هذا البيان أن أقول أنه لا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الاعتبار , و بان كل منهما يشد أزر الأخرى  يحقق الغاية منها , فإذا أراد أقوام أن يتخذوا من المناداة بالقومية الخاصة سلاحا يميت الشعور بما عداها , فالإخوان المسلمون ليسوا معهم و لعل هذا هو الفارق بيننا و بين كثير من الناس .

 

الإخوان المسلمون و الخلافة

و لعل من تمام هذا البحث أن أعرض لموقف الإخوان السلمين من الخلافة و ما يتصل بها , و بيان ذلك أن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية , و مظهر الارتباط بين أمم الإسلام , و إنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكر في أمرها و الاهتمام بشأنها , و الخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله , و لهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي و دفنه , حتى فرغوا إلى تلك المهمة و اطمأنوا إلى إنجازها .

و الأحاديث التي وردت في وجوب نصب الإمام , و بيان أحكام الإمامة و تفصيل ما يتعلق بها , لا تدع مجالا للشك في أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حورت عن منهاجها ثم ألغيت بتاتا إلى الآن .

والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم ، و هم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لابد منها , و أن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات :

لا بد من تعاون تام ثقافي و اجتماعي و اقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها ،  يلي ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات ، وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد ،و إن المؤتمر البرلماني الإسلامي لقضية فلسطين و دعوة وفود الممالك الإسلامية إلى لندن للمناداة بحقوق العرب في الأرض المباركة  لظاهرتان طيبتان و خطوتان واسعتان في هذا السبيل , ثم يلي ذلك تكوين عصبة الأمم الإسلامية , حتى إذا تم ذلك للمسلمين نتج عنه الاجتماع على (الإمام) الذي هو واسطة العقد ، ومجتمع الشمل ، ومهوى الأفئدة ، وظل الله في الأرض .

 

 

الإخوان والهيئات المختلفة

الإخوان المسلمون و الهيئات الإسلامية

و الآن و قد أفصحت عن رأي الإخوان و موقفهم في كثير من المسائل العامة التي تشغل أذهان الأمة في هذه الأوقات , أحب كذلك أن أفصح لحضراتكم عن موقف الإخوان المسلمين من الهيئات الإسلامية في مصر , ذلك أن كثيرا من محبي الخير يتمنون أن تجتمع هذه الهيئات و تتوحد في جمعية إسلامية  ترمي عن قوس واحدة , ذلك أمل كبير و أمنية عزيزة يتمناها كل محب للإصلاح في هذا البلد .

والإخوان المسلمون يرون في الهيئات الإسلامية على اختلاف ميادينها تعمل لنصرة الإسلام ، ويتمنون لها جميعا النجاح ، و لم يفتهم أن يجعلوا من منهاجهم التقرب منها والعمل على جمعها و توحيدها حول الفكرة العامة ،و قد تقرر هذا في المؤتمر الدوري الرابع للإخوان بالمنصورة و أسيوط في العام الفائت , و أبشركم بأن مكتب الإرشاد حين أخذ يعمل على تنفيذ هذا القرار , وجد روحا طيبة من كل الهيئات  التي اتصل بها و تحدث إليها , مما يبشر بنجاح المسعى مع الزمن إن شاء الله .

 

الإخوان و الشبان

كثيرا ما يتردد سؤال على أذهان الناس : ما الفرق بين جماعة الإخوان المسلمين و جماعة الشبان ؟ و لماذا لا تكونان هيئة واحدة تعملان على منهاج واحد ؟

و أحب قبل الجواب أن أؤكد للذين يسرهم وحدة الجهود و تعاون العاملين أن الإخوان و الشبان و بخاصة  هنا في القاهرة , لا يشعرون بأنهم في ميدان مناقشة و لكن في ميدان تعاون قوي وثيق , و أن كثيرا من القضايا الإسلامية العامة يظهر فيها الإخوان و الشبان شيئا واحدا  و جماعة واحدة , إذ أن الغاية العامة مشتركة و هي العمل لما فيه إعزاز الإسلام وإسعاد المسلمين , و إنما تقع فروق يسيرة في أسلوب الدعوة و في خطة القائمين بها و توجيه جهودهم في كلتا الجماعتين , و إن الوقت الذي ستظهر فيه الجماعات الإسلامية كلها جبهة موحدة غير بعيد على ما أعتقد ,  الزمن كفيل بتحقيق ذلك إن شاء الله .

 

الأخوان المسلمون و الأحزاب

 

و الإخوان المسلمون يعتقدون أن الأحزاب السياسية المصرية جميعا قد وجدت في ظروف خاصة , و لدواع أكثرها شخصي لا مصلحي , و شرح ذلك تعلمونه حضراتكم جميعا .

و يعتقدون كذلك أن هذه الأحزاب لم تحدد برامجها و مناهجها إلى الآن , فكل منها سيدعي أنه يعمل لمصلحة الأمة في كل نواحي الإصلاح , و لكن ما تفاصيل هذه الأعمال , و ما وسائل تحقيقها ؟ و ما الذي أعد من هذه الوسائل , و ما العقبات التي ينتظر أن تقف في سبيل التنفيذ , و ما أعد لتذليلها ؟ كل ذلك لا جواب له عند رؤساء الأحزاب و إدارات الأحزاب , فهم قد اتفقوا في هذا الفراغ ,  كما اتفقوا في أمر آخر هو التهالك على الحكم وتسخير كل دعاية حزبية وكل وسيلة شريفة وغير شريفة في سبيل الوصول إليه , و تجريح كل من يحول من الخصوم الحزبيين دون الحصول عليه .

ويعتقد الإخوان كذلك أن هذه الحزبية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم وعطلت مصالحهم , وأتلفت أخلاقهم , ومزقت روابطهم , وكان لها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر .

ويعتقدون كذلك أن النظام النيابي , بل حتى البرلماني , في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر , و إلا لما قامت الحكومات الائتلافية في البلاد الديمقراطية فالحجة القائلة بأن النظام البرلماني لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية وكثير من البلاد الدستورية البرلمانية تسير على نظام الحزب الواحد وذلك في الإمكان .

 

كما يعتقد الإخوان أن هناك فارقاً بين حرية الرأي والتفكير والإبانة والإفصاح والشورى والنصيحة ، وهو يوجبه الإسلام ، و بين التعصب للرأي و الخروج على الجماعة والعمل الدائب على توسيع هوة الانقسام في الأمة وزعزعة سلطان الحكام ، و هو ما تستلزمه الحزبية و يأباه الإسلام و يحرمه أشد التحريم ، و الإسلام في كل تشريعاته إنما يدعو إلى الوحدة و التعاون .

هذا مجمل نظرة الإخوان إلى قضية الحزبية و الأحزاب في مصر , و هم لهذا قد طلبوا إلى رؤساء الأحزاب , منذ عام تقريبا أن يطرحوا هذه الخصومة جانبا و ينضم بعضهم إلى بعض , كما اقترحوا التوسط في هذه القضية على صاحب السمو الأمير عمر طوسون .. كما طلبوا من جلالة الملك حل هذه الأحزاب القائمة حتى تندمج جميعا في هيئة شعبية واحدة تعمل لصالح الأمة على قواعد الإسلام .

و إذا كانت الظروف لم تساعد في الماضي على تحقيق هذه الفكرة , فإننا نعتقد أن هذا العام كان دليلا على صدق نظرة الإخوان , و كان مقنعا لمن كان في شك بأنه لا خير في بقاء هذه الأحزاب , و سيواصل الإخوان جهودهم في هذا السبيل , و سيصلون إلى ما يريدون بتوفيق الله و فضل يقظة الأمة , و بتوالي فشل رجال الأحزاب في ميادينها سيتحقق قطعا ناموس الله :  (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فöي الأَرْضö) (الرعد:17) .

يظن بعد رجال الأحزاب أننا إنما نقصد بهذه التعاليم هدم حزبهم خدمة لغيره من الأحزاب و جريا وراء منفعة خاصة , و ليس أدل على خطأ هذه النظرة من أن هذا الوهم قد سرى إلى نفوس الأحزاب جميعا , فكثير من رجال الوفد من يتهم الإخوان المسلمين بأنهم يعملون لمحاربته و بأنه وحده هو المقصود بهذه النعوت و الأوصاف , و بأن الإخوان إنما يحملون الناس على محاربته و الانفضاض عنه , و بأنهم إنما يقصدون بذلك خدمة الحكومة و تقوية الأحزاب الممثلة فيها , و في الوقت الذي نسمع فيه هذه التهمة بعينها من أحزاب الحكومة أيضا ! فهل هناك دليل أصدق من هذا على أن الإخوان يقفون من الجميع موقفا واحدا , و يصدرون فيه عن عقيدتهم , و يعملون فيه بوحي من ضمائرهم و إيمانهم ؟

أحب أن أقول لإخواننا من دعاة الأحزاب و رجالها : إن اليوم الذي يستخدم فيه الإخوان المسلمون لغير فكرتهم الإسلامية البحتة لم يجئ و لن يجئ أبدا , و إن الإخوان لا يضمرون لحزب من الأحزاب أيا كان خصومة خاصة به , و لكنهم يعتقدون أن من قرارة نفوسهم أن مصر لا يصلحها و لا ينقذها إلا أن تنحل هذه الأحزاب كلها , و تتألف هيئة وطنية عاملة تقود الأمة إلى الفوز وفق تعاليم القرآن الكريم .

و بهذه المناسبة أقول إن الإخوان المسلمين يعتقدون عقم فكرة الائتلاف بين الأحزاب , يعتقدون أنها مسكن لا علاج , و سرعان ما ينقض المؤتلفون بعضهم على بعض , فتعود الحرب بينهم جذعة على أشد ما كانت عليه قبل الائتلاف , و العلاج الحاسم الناجح أن تزول هذه الأحزاب مشكورة فقد أدت مهمتها وانتهت الظروف التي أوجدتها و لكل زمان دولة و رجال كما يقولون .

 

الإخوان و مصر الفتاة

 

بهذه المناسبة لابد لي أن أعرض لموقف الإخوان المسلمين من جماعة مصر الفتاة  , لقد تكونت هذه جماعة الإخوان منذ عشر سنين و تكونت جماعة مصر الفتاة منذ خمس سنين , فجمعية الإخوان تكبر جمعية مصر الفتاة بضعف عمرها تماما , و مع هذا أيضا شاع في كثير من الأوساط أن جماعة الإخوان من شعب مصر الفتاة  , و سبب ذلك أن مصر الفتاة اعتمدت على الدعاية و الإعلان في الوقت الذي آثر فيه الإخوان العمل و الإنتاج , و ما علينا من ذلك كله فسواء أكان الإخوان هم الذين رسموا لمصر الفتاة طريق الجهاد و العمل للإسلام أم أن مصر الفتاة هي التي أظهرت الإخوان و أبرزتهم للناس , و هم قد ولدوا قبلها و سبقوها إلى الجهاد و الميدان بخمس سنوات أي بمثل عمرها , و ذلك أمر نظري لا يقيم له الإخوان وزنا , و لكن الذي أنبه أريد أن إليه في هذه الكلمة أن الإخوان المسلمين لم يكونوا يوما من الأيام في صفوف مصر الفتاة و لا عاملين لها , و لا أقصد بذلك أن أنال منها أو من القائمين بدعوتها و لكن أقول تقريرا للواقع , و أن جريدة مصر الفتاة هاجمت الإخوان و اتهمتهم تهما غير صحيحة و زعمت أنهم يعتدون عليها و يتهمونها و ذلك غير صحيح أيضا , و نحن معشر الإخوان لم نعقب على ما كتب أهمية , و لا نحب أن نؤاخذ بشيء منه , و أرجو أن يكون ذلك هو شعور الإخوان جميعا .

و أن كثيرا من الناس يود لو اتحدت جماعة مصر الفتاة مع الإخوان المسلمين , و هذا شعور ما من شك في أنه جميل نبيل فليس أجمل من الوحدة و التعاون على الخير , و لكن من الأمور ما ليس يفصل فيه إلا الزمن وحده , في مصر الفتاة من لا يرى الإخوان إلا جماعة وعظية و ينكر عليهم كل ما سوى ذلك من منهاجهم , و في الإخوان من يعتقد أن مصر الفتاة لم ينضج في نفوس كثيرا من أعضائها بعد المعنى الإسلامي الصحيح نضجا يؤهلهم للمناداة بالدعوة الإسلامية خالصة سليمة , فلنترك للزمن أداء مهمته و إصدار حكمه و هو خير كفيل بالصقل و التميز .

و ليس معنى هذا أن الإخوان سيحاربون مصر الفتاة بل إنه ليسرنا أن يوفق كل عامل للخير و إلى الخير , و لا يحب الإخوان أن يخلطوا البناء بهدم , و في ميدان الجهاد متسع للجميع .

ذلك موقفنا من مصر الفتاة مادامت قد أعلنت أنها ليست حزبا سياسيا , و أنها تعمل و ستظل تعمل للفكرة الإسلامية و لمبادئ الإسلام , و في ذلك الواقع انتصار جديد لمبادئ الإخوان المسلمين .

بقي أمر أخير ذلك هو موقف الإخوان من مصر الفتاة في قضية تحطيم  الحانات , و معلوم أنه ما من غيور في مصر يتمنى أن يرى فوق أرضها حانة واحدة , و قد ألقى الإخوان تبعة هذا التحطيم على الحكومة قبل الذين فعلوه , لأنها هي التي أحرجت شعبها المسلم هذا الإحراج و لم تفطن إلى ذلك التغيير النفساني , و الاتجاه الجديد القوي الذي طرأ عليه من تقديس  الإسلام و الاعتزاز بتعاليمه , و قديما قيل : (قبل أن تأمر الباكي بالكف عن البكاء , تأمر الضارب بالكف أن يرفع العصا) , و نحن نعتقد أن هذا التحدي لم يحن وقته بعد , و لابد من تخير الظروف المناسبة أو استخدام منتهى الحكمة فيه , و إنفاذه بصور أخف ضررا و أبلغ في الدلالة على المقصد , كلفت نظر الحكومة إلى واجبها الإسلامي , و بالرغم من أن المقبوض عليهم لم يعترفوا , فقد وجه الإخوان إلى معالي وزير العدل , يلفتون نظر معاليه فيه إلى وجوب النظر في هذه القضية نظرة خاصة تتناسب مع الدافع الشريف فيها , و أن يسرع بإصدار تشريع يحمي البلاد من هذه المهالك الخلقية .

 

موقف الإخوان من الدول الأوربية

 

بعد هذا البيان عن موقف الإخوان المسلمين , الذي يمليه عليهم الإسلام , في أهم القضايا الداخلية , يحسن أن أتحدث إلى حضراتكم عن موقفهم من الدول الأوربية :

الإسلام كما قدمت يعتبر المسلمين أمة واحدة تجمعها العقيدة و يشارك بعضها بعضا في الآمال و الآلام , و أي عدوان يقع على واحدة منها أو على فرد من المسلمين فهو واقع عليهم جميعا .

أضحكني و أبكاني حكم فقهي رأيته عرضا في كتاب (الشرح الصغير على أقرب المسالك) قال مؤلفه : (مسألة امرأة مسلمة سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها و افتداؤها و لو أتي ذلك على جميع أموال المسلمين) , و رأيت مثله قبل ذلك  في كتاب ( البحر في مذهب الأحناف ) , رأيت هذا فضحكت و بكيت و قلت لنفسي : أين عيون هؤلاء الكاتبين لتنظر المسلمين جميعا في أسر غيرهم من أهل الكفر و العدوان ؟؟

أريد أن استخلص من هذا أن الوطن الإسلامي واحد لا يتجزأ , و أن العدوان على جزء من أجزائه عدوان عليه كله , هذه واحدة , و الثانية أن الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أئمة في ديارهم , سادة في أوطانهم , بل ليس ذلك فحسب , بل إن عليهم أن يحملوا غيرهم على الدخول في دعوتهم و الاهتداء بأنوار الإسلام التي اهتدوا بها من قبل .

و من هنا يعتقد الإخوان المسلمين أن كل أمة اعتدت و تعتدي على أوطان الإسلام دولة ظالمة لابد أن تكف عن عدوانها و لابد من أن يعد المسلمون أنفسهم و يعملوا متساندين على التخلص من نيرها .

إن إنجلترا لا تزال تضايق مصر رغم محالفتها إياها , و لا فائدة في أن نقول إن المعاهدة نافعة أو ضارة أو ينبغي تعديلها أو يجب إنفاذها فهذا كلام لا طائل تحته و المعاهدة غل في عنق مصر  و قيد في يدها ما في ذلك شك , و هل تستطيع أن تستطيع أن تتخلص من هذا القيد إلا بالعمل و حسن الاستعداد ؟ فلسان القوة هو أبلغ لسان , فلتعمل على ذلك و لتكتسب الوقت إن أرادت الحرية و الاستقلال .

و إن إنجلترا لا تزال تسئ إلى فلسطين و تحاول أن تنقص من حقوق أهلها , و فلسطين وطن لكل مسلم باعتبارها من أرض الإسلام و باعتبارها مهد الأنبياء , و باعتبارها مقر المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله , ففلسطين دين على إنجلترا للمسلمين لا تهدأ ثائرتهم حتى توفيهم فيه حقهم , و إنجلترا تعلم ذلك العلم , ذلك ما حداها إلى دعوة ممثلي البلاد الإسلامية إلى مؤتمر لندن , و آنا ننتهز هذه الفرصة فنذكرها بأن حقوق العرب لا يمكن أن تنقص , و بأن هذه الأعمال القاسية التي يدأب ممثلوها على ارتكابها في فلسطين ليست مما يساعد على حسن ظن المسلمين بها , و خير لها أن تكف هذه الحملات العداونية عن الأبرياء الأحرار , و إنا لنبعث لسماحة المفتي الأكبر من فوق هذا المنبر أخلص تحيات الإخوان المسلمين بها و أطيب تمنياتهم , و لن يضر سماحته و لن يضير آل الحسيني أن تفتش دورهم و يسجن أحرارهم , فذلك مما يزيدهم شرفا إلى شرفهم و فخارا إلى فخارهم , و نذكر الوفود الإسلامية بمكر إنجلترا و خداعها و بوجوب القيام على حقوق العرب كاملة غير منقوصة .

و بهذه المناسبة أذكر الإخوان بأنه قد تألفت لجنة عامة بدار الشبان المسلمين من الجمعيات الإسلامية جميعا , للتعاون على إصدار قرش موحد يوزع من أول السنة الهجرية إغاثة لفلسطين المجاهدة , و سيحل هذا الطابع محل كل الطوابع المختلفة لكل الهيئات , فالوصية للإخوان أن يبذلوا جهدهم في تشجيع هذه اللجنة بتوزيع طوابعها حين صدورها , و بتصفية ما قد يكون موجودا لديهم من حساب الطوابع القديمة و إعادتها إلى المكتب لإعدامها .

و لنا حساب بعد ذلك مع إنجلترا في الأقاليم الإسلامية التي تحتلها بغير حق , و التي يفرض الإسلام على أهلها و علينا معهم أن نعمل لإنقاذها و خلاصها .

أما فرنسا التي ادعت صداقة الإسلام حينا من الدهر فلها مع المسلمين حساب طويل , و لا ننسى لها هذا الموقف المخجل مع سوريا الشقيقة , و لا ننسى لها موقفها في قضية المغرب الأقصى و الظهير البربري , و لا ننسى أن كثيرا من إخواننا الأعزاء , شباب المغرب الأقصى الوطني الحر المجاهد , في أعماق السجون و أطراف المنافي , و سيأتي اليوم الذي يصفى فيه هذا الحساب ,  (وَتöلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوöلُهَا بَيْنَ النَّاسö) (آل عمران:140) .

و ليس حسابنا مع إيطاليا بأقل من حسابنا مع فرنسا , فطرابلس العربية المسلمة الجارة القريبة العزيزة , يعمل الدوتشى و رجاله على إفنائها و إبادة أهلها و استئصالها و محو كل أثر للعروبة و الإسلام منها , و كيف يكون فيها أثر للعروبة و الإسلام و قد اعتبرت جزءا من إيطاليا ؟ و لا يجد الدوتشي بعد ذلك مانعا يمنعه من أن يدعي أنه حامي الإسلام و أن يطلب بهذا العنوان صداقة المسلمين !!

 

أيها الإخوان المسلمون :

 

هذا الكلام يدمي القلوب و يفتت الأكباد ! و حسبي هذه الفواجع في هذا البيان , فتلك سلسلة لا آخر لها , و انتم تعرفون هذا , و لكن عليكم أن تبينوه للناس , و أن تعلموهم أن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال ، فضلاً عن السيادة وإعلان الجهاد ، ولو كلفهم ذلك الدم والمال فالموت خير من هذه الحياة , حياة العبودية و الرق و الاستذلال ! و أنتم إن فعلتم ذلك و صدقتم الله العزيمة فلابد من النصر إن شاء الله :

 (كَتَبَ اللهُ لأَغْلöبَنَّ أَنَا وَ رُسُلöي إöنَّ اللهَ قَوöيّñ عَزöيزñ) (المجادلة:21) .

 

 

 

خاتِمِة

أيها الإخوان المسلمون :

تقدمت إليكم في هذا البيان بخلاصة وافية موجزة عن فكرتكم في مظهرها الخاص , و اليوم كنت احب أن استعرض معكم بعض المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية القائمة في المجتمع المصري , و إن شئتم فقولوا الإسلامي فإن الداء يكون واحدا في الجميع , لولا ضيق الوقت , و لولا أن ينحصر في واحدة هي : ضعف الأخلاق و فقدان المثل العليا , و إيثار المصلحة الخاصة على المصلحة العامة , و الجبن عن مواجهة الحقائق , و  الهروب من تبعات العلاج , و الفرقة قاتلها الله , هذا هو الداء , و الدواء كلمة واحدة أيضا هي ضد هذه الأخلاق , هي علاج النفوس أيها الإخوان و تقويم أخلاق الشعب :

 (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا , وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9-10) .

 

أيها الإخوان المسلمون :

لقد قام هذا الدين بجهاد أسلافكم علي دعائم قوية من الإيمان بالله ، و الزهادة في متعة الحياة الفانية وإيثار دار الخلود ، والتضحية بالدم والروح والمال في سبيل مناصرة الحق ، وحب الموت في سبيل الله والسير في ذلك كله علي هدي القرآن الكريم .

     فعلي هذه الدعائم القوية أسسوا نهضتكم و أصلحوا نفوسكم وركزوا دعوتكم وقودوا الأمة إلي الخير ،  (وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتöرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) (محمد:35) .

 

أيها الإخوان المسلمون :

لا تيئسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين ، وحقائق اليوم أحلام الأمس ، وأحلام الأمس  ، وأحلام اليوم حقائق الغد . ولا زال في الوقت متسع ، ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد . والضعيف لا يظل ضعيفاً طول حياته ، والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين :  (وَنُرöيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذöينَ اسْتُضْعöفُوا فöي الأَرْضö وَنَجْعَلَهُمْ أَئöمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارöثöينَ) (القصص:5) .

 

إن الزمان سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام ، وإن الفرص ستسنح للأعمال العظيمة ، وإن العالم ينظر دعوتكم دعوة الهداية والفوز والسلام لتخلصه مما هو فيه من آلام , وإن الدور عليكم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب ، وتلك الأيام نداولها بين الناس ، وترجون من الله ما لا يرجون ، فاستعدوا واعملوا اليوم ، فقد تعجزون عن العمل غداً .

 لقد خاطبت المتحمسين منكم أن يتريثوا و ينتظروا دورة الزمان ، و إني لأخاطب المتقاعدين أن ينهضوا و يعملوا فليس مع الجهاد راحة : 

 (وَالَّذöينَ جَاهَدُوا فöينَا لَنَهْدöيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإöنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسöنöينَ) (العنكبوت:69)

  وإلي الأمام دائماً ...

والله أكبر   ولله الحمد

حسِن البنِِا

 

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

مجموعة الرسائل 

السلام في الإسلام 

مذكرات الدعوة والداعية 

مباحث في علوم الحديث 

قضيتنا 

تحديد النسل 

المرأة المسلمة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca