الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: مجموعة الرسائل
المؤلف: حسن البنا
التصنيف: فقه الحج
 

محتويات الكتاب

النظام الإقتصادي

تمِهِيد

كتبت تحت عنوان (مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي) عدة كلمات سالفة بينت فيها أن نظام الحكم الإسلامي يعتمد على قواعد ثلاث :

أ ِ مسؤولية الحاكم

ب ِ احترام إرادة الأمة

ج ِ والمحافظة على وحدتها

وإن من حسن الحظ أن هذه هي أيضا دعائم النظام النيابي الحديث الذي اخترناه لأنفسنا , كما بينت أننا لم نطبق هذا النظام ولا ذاك تطبيقا صحيحا , وبذلك اضطربت الأمور تبعا لذلك , فإن هذا المر اصل وما عداه تابع له : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهي القلب ) , الحكومة ولا شك قلب الإصلاح الاجتماعي كله , فإذا فسدت أوضاعها فسد الأمر كله وإذا صلحت صلح المر كله ... وقد أهبت بالقائمين أن يبادروا بالإصلاح , وأن يعودوا إلى الإسلام الحنيف جماع الخير ليهتدوا بهديه ويسيروا على ضوئه , وبغير ذلك لا يمكن أن نظفر بالإصلاح الحقيقي .

وهنا أتناول (وضعنا الاقتصادي) بمثل هذا البيان ، رجاء أن تجد هذه الكلمات المخلصة آذاناً مصغية ، وقلوباً واعية ، تستشعر الخطر وتعمل على تلافيه ، من قبل أن يستشري الداء ، ويعز الدواء ، ويتسع الخرق على الراقع ...ولا يحرك النفوس ويثير الخواطر ، ويؤلم المشاعر شئ كالضائقة المالية ، تأخذ بخناق الجماهير فتحول بينهم وبن الحصول على ضروريات الحياة فضلاً عن كماليتها .. ولا أزمة أعنف من أزمة الرغيف ، ولا عضة أقوى من عضة الجوع والمسغبة .. ولا حاجة أشد من حاجة القوت ، وطالب القوت ما تعدى . دخلت الجارية على محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ، فقالت : يا سيدي فني الدقيق . فقال : قاتلك الله ! أذهبت من رأسي أربعين مسألة.

واقعنا الاقتصِادي

وهناك حقائق لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يتجاهلها منها :

غنى الطبيعة

إن هذا البلد ليس فقيراً ، بل لعله أغنى بلاد الله تبارك وتعالى بخيراته الطبيعية ، وثرواته المختلفة من زراعية ومائية وحيوانية ومعدنية ، ونيله العجيب ، وواديه الخصيب ، وما شئت من فضل الله تبارك وتعالى على مصر وأهل مصر منذ القدم :  (اهْبöطُوا مöصْراً فَإöنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) (البقرة:61) .

فساد اقتصادي

ومنها أن الأجانب الذين احتلوا هذا الوطن بغفلة من أهله , وتساهل من حكامه , وظلم من غاصبيه , أسعد حالا من أهله وبنيه , وأنهم قد وضعوا أيديهم على أفضل منابع الثروات فيه, شركات أو أفرادا , فالصناعة والتجارة , والمنافع العامة , والمرافق الرئيسية , كلها بيد هؤلاء الأجانب حقيقة ,أو الأجانب الذين اتخذوا من الجنسية المصرية شعارا ومازالوا يحنون بعد إلى أوطانهم ويؤثرونها بأكبر أرباحهم , ..وإن كثيرا مازال ينظر إلى المواطن المصري , والعامل المصري , والحاكم المصري نظرة لا تقدير فيها ولا إنصاف.

ثراء فاحش وفقر مدقع

ومنها أن التفاوت عظيم ، والبون شاسع ، والفرق كبير ، بين الطبقات المختلفة في هذا الشعب ، فثراء فاحش وفقر مدقع ، والطبقة المتوسطة تكاد تكون معدومة ، والذي نسميه نحن الطبقة المتوسطة ليس إلا من الفقراء المعوزين وإن كنا نسميهم متوسطين ، على قاعدة : بعض الشر أهون من بعض . ورحم الله فقهاءنا الذين حبَّروا البحوث الطويلة في الفرق بين الفقراء والمساكين وإن كلاهما من المحتاجين البائسين .

تخبط اقتصادي

ومنها وهو الأهم ، أننا في وسط هذا المعترك الحاد الصاخب العنيف بين المبادئ الاقتصادية، من رأسمالية أو اشتراكية أو شيوعية ، لم نحدد لوناً نصبغ به حياتنا الاقتصادية , في وقت تحتم فيه التحديد ، وتعقدت فيه الأمور ، بحيث لم تعد تنفع فيها أنصاف الحلول ، ولم يعد يجدي إلا الوضوح الكامل ، وتحديد الأهداف تحديداً دقيقاً ، والسير إليها في قوة وعزيمة .

وهذه الأوضاع ، وإن امتزجت بها المعاني السياسية ، إلا أنها في أغلب صورها ودوافعها ونتائجها تعاليم وأوضاع اقتصادية ، ولهذا لا بد لنا من أن نختار لوناً من هذه الألوان أو من غيرها إن استطعنا ، لنعيش في حدود وضع معلوم له خصائصه ومميزاته ، يحدد أهدافنا الرئيسية ، ويرسم لنا طريق العمل للوصول إلى هذه الأهداف .

إلى الإسِِلام

وأعتقد أنه لا خير لنا في واحد من هذه النظم جميعاً ، فلكل منها عيوبه الفاحشة ، كما له حسناته البادية ، وهى نظم نبتت في غير أرضنا لأوضاع غير أوضاعنا ، ومجتمعات فيها غير ما في مجتمعنا ... فضلاً عن أن بين أيدينا النظام الكامل الذي يؤدى إلى الإصلاح الشامل في توجيهات الإسلام الحنيف ، وما وضع للاقتصاد قواعد كلية أساسية لو علمناها وطبقناها تطبيقاً سليماً ، لانحلت مشكلاتنا ، ولظفرنا بكل ما في هذه النظم من حسنات ، وتجنبنا كل ما فيها من سيئات ، وعرفنا كيف يرتفع مستوى المعيشة وتستريح كل الطبقات ، ووجدنا أقرب الطرق إلى الحياة الطيبة .

قواعد النظام الاقتصادي في الإسلام

قدمت في الكلمة السابقة أن مصر تتقاذفها الألوان الاقتصادية وتتضارب فيها النظم والآراء العصرية , من رأسمالية أو اشتراكية أو شيوعية , وأن من الخير كل الخير أن تبرأ مصر من هذه الألوان كلها ، وأن تركز حياتها الاقتصادية على قواعد الإسلام وتوجيهاته العليا ، وتستمد منه وتعتمد عليه ، وذلك تسلم من كل ما يصحب هذه الآراء من أخطاء وما يلصق بها من عيوب عليه ، وبذلك تسلم من كل ما يصحب هذه الآراء من أخطاء ، وما يلصق بها من عيوب ، وتنحل مشاكلنا الاقتصادية من أقصر طريق .

ويتلخص نظام الإسلام الاقتصادي في أهمها :

1 - اعتبار المال الصالح قوام الحياة ، ووجوب الحرص عليه ، وحسن تدبيره وتثميره.

2 - إيجاب العمل والكسب على قادر.

3 - الكشف عن منابع الثروات الطبيعية ، ووجوب الاستفادة من كل ما في الوجود من قوى ومواد.

4 - تحريم موارد الكسب الخبيث.

5 - تقريب الشقة بين مختلف الطبقات ، تقريباً يقضى على الثراء الفاحش والفقر المدقع .

6 – الضمان الاجتماعي لكل مواطن , وتأمين حياته , والعمل على راحته وإسعاده.

7 - الحث على الإنفاق في وجوه الخير ، وافتراض التكافل بين المواطنين ، ووجوب التعاون على البر والتقوى .

8 - تقرير حرمة المال ، واحترام الملكية الخاصة ما لم تتعارض مع المصلحة العامة.

9 - تنظيم المعاملات المالية بتشريع عادل رحيم ، والتدقيق في شؤون النقد.

10 - تقرير مسؤولية الدولة في حماية هذا النظام .

والذي ينظر في تعاليم الإسلام ، يجد فيه هذه القواعد مبينة في القرآن الكريم والسنة المطهرة وكتب الفقه الإسلامي بأوسع بيان .

المال الصالح قوام الحيِِاة

فقد امتدح الإسلام المال الصالح ، وأوجب الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره ، وأشاد بمنزلة الغنى الشاكر الذي يستخدم ماله في نفع الناس ومرضاة الله ، وليس في الإسلام هذا المعنى الذي يدفع الناس إلى الفقر والفاقة من فهم الزهد على غير معناه .

وما ورد في ذم الدنيا والمال والغنى والثروة إنما يراد به ما يدعو إلى الطغيان والفتنة والإسراف , ويستعان به على الإثم والمعصية والجور وكفران نعمة الله  ، وفى الحديث (نعم المال الصالح للرجل الصالح) ، وفى الآية الكريمة :  (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتöي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قöيَاماً) (النساء:5) .

وفى ذلك الإشارة إلى أن الأموال قوام الأعمال ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال في غير وجهه ، فقال : (إن الله ينهاكم عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال) كما أن من مات مدافعا عن ماله فهو شهيد كما جاء في الحديث : (من مات دون عرضه فهو شهيد ، ومن مات دون ماله فهو شهيد ...) الحديث .

العمل على كل قادر

وفى الإسلام الحث على العمل والكسب ، واعتبار الكسب واجباً على كل قادر عليه , والثناء كل الثناء على العمال والمحترفين ، وتحريم السؤال ، وإعلان أن من أفضل العبادة العمل ، وأن العمل من سنة الأنبياء ، وأن أفضل الكسب ما كان من عمل اليد ، والزراية على أهل البطالة ، والذين هم عالة على المجتمع مهما كان سبب تبطلهم ، ولو كان الانقطاع لعبادة الله . فإن الإسلام لا يعرف هذا الضرب من التبطل .. والتوكل على الله إنما هو الأخذ في الأسباب وأيضاً بالنتائج ، فمن فقد أحدهما فليس بمتوكل .. والرزق المقدور مقرن بالسعي الدائب ، والله تبارك وتعالى يقول :  (وَقُلö اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمöنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إöلَى عَالöمö الْغَيْبö وَالشَّهَادَةö فَيُنَبّöئُكُمْ بöمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة:105)  . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (ما أكل أحد طعاماً قط خيرا من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) , ويقول عمر : (لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول اللهم ارزقني ، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة) , وفى الحديث : (ولا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم) .

الكشف عن منابع الثروات

كما أن فيه لفت النظر إلى في الوجود من منابع الثروة ومصادر الخير ، والحث على العناية بها ووجوب استغلالها ، وأن كل ما في هذا الكون العجيب مسخر للإنسان ليستفيد منه وينتفع به ,  (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فöي السَّمَاوَاتö وَمَا فöي الأَرْضö وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نöعَمَهُ ظَاهöرَةً وَبَاطöنَةً) (لقمان:20) ,  (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فöي السَّمَاوَاتö وَمَا فöي الأَرْضö جَمöيعاً) (الجاثِية:13)  . ومن قرأ آيات القرآن الكريم ، علم تفصيل ذلك بأوسع بيان وأوفاه .

تحريم الكسب الخبيث

ومن تعاليمه : تحريم موارد الكسب الخبيثة ، وتحديد الخبث في الكسب بأنه ما كان بغير مقابل من عمل : كالربا والقمار واليناصيب ونحوها ، أو كان بغير حق : كالنصب والسرقة والغش ونحوها . أو كان عوضاً لما يضر : كثمن الخمر والخنزير والمخدر ونحوها . فكل هذه موارد للكسب لا يبيحها الإسلام ، ولا يعترف بها .

التقريب بين الطبقات

وقد عمل الإسلام على التقريب بين الطبقات بتحريم الكنز ومظاهر الترف على الأغنياء ، والحث على رفع مستوى المعيشة بين الفقراء ، وتقرير حقهم في مال الدولة ومال الأغنياء ، ووصف الطريق العملي لذلك .

وأكثر من الحث على الإنفاق في وجوه الخير والترغيب في ذلك ، وذم البخل والرياء والمنّ والأذى ، وتقرير طريق التعاون والقرض الحسن ابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى ورجاء ما عنده :  (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبöرّö وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإöثْمö وَالْعُدْوَانö) (المائدة:2) .

حرمة المال واحترام الملكيات

وقرر حرمة المال ، واحترام الملكية الخاصة ما دامت لا تتعارض مع المصلحة العامة : (كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله) .. و (لا ضرر ولا ضرار) .

تنظيم المعاملات المالية

وشرع تنظيم المعاملات المالية في حدود مصلحة الأفراد والمجتمع ، واحترام العقود والالتزامات ، والدقة في شؤون النقد والتعامل به ، حتى أفردت له أبواب في الفقه الإسلامي تحرم التلاعب فيه كالصرف ونحوه ولعل هنا موضعاً من مواضع الحكمة في تحريم استخدام الذهب والفضة باعتبارهما الرصيد العالمي للنقد .

 

الضمان الاجتماعي

وقرر الضمان الاجتماعي لكل مواطن ، وتأمين راحته ومعيشته كائناً من كان ، مادام مؤدياً لواجبه ، أو عاجزاً عن هذا الأداء بسبب قهري لا يستطيع أن يتغلب عليه . ولقد مر عمر على يهودي يتكفف الناس ، فزجره واستفسر عما حمله على السؤال ، فلما تحقق من عجزه رجع على نفسه باللائمة وقال له : (ما أنصفناك يا هذا ، أخذنا منك الجزية قوياً وأهملناك ضعيفاً ، افرضوا له من بيت المال ما يكفيه).

وهذا مع إشاعة روح الحب والتعاطف بين الناس جميعاً .

مسؤولية الدولة

وأعلن مسؤولية الدولة عن حماية هذا النظام , وعن حسن التصرف في المال العام , تأخذه بحقه وترفه بحقه , وتعدل في جبايته , , ولقد قال عمر ما معناه : (إن هذا المال مال الله , وأنتم عباده , وليصلن الراعي بأقصى الأرض قسمه من هذا المال وإنه ليرعى في غنمه , ومن غَلّ غلّ في النار).

استغلال النفوذ .. من أين لك هذا ؟

كما حظر الإسلام استخدام السلطة والنفوذ ، ولعن الراشي والمرتشي والرائش , وحرم الهدية على الحكام والأمراء ، وكان عمر يقاسم عمّاله ما يزيد عن ثرواتهم ، ويقول لأحدهم : (من أين لك هذا ؟ إنكم تجمعون النار وتورثون العار) ، وليس للوالي من مال الأمة إلا ما يكفيه ، وقد قال أبو بكر لجماعة المسلمين حين ولي عليهم : (كنت أحترف لعيالي فأكتسب قوتهم ، وأنا الآن احترف لكم ، فافرضوا لي من بيت مالكم) , ففرض له أبو عبيدة قوت رجل من المسلمين ليس بأعلاهم ولا بأوكسهم ، وكسوة الشتاء وكسوة الصيف ، وراحلة يركبها ويحج عليها ، وقُوُّمت هذه الفريضة بألفي درهم .. ولما قال أبو بكر : لا يكفيني ، زادها له خمسمائة وقُضي الأمر .

تلك هي روح النظام الاقتصادي في الإسلام , وخلاصة قواعده أوجزناها منتهى الإيجاز ، ولكل واحدة منها تفصيل يستغرق مجلدات ضخاماً ، ولو اهتدينا يهديها وسرنا على ضوئه لوجدنا في ذلك الخير الكثير .

صور تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي

استقلال النقد

ذكرنا بعض الأصول التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الإسلامي , والروح التي تمليها علينا تلك الأصول , التي تنتج مع التطبيق الصحيح وضعا اقتصاديا سليما ليس أفضل منه , فهي توجب استقلال نقدنا , واعتماده على رصيد ثابت من مواردنا ومن ذهبنا , لا على أذونات الخزانة البريطانية ودار الضرب البريطانية والبنك الأهلي البريطاني – وإن كان مقره مصر – وتأمل الآية الكريمة :  (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتöي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قöيَاماً) (النساء:5)  .

ومن أفظع التغرير بهذا الشعب , أن يسلم جهوده ومنتجاته نظير أوراق لا قيمة لها إلا بالضمان الإنجليزي , وإن مصر إذا حزمت أمرها , وأحكمت تصرفاتها , ستصل ولا شك إلى هذا الاستقلال ... ولقد انفصلنا عن الكتلة الإسترلينية , وفكرنا في تأميم البنك الأهلي , وطالبنا بالديون التي لنا على الإنجليز , وكل هذه ونحوها مشروعات تؤمن النقد المصري ... فماذا فعل الله بها؟ وماذا أعددنا العدة لإنقاذها؟

لعل من المفارقات أن أكتب هذه الكلمات في الوقت الذي يذاع فيه أن المفاوضات بين مصر وإنجلترا حول الأرصدة الإسترلينية باءت أو قاربت أن تبوء بالفشل , لتعنت الإنجليز وتمسكهم بألا يدفعوا لمصر عن سنة 1948 أكثر من 12 مليونا , في الوقت الذي تطلب فيه مصر طلبا متواضعا هو 18 مليونا.

ولقد أنتج ضعف الرقابة على النقد , والاستهانة بأمره استهانة بلغت حد الاستهتار , هذه المآسي التي نصطلي بنارها من التضخم الذي استتبع غلاء المعيشة , وصعوبة الاستيراد والتصدير.

ولم يحدث في تاريخ الدول الراقية فيما نعلم أن بنكا يستغل قرارا من وزير هذا الاستغلال الشائن , كما فعل ذلك البنك الأهلي بقرار من وزير المالية غير الموقع عليه من أحد في يونيو سنة 1916 , فيصدر بمقتضاه من الأوراق ما يشاء .

تمصير الشركات

كما توجب هذه الأصول الاهتمام الكامل بتمصير الشركات , وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك , وتخليص المرافق العامة – وهي أهم شيء للأمة – من يد غير أبنائها , فلا يصح بحال أن تكون الأرض والبناء والنقل والماء والنور والمواصلات الداخلية والنقل الخارجي حتى الملح و الصودا .. في يد شركات أجنبية تبلغ رؤوس أموالها وأرباحها الملايين من الجنيهات , لا يصيب الجمهور الوطني ولا العامل الوطني منها إلا البؤس والشقاء والحرمان .

استغلال منابع الثروة

واستغلال منابع الثروة الطبيعية استغلالاً سريعاً منتجاً ، أمر يوجبه الإسلام ، الذي لفت كتابه أنظارنا إلى آثار رحمة الله في الوجود ، وما أودع في الكون من خيرات في الأرض وفى السماء ، وأفاض في أحكام الركاز ، وحث على طلب الخير أينما كان . في الماء عندنا ثروات ، وفى الصحاري ثروات ، وفى كل مكان ثروات ، لا ينقصها إلا فكر يوجه ، وعزيمة تدفع ، ويد تعمل ، وخذ بعد ذلك من الخير ما تشاء :  (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مöنَ السَّمَاءö مَاءً فَأَخْرَجْنَا بöهö ثَمَرَاتٍ مُخْتَلöفاً أَلْوَانُهَا وَمöنَ الْجöبَالö جُدَدñ بöيضñ وَحُمْرñ مُخْتَلöفñ أَلْوَانُهَا وَغَرَابöيبُ سُودñ , وَمöنَ النَّاسö وَالدَّوَابّö وَالأَنْعَامö مُخْتَلöفñ أَلْوَانُهُ كَذَلöكَ إöنَّمَا يَخْشَى اللهَ مöنْ عöبَادöهö الْعُلَمَاءُ) (فاطر:27-28) ، والعلماء هنا فيما يظن الذين يعلمون علم الكائنات وما فيها للناس من خير ، وما يتجلى في دقيق صنعها من واسع علم الله خالق الأرض والسموات .

والعناية بالمشروعات الوطنية الكبرى المهملة التي طال عليها الأمد ، وقعد بها التراخي والكسل ، أو أحبطتها الخصومة الحزبية أو طمرتها المنافع الشخصية ، أو قضت عليها الألاعيب السياسية والرشوة الحرام ، كل هذه يجب أن تتوجه إليها الهمم من جديد : (إن الله يحب من أحدكم إذا عملَ عملاً أن يتقنه) .

كم كنا نربح لو أن مشروع خزان أسوان تحقق فعلا منذ سنة 1937 , وكم كنا نحتاج ونعرى لو لم يلهم الله طلعت حرب - عليه الرضوان – أن يتقدم بمشروعات (المحلة) .

هناك مشروعات كثيرة درست وبحثت ، ثم وضعت على الرف وطال عليها الأمد قبل الحرب ، ولا موجب لهذا الإهمال ، والضرورة قاسية والحاجة ملحة ، والأمر لا يحتمل التأخير .

انفضوا الغبار عن ملفات هذه المشروعات واستذكروها من جديد ونفذوا :  (فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمöنُونَ) (التوبة:105)  .

الصناعِة

والتحول إلى الصناعة فوراً من روح الإسلام الذي يقول نبيه صلى الله عليه وسلم : (إن الله يحب المؤمن المحترف) , (من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له) . والذي أثنى كتابه على داود وسليمان بهذا التقدم الصناعي ، وذكر لنا من دقائق الرقى فيه ما أعجز البشر ، واستغل قوى الجن والشيطان  ..

حرام على الأمة التي تقرأ في كتابها من الثناء على داود عليه السلام :  (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدöيدَ , أَنö اعْمَلْ سَابöغَاتٍ وَقَدّöرْ فöي السَّرْدö وَاعْمَلُوا صَالöحاً إöنّöي بöمَا تَعْمَلُونَ بَصöيرñ) (سِبأ:10-11) ، وتقرأ :  (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لöتُحْصöنَكُمْ مöنْ بَأْسöكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكöرُونَ) (الأنبياء:80)  , ثم لا يكون فيها مصنع للسلاح .

ثم تقرأ في كتابها :  (وَلöسُلَيْمَانَ الرّöيحَ غُدُوُّهَا شَهْرñ وَرَوَاحُهَا شَهْرñ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقöطْرö وَمöنَ الْجöنّö مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهö بöإöذْنö رَبّöهö وَمَنْ يَزöغْ مöنْهُمْ عَنْ أَمْرöنَا نُذöقْهُ مöنْ عَذَابö السَّعöيرö , يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مöنْ مَحَارöيبَ وَتَمَاثöيلَ وَجöفَانٍ كَالْجَوَابö وَقُدُورٍ رَاسöيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً) (سِبأ:12-13) .. ثم لا يكون فيها مسبك عظيم , ولا مصنع كامل للأدوات المعدنية .

ثم تقرأ :  (وَأَنْزَلْنَا الْحَدöيدَ فöيهö بَأْسñ شَدöيدñ وَمَنَافöعُ لöلنَّاسö) (الحديد:25) .. ثم تهمل ما عندها من هذا المعدن هذا الإهمال ، وهو من أجود الأنواع ويكفي العالم مائتي عام كما قدر الخبراء ...

حرام هذا كله !!!

نظام الملكيات في مصر

عرضت في الكلمة السابقة لبعض صور التطبيق التي تمليها علينا قواعد النظام الإسلامي الاقتصادي , وأعرض في هذه الكلمة لبعض الصور التي تمليها هذه القواعد أيضا في صميم الإصلاح الاقتصادي القومي .

توجب علينا روح الإسلام الحنيف ، وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي ، أن نعيد النظر في نظام الملكيات في مصر , فنختصر الملكيات الكبيرة , ونعوض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع , ونشجع الملكيات الصغيرة ، حتى يشعر الفقراء المعدمون بأنه قد أصبح لهم في هذا الوطن ما يعنيهم أمره ، ويهمهم شأنه .. وأن نوزع أملاك الحكومة حالاً على هؤلاء الصغار كذلك حتى يكبروا .

تنظيم الضرائب

وتوجب علينا روح الإسلام في تشريعه الاقتصادي ، أن نبادر بتنظيم الضرائب الاجتماعية ، وأولها الزكاة ، وليس في الدنيا تشريع فرض الضريبة على رأس المال لا على الربح وحده كالإسلام ، وذلك لحكم جليلة منها : محاربة الكنز وحبس الأموال عن التداول ، وما جعلت الأموال إلا وسيلة لهذا التداول الذي يستفيد من ورائه كل الذين يقع في أيديهم هذا المال المتداول ..

وإنما جعل الإسلام مصارف الزكاة اجتماعية بحتة لتكون سبباً في جبر النقص والقصور الذي لا تستطيع المشاعر الإنسانية والعواطف الطيبة أن تجبره ، فيطهر بذلك المجتمع ويزكو ، وتصفو النفوس وتسمو :  (خُذْ مöنْ أَمْوَالöهöمْ صَدَقَةً تُطَهّöرُهُمْ وَتُزَكّöيهöمْ بöهَا) (التوبة:103) .

فلا بد من العناية بفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي – بحسب المال لا بحسب الربح – يعفى منها الفقراء طبعاً ، وتجبى من الأغنياء الموسرين وتنفق في رفع مستوى المعيشة بكل الوسائل المستطاعة .. ومن لطائف عُمر رضى الله عنه ، أنه كان يفرض الضرائب الثقيلة على العنب لأنه فاكهة الأغنياء ، والضريبة التي لا تذكر على التمر لأنه طعام الفقراء , فكان أول من لاحظ هذا المعنى الاجتماعي في الحكام والأمراء رضى الله عنه.

محاربة الربا

ويوجب علينا روح الإسلام أن نحارب الربا حالاً ، ونحرمه ونقضي على كل تعامل على أساسه : (ألا وإن الربا موضوع ، وأول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد المطلب) وصدق رسول الله .

ولقد كان المصلحون يتجنبون أن يقولوا في الماضي هذا الكلام حتى لا يقال لهم إن هذا مستحيل وعليه دولاب الاقتصاد العالمي كله , أما اليوم .. فقد أصبحت هذه الحجة واهية ساقطة لا قيمة لها بعد أن حرمّت روسيا الربا وجعلته أفظع المنكرات في دارها ,وحرام أن تسبقنا روسيا الشيوعية إلى هذه المنقبة الإسلامية , فالربا حرام ... حرام ... حرام وأولى الناس بتحريمه أمم الإسلام ودول الإسلام .

تشجيع الصناعات المنزلية

وتوجب علينا روح الإسلام تشجيع الصناعات اليدوية المنزلية ، وهذا هو باب الإسعاف السريع لهذه العائلات المنكوبة ، وباب التحول إلى الروح الصناعي والوضع الصناعي .. وأول ما تفعله هذه الأيدي العاطلة ، الغزل والنسيج بالأنوال الصغيرة ، وصناعة الصابون ، وصناعة العطور والمربيات ، وأنواع كثيرة من صنوف كبيرة تستطيع النساء والبنات والأولاد أن يشغلوا الوقت فيها ، فتعود بالربح الوفير ، وتمنعهم بؤس الحاجة وذل السؤال ..

وقد رأينا هذا بأعيننا منذ زمن في (فوه)-غربية , و(بني عدي) – منفلوط , وغيرها من بلدان القطر المصري ، ورأينا في هذه البلاد الثروة والغنى ويسر الحال .ولقد كانت وزارة الشئون قد فكرت في هذا المشروع الحيوي , واستحضرت أصنافا من المغازل , ولا ندري ماذا فعل الله بها ... ويوم الحكومة بسنة كما يقولون , ولكن الأمر لم يعد يحتمل الانتظار.

 

تقليل الكماليات والاكتفاء بالضروريات

وإرشاد الشعب إلى التقليل من الكماليات والاكتفاء بالضروريات ، وأن يكون الكبار في ذلك قدوة للصغار ، فتبطل هذه الحفلات الماجنة ، ويحرم هذا الترف والإسراف الفاسد ، وظهور الجسد بخشونته وعبوسته ووقاره وهيبته على الدور والقصور والوجوه والمنتديات .. أمر يحتمه الإسلام الحنيف ، وكل ذلك يحتاج إلى إعداد .

هذه كلها واجبات لابد أن تنهض بأعبائها حالاً .. فإلى العمل .

خِاتمِة

وبعد ...

فهنا نحن قد رأينا مما تقدم كيف أننا لم نسر على نظام اقتصادي معروف لا نظرياً ولا عملياً ، وأن هذا الغموض والارتجال قد أدَّّيا بنا إلى ضائقة أخذت بمخانق الناس جميعاً .

وليس الشأن أن نرتجل الحلول ، ونواجه الظروف ، بالمخدرات والمسكنات التي يكون لها من رد الفعل ما ينذر بأخطر العواقب ، ولكن المهم في أن ننظر إلى الأمور نظرة شاملة محيطة ، وأن نردها إلى أصل ثابت تستند إليه ، وترتكز علي . وليس ذلك الأمر إلا (النظام الإسلامي) الشامل الدقيق ، وفيه خير السداد .

لقد أتاح الله لنا من أسباب اليسر الاقتصادي ، والنجاح المادي ما لم يتجه لغيرنا من الأمم والشعوب ، فهذه الرابطة الوثيقة من اللغة والعقيدة والمصلحة والتاريخ بيننا وبين أمم العروبة والإسلام ، وهى بحمد الله أغنى بلاد الله في أرضه ، أخصبها تربة ، وأعدلها جواً ، وأكثرها خيرات ، وأثراها بالمواد الأولية وبالخامات من كل شئ ..

هذه الرابطة ، تمهد لنا – لو أحسنا الانتفاع بها – سبيل الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي ، وتنقذنا من هذا التحكم الغربي في التصدير والاستيراد وما إليهما .

ولا يكلفنا الأمر أكثر من أن نعزم ونتقدم ، ونقوي الصلة ، ونحكم الرابطة ، ونوالي البعثات والدراسات ، ونحاول بكل سبيل إنشاء أسطول تجارى ، ونشيع روح الوحدة والتعاون بيننا وبين أمم العروبة وشعوب الإسلام .

لقد صبر الشعب المصري صبراً طويلاً على هذه الحياة الجافية القاسية ، وهذا الحرمان العجيب الذي لا يصبر عليه آدمي إلا بمعجزة من معجزات الإيمان ، ومن نظر إلى العامل المصري والفلاح المصري ومن إليهما من عامة الشعب المصري ، أخذه العجب مما يشاهد من فاقة وصبر .

لقد أخجلني أحد الإخوان الهنود وقد قدم من إنجلترا , حين عاد من جولة قصيرة في القاهرة ، يقول لي : لقد كنا نظن أن ما تنشره الصحف في إنجلترا من سوء حالة الشعب المصري ، وانخفاض مستوى معيشته ، مجرد دعاية يراد بها الحطّ من كرامته ولكنى قضيت هذه الفترة القصيرة في القاهرة وزرت بعض أحياء عامتها فأسفت لما رأيت فخجلت لقوله هذا , ولكنني رددت عن نفسي وعن الشعب بقولي له: سل هذه الجرائد التي تنشر , أليس هذا البؤس من مظالم الاحتلال؟

وتألمت مرة ثانية حين وجه إليّ مدير شركة أجنبي قوله : أأنت راضٍ عن حال هؤلاء العمال المساكين ؟! ولكنني رددت عليه أيضا : أولست تعلم أن السبب في هذه المسكنة استئثار هذه الشركات وبخلها على هؤلاء العمال بما يوازي ضروريات الحياة؟!

إن الأمر جدñ لا هزل فيه ، وقد بلغ غايته ، ووصل إلى مداه ، ولا بد من علاج حاسم وسريع ، ولن نجده كما قلت إلا في طب الإسلام الحنيف وعلاجه

فيا رئيس الحكومة ، ويا رؤساء الهيئات والجماعات ، ويا من يعنيهم أمر الطمأنينة والسلام في هذا الوطن ..

تداركوا الأمر بحزم ... وعودوا إلى نظام الإسلام ..

ألا قد بلغت .. اللهم فاشهد ..

حسِن البنِِا

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

مجموعة الرسائل 

السلام في الإسلام 

مذكرات الدعوة والداعية 

مباحث في علوم الحديث 

قضيتنا 

تحديد النسل 

المرأة المسلمة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca