الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: أصول الدعوة
المؤلف: عبد الكريم زيدان
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - موضوع الدعوة

الفصل الثاني - أركان الإسلام

تمهيد

1-  ذكرنا حديث جبريل وفيه جواب النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام بأنه 'الاسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا'. وعلى هذا فأركان الاسلام، في ضوء هذا الحديث الشريف، ثلاثة: (الأول) شهادة أن لا إله إلا الله (الثاني) شهادة أن محمداً رسول الله (الثالث) العمل الصالح وفي ذروته الصلاة والزكاة والصوم والحج وإنما ذكرت هذه الأربعة لأهميتها وللتنبيه إلى ضرورة العمل الصالح للمسلم وأنه لا يكفي التلفظ بالشهادتين بل لا بد من العمل بمضمونها. فلا بد من الكلام عن هذه الاركان الثلاثة، وعلى هذا نقسم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث ونخصص لكل ركن مبحثاً على حدة.

 

المبحث الأول - الركن الأول - شهادة أن لا إله إلا الله

معنى الشهادة

2-  الشهادة تعني العلم والاعلام والاخبار والبيان ولهذا سمي الشاهد شاهداً لأنه يخبر بما علم. والبيان والإخبار كما يكون بالقول يكون بالفعل، فمن الشهادة بالفعل قول الله تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾[التوبة: 17] فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه أي: أن أفعالهم بينت وأظهرت إنهم كفرة.

وتتضمن كلمة الشهادة الإقرار والاعتراف والاعتقاد فان الشاهد يعتقد صحة ما يشهد به ويخبر عنه، فاذا شهد بما لا يعتقده كانت شهادته كاذبة لأن إخباره لا يطابق اعتقاده. قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾[المنافقون: 1] فهم كاذبون لأنهم لا يعترفون بصحة ما يقولون ولا يعتقدون ما يقولون.

فكلمة (أشهد) إذن تدل على معنى العلم والمعرفة والبيان وتتضمن معنى الاقرار والاذعان والاعتقاد.

 

معنى الاله

3-  أما كلمة 'إله' فيراد بها المعبود، وهي تستعمل بمعنى المعبود بحق أو بباطل، وبهذا المعنى وردت في قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾[الجاثية: 23] كما تستعمل بمعنى المعبود الحق وبهذا المعنى وردت في قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾[محمد: 19] وبهذا المعنى أيضاً وردت في قوله عليه الصلاة والسلام 'أن تشهد أن لا إله إلا الله'.

 

معنى كلمة التوحيد

4-  وعلى هذا يكون معنى كلمة التوحيد – أشهد أن لا إله إلا الله – اني اعلم وأقر وأعترف وأعتقد بأن المعبود الحق الذي لا يستحق العبادة غيره هو الله تعالى، وأن أبين ذلك وأظهره بلساني وأفعالي وسلوكي.

هذا، وأن افراد الله تعالى بالعبادة، وهو الذي يسمى بتوحيد الألوهية، يتضمن توحيد الربوبية ومعناه الاعتقاد بأن الله تعالى وحده هو رب العالمين، فصار عندنا التوحيد نوعين (1) توحيد الألوهية. (2) توحيد الربوبية.

 

أولاً: توحيد الالوهية

5-  توحيد الألوهية هو الذي بعث الله به جميع رسله قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾[الانبياء: 26] وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾[النمل: 36]..

وقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون﴾[المؤمنون: 23].

وقال تعالى: ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون﴾[الاعراف: 65].

6-  والعبادة لله تقوم على الحب الخالص لله مع الذل الكامل له، ومظهر ذلك توجه العبد إلى الله تعالى بالتوكل عليه والثقة به والخوف منه والإنابة إليه والطلب منه والأنس بذكره والفرار إليه ونشاط الجوارح بتنفيذ شرعه واقامة دينه والانصباغ بصبغته وإيثار محبته وطاعته، وجعل السلوك والأقوال والأفعال وسائر الأحوال على الوجه المرضي عند الله، وبهذا كله يحقق المسلم معنى أشهد أن لا إله إلا الله بالقول والعمل فيكون صادقاً في شهادته.

7-  وتزداد معاني العبودية ويرسخ أصلها ويعظم أثرها بقدر علم العبد بمدى فقره وحاجته إلى الله وعدم استغنائه عنه طرفة عين، ويزداد حب العبد لله وخضوعه له بقدر معرفته بكمال الله وعظيم نفعه ونعمه عليه، وتفكره في آلائه التي لا تعد ولا تحصى ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾  وفي تفكره في صفاته ومعاني اسمائه الحسنى.

8-  وبقدر امتلاء القلب بمعاني العبودية يحترز من عبودية غير الله تعالى حتى يصبح عبداً خالصاً لله وهذه أسمى درجة ينالها الانسان ولذلك وصف الله تعالى رسوله الكريم بوصف العبودية في أرفع منازله، وصفه بها في مقام تنزل الوحي عليه، وحين الدعوة إليه، وحين أسري به صلى الله عليه وسلم وعرج به إلى السماء، قال تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾  ﴿وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً﴾  ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾.

 

ثانياً: توحيد الربوبية

9-  كلمة الربّ تدل على جملة معاني منها السيد ومالك الشيء وموجوده والمتصرف فيه، والمربي لغيره والمتكفل بمصلحة الانسان، وصاحب السلطان والسيادة النافذ أمره في غيره. ومعاني الربوبية هذه وما تتضمنه أو تستلزمه من معاني أخرى لا  يوصف بها ولا يملكها على وجه الحقيقة والكمال إلا الله تعالى، وأما غيره فهو مربوب لله وإذا وجد فيه شيء من معاني الربوبية فعلى وجه المجاز والعارية، فإن كل ما سوى الله مخلوق لله، منه يستمد وجوده وبقاءه، وكل ما عنده من صفات الكمال المناسبة للمخلوق، فالله تعالى هو رب العالمين على وجه الحقيقة، فلا رب سواه، فهو الخالق المحيي المميت النافذ أمره وحكمه في جميع خلقه، بيده الملك وهو على كل شيء قدير، يتصرف في الكون كما يشاء لا معقب لحكمه ولا لتصرفه، وهو القائم على شؤون خلقه والمتكفل بما يصلحهم، وهو القادر على النفع والضرر، إذا أراد أن ينفع أحد فلا راد لفضله، وإن أراد بأحد غير ذلك فلا مانع له من ذلك قال تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾[الانعام: 17] فالله تعالى هو المتفرد بالعطاء والمنع والنفع والضر، وكل ما عدا الله فإنه فقير إليه محتاج إليه ﴿يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله﴾ فالفقر وصف ذاتي لكل مخلوق كما أن الغنى وصف ذاتي لله رب العالمين.

 

دلائل توحيد الربوبية

10-   والدلائل الدالة على ربوبية الله وتفرده بها وعدم مشاركة أحد له فيها كثيرة جداً، فما من شيء في الكون من أصغر ذرة إلى أكبر جرم إلا وهو يشهد أن الله هو رب العالمين وبالتالي فهو الإله الحق للعالمين.. إن هذا الكون العجيب الغريب المتناسق المنظم يقول بلسان الحال: إن له خالقاً عظيماً هو الله تعالى، وإن العقل السليم لا يمكنه أصلا أن يتصور أن هذا الكون وجد بلا موجد وحدث بلا محدث، ان قبول هذا التصور مخالف لأي عقل سوي. ان عقولنا تأبى قبول قول من يقول: إن هذا حدث (صدفة) بأن اثرت الأمطار في جبل فحفرت فيه حفراً صارت غرفاً، وأن عقلنا يرفض من يزعم أن هذا الكتاب حدث بفعل تجمع الحديد وانصهاره بفعل الحرارة ثم تشقق الحديد المنصهر فصار حروفاً ثم تجمعت الحروف ووقعت عليها مادة سوداء ثم حصلت عجينة الخشب بسبب سقوط الأشجار وبفعل الأمطار ثم جفت وصارت صحائف فجاءتها ريح وضعتها على الحروف ثم ان هذه الحروف انطبعت على الصحائف بعد تغير ترتيبها بعد طبع كل صحيفة بفعل الرياح.. ان هذا الكلام لا يصدقه عاقل، فكيف يصدق أن هذا الكون الهائل وهذا الانسان العجيب، وهذه المخلوقات الغريبة من حيوان ونبات كل ذلك حدث صدفة بلا موجد ولا مدبر ولا منظم، ان هذا شيء لا يمكن قبوله أبداً. اذكر أن أحد الطلاب سألني لماذا لا يمكن أن يوجد هذا العالم صدفة بفعل المادة؟ فأجبته انظر إلى هذه السبورة وهي أمامك – وكان عليها بعض الكتابات – لو قال انسان: إن هذه الأسطر على السبورة لم يكتبها كاتب وإنما حدثت صدفة بأن حملت الرياح ذرات التراب ودخلت بها من نوافذ الغرفة وأسقطتها على السبورة فظهرت بشكل كلام مفهوم مكونا هذه الأسطر، أيمكن لعاقل أن يصدق هذا القول؟ فقال لا، قلت فاذا كان هذا غير مقبول ويرفضه العقل، وهو شيء بسيط وتافه للغاية فكيف يمكن لعقل سليم أن يصدق أن المادة الصماء العمياء أبدعت هذا الكون أو أن هذا الكون بكل ما فيه انبثق من هذه المادة؟ ولهذا فإن الإقرار بربوبية الله وانفراده بها أمر شائع عند البشر ومركوز في فطرة كل انسان، ويعترف به حتى المشرك، قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون﴾[الزخرف: 87] وقال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ [الزخرف: 9].

 

القرآن الكريم وتوحيد الربوبية في النفوس

11-   والقرآن في آياته يذكر الناس بما هو مركوز في فطرهم ويقرره وهو أن الله وحده هو رب العالمين، قال تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض﴾ [ابراهيم: 10] ونم أنكر وجود الخالق عزّ وجل بلسانه فإنه مستيقن في باطنه بوجود الله تعالى، قال تعالى مخبراً عن أمثال هؤلاء الجاحدين المنكرين ﴿وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلماً وعلوا﴾ [النمل: 14] فالإنكار والجحود من البعض لوجود الخالق هو انكار وجحود محض على وجه المكابرة والعناد ولا يعنى خلو فطرة الانسان من الاحساس العميق بوجود الخالق، ولهذا إذا زالت الغشاوات عن فطرة الإنسان وزالت مكابرته وعناده فإنه يجد نفسه بلا اختيار منه متوجهاً إلى الله هاتفاً بلسانه مستنجداً به بكل كيانه. أذكر أني قرأت في مجلة كانت تصدر في أيام الحرب العالمية الثانية حديثاً لصحفي أجراه مع أحد الطيارين وقد سأله الصحفي عن أحرج الساعات التي مرت به أثناء قيامه بواجبه وما كان شعورة في تلك الساعة الحرجة فأجابه الطيار بأن نشأ في بيت ليس فيه ما يذكره بالله، فقد كان أبوه ملحداً ونشّأه على الالحاد وكذا كان أخوته وعند انخراطه بسلك الطيران استمر في الحاده وإنكاره لكل شيء عدا ما يراه بعينه ويلمسه بيده وفي أثناء قيامه بأعماله الحربية أحس أن طائرته توشك أن تسقط وأن الهلاك محتم فان لم يهلك بسقوط الطائرة فانه سيهلك على يد العدو إذا وصل إلى الأرض سالماً. قال الطيار، في تلك الساعة الحرجة لم أفكر في شيء على الأرض من أهل أو قريب أو صديق أو زوجة، وإنما رأيت نفسي وبلا شعور متوجهاً إلى الله تعالى هاتفاً باسمه طالباً العون منه وهكذا كان فقد نجوت باعجوبة والفضل في ذلك لله وحده الذي لم أفكر فيه قط منذ ثلاثين سنة وهي عمري الآن. إن هذه القصة صحيحة على ما اعتقد إذ لا داعي لتلفيقها، بل وإنها تتكرر في كل يوم مئات المرات بأشكال أخرى. إن الانسان الغافل الناسي الذي لا يخطر بباله لله تعالى، يجد نفسه مدفوعاً إلى التوجه إلى الله تعالى كلما ألمت به مصيبة أو وجد نفسه في ضيق، فالمريض الراقد في سريره أو في غرفة العمليات، وراكب الطائرة الذي يخبره قائدها أن خطراً يواجه الطائرة هؤلاء لا يفكرون في تلك الساعة بشيء ولا يخطر ببالهم شيء سوى الله تعالى، به يستجيرون وإليه يتوجهون. وصدق الله العظيم إذ يقول مخبراً عن المشركين: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ [لقمان: 32].

ان مسألة وجود الله من البدهيات التي لا توجد بدهية مثلها في الوضوح والظهور، بل نقول إذا لم تصح هذه المسألة في العقول فلا يمكن مطلقاً أن تصح مسألة أخرى غيرها، فليس هناك شيء عليه من الادلة من حيث الكثرة والتنوع مثل مسألة وجود الله تعالى.

 

توحيد الربوبية يستلزم توحيد الالوهية

12-   وتوحيد الربوبية، وافراد الله تعالى بجميع معانيها، يستلزم قطعاً توحيد الألوهية أي افراد الله بالعبادة وأنه وحده هو المعبود الحق الذي لا يستحق غيره ذرة واحدة من العبادة، ولهذا يذكر القرآن المشركين بربوبية الله وانفراده بها وأنها تستلزم توحيده في الألوهية، وهذا مسلك سديد واضح جلي لا يجوز إغفاله والاستعاضة عنه بمسالك ملتوية غير مجدية، فمن هذه النصوص القرآنية قوله تعالى: ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون﴾ [الاعراف: 191] ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النمل: 17] ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: 73].

فهذه الآيات تذكر المشركين بحقيقة واضحة وهي أن معبوداتهم من دون الله عاجزة لا تستطيع خلق شيء ولو ذبابة وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستطيعون تخليصه منه، فكيف يجوز في العقل السليم أن يعبد غير الله ويسوى مع الله في العبادة وهو الخالق وحده وما سواه عاجز ضعيف مخلوق؟.

ويحاجج القرآن المشركين ذاكراً لهم أن ما يعبدونهم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا يشاركون الله تعالى في ذرة في السماوات ولا في الأرض، وليس لله بمعبوداتهم الباطلة حاجة ولا أي عون، وإذا كان الأمر كذلك كما يرون فيجب عليهم اخلاص العبادة لله تعالى. قال الله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾ [سبأ: 22].

والقرآن يقرر بعض الحقائق التي يعترف بها المشركون وهي أن الله هو مالك السماوات والأرض والمتصرف فيها وهو الذي يجير المستجيرين به، فيجب إذن أن يعبدوا الله دون غيره، قال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل أفلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم. سيقولون لله قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فأنى تسحرون. بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون﴾ [المؤمنون: 84 – 90].

 

العلوم الحديثة وعقيدة التوحيد

13-   والعلوم الحديثة المتعلقة بالكون، وبالذرة أو بالانسان أو بالنبات، وبالصناعات، والكشوف الحديثة والمخترعات الحديثة، كل هذه تقوي عقيدة التوحيد وتزيد ايمان المؤمن لانها تكشف عن دقة نظام الكون وعجائب خلق الله ولطائف صنعه الدالة على عظمته وواسع قدرته وعلمه، فإن دقة المصنوع تدل على عظمة الصانع وأن وراء هذه الصنعة البديعة والنظام الدقيق خالق عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: 53] ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات: 21].

 

مكانة التوحيد في الاسلام

14-   التوحيد في الاسلام هو كل الاسلام، والقرآن كله يدور حول التوحيد، فآيات القرآن إما إخبار عن الله وصفاته وخلقه وأفعاله وتدبيره، وإما أمر ونهي وهما من لوازم ربوبيته وقيوميته على خلقه، وإما بيان للثواب بأنواعه، وهو جزاء من أطاعه واتبع رسله الذين أرسلهم بشريعته القائمة على توحيده في الألوهية والربوبية، وإما بيان للعقاب بأنواعه وهو جزاء المخالفين لشرعه، وإما إخبار عن أحوال المكذبين الماضين وهو بيان لمن خرج عن مقتضى توحيده وعبادته.

فالتوحيد هو لب الإسلام وأساسه ومنه تنبثق سائر نظمه وأحكامه وأوامره ومناهجه، وكل ما فيه عبادات وأحكام يرسخه ويقويه ويثبته في قلوب المؤمنين.

 

المبحث الثاني - الركن الثاني - شهادة أن محمداً رسول الله

معنى هذه الشهادة

15-   وهذه الشهادة هي الركن الثاني في الإسلام، ومعناها العلم والتصديق والاعتقاد الجازم بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، وإعلان ذلك وإظهاره وبيانه بالقول والعمل، أما بالقول فبالنطق بهذه الشهادة، وأما بالعمل فيكون بإقامة سلوك الانسان وجميع تصرفاته القولية والعملية وفق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه على وجه الاتباع له والقبول منه باعتباره رسول الله.

 

رسل الله كثيرون

16-   ورسل الله الذين أرسلهم الى البشر كثيرون منهم من قص الله علينا أخبارهم وعرفنا بأسمائهم ومنهم من لم يعرفنا بهم، قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ فكل أمة من أمم الأرض جاءها رسول، وقد لا نعرفه لأن الله تعالى لم يخبرنا باسمه ولا برسالته. قال تعالى: ﴿ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء: 164].

 

تبرير ارسال الرسل

17-   والفكرة التي وراء إرسال الرسل والتي على أساسها يمكن تبرير إرسالهم الى الناس تقوم على أساس تفرد الله تعالى بالربوبية والالوهية فهو رب العالمين وإلاههم فلا رب لهم سواه ولا إله لهم غيره ومن لوازم ربوبيته وألوهيته تعالى قيامه عزّ وجل بتدبير شؤون خلقه والتكفل بمصالحهم وما يصلح لهم ويصلحون به والتصرف فيهم بالأمر والنهي. ولا شك أن الانسان لا يحتاج فقط إلى الغذاء ونحوه مما هو ضروري لادامة حياته الجسدية وإنما هو بحاجة وضرورة الى ما يفي بحاجات روحه التي امتاز بها عن غيره والى ما يوصله الى الكمال اللائق به كانسان. وعلى هذا فأهم مصالح الانسان على الاطلاق ابلاغه السعادة والكمال المقدور له بتعريفه بخالقه ومعبوده وحيث ان الانسان بنفسه لا يستطيع أن يعرف هذه الامور على وجه صحيح سالم من الخطأ لانها فوق قدرة العقل فقد اقتضت حكمة الرب ورحمته بالانسان أن يرسل للبشر رسلا من جنسهم يكلمونهم بلغتهم ويبلغونهم رسالات ربهم ويعرفونهم به ويبينون لهم طرق الوصول إليه وما يسعدون به في حياتهم وأخراهم. ولهذا كان من لوازم الإيمان بالله رباً وإلهاً الاعتقاد برسل الله، وان إنكار رسله يتضمن الجهل بالله وتنقيصه وعدم تقديره حق قدره ومن ثم يكون كفراً قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الانعام: 91].

 

ختم الرسالات

18-   وقد ختم الله رسالته بالرسالة الاسلامية التي أوحى بها الى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم الانبياء والمرسلين قال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الاحزاب: 40] وانما ختمت الرسالة برسالة الاسلام الخالدة لكمالها ووفائها بحاجات البشر الى يوم القيامة، فلا داعي لرسالة أخرى قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [الانعام: 3].

 

أدلة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

19-   قلنا: إن إرسال الرسل من لوازم ربوبية الله وألوهيته، وما من رسول أرسله الله إلا وأيده بما يدل على صدقه ونبوته، وبالنسبة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أدلة تقام لاثبات نبوة نبي أو رسول الا وكانت مثل هذه الأدلة وأكثر منها وأظهر موجودة في اثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا من يؤمن بنبوة موسى أوعيسى أو أي نبي آخر ويجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فانه يكون متناقضاً في نفسه وفي الواقع ولا يكون ايمانه وجحوده الا حصيلة الجهل والتعصب والتقليد بلا دليل أو برهان، لأن ما دعاه إلى الإيمان بنبوة نبي أو رسول يوجد مثله وأكبر منه يدعوه إلى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ان مثله مثل من يعتقد أن فلاناً عالم بالطب لأنه طالب في السنة الأولى في كلية الطب ولكن يرفض الاعتقاد بأن أستاذ هذا الطالب الذي ظل يمتهن الطب عشرات السنين تدريساً لهذا الطالب وغيره، وتطبيقاً لعلم الطب، يرفض أن يعتقد فيه معرفة الطب، ومن البديهي أن رفضه هذا مع اعتقاده ذاك تناقض محض لا يصدر إلا عن جهل وتعصب وتقليد.

ومع هذا القول العام فان من المفيد أن نقدم بعض الادلة لاثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فمن هذه الأدلة سيرته صلى الله عليه وسلم منذ نشأته حتى وفاته فهذه السيرة الطيبة العطرة لا يمكن أن يكون صاحبها كذاباً يدعي على الله ما ليس فيه. وهذا الدليل يكفي لأصحاب العقول السليمة والفطر القويمة وبه استدلت السيدة خديجة عندما أخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم بما رآه من جبريل في أول بدء الوحي فقالت له فيما قالته: أبشر، فان الله لا يخزيك أبداً، فانك تحمل الكل وتعين الضعيف الى آخر ما قالته في صفاته العالية وسيرته الطيبة.

ومن أدلة نبوته هذه الشريعة العظيمة في جميع جوانبها التي يستحيل صدورها عن رجل أمي عاش في ذلك المجتمع العربي المعروف فلو لم تكن وحياً الهياً لما أمكن لاحد أن يأتي بها مهما كان نضوجه العقلي واتساع أفق تفكيره. وهذا الدليل يدركه ويقدره العلماء بالقانون والاجتماع والعلوم الأخرى.

وأعظم دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال قائماً موجوداً بين أيدينا هو القرآن العظيم وإعجازه الثابت فلا بدّ من الكلام عن هذا الدليل على حدة.

 

دليل الإعجاز

20-   من الواضح الجلي المعروف لدى المطلعين على التاريخ الاسلامي، أن أهل مكة وقريش بالذات قاومت الدعوة الاسلامية الاولى ولم تعترف أول الأمر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنكرت أنه رسول الله أو أن القرآن كتاب الله، فكان من جملة ما حصل بين رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وبين قريش وسائر المخافين له والمعاندين والمنكرين أن تحداهم بالقرآن بأن قال لهم كما اوحى الله إليه: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ [الاسراء: 88] فسكت المخالفون عن هذا التحدي وعجزوا عن كسره أو الاجابة عليه، ثم تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قال لهم ما أوحى الله إليه: ﴿ام يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [هود: 13] فسكتوا وعجزوا. ثم تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قال لهم ما أوحى الله به إليه: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [يونس: 37، 38] ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: 23، 24]. وكانت نتيجة هذا التحدي المتكرر من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش وسائر المخالفين، أقول كانت نتيجة ذلك أن عجز المخالفون عن كسر هذا التحدي أو عن محاولة كسره بل صمتوا صمت الجدار وراحوا يسلكون سبلاً أخرى تقوم على الكذب والافتراء واستعمال الصد عن سبيل الله بالقوة والارهاب والإيخاء لمن معهم بأن لا يسمعوا للقرآن لئلا يتأثروا به. قال تعالى مخبراً عن أسلوبهم هذا ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: 26].

 

تحدي القرآن للمخالفين

21-   ان التحدي إذا ما نجح بعجز من وجه اليهم عن الاجابة عليه، فانه يدل دلالة واضحة على صدق المتحدي وصدق ما يدعيه لنفسه كما يدل على بطلان دعوى من وجه اليهم هذا التحدي. ولكن هذه الدلالة لا تتم إلا إذا كان التحدي مستجمعاً الشروط اللازمة له التي تؤدي إلى هذه الدلالة أو هذه النتيجة. فهل توفرت شروط تحدي القرآن لقريش الذي جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقبل الاجابة على هذا السؤال نتساءل ما هي شروط التحدي؟ ان هذه الشروط هي:

أولاً: أن يكون موضوع التحدي داخلا في قدرة من وجه اليهم بل ويكون داخلا في اختصاصهم ومما هم بارعون فيه ومتفوقون فيه ومشهورون فيه، كما لو وجه مصارع تحديه إلى المصارعين بأنه هو البطل الوحيد في المصارعة ومن يشك في ذلك فليتقدم إلى مصارعته، فموضوع التحدي هنا 'مصارعة' والمصارعة داخلة في اختصاص من وجه اليهم هذا التحدي وهم المصارعون.

ثانياً: والشرط الثاني للتحدي أن يكون من وجه اليهم راغبين كل الرغبة، حريصين كل الحرص على إبطال دعوى المتحدي والإجابة على تحديه. فلا يكفي توفر الشرط الأول لقيام التحدي السليم الموصل إلى نتيجة، فقد يكون من وجه اليهم غير راغبين ولا حريصين على إبطال دعوى المتحدي وبالتالي يسكتون ولا يجيبون. فلا يدل سكوتهم على عجزهم وبالتالي لا يدل على صدق دعوى المتحدي. كما لو كان بين المتصارعين من هو قادر على كسر تحدي المصارع المتحدي ولكنه لا يرغب في ذلك لانه ابن للمتحدي أو أخوه أو صديقه أو أن المتحدي يعتبر تافهاً في نظر من تحداهم لا يستحق حتى الإجابة على تحديه.

ثالثاً: والشرط الثالث للمتحدي أن لا يوجد مانع من وجه إليهم التحدي من الإجابة عليه. وأقصد هنا مانع الخوف من المتحدي، الخوف من بطشه وقوته وقدرته على إلحاق الأذى بهم، فلا يكفي إذن توفر الشرطين السابقين لقيام التحدي الصحيح إذا لم يتوفر هذا الشرط الثالث، فلو تحدى شخص منازعيه ومخالفيه بأنه هو الوحيد الذي يحوز ثقة الشعب، وأن الشعب لا يختار غيره ولا يرضى بغيره بديلا برئاسة الدولة، وهو يتحدى كل من لا يؤمن بهذا القول أن يرشح نفسه في الانتخابات الجارية لانتخاب الرئيس، فإذا سكت الآخرون عن تحديه ولم يرشح أحد نفسه خوفاً من بطشه وسلطانه وقوته لأن بيده الأمر والنهي والحكم، فإن هذا السكون لا يدل على صحة ما ادعاه المتحدي لنفسه.

هذه هي الشروط الضرورية لاعتبار التحدي قائماً فعلاً ومؤدياً الى نتيجته، فهل هذه الشروط متوفرة في تحدي القرآن العلني للمشركين المعلن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

 

تحقق شروط تحدي القرآن للمخالفين

22-      ان شروط التحدي التي ذكرناها كلها موجودة في تحدي القرآن للمخالفين. وبيان ذلك ما يأتي:

أولاً: فيما يخص الشرط الأول، وهو أن يكون موضوع التحدي داخلاً في اختصاص من وجه إليهم التحدي، فمن المعروف أن قريشاً وسائر العرب اشتهروا بالبلاغة والفصاحة والمعرفة باللسان العربي، وبرزوا في ذلك خطابة ونثراً وشعراً وتذوقاً، حتى إنهم كانوا يعقدون المواسم الأدبية لتخير أحسن الشعر. ومن المعلوم أيضاً أن القرآن الكريم أنزله الله بلغة العرب وبلسانهم، فاذا تحداهم به وقال لهم: إن كنتم في شك من أن هذا القرآن هو كلام الله المنزل على رسول محمد صلى الله عليه وسلم، فأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله، فإنما يتحداهم بشيء داخل في اختصاصهم وداخل فيما هم فيه بارعون، فيكون هذا الشرط متحققاً في تحدي القرآن للمخالفين.

ثانياً: فيما يخص الشرط الثاني، وهو وجود الرغبة والحرص عند المخالفين من قريش وغيرهم على ابطال دعوة النبي صلى الله عليه وسلم واثبات ادعائهم بأنه ليس رسولاً لله، فهذا الشرط موجود، ويعرفه صغار المطلعين على التاريخ الإسلامي، فمن الواضح أن قريشاً لم ترض بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وحاولت محاولات شتى لإبطال هذه الدعوة، سلكت سبيل الترغيب بأن عرضت على أبي طالب أن يمنع ابن أخيه محمداً صلى الله عليه وسلم من الاستمرار في دعوته، وهم مقابل ذلك يعطونه من الأموال ما يجعله أغناهم، ويجعلونه رئيساً عليهم فيكون هو صاحب السلطان، أو يعرضونه على أهل المعرفة بالأمراض النفسية إن كان ما جاء به شيئاً اعتراه يحتاج الى تطبيب وعلاج، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه بعد أن أبلغه رغبة قريش ' والله يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أموت دونه...' أو كما قال رسول الله صلى الهل عليه وسلم.

ثم سلكوا سبيل التهديد والإيذاء والمقاطعة الاقتصادية للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه وسبيل الافتراء على الرسول صلى الله عليه وسلم ورميه بما هو براء منه كقولهم: إنه مجنون أو ساحر أو مفتر، وقد بلغ الأذى به وبالمسلمين أن عذبت قريش بعض المسلمين تعذيباً بدنياً ماتوا فيه، كما هاجر بعض المسلمين الى الحبشة مرتين فراراً من هذا العذاب والأذى الشديد. وهذا كله يدل دلالة واضحة على الرغبة الكاملة والحرص الأكيد لدى قريش على ابطال دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

الشرط الثالث: وهو عدم وجود مانع من الإجابة وكسر التحدي. وهذا الشرط موجود في تحدي القرآن، فمن المعلوم عند صغار المتعلمين لاخبار التاريخ الإسلامي، أن السلطان والقوة والنفوذ كل ذلك كان بيد المشركين في مكة، أما المسلمون ورسولهم صلى الله عليه وسلم فما كان لهم من ذلك شيء. فقد كانوا ضعفاء لا حول لهم ولا سلطان، حتى إن بعضهم هاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم كما قلنا، وحتى إن المسلمين هاجروا الى المدينة في آخر الأمر كما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم. كل ذلك يدل على أنه لم يكن هناك مانع يمنع قريشاً من الاجابة على التحدي وكسره واثبات ما يزعمونه من أن القرآن ليس كلام الله وان محمداً ليس برسول الله لو كانوا يستطيعون ذلك.

 

نتيجة التحدي ودلالته

23-   وكانت نتيجة تحدي القرآن للمشركين عجزهم وسكوتهم كما أشرنا الى هذا من قبل، فاذا ثبت عجزهم، وتوفرت شروط التحدي، ثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أنه رسول الله وأن القرآن كتاب الله، وإذا ثبت ذلك وجب على الخلق الإيمان بنبوته واتباعه والانقياد إلى الشرع الذي جاء به من ربه والإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة النبوية المطهرة، وهذا هو المطلوب.

 

استمرار التحدي ودلالته

24-   وتحدي القرآن للمخالفين ظل قائماً وموجهاً الى كل مرتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي نسبة القرآن إلى الله تعالى، ولا يزال هذا التحدي قائماً حتى الآن والى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فما دلالة ذلك؟ دلالة ذلك واضحة وهي ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالدليل القاطع والبرهان الساطع والحجة القائمة الموجودة بين أيدينا الآن التي لا يستطيع أي مكابر أن ينكرها أو يغالط فيها. وإذا عرفنا ان هذا الدليل ظل قائماً عبر القرون الطويلة منذ عهد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حتى الآن وأن الإسلام واجه مختلف الخصوم والمعاندين والكفار من أصحاب الأفكار الباطلة وأنهم بذلوا كل جهد مستطاع لديهم لطعن الإسلام والتشكيك فيه، والدس عليه وتلويث أفكاره وعقائده، ومع هذا لم يجرؤوا على إجابة تحديه وكسره، نقول: إذا عرفنا ذلك عرفنا قوة هذا الدليل دليل اعجاز القرآن على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته... إن دليلا ثبت صدقه مدة أربعة عشر قرناً لهو أعظم دليل يقام لاثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تنقيص بعقل الانسان

25-   وبناء على ما تقدم نعتبر انكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد ظهور الدليل القاطع على نبوته وصدقه تنقيصاً بالعقل البشري السوي، وجحوداً ما بعده جحود، وعناداً محضاً، وجرماً كبيراً، ومن ثم كان جزاؤه غليظاً عند الله، وصاحبه ينخرط في عداد الكفرة المتمردين على الله. هذه واحدة، والأخرى أن من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا سبيل له إطلاقاً للإيمان بأي نبي، لأن من ينكر وجود الشمس وهو يراها لا سبيل له الى الإيمان بوجود نجم لا يراه، وإذا آمن به كان متناقضاً في ايمانه هذا وإنكاره ذاك.

 

اثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم اثبات لسائر النبوات

26-   هذا وإن اثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إثبات لسائر النبوات لأن هذه النبوات ذكرها القرآن وذكر أصحابها وهم الرسل الكرام فاذا ثبت بدليل الإعجاز أن القرآن من عند الله وأن محمداً رسول الله ثبت كل ما في القرآن وثبت كل ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن نقول هذا لأنه ليس بين أيدينا دليل قاطع حي على إثبات نبوة أي نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فإن من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويريد أن يدعو إلى الإيمان بنبوة غيره يكون متناقضاً ويعطي الحجة بيد المدعو على عدم التصديق بأصل النبوات، ولهذا أيضاً كان الكفر برسالة أي رسول كفراً برسالة الإسلام لأنه يتضمن التكذيب لبعض ما جاء في القرآن.

 

مقتضى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولوازمه

27-   والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً يقتضي التسليم المطلق والتام لما جاء به أو أخبر عنه، وتصديقه وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه دون حرج أو ضيق أو مناقشة أو جدال أو تعقيب أو أخذ البعض وترك البعض الآخر، فإن كل هذه الأشياء تناقض مقتضى الإيمان به صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، ولهذا جاءت النصوص القرآنية كلها تؤكد وتبين هذه الأمور وغيرها التي هي مقتضيات الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم، فمن هذه النصوص الواردة في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ [آل عمران: 132].

﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ [آل عمران: 31].

﴿قل أطيعوا الله والرسول، فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [آل عمران: 32].

﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: 80].

﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون﴾ [النور: 51].

﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن يتول يعذبه عذاباً أليماً﴾ [الفتح: 17].

﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 07].

﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ [الاحزاب: 36].

﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ [النساء: 59 – 65].

﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: 63].

فهذه النصوص، وأمثالها في القرآن كثير، تذكر المؤمنين بمقتضى إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً وبلوازم هذا الإيمان، فمرة تأمرهم بطاعته، لأن طاعته هي طاعة لله، وإن جزاء المطيعين جنات النعيم وأن جزاء المخالفين عذاب النار، وطوراً تبين لهم أن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يستلزم أخذ ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم والانتهاء عما نهى عنه، وإن ما يقضي به صلى الله عليه وسلم واجب الطاعة لا خيار فيه للمسلم، وإن الرجوع عند الإختلاف يجب أن يكون إلى الله والرسول، وأن الإيمان الحقيقي بمحمد صلى الله عليه وسلم يستلزم الرضى بما يحكم ويقضي به ويخبر عنه، وتارة تبين نصوص القرآن أن المخالفة لأمر رسول الله وعصيانه سبب لعذاب الله ومقته، وأن على المخالفين له أن يحذروا الفتنة والعذاب الأليم.

28-   والواقع أن ما تذكره هذه النصوص هو النتيجة المنطقية للايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والرضى به رسولا، لأن من التناقض ومن غير المقبول في العقل السليم أن يؤمن الإنسان بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم ينازعه في بعض ما جاء به أو لا يرضى بما جاء به أو ينصب نفسه معقباً لبعض ما جاء به أو يتمرد على بعض ما جاء به، الى غير ذلك ممّا لا يتفق أبداً ومقتضى الإيمان به.. إن الإنسان إذا آمن بأن فلاناً بارع في الطب مبرز فيه، فإنه يتقبل منه ما يقوله في شؤون الطب وما يخبره به عن مرضه وسبل علاجه ويتبع توجيهاته في الأكل والشرب وفيما يأخذ ويترك، ولا يسوّغ لنفسه معارضته أو مناقشته. فإذا كان هذا المسلك سليماً ومعقولاً بالنسبة للطبيب مع احتمال خطئه فيما يقول ويوصي به، فكيف يجوز لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً أن يعارضه أو يناقشه؟.

 

واجبنا نحو الرسول صلى الله عليه وسلم

29-   إن واجب المسلم نحو الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أنعم الله عليه بالإيمان به وتصديقه بكل ما يخبر عنه وطاعته في كل ما يأمر به والانتهاء عن كل ما ينهى عنه، وقبول ذلك بتسليم تام ورضى تام كما بينا في الفقرة السابقة، وذكرنا النصوص القرآنية الدالة على ذلك.

ومن واجباتنا الأخرى نحوه – بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم ما يأتي:

أولاً: محبته اكثر من النفس والولد والأهل والمال والناس أجمعين، قال صلى الله عليه وسلم 'لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين' ومن البديهي أن صدق المحبة تكون بخلوص المتابعة له، فهذا هوالذي يحبه ويرضيه، والمسارعة إلى ما يرضيه صلى الله عليه وسلم مما أمرنا الله به وهو من لوازم المحبة الصادقة قال تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم، والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين﴾ [التوبة: 62].

ثانياً: توقيره وتبجيله واحترامه حياً وميتاً قال تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ [النور: 63] لأن الرسول الكريم ليس كواحد من الناس انه رسول الله وعلى الناس أن يوقروه ويجلّوه ويشرفوه حتى في ندائهم له فعليهم أن يقولوا له يا رسول الله يا نبي الله. وهذا بعض معاني هذه الآية.

ومن مظاهر توقيره واحترامه عدم سبقه بالقول أو رفع الصوت عند كلامه قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله، إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ [الحجرات: 1 – 3]. ويبقى هذا الاحترام والتوقير بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي رفع الصوت في مسجده وعند قبره، كما يجب التأذب عند سماع حديثه الشريف وسنته المطهرة والاصغاء الكامل لها والرضى بها وعدم الخروج عليها أو معارضتها بالآراء الفاسدة فاذا سمع المسلم 'قال رسول الله صلى الله عليه وسلم' فليعلم أنه لا قول لأحد مع قوله صلى الله عليه وسلم ولا معارضة لقوله، وإنما هو الاستماع، وفهم هذا القول النبوي الكريم والعزم على العمل به.

ثالثاً: الابتعاد الكامل التام عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم في أي شيء وبأي قدر من الإيذاء، فإن هذا كله حرام وقد يؤدي إلى خروج المسلم من الإسلام قال تعالى: ﴿وما كان لكم أن يؤذوا رسول الله﴾ [الاحزاب: 53] وقال تعالى: ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾ [التوبة: 61] ويدخل في نطاق إيذائه المحرم ايذاؤه صلى الله عليه وسلم بالطعن في زوجاته الكريمات أو سبهن أو عداوتهن فهن أمهات المؤمنين بنص القرآن قال تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتكم﴾ وهنَّ زوجاته الكريمات في الدنيا والآخرة. كما يدخل في ايذائه صلى الله عليه وسلم ايذاؤه بالطعن في آل بيته الأطهار أو سبهم أو عداوتهم.

رابعاً: الصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾.

 

التحرز من خلط ما لله بما للرسول من حق

30-   ومما يجب التنويه به والتذكير به التحرز من خلط ما لله من حق بما للرسول صلى الله عليه وسلم من حق، فإن المسلم قد يقع في هذا دون أن يشعر، أو يقع فيه متعمداً ظاناً أنه من واجب المسلم نحو الرسول صلى الله عليه وسلم أن من حقه على المسلم، أو أن ذلك من مزيد محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقع في الشرك الخفي أو الجلي وبالتالي يقع في سخط الله.

إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم الحقيقية هي متابعته والمسارعة إلى مرضاته وهذا لا يتم إلا بتجريد المتابعة لشرعه الذي جاء به من ربه ولسنته القولية والعملية، ومن المعلوم أن ما جاء به صلى الله عليه وسلم من ربه إفراد الله بالعبادة بجميع أشكالها وصورها وعدم إعطاء ذرة منها لأحد كائناً من كان، وهذا هو معنى كلمة التوحيد كما بينا ذلك من قبل. ولتحقيق هذه المعاني العالية في نفوس المسلمين بين القرآن الكريم أن محمداً صلى الله عليه وسلم بشر قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ [الكهف: 110].

وأنه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً وإنما المالك لهذا وذاك هو الله تعالى، قال تعالى: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، إن انا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [الاعراف: 188] وعلى هذا فالاستغاثة وطلب العون وكشف الضر يكون من الله تعالى الذي دعانا الى الطلب منه والتوجه إليه قال تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: 60] ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان...﴾ [البقرة: 186] كما أن الخشية والتقوى تكون لله، والتوكل يكون على الله فهو الكافي جل جلاله، قال تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور: 52] وقال تعالى: ﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون﴾ [التوبة: 59] فهذه الآيات صريحة في تحديد ما لله من حق وما للرسول من حق، فمن حقوق الله تعالى وحده الخشية منه والتقوى له، والكفاية لعبده والتوكل عليه والرغبة إليه، أما الطاعة فهي من حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول في حقيقتها طاعة الله، وكذلك من حق الرسول اعطاء ما يراه من غنائم وفيء وغيرها من يرى اعطاءه.

وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم، 'لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله' أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم (ما شاء الهل وشئت) فقال صلى الله عليه وسلم: 'أجعلتني لله نداً، قل ما شاء الله ثم شئت' فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم جاء بالتوحيد الخالص لله رب العالمين. ومن حرصه الشديد على ما ينفع المسلمين كان يبين لهم التوحيد كما يبين لهم معاني الشرك لئلا يقعوا فيه، وهذا من كمال نصحه ورحمته ورأفته بأمته – بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم، فجزاه الله عنا خير الجزاء. قال تعالى في بيان بعض أوصافه الكريمة ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: 128] وقال تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الاحزاب: 06].

 

المبحث الثالث - الركن الثالث - العمل الصالح

ماهية العمل الصالح

31-   العمل الصالح هو العمل المرضي عند الله تعالى، وهو الجامع لشيئين (الأول) أن يكون وفق الشرع الإسلامي. (الثاني) أن يكون المقصود به مرضاة الله وطاعته. فاذا فقد العمل هذين الشيئين أو احدهما لم يكن مرضياً عند الله وبالتالي لا أجر فيه ولا ثواب، قال تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ والمقصود بالعمل الصالح الصحيح أي الموافق للشرع الإسلامي، والخالص لوجه الله تعالى.

 

مكانة العمل الصالح في الإسلام

32-   وللعمل الصالح في الاسلام مكانة عظيمة جداً، لأنه ثمرة الايمان بالله وباليوم الآخر وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبه يظهر معنى الشهادتين بالعمل والسلوك، ولأهميته في الاسلام جاءت الآيات الكثيرة به، فمرة تقرنه بالايمان، ومرة تبين جزاءة الحسن، وأخرى تصرح بأن ما ينفع الانسان في آخرته هو الأعمال الصالحة وان الله تعالى لا يضيع أجر من عملها وقام بها، وتارة تبين الآيات أن الصالحات سبب لتكفير السيئات وغفران الذنوب، وأن الخسارة تحلق الإنسان لا محالة إلا من آمن وعمل الصالحات. ومن هذه النصوص التي وضحت هذه المعاني قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ [المائدة: 09].

﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب﴾ [الرعد: 22].

﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: 97].

﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ [الكهف: 30].

﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مرداً﴾ [مريم: 76].

﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيآتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ [العنكبوت: 07].

﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلّنهم في الصالحين﴾ [العنكبوت: 09].

﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [سورة العصر].

 

اعتناق الاسلام شرط لقبول العمل

33-   ومن البديهي أن العمل المرضي عند الله تعالى، وهو الذي بيناه، يشترط لقبوله شرط ضمني هو اعتناق الإسلام أي الإيمان به، ولهذا قرن الله العمل الصالح بالإيمان، والمقصود به اعتناق الإسلام بعد أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رسولا الى العالمين، قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. وعلى هذا اذا قام الشخص بالعمل وفق الشرع الاسلامي من حيث الظاهر أي من حيث توفر أشكال العمل الظاهرية المطلوبة في الشرع الاسلامي، وكان قصد صاحبه مرضاة الله ولكنه لم يؤمن بالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، فان عمله مردود عليه ولا أجر فيه ولا ثواب.

 

الابتداع مرفوض في الاسلام

34-   وما دام العمل الصالح هو ما كان صحيحاً خالصاً لله، والصحيح ما كان وفق الشرع، فان الابتداع في الدين بالزيادة والنقصان لا يجوز ولا ثواب فيه لصاحبه حتى ولو كان بنية العبادة لله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم 'من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد'. والبدعة شر من المعصية، لأن في الابتداع تغييراً للدين ولاحكام الشرع واتهاماً له بنقصانه أو بحاجته الى التكميل والتشذيب والتعديل. وهذا أمر كبير جداً لا يجوز اعتقاده أو العمل بموجبه ولهذا حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من البدع فقال: 'إياكم ومحدثات الأمور فان كل محدثة بدعة وكل بدعة في النار' فالخير كل الخير فيما جاء به الشرع والوقوف عنده ﴿وما كان ربك نسياً﴾.

 

تنوع الاعمال الصالحة

35-   والأعمال الصالحة كثيرة فهي جميع ما أمر الله تعالى به على وجه الوجوب والاستحباب، من العبادات والمعاملات فاذا قام بها المسلم ملاحظاً الطاعة لربه والانقياد لشرعه مبتغياً بها وجه الله فهو من أصحاب الأعمال الصالحة. وفي مقدمة هذه الأعمال الصالحة العبادات، وفي مقدمتها العبادات التي جاءت في حديث جبريل وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج فهي من أركان الإسلام التي لا يجوز التهاون بها مطلقاً، أو التقليل من أهميتها ولذلك ذكرت في الحديث.

 

أهمية العبادات في الإسلام

36-   العبادات في الإسلام تنظم علاقة الفرد بربه وتظهر عبوديته لله تعالى على وجه واضح وهي حق الله الخالص على عباده وفي مقدمتها كما قلنا الصلاة وأخواتها الوارد ذكرها في الحديث، فهذه العبادات يجب الحرص عليها والدعوة إليها ولا يجوز مطلقاً التقليل من شأنها، وهي بمجموعها تقوي الإيمان وترسخه فهي له بمثابة الماء للنبات والهواء للإنسان، وهيهات أن يبقى الإيمان على قوته إذا فرط المسلم بها.

 

أهمية الصلاة

37-   ذكر الله تعالى الصلاة في عشرات الآيات في القرآن الكريم، وجاءت الأحاديث مؤكدة وجوبها وأهميتها، ومبينة أنها الفارق بين المسلم وغير المسلم، وأنها من صفات المؤمنين المتقين، وأنه لا يجوز التفريط بها لا في الإقامة ولا في السفر ولا في حالة السلم ولا في حالة الحرب، ولا في حالة الصحة ولا في حالة المرض، وإن تركها والتكاسل عنها من صفات المنافقين. وكانت الوصية بها من آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم قدومه على ربه. والصلاة بعد هذا تزكية النفس وصلة العبد بربه وتذكير مستمر له بعبوديته لله وبمعاني كلمة التوحيد، وهي صقل لروحه وغسل لأدرانها وأوساخها وهي قرة عين المسلم، إليها يفزع إذا ضاق الصدر وادلهمت الخطوب كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لما فيها من قراءة القرآن وتسبيح الله وذكره وتمجيده وما لهذا كله من تذكير للعبد ووقاية له من المخالفة والعصيان. ويكفي هنا أن نذكر بعض النصوص من القرآن والسنة النبوية في بيان أهمية الصلاة وعظيم أثرها.

38-      أولاً: من القرآن الكريم

قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين﴾.

﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾.

﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾.

﴿الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾.

﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾.

﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾.

﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾.

39-      ثانياً: من السنة النبوية المطهرة:

قال صلى الله عليه وسلم: 'بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة'.

'العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر'.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال 'أرحنا بها – أي الصلاة – يا بلال'. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه إذا حزّ به أمر صلّى.

 

أسرار الصلاة

40-   هذا وإن للصلاة أسراراً وحكماً ليس هنا محل تفصيلها، ويدركها المسلم إذا أقبل عليها بخشوع وتدبر وفهم ووعي وحضور ذهن، لما يتلوه من قرآن وما يذكره من أذكار، فهو يفتتح الصلاة بِ 'الله أكبر' فالله أكبر من كل كبير ومن كل ذي سلطان وقوة وجبروت، وما دام العبد موصولا بالله الذي هو أكبر من كل شيء وأعز من كل شيء فلن يرهب المسلم أحداً غير الله تعالى.. وهكذا بقية الاذكار تربي في المسلم معاني العبودية لله وتحرره من عبودية غير الله وتنزع من قلبه كل معاني الطغيان والتعلق بغير الله.

 

بقية العبادات

41-   والعبادات الأخرى، من صيام وحج وزكاة كلها تقوي الإيمان وتزكي النفس وتصل العبد بربه وتملأ قلبه بمعاني العبودية لله تعالى، ففي الصيام إيثار لمحاب الله على شهوات الجسد، وتعويد للمسلم على معاني الإخلاص، والإرادة والصبر، وكل هذه معان جليلة يحتاجها المسلم. الزكاة طهرة للمسلم من داء البخل والشح وعبادة المال، وإيثار لله على محبة المال، والاسهام في تحقيق التعاون المطلوب شرعاً باعانة ذوي الحاجات. والحج تربية عملية للمسلم، فان من منهج الاسلام في التربية أنه لا يكتفي أن يقول للمسلم كن صالحاً فقط بل يقول له هذا ويضع له مناهج عملية يسلكها ليكون صالحاً. ومن هذه المناهج العملية الحج، ففيه إظهار لعبودية المسلم لله بصورة عملية وبشكل معين واضح يجتث جذور الطغيان وجراثيمه من نفس المسلم، فان في الانسان نزوعاً إلى الطغيان قال تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾. هذا وهناك عبادات أخرى غير المذكورة في حديث جبريل، ومنها العبادات القلبية كالتوكل على الله ومحبته والاستعانة به والطلب منه والشوق اليه والأنس به والثقة به والخوف منه وكلها مطلوبة من المسلم.

 

أي الاعمال الصالحة أفضل

42-   لا شك في تفاضل الأعمال الصالحة من حيث الأجر والثواب ومن حيث درجة طلب الشرع لها، فالفرض أفضل من المندوب وما عظم نفعه للجماعة أفضل مما اقتصر نفعه على فاعله. والقاعدة في أفضل الأعمال الصالحة بالنسبة لشخص ما هو العمل المطلوب منه شرعاً في وقت معين وظرف معين، فالصلاة حين حلول وقتها أفضل من غيرها وأوجب على المسلم أن ينشغل بها من غيرها، والجهاد في وقته أفضل بالنسبة لمن وجب عليه من القيام بنوافل العبادات وطلب العلم، والصيام في وقته أفضل بالنسبة لمن وجب عليه من الانشغال بغيره من العبادات وهكذا. وعلى المسلم أن يتحرى ما هو الأحب لله تعالى في هذا الوقت أو في هذا الظرف القائم فيسارع اليه ويفضله على ما سواه، وبهذا تتحقق فيه العبودية الخالصة لله بإيثاره دائماً ما يحبه الله على ما تحبه نفسه وتهواه وإن كان من الأعمال الصالحة.

 

أثر العبادات في صلاح الفرد والمجتمع

43-   وللعبادات المختلفة تأثير واضح في سلوك الفرد فهي التي تزكي نفسه كما قلنا وتزيد مراقبته لربه تعالى في السر والعلن والخوف منه فينزجر عن المعاصي والاضرار بالناس ويسارع إلى عمل الخير، ولا شك أن المجتمع سيكون سعيداً اذا زاد فيه عدد الصالحين الخائفين من الله تعالى، وان كمية الخير في المجتمع ستكثر وإن مقادير الشر والسوء ستقل. وعلى هذا يمكننا أن نقول أن العبادات في الاسلام تصلح الفرد والمجتمع وتنفع الفرد والمجتمع.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

أصول الدعوة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca