الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: أصول الدعوة
المؤلف: عبد الكريم زيدان
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - موضوع الدعوة

الفصل الثالث - خصائص الإسلام

تمهيد

1-    للإسلام خصائصه الخاصة به التي تميزه عن غيره تمييزاً واضحاً بارزاً فهو من حيث مصدره من عند الله، وهذه هي خصيصته الأولى.

وهو من حيث مدى ونوع العلاقات التي ينظمها والأفعال التي يحكمها شامل وهذه هي حصيصته الثانية.

وهو من حيث الأشخاص الذين يحكمهم عام لجميع البشر باق لا يزول. وهذه هي خصيصته الثالثة.

وهو من حيث نوع الجزاء الذي يصيب مخالفه أو متبعه ذو جزاء أخروي بالاضافة الى جزائه الدنيوي. وهذه خصيصته الرابعة.

وهو من حيث نزوعه إلى المثالية دون إغفال للواقع مثالي وواقعي وهذه هي خصيصته الخامسة.

وعلى هذا سنقسم هذا الفصل إلى خمسة مباحث ونجعل لكل خصيصة مبحثاً على حدة.

 

المبحث الأول - الخصيصة الأولى

أنه من عند الله

2-  مصدر الإسلام، ومشرع أحكامه ومناهجه، هو الله تعالى فهو وحيه الى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم باللفظ والمعنى (القرآن الكريم) وبالمعنى دون اللفظ (السنة النبوية). فالإسلام بهذه الخصيصة يختلف اختلافاً جوهرياً عن جميع الشرائع الوضعية لأن مصدرها الانسان، أما الإسلام فمصدره رب الانسان. ان هذا الفرق الهائل بين الإسلام وغيره لا يجوز اغفاله مطلقاً ولا التقليل من أهميته.

 

النصوص الدالة على أن الإسلام من عند الله

3-  بيّنا فيما سبق أن القرآن من عند الله وأثبتنا ذلك بدليل الاعجاز، ومعنى ذلك أن كل آية فيه هي من عند الله، ومعنى ذلك أيضاً أن الإسلام هو من عند الله. ومع هذا فمن المفيد ذكر بعض الآيات القرآنية الصريحة في أن القرآن الكريم هو من عند الله أنزله على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فمن هذه الآيات:

قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر:01].

﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: 87].

﴿وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم﴾ [النحل: 06].

﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين﴾ [الزمر: 02].

﴿تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ [السجدة: 02].

4-  والقرآن الكريم، وفيه معاني الإسلام، واجب الاتباع دون غيره من الكتب والأديان السماوية السابقة، قال تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾.

5-  وسنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام هي الأخرى كالقرآن واجبة الاتباع، وعلى هذا دل القرآن، وذكرنا نصوصه في هذا الباب فيما سبق، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى عنه: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.

 

ما يترتب على كون الإسلام من عند الله

أولاً: كماله وخلوه من النقائص

6-  ويترتب على كون الإسلام من عند الله كماله وخلوه من معاني النقص والجهل والهوى والظلم، لسبب بسيط واضح هو أن صفات الصانع تظهر في ما يصنعه.. ولما كان الله تعالى له الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله ويستحيل في حقه خلاف ذلك، فان أثر هذا الكمال يظهر في ما يشرعه من أحكام ومناهج وقواعد، وبالتالي لا بد أن يكون كاملا. وهذا بخلاف ما يصنعه الانسان ويشرعه فانه لا ينفك عن معاني النقص والهوى والجهل والجور، لأن هذه المعاني لاصقة بالبشر ويستحيل تجردهم عنها كل التجرد وبالتالي تظهر هذه النقائص في القوانين والشرائع التي يصنعونها.

ويكفينا هنا أن نذكر مثالا واحداً للتدليل على ما نقول: جاء الإسلام بمبدأ المساواة بين الناس في الحقوق وأمام القانون بغض النظر عن اختلافهم في الجنس أو اللغة أو اللون أو الحرفة أو الغنى أو الفقر، وأقام ميزان التفاضل على أساس التقوى والعمل الصالح. وقد ورد هذا المبدأ العظيم في القرآن والسنة النبوية. قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وجاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس ان ربكم واحد وان أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى".

وقال عليه الصلاة والسلام "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

وبلغت دقة تطبيق هذا المبدأ إلى حد أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على مسلم عربي قوله لمسلم غير عربي "يا ابن السوداء" واعتبر هذا القول من بقايا الجاهلية الاولى.

وواضح من ذلك أن التشريع الإسلامي ارتفع إلى أعلى مستوى من العدالة والمساواة في نظرته إلى الأفراد وان اختلفوا في الجنس واللون واللغة وغير ذلك وطبق هذا المبدأ فعلا في واقع الحياة.

وفي القرن العشرين، وفي عصرنا الحاضر، وبالرغم من الضجيج الهائل في العالم حول المساواة وتسطير هذا المبدأ في دساتير الدولة، فانه لا يزال مجرد كلام لا نصيب له في الواقع إلا الشيء القليل. ففي الولايات المتحدة الامريكية فلا تزال الفروق قائمة بين المواطنين في أبسط الحقوق على أساس اللون والجنس، فصاحب البشرة البيضاء أسمى منزلة وأعلى قدرا من صاحب البشرة السوداء ولا مساواة بين الاثنين في الحقوق الآدمية ولا أمام القانون. ولو كان هذا التفريق والتمايز في واقع الحياة فقط لامكن أن يدعي البعض أنه من انحراف الافراد ولا تسأل عنه الدولة ولكن الواقع أن القانون نفسه يقر ويعترف صراحة بهذا التمايز الظالم بين الأسود والأبيض ويحميه وان كان الاثنان يحملان الجنسية الامريكية. فمن هذه النصوص القانونية في بعض الولايات الامريكية: "ان النكاح بين شخصين أبيض وآخر زنجي يعتبر نكاحا باطلا". وبطلان العقد هنا لا يرجع إلى نقص أهلية العاقدين فأهليتهما كاملة وانما يرجع إلى شيء آخر خطير في نظر القانون هو أن أحد طرفي عقد النكاح ذو بشرة بيضاء بينما الطرف الآخر في العقد ذو بشرة سوداء..

ومن هذه النصوص أيضا في بعض الولايات المتحدة الأمريكية: أن كل من يطبع أو ينشر أو يوزع ما فيه دعوة أو حث للجمهور على اقرار المساواة الاجتماعية والزواج بين البيض والسود أو تقديم حجج للجمهور أو مجرد اقتراح في هذا السبيل يعتبر عمله جريمة يعاقب عليها القانون بغرامة لا تتجاوز خمسمائة دولار أو بالسجن مدة لا تتجاوز ستة أشهر أو بالعقوبتين. ان هذا النص يوغل في اتباع الهوى والجور والظلم دون حياء أو خجل أو وخز من ضمير الى درجة أنه يعاقب من يدعو إلى المساواة بين مواطنين أمريكيين يحملون الجنسية الامريكية ولكنهم يختلفون في ألوان أجسادهم ووجوههم. فهل أدل من هذا على نقص الانسان وجهله وجوره؟

أما التمايز بين رعايا المستعمر "بكسر الميم" وأهل البلاد المنكوبة بالاستعمار فحدث ولا حرج، فالمستعمرون يضعون من القوانين ما يجعل أهل البلاد المستعمرة بمنزلة البهائم، دون أن يشعر هؤلاء المستعمرون بتأنيب ضمير أو بجورهم على هؤلاء الآدميين. وما يعتبرونه ظلما في بلادهم وبالنسبة لرعاياهم يعتبرونه حقا وعدلا بالنسبة لاهل البلاد المنكوبة باستعمارهم. وهذا وغيره يدل على مدى ما عند الانسان من ظلم وجور وهوى ومحاباة وجهل.

7-  ثانيا: ويترتب أيضا على كون الإسلام من عند الله، انه يظفر بقدر كبير جدا من الهيبة والاحترام من قبل المؤمنين به، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية وسلطاتهم الدنيوية، لأن هذه السلطات وتلك المراكز لا تخرجهم من دائرة الخضوع لله تعالى واحترام شرعه، وطاعة هذا الشرع طاعة اختيارية تنبعث من النفس وتقوم على الايمان ولا يقسر عليها المسلم قسراً. وفي هذا ضمان عظيم لحسن تطبيق القانون الإسلامي وعدم الخروج عليه ولو مع القدرة على هذا الخروج. أما القوانين والمبادئ الوضعية التي شرعها الانسان فانها لا تظفر بهذا المقدار من الاحترام والهيبة، إذ ليس لها سلطان على النفوس ولا تقوم على أساس من العقيدة والايمان كما هو الحال بالنسبة للإسلام ولهذا فان النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك وقدرة على الافلات من ملاحقة القانون وسلطان القضاء ورأت في هذه المخالفة اتباعا لأهوائها وتحقيقاً لرغباتها. ان القانون لا يكفي أن يكون صالحا بل لا بد له من ضمانات تكفل حسن تطبيقه، ومن أول هذه الضمانات، ايجاد ما يصل هذا القانون بنفوس الناس ويحملهم على الرضى به والانقياد له عن طواعية واختيار. ولا يحقق مثل هذه الضمانة مثل الإسلام، لأنه أقام تشريعاته على أساس الايمان بالله واليوم الآخر ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وان الالتزام الاختياري بهذه التشريعات واحترامها هو مقتضى هذا الايمان.

وللتدليل على صحة ما نقول نضرب مثلا واحدا بشأن واقعة معينة عالجها الإسلام بتشريعه ونجح في هذه المعالجة، وعالجت هذه الواقعة بالذات القوانين الوضعية وفشلت في هذه المعالجة.

من المعروف أن العرب قبل الإسلام كانوا مولعين بشرب الخمر لا يجدون فيه منقصة ولا منكرا، وكانت زقاق الخمر ودنانه في البيوت كالماء المخزون في القرب والحباب. فلما أتى الإسلام بتحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ كان لكلمة ﴿فاجتنبوه﴾ قوة هائلة تفوق قوة الجيش والشرطة وما يمكن أن تستعمله أي دولة لتنفيذ أوامرها بالقوة والجبر.. لقد قام المسلمون الى زقاق الخمر فأراقوها، وإلى دنانه فكسروها، وفطموا نفوسهم من شرب الخمر حتى غدوا وكأنهم لا يعرفون الخمر ولم يتذوقوها من قبل.. لأن أمر الله ورد ﴿فاجتنبوه﴾ وأوامر الله من شأنها الاحترام والطاعة.

وفي القرن العشرين ارادت الولايات المتحدة الامريكية تخليص مواطنيها من الخمر، وقبل ان تشرع قانون تحريم الخمر، مهدت له بدعاية واسعة جدا لتهيئة النفوس إلى قبول هذا القانون، وقد استعانت بجميع أجهزة الدولة وبذوي الكفاية في هذا الباب. استعانت بالسينما ومسارح التمثيل وبالاذاعة وبنشر الكتب والرسائل والنشرات والمحاضرات والاحصائيات من قبل العلماء والاطباء والمختصين بالشؤون الاجتماعية، وقد قدر ما انفق على هذه الدعاية بِ (65) مليون من الدولارات وكتبت تسعة آلاف صفحة في مضار الخمر ونتائجه وعواقبه. وانفق ما يقرب من (10) عشرة ملايين دولار من أجل تنفيذ القانون. وبعد هذه الدعاية الواسعة والمبالغ المنفقة شرعت الحكومة قانون تحريم الخمر لسنة 1930م وبموجبه حرم بيع الخمور وشراؤها وصنعها وتصديرها واستيرادها. فما كانت النتيجة؟ لقد دلت الاحصائيات للمدة الواقعة بين تشريعه وبين تشرين الأول سنة 1933م انه قتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نفس وحبس نصف مليون شخص وغرم المخالفون له غرامات بلغت ما يقرب من أربعة ملايين دولار، وصودرت أموال بسبب مخالفته قدرت بألف مليون دولار. وكان آخر المطاف أن قامت الحكومة الامريكية بالغاء قانون تحريم الخمر في أواخر سنة 1933م، ولم تستطع تلك الدعايات الضخمة التي قامت بها الدولة أن توجد القاعدة التي يرتكز عليها القانون في نفوس المواطنين وبالتالي قاموا بمخالفته مما حمل الحكومة على الغائه، لان القانون لم يكن له سلطان على النفوس يحملها على احترامه وطاعته، ومن ثم فشل والغي. أما كلمة ﴿فاجتنبوه﴾ التي جاء بها الإسلام في جزيرة العرب فقد أثرت أعظم التأثير وطبقت فعلا وأريقت الخمور من قبل أصحابها وامتنعوا عنها، لا بقوة شرطي ولا بقوة جندي ولا رقيب ولكن بقوة الايمان وطاعة المسلمين لشرائع الإسلام واحترامهم لها.

 

المبحث الثاني - الخصيصة الثانية

الشمول

8-  قلنا في بعض تعاريف الإسلام انه نظام شامل لجميع شؤون الحياة وسلوك الانسان. ان هذا الوصف للإسلام وصف حقيقي ثابت للإسلام لا يجوز تجريده منه الا بالافتراء عليه أو بسبب الجهل به. وشمول الإسلام هذا لشؤون الحياة وسلوك الانسان لا يقبل الاستثناء ولا التخصيص، فهو شمول تام بكل معاني كلمة الشمول، وهذا بخلاف المبادئ والنظم البشرية فان الواحد منها له دائرته الخاصة التي ينظم شؤونها، ولا شأن له فيما عدا ذلك. وعلى هذا فلا يمكن للمسلم أن يقول ان هذا المجال لي انظم أموري كما أشاء بمعزل عن تنظيم الإسلام، لا يمكن ان يقول المسلم هذا لان الإسلام يحكمه من يافوخه إلى أخمص قدميه، وللإسلام في كل ما يصدر الانسان حكم خاص، كما له حكمه في كل ما يضعه في رأسه من أفكار وفي قلبه من ميول. وعلى هذا لا يجوز للمسلم ابدا أن يسمح لغير نظام الإسلام أن ينظم أي جانب من جوانب حياته لانه ان فعل ذلك دخل في نطاق معنى قول الله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما لله بغافل عما تعملون﴾.

وأحكام الإسلام الثابتة لافعال الانسان وتصرفاته وعلاقاته مع غيره هي الوجوب والندب والتحريم والكراهة والاباحة والصحة والبطلان، والافعال التي تتعلق بها هذه الاحكام تسمى على التوالي: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح والصحيح والباطل.

9-    انواع أحكام الإسلام بالنسبة لما تتعلق به.

وأحكام الإسلام بالنسبة لما تتعلق به تنقسم إلى الأقسام الآتية:

أولاً: أحكام العقيدة الإسلامية، وهي تتعلق بأمور العقيدة كالايمان بالله واليوم الآخر وهذه هي الامور الاعتقادية.

ثانياً: أحكام الاخلاق، وهي المتعلقة بما يجب أن  يتحلى به المسلم، وما يجب أن يتخلى عنه كوجوب الصدق وحرمة الكذب.

ثالثاً: أحكام تتعلق بتنظيم علاقة الانسان بخالقه، كالصلاة والصيام وغيرها من العبادات.

رابعاً: أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الافراد فيما بينهم وهذه على أنواع:

أ)        أحكام الاسرة من نكاح وطلاق وإرث ونفقة.. الخ وتسمى في الاصطلاح الحديث بأحكام الاسرة أو قانون الأحوال الشخصية.

ب)  أحكام تتعلق بعلاقات الافراد ومعاملاتهم كالبيع والاجارة والرهن والكفالة، وهي التي تسمى في الاصطلاح الحديث بأحكام المعاملات المالية أو بالقانون المدني.

ت)     أحكام تتعلق بالقضاء والدعوى واصول الحكم والشهادة واليمين والبينات وهي تدخل فيما يسمى اليوم بقانون المرافعات.

ث)  أحكام تتعلق بمعاملات الاجانب غير المسلمين عند دخولهم الى اقليم الدولة الإسلامية، والحقوق التي يتمتعون بها والتكاليف التي يلتزمون بها، وهذه الاحكام تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدولي الخاص.

ج)     أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الدولة الإسلامية بالدول الاخرى في السلم والحرب، وتدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدولي العام.

ح)  أحكام تتعلق بنظام الحكم وقواعده، وكيفية اختيار رئيس الدولة، وشكل الحكومة، وعلاقات الأفراد بها، وحقوقهم ازاءها، وهي تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدستوري.

خ)  أحكام تتعلق بموارد الدولة الإسلامية ومصارفها، وتنظيم العلاقات المالية بين الافراد والدولة، وبين الاغنياء والفقراء، وهي تدخل في القانون المالي بمختلف فروعه.

د)   أحكام تتعلق بتحديد علاقة الفرد بالدولة من جهة الافعال المنهي عنها "الجرائم ومقدار عقوبة كل جريمة".. وهذه تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الجنائي ويلحق بهذه الاحكام الاجراءات التي تتبع في تحقيق الجرائم وانزال العقوبات بالمجرمين وكيفية تنفيذها، وهي تدخل فيما يسمى اليوم بقانون تحقيق الجنايات أو بقانون المرافعات الجزائية.

 

مقارنة بين شمول الشريعة وشمول القوانين الوضعية

10-   وواضح مما قدمناه ان الشريعة في شمولها تختلف مع جميع القوانين الوضعية، لان شمولها كامل تام بكل معنى الكلمة، فما من حدث ولا عمل يصدر عن الانسان، ولا علاقة تقوم بينه وبين غيره، الا وللشريعة حكم فيها. فأمور العقيدة والاخلاق والعبادات تدخل في نطاق شمول الشريعة ولا تدخل في نطاق تنظيم القوانين الوضعية. وحتى في نطاق العلاقات البشرية التي تنظمها القوانين الوضعية فإن الشريعة تختلف اختلافاً بيّöناً مع القوانين الوضعية في هذا المجال من ناحيتين (الاولى) ناحية مراعاة الاخلاق (الثانية) من ناحية الحل والحرمة.

11-   الناحية الاولى – مراعاة المعاني الاخلاقية – فالشريعة الإسلامية راعت جانبها كل الرعاية وسمحت لها بالتسرب الى القواعد القانونية والامتزاج بها واقامة الاحكام التنظيمية عليها. وهذا بخلاف القوانين الوضعية حيث انها لا تراعي المعاني الاخلاقية، بل ان الاصل فيها هو الفصل بين القواعد الاخلاقية والقواعد القانونية فالغدر والخيانة وعدم الالتزام بالكلمة معاني ذميمة في ميزان الاخلاق ومن ثم لا تجوز ولا تباح في جميع العلاقات التي تنظمها الشريعة الإسلامية والاحكام التي تقررها سواء أكانت هذه العلاقات بين فرد وفرد أو بين دولة ودولة ونكتفي هنا بضرب مثال واحد فقط ليظهر لنا مدى تمسك التشريع الإسلامي بالمعاني الاخلاقية في أدق العلاقات وأخطرها ولو ترتب على هذا التمسك تضحيات جسيمة. يقرر الفقهاء المسلمون ان الاجنبي (غير المسلم) اذا دخل اقليم الدولة الإسلامية بأمان ولمدة معينة لا يجوز تسليمه الى دولته اذا طلبته خلال هذه المدة ولو على سبيل المفاداة بأسير مسلم عندها، ويبقى المنع من تسليمه قائما حتى لو هددت دولته الدولة الإسلامية باعلان الحرب عليها اذا لم تسلمها اياه. ويعلل الفقهاء هذا الحكم بان الاجنبي دخل اقليم الدولة الإسلامية بأمان منها فعلى الدولة الإسلامية ان تفي بعهدها له فيبقى آمنا لا يمسه سوء، وتسليمه بدون رضاه غدر منها بعهدها له لا رخصة فيه فلا يجوز في شرع الإسلام. ويبقى المنع من تسليمه وعدم الحاق أي ضرر به حتى لو قتلت دولته جميع رعايا الدولة الإسلامية المقيمين في أرضها لان فعلها ظلم ولا مقابلة بالظلم، هكذا يقول الفقهاء، فأي مستوى رفيع بلغه التشريع الإسلامي في التزامه بالمعاني الاخلاقية في أدق الظروف واحرج الاوقات، مما لا نجد له نظيرا ابدا في أي تشريع وضعي آخر لا في القديم ولا في الجديد، ولا عجب من ذلك فالشريعة الإسلامية من عند الله، وما يأتي من الله هو الحق الخالص والعدل الخالص.

12-   الناحية الثانية – جهة الحل والحرمة في الفعل نفسه – فان الفعل قد يكون صحيحا في ظاهره لاستيفائه شروط الصحة المطلوبة ولكنه يعتبر حراما لمخالفة حقيقته الباطنة او قصد صاحبه لما يأمر به الإسلام. ان هذه الصفة للشيء في الحل والحرمة تبقى لاصقة بالفعل وان صدر بها حكم قضائي يقضي بخلاف ذلك الذي يدعي ديناً آخر ظلماً ويثبت ذلك امام المحكمة، فإن حكيم المحكمة انه محق في مطالبته أو يستحق الدين من صاحبه، بل يبقى الامر عند الله تعالى على حقيقته وهو ان هذا المدعي ارتكب حراما وأكل سحتا وهذا لا يجوز في شرع الله ولا ينفعه حكم الحاكم بما ادعى لنفسه ظلما، لان الحاكم يحكم حسب الظاهر والله يتولى السرائر، ولان مناط الثواب والعقاب في الآخرة على حقائق الافعال ونيات الانسان، وما ارتكبه من حلال أو حرام. والاصل في تعلق الحقوق وثبوت الآثار الشرعية على حقيقة الفعل وكونه حلالا جائزا ظاهرا وباطنا، ولكن لما كان الباطن أمرا خفيا يعجز الانسان عن ادراكه أو يتعذر عليه ولاجل استقرار الامور وجريان الاحكام على أسس ثابتة وقواعد مضبوطة، فقد اعتبرت الشريعة الإسلامية الظاهر وجعلت صحته ومطابقته لمتطلبات الشريعة قرينة على صحة الباطن وحله ومناطا لتعلق الحقوق وثبوت الآثار. ولكن الشيء أو الفعل يبقى بالرغم من ذلك موصوفاً بالحل والحرمة بناء على حقيقته الباطنة، وما يترتب على هذا الوصف من جواز الاقدام عليه أو تحريمه وما يتبع ذلك من ثواب أو عقاب، لان الحكم حسب الظاهر لا يقلب الحلال حراما ولا الحرام حلالا، وبالتالي لا يحل للمسلم أن يبيح لنفسه فعل الحرام أو أكله وان أباح له ذلك القضاء. يدل على ما قلناه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "انما انا بشر وانكم تختصمون الي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فانما اقطع له قطعة من النار". ولهذا اذا ظهر الباطن ظهورا كافيا وتكشفت حقيقته فالعبرة به لا بالظاهر.

ان أهمية ما بيناه تظهر في حفظ حقوق الناس وكف بعضهم عن بعض عن الاعتداء، ذلك أن المسلم يعلم بأن اقدامه على الحرام أو الاعتداء أو هضم حقوق الغير لا يفيده ولا يخلصه من المسؤولية وان استطاع في الدنيا التخلص من المسؤولية أو التهرب من القانون أو التحايل على القضاء، أو اخفاء حقيقة نفسه وفعله، إن هذه الامور التي لا تخفى على الله أبداً وسيحاسب عليها عند مثوله أمام المحكمة الإلهية الرهيبة في الآخرة، وعلى هذا الاساس فان المسلم لا يقدم على شيء إلا إذا كان حلالاً ولا يطالب بشيء إلا إذا كان له وان استطاع المطالبة بما ليس له، ولا يرتكب ما لا يحل له وان استطاع اخفاء ذلك عن القضاء وبهذا تحفظ الحقوق ويأمن الناس عليها وتقل الخصومات والمنازعات، ويقل عدد المراجعين للمحاكم، وفي هذا كله أعظم ضمان لحسن تنظيم علاقات الافراد فيما بينهم وعدم ضياع الحقوق على اصحابها. وهذا مما لا يوجد في القوانين الوضعية، فإن المسألة عندها تنتهي بانتهاء صدور القرار من المحكمة ولا شيء بعد هذا، اذ لا سلطان للقوانين الوضعية على أمور الآخرة وليس فيها المعاني التي ذكرناها.

 

المبحث الثالث - الخصيصة الثالثة

العموم

13-   من بديهيات الإسلام وصفاته الاصلية انه جاء لعموم البشر ولم يأت لطائفة معينة منهم أو لجنس خاص من أجناسهم، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾ وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ وعموم الإسلام هذا غير مقصور على فترة معينة من الزمن أو جيل خاص من البشر وانما هو عموم في الزمان كما هو عموم في المكان، ولهذا فهو باق لا يزول ولا يتغير ولا ينسخ، لان الناسخ يجب ان يكون في قوة المنسوخ سواء أكان النسخ كليا أم جزئيا، وحيث ان الإسلام ختم الشرائع السابقة كلها وان محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الانبياء والمرسلين، فمعنى ذلك أن الشرائع الالهية انقطعت وان الوحي الالهي لم يعد ينزل على أحد، قال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ وعلى هذا لا يتصور أن ينسخ الإسلام أو يغيره شيء.

14-   وقد يقال هنا: لماذا كانت الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، أما كان من الافضل والانفع استمرار تنزل الشرائع الالهية وابقاء باب الرسالات الالهية مفتوحا؟ والجواب لا، لان تنزل الشرائع ليس من قبيل العبث واللهو، وانما هو لسد نقص في تشريع سابق، أو لإكماله بتشريع لاحق مناسب لمستوى البشرية، وحيث ان الشريعة الإسلامية كاملة تامة سدت كل ما لم تأت به الشرائع السابقة وأكدت ما جاءت به هذه الشرائع السابقة فلا  حاجة ولا داعي لمجيء شريعة أخرى قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ فمع هذا الكمال التام لا داعي لمجيء شريعة أخرى، وحيث لا شريعة أخرى فلا رسول آخر بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

15-   وعموم الشريعة الإسلامية وبقاؤها وعدم قابليتها للنسخ والتبديل والتغيير بالتنقيص أو الزيادة كل ذلك يستلزم عقلا وعدلا أن تكون قواعدها وأحكامها ومبادئها وجميع ما جاءت به على نحو يحقق مصالح الناس في كل عصر ومكان ويفي بحاجاتهم ولا يضيق بها ولا يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه المجتمع البشري. إن هذا والحمد لله متوافر في الشريعة الإسلامية لأن الله تعالى، وهو العليم الخبير، اذ جعلها عامة في المكان والزمان، وخاتمة لجميع الشرائع، جعل قواعدها وأحكامها صالحة لكل زمان ومكان، ومهيأة للبقاء والاستمرار لهذا العموم.. إن ما نقوله هو الحق، ويدل عليه واقع الشريعة الإسلامية وطبيعة مبادئها وأحكامها وأفكارها ومناهجها، ولا بد هنا من بيان موجز كل الايجاز لاظهار هذا المعنى واثبات صحة ما نقوله بالادلة والبراهين.

الدليل الاول: مكانة المصلحة في الشريعة

16-   يقوم هذا الدليل على اظهار مدى حرص الشريعة الإسلامية على مصالح الناس الحقيقية ودرء المفاسد عنهم. والواقع ان الشريعة الإسلامية ما شرعت الا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، أي في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد والاضرار عنهم في العاجل والآجل أيضاً، حتى إن بعض الفقهاء، قال – وقوله حق: "ان الشريعة كلها مصالح، إما درء مفاسد أو جلب مصالح". وقد يظن البعض أن هذا القول مبالغ فيه، والواقع أنه لا مبالغة فيه، لأن ما قلناه عنها ونقلنا قول بعض الفقهاء عنها، وصف ثابت للشريعة ولكل حكم من أحكامها، فلا يخرج شيء منها عن هذا الوصف أو الغرض العام الذي تريد الشريعة تحقيقه للعباد في عاجلهم وآجلهم. ونكتفي هنا بذكر بعض الادلة الجزئية على هذه الحقيقة التي تكون البرهان الاول.

17-   (أ) قال تعالى في تعليل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ والرحمة تتضمن قطعاً رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، ولا يمكن أن تكون رحمة إذا اغفلت هذه المصالح.

18-   (ب) تعليل الاحكام بجلب المصلحة ودرء المفسدة لاعلام البشر بان تحقيق المصالح هو مقصود الإسلام، وأن الأحكام ما شرعت إلا لهذا الغرض، قال تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾. فالقصاص شرع لتحقيق هذه المصلحة وهي الحياة للناس أي الامن والاستقرار والاطمئنان وحقن الدماء بزجر من تسول له نفسه الاعتداء على ارواح الناس. وقال تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ فتحريم الخمر يمنع عن الناس مفسدة الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ودرء المفسدة لا شك في انه وجه من وجوه المصلحة، لان المصلحة لها وجه ايجابي وهو جلب نفع لم يكن، ووجه سلبي وهو دفع ضرر أو مفسدة. وهكذا بقية الأحكام بلا استثناء لا يخرج منها أي حكم كان سواء أكان من أحكام الاعتقادات أو العبادات أو غير ذلك. نعم، قد يجهل البعض تفاصيل المصلحة في حكم من الاحكام، ولكن هذا الجهل ليس بحجة على انتفاء المصلحة، فإن الانسان قد يجهل تفاصيل منفعة دواء ولكن جهله به لا يمنع من تحقيق المصحلة فيه، فإذا كان هذا واقعياً فيما يضعه انسان فكيف لا يكون فيما يضعه خالق الانسان؟ هذه واحدة. والثانية أن المصلحة المقصودة في التشريع الإسلامي لا تقتصر على مصالح الدنيا وانما تتجاوزها الى مصالح الآخرة أي إلى اعداد الانسان للظفر بالسعادة الدائمة بجوار الرب الكريم الرحيم.

19-   (جِ) تشريع الرخص عند وجود المشقات في تطبيق الأحكام اذا كانت هذه المشقات فوق طاقة البشر المعتادة، من ذلك اباحة النطق بكلمة الكفر عند الاكراه عليها بالتهديد بالقتل ونحوه، واباحة المحرم عند الضرورة مثل أكل الميتة ولحم الخنزير عند التعرض للهلاك جوعا، واباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر. ولا شك ان دفع المشقة ضرب من ضروب رعاية المصلحة ودرء المفسدة عن الناس.

20-   (د) عرف بالاستقراء والتأمل ان مصالح العباد تتعلق بأمور ضرورية أو حاجية أو تحسينية، فالاولى هي التي لا قيام لحياة الناس بدونها واذا فاتت حل الفساد وعمت الفوضى واختل نظام الحياة. وهذه الضروريات هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

أما الحاجيات فهي التي يحتاجها الناس لتحقيق اليسر والسعة في عيشهم وإذا فاتتهم لم يختل نظام الحياة ولكن يصيب الناس ضيق وحرج.

وأما التحسينيات فهي التي ترجع إلى محاسن العادات ومكارم الاخلاق واذا فاتت خرجت حياة الناس عن النهج القويم السليم الذي تقضي به الفطر السليمة والعادات الكريمة.

وأحكام الشريعة كلها تحقق وتحفظ مصالح الناس المتعلقة بالضروريات الحاجيات والتحسينات.

21-   فبالنسبة للضروريات شرع للدين – لاقامته وتحقيقه – العبادات وشرع لحفظه الجهاد وعقوبة المرتد، وزجر من يفسد على الناس عقيدتهم والنفس شرع لإيجادها النكاح، وشرع لحفظها القصاص على من يعتدي عليها، وتحريم إلقاء النفس بالتهلكة ولزوم دفع الضرر عنها. والعقل شرع لحفظه تحريم الخمر وعقوبة شاربها. والنسل شرع لإيجاده الزواج، وشرع لحفظه عقوبة الزنى والقذف، وحرمة اجهاض المرأة الحامل. والمال شرع لتحصيله أنواع المعاملات  من بيع وشراء ونحو ذلك، وشرع لحفظه حرمة أكل مال الناس بالباطل أو اتلافه بلا وجه سائغ مشروع، والحجر على السفيه، وتحريم الربا وعقوبة السرقة.

22-   وبالنسبة للحاجيات شرعت لها الرخص عند المشقة، وشرع الطلاق للخلاص من حياة زوجية لم تعد تطاق. وشرعت الدية في القتل الخطأ على عاقلة القاتل.

23-   وفي التحسينيات شرعت الطهارة للبدن والثوب، وستر العورة، وأخذ الزينة عند كل مسجد، والنهي عن بيع الانسان على بيع أخيه، والنهي عن قتل الاطفال والنساء في الحروب.

24-   فاستقراء نصوص الشريعة يدل على أن الإسلام ما قصد بتشريعه الأحكام للناس إلا لحفظ هذه الضروريات والحاجيات والتحسينات، وهذه هي مصالحهم في الدنيا والآخرة. واذا تعارضت المفاسد والمصالح رجح أعظمها مصلحة أو أقلها مفسدة،  فقتل القاتل مفسدة لان فيه تفويت حياته ولكنه جاز لان فيه مصلحة أعظم وهي حفظ حياة الناس. وكشف العورة مفسدة ولكن إذا احتيج اليها لإجراء عملية جراحية ضرورية، جاز الكشف لأن مصلحة حفظ النفس من الهلاك أكبر من مفسدة كشف العورة. وترك المحتكر دون اعتراض عليه أو منع له مصلحة له ولكن فيه مفسدة أكبر وهي الاضرار بالناس فشرع المنع من الاحتكار. والدفاع عن البلاد يعرض النفوس الى القتل وهذه مفسدة ولكن ترك الاعداء يدخلون بلاد المسلمين مفسدة أعظم من قتل النفوس فكان في دفعهم بقتالهم مصلحة أكبر من مفسدة هلاك النفوس في هذا القتال. وهكذا تجري أحكام الشريعة على نمط واحد هو جلب المصالح ودرء المفاسد.

25-   وعلى هذا فكل مصلحة مشروعة حقيقية تظهر أو مفسدة تطرأ فان الشريعة الإسلامية تبيح ايجاد الحكم لتحقيق تلك المصلحة ودرء المفسدة في ضوء قواعد الاجتهاد المقررة في الفقه الإسلامي، لان الشريعة كما يقول الفقيه ابن القيم: "مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور وعن الرحمة الى ضدها وعن المصلحة الى المفسدة وعن الحكمة الى العبث فليست من الشريعة وان ادخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه".

ونخرج من جميع ما تقدم ان الشريعةالإسلامية وما جاءت به من احكام صريحة في نصوصها وما ابتني عليها من أحكام اجتهادية في ضوء موازين الاجتهاد الصحيح لا يمكن ابدا أن تضيق بحاجات الناس المشروعة ولا تعجز عن تحقيق مصالحهم الحقيقية في أي زمان ومكان.

 

الدليل الثاني: مبادئ الشريعة وطبيعة احكامها

26-   أحكام الشريعة نوعان: (الاول) جاء بشكل قواعد ومبادئ عامة و (الثاني) جاء بشكل أحكام تفصيلية. وكلا النوعين جاء على نحو يوافق كل مكان وزمان ويتفق مع عموم الشريعة وبقائها. ولا بد من الكلام بايجاز عن كل نوع.

27-      النوع الاول: القواعد والمبادئ العامة.

وردت في الشريعة قواعد ومبادئ عامة تتضمن أحكاما عامة يمكن بسهولة ويسر تطبيقها في كل مكان وزمان، وقد صيغت بكيفية تمكنها من سهولة هذا التطبيق ويسره، كما ان معناها الحق لا يمكن أن يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه أي مجتمع. وبالتالي يتسع لكل مصلحة حقيقية جديدة للناس. كما ان هذه القواعد والمبادئ تعتبر كالاساس لما يقوم عليها من أحكام جزئية ولما يتفرع عنها من فروع فمن هذه القواعد والمبادئ:

28-      أولاً: مبدأ الشورى.

وهو مبدأ أصيل من مبادئ الشريعة في نظام الحكم الإسلامي ووصف من أوصاف المسلمين في تجمعهم ومباشرتهم أمور الحكم والسلطان، قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وقال تعالى لرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿وشاورهم في الأمر﴾. إن هذا المبدأ أسمى وأعدل وأحكم قواعد الحكم الصالح بين البشر ولا يمكن الاستعاضة عنه بغيره، وقد جاء بدرجة كافية من العموم والمرونة بحيث يتسع لكل تنظيم صحيح يوضع لتطبيق هذا المبدأ وسيأتي شيء من التفصيل لهذا المبدأ عند الكلام عن نظام الحكم في الإسلام.

29-      ثانياً: مبدأ المساواة.

وهو أيضاً من مبادئ الإسلام العظيمة، وله مظاهر كثيرة في جميع جوانب التشريع الإسلامي، منها المساواة أمام القانون، وفي تطبيق الأحكام، وفي المراكز القانونية اذا ما تساوى الاشخاص في الشروط التي يشترطها التشريع الإسلامي، ومساواة في التكاليف اذا تساوى الافراد في أسبابها الموجبة. ان هذا المبدأ العظيم طبق فعلا في واقع الحياة، وحرص النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على تطبيقه، فقد جاء في السنة الشريفة أن امرأة من بني مخزوم سرقت فجاء اسامة بن زيد يستشفع لها عند رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قال عليه الصلاة والسلام: انما أهلك الذين من قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

ولا شك أن المساواة وما ابتني عليها وما تفرع عنها، قاعدة يهش لها العقل السليم وتتقبلها الفطرة السليمة وتستقيم بها الأمور وتنصلح الاحوال ومن ثم فهي صالحة في كل زمان ومكان.

30-      ثالثاً: مبدأ العدالة.

العدالة في الإسلام مبدأ بارز، يظهر هذا البروز في الأمر بها والحكم بين الناس بموجبها، والالتزام بمقتضاها بالنسبة للقريب والبعيد، والعدو الصديق وفي المحكمة وفي السوق، وإدارة شؤون الدولة وفي البيت، وحتى فيما يعطيه الأب لاولاده. ان روح العدل وجوهره اعطاء كل ذي حق حقه واستعمال كل شيء في موضعه وهذا المعنى الواسع للعدل يحكم جميع تصرفات الانسان وعلاقاته بغيره وواجباته نحو غيره من بني الانسان.

ومن النصوص القرآنية الواردة في موضوع العدل قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنَّكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. ولا شك ان هذا المبدأ يضمن مصالح الناس ويتسع لكل تنظيم صحيح يحقق معنى العدالة والمقصود منها، فإذا رؤي ان تحقيق العدالة في القضاء يستلزم جعل المحاكم على درجتين ابتدائية واستئنافية، او ان المحكمة تؤلف من أكثر من حاكم واحد، أو تعيين هيئة تدقيقية لأحكام المحاكم "محكمة التمييز" فهذا ونحوه سائغ جائز ما دام فيه تحقيق العدالة في القضاء على وجه سليم.

31-      رابعاً: قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

وهي حديث نبوي ومعناها ان الضرر مرفوع بحكم الشريعة أي لا يجوز لاحد ايقاع الضرر بنفسه أو بغيره، كما أن مقابلة الضرر بالضرر لا يجوز لأنه عبث وإفساد لا معنى له، فمن أحرق مال غيره فلا يجوز للغير احراق مال المعتدي وانما له أن يطالبه بالتعويض. واذا كان الضرر ممنوعا فانه اذا وقع وجب رفعه، ولهذا جاءت قاعدة فرعية مبنية على هذه القاعدة هي "الضرر يزال". وهناك فروع وأحكام كثيرة بنيت على هذه القاعدة منها تقرير حق الشفعة، ومنع التعسف في استعمال الحق، وحق السلطة في اتخاذ الاجراءات الوقائية لمنع الضرر عن الناس كحجر المرضى والقادمين الى البلاد في محاجر خاصة، والتسعير في ظروف معينة... الخ.

32-      النوع الثاني: الأحكام التفصيلية.

الأحكام التفصيلية في الشريعة الإسلامية كثيرة يطول شرحها وبيانها وفحصها لاظهار مدى قابليتها للبقاء والاستمرار، ولهذا نكتفي بأخذ "عينات" و "نماذج" من هذه الأحكام للتأمل فيها وفحصها والتحديق فيها ليتبين لنا مدى صلاحيتها للبقاء والعموم. إن أحكام الشريعة كما ذكرنا إما أن تتعلق بأمور العقيدة، أو بالأخلاق، أو بالعبادات أو بالمعاملات. وعلى هذا نأخذ بعض النماذج من كل مجموعة من هذه المجموعات.

33-   فمن أحكام العقيدة وجوب الايمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ومسألة الايمان بالله ورسوله من المسائل البديهية التي يؤمن بها كل عقل سليم وكف فطرة سليمة، وعليها من الادلة والبراهين ما لا يوجد على غيرها من البديهيات. وقد قدمنا بعض ذلك اثناء كلامنا عن أركان الإسلام. وعلى هذا فلا يتصور مجيء زمان أو جيل من الناس يقال فيه: إن مسألة الايمان بالله وما يتفرع عنها من مسائل العقيدة أو مسألة الايمان بمحمد محمد صلى الله عليه وسلم أصبحت من المسائل العتيقة التي تناقض العصر ولا يقرها العقل، لان العقل لا ينكر الحقائق الثابتة وانما يؤكدها ويعمقها في النفس، ولأن شأن الحقائق الثابتة الخلود، والعقل يعترف ويقر بهذا الثبات. ولا شك ان الايمان بالله من الحقائق الثابتة الخالدة التي لا يمكن أن تتغير وتنقض في أي زمان فهي كمسألة واحد وواحد يساوي اثنين.

34-   ومن أحكام العبادات وجوب الصلاة والصيام ونحو ذلك. ومسائل العبادة من لوازم الايمان بالله ومقتضاه، لانها تنظيم لعلاقة الفرد بخالقه والوفاء بحق هذا الخالق العظيم، والانسان لا ينفك عن صفة مخلوقيته لله في أي دهر من الدهور وفي أي زمن من الأزمان، وبالتالي لا ينفك عن وجوب أداء حق الله عليه ولا يستغني عن تنظيم علاقته بربه. والعبادات بعد هذا، وسيلة لتزكية النفس وطهارتها وحشوها بمعاني الحق وتخليتها من الكدورات وربطها بخالقها ودفعها إلى الخير ومنعها من الشر وقد أشار القرآن الكريم لبعض هذه المعاني في قوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾. ولا شك ان المجتمع سيكون سعيدا جدا اذا كثرت فيه النماذج البشرية التي صقلتها عبادات الإسلام، وسيكثر فيه الخير قطعا ويقل فيه الشر ان لم ينعدم، وفي ذلك كله تحقيق كبير لمصلحة الجماعة في كل زمان ومكان ومن ثم فأحكام العبادات لا بد منها في أي مجتمع انساني وبالنسبة لكل فرد في القرن العشرين أو في أي قرن بعده.

35-   وأحكام الاخلاق كوجوب الصدق والوفاء والامانة والالتزام بالكلمة والتعاون على البر، وحرمة الكذب والغدر والخيانة والتعاون على الشر، والتحلل من المسؤولية، واستغلال النفوذ، والظلم، ونحو ذلك. أقول هذه الأحكام الاخلاقية بالوجوب والتحريم ضرورية لكل انسان ولكل مجتمع انساني يريد الصلاح والسداد. انه لا يغني عن الاخلاق أي تقدم في مجال الثقافة والعلوم، ان الازمة التي يمر بها العالم اليوم، والاضطراب في المجتمعات وسوء العلاقات بين الافراد مردها الى زعزعة القيم الاخلاقية في النفوس وتجاوزها فهي أزمة أخلاقية في جوهرها وأساسها. والشريعة في تأكيدها على الاخلاق لم تكن مسرفة في هذا التأكيد ولا مبالغة فيه لأنها أكدت على ما هو ضروري لاقامة قواعد الاصلاح على أساس متين ابتداء من النفس.. والاخلاق بعد هذا معان ثابتة يحتاجها الانسان السوي ولا يتصور ان يجيء يوم يقال فيه: إن الصدق والعدل والوفاء بالعهد وترك الظلم معان فاسدة عتيقة لم تعد صالحة لزماننا أو عصرنا اللهم الا اذا ارتد الانسان الى جاهلية جهلاء لم تصل اليها الجاهلية الاولى... وسيأتي مزيد من التفصيل للاخلاق فيما بعد.

36-   والأحكام التفصيلية الأخرى المتعلقة بالمعاملات، أي بعلاقات الأفراد فيما بينهم، هي الاخرى صالحة للبقاء والعموم لان تفصيلها بني على أساس ان الحاجة اليها تبقى قائمة دائماً وأن غيرها لا يسد مسدها أبداً ولا يحقق مصلحة الناس على الوجه الذي تحققه.

37-   فمن هذه الأحكام تنظيم الاسرة وكيفية الزواج وحق الحضانة والولاية والنسب والميراث، والطلاق، والنفقة ونحو ذلك من شؤون الاسرة. وكل هذه الأحكام جاءت على نحو صالح واف كاف لتحقيق الخير والصلاح للناس ولا يمكن الاستعاضة عنها بأحسن منها، فالنكاح جاء تنظيمه غاية في البساطة وخاليا من الشكلية والطقوس فيكفي فيه ايجاب من الرجل وقبول من المرأة بحضور شهود وبرضى ولي المرأة صيانة لهذا العقد الشريف الكريم من الابتذال والخداع، ولا يشترط لصحة النكاح أن يكون على يد شخص معين أو في مكان معين أو بكيفية خاصة أو بلغة معينة أو بتراتيل معينة، فهذه الكيفية البسيطة للنكاح يؤهله للبقاء والعموم ولا يتصور العقل خيرا منها.

وتشريع الطلاق هو الشيء الطبيعي المعقول اذ لا يصح اجبار شخصين على ابقاء الرابطة الزوجية بالرغم من قيام ما يدعو إلى انفصالها وانما المعقول أن تباح الفرقة بينهما ليذهب كل واحد إلى سبيله ويجرب حظه في شركة أخرى وزوجية جديدة. ولهذا أباحت الدول الغربية الفرقة بين الزوجين بالرغم من تحريمه بزعمهم في الديانة النصرانية. ولا يقال لماذا اعطي للزوج حق الطلاق ومنعت منه المرأة، لاننا نقول ان للمرأة ان تشترط لنفسها حق الطلاق في عقد الزواج اذا شاءت وهذا شرط معتبر، كما لها أن تطلب التفريق من المحكمة إذا مسها ضرر من الزوج لا يمكن تلافيه إلا بإيقاع الفرقة بينهما.

وتنظيم الميراث وتحديد انصبة الورثة جاء على شكل ممتاز لوحظ فيه مختلف الاعتبارات كقرب الوارث وحاجته وتفتيت الثروة وتوزيعها مما يجعل هذا التنظيم وما بني عليه من أسس واعتبارات صالحا لكل زمان ومكان.

38-   وتحريم الربا، وهو حكم يخص المعاملات المالية، حكم تفصيلي غير قابل للتبديل والنسخ، لان مفاسد الربا واضراره ذاتية فيه لا تنفك عنه ابدا ومن مظاهره انحلال المجتمع وفساده واستساغته للظلم وفقدان التعاون الاجتماعي بين افراده. وعلاج مثل هذا المجتمع الفاسد يكون باصلاحه جذريا لا بترك فساده واعوجاجه وتشريع الأحكام الملائمة لهذا الفساد والاعوجاج.

39-   والعقوبات في الشريعة جاءت مفصلة لعدد من الجرائم وهي الردة، والزنى، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، وشرب الخمر، وقتل النفس. اما الجرائم الأخرى فقد تركت الشريعة تقدير عقوبتها الى القاضي وتسمى الجرائم التعزير، وعقوبتها تسمى عقوبات التعزير. والعقوبات المقدرة كلها خير وصلاح وعدل ووقاية للمجتمع من الشرور والمفاسد ولا يستغني أي مجتمع فاضل عنها، لأنها بنيت على أساس العدالة وتحقيق الزجر الكافي للمجرم وحفظ مصلحة الفرد والجماعة. فعقوبة الردة بنيت على اصلين: (الاول) اخلال المسلم بالتزامه بأحكام الإسلام (الثاني) درء المفسدة عن المجتمع. وبيان ذلك أن الفرد بإسلامه التزم بأحكام الإسلام وأصوله وعدم الخروج عليها أو هدمها، فإن فعل ذلك مخلاً بالتزامه فيناله جزاء هذا الاخلال. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان في الردة واعلانها مفسدة للجماعة واضرارا بها مع التعمد وسبق الاصرار، لان المرتد ما كنا نعرفه لولا اعلان ردته المتعمدة قاصدا من وراء ذلك تشكيك الناس في عقائدهم واحداث الاضطراب فيما بينهم وزعزعة كيان الدولة التي اتخذت الإسلام أساسا لها في قيامها وبقائها وأهدافها.

فكان لا بد من عقوبة زاجرة لمنع هذا الفساد عن الناس وعن الدولة ذاتها التي اتخذت الإسلام أساسا لها كما قلنا. وعقوبة الزنى بنيت على أساس رعاية الأخلاق ومنع افسادها للفرد والأسرة والمجتمع كشيوع الامراض واختلاط الانساب وخراب البيوت والعزوف عن الزواج وما إلى ذلك. والشريعة من أصولها وأهدافها العناية بالاخلاق ومنع الفساد عن الناس ولا شك ان المجتمع الفاضل يرحب بهذه العقوبة ولا يضيق بها ولا يجد فيها الا الخير والمصلحة وزجر المفسدين الذي يريدون التلهي والعبث بأعراض الغير.

وعقوبة السرقة – وهي قطع اليد – هي العلاج الحاسم لقطع دابر هذا الاعتداء على أموال الغير، وإشاعة الطمأنينة في نفوس الناس. ان قطع يد واحدة ثمن قليل جدا لتحقيق طمأنينة المجتمع. ان قطع اليد الخائنة المجرمة كقطع اليد المتآكلة التي يقرر الطبيب وجوب قطعها لسلامة الجسد. ان عقوبة السجن للسراق ما ردعت وما قللت حوادث السرقة، ولكن عقوبة قطع اليد ردعت في الماضي المجرمين عن السرقات، ولا تزال هذه العقوبة قادرة على الردع والزجر في الوقت الحاضر، وكون هذه العقوبة قديمة لا يقدح في صلاحها، فليس كل قديم فاسداً ولا كل جديد صالحا لان صلاح الشيء يستفاد من ذاته ومدى نفعه لا من جدته وقدمه.

وعقوبة القتل العمد في الشريعة الإسلامية هي القصاص أي قتل الجاني. والقصاص حق لاهل المجني عليه فلهم ان يطلبوه ولا يسع المحكمة الامتناع عن اجابتهم، كما لهم أن يعفوا ويتصالحوا مع القاتل على الدية. وفي حالة العفو أو المصالحة يجوز للمحكمة أن تعاقب القاتل عقوبة تعزيرية بالحبس أو الجلد، فهذا التنظيم لعقوبة القتل العمد تنظيم كامل لم يغفل جانب الطبيعة البشرية وما جبلت عليه من حب أخذ الثأر من الجاني وانزال القصاص العادل به، كما لم يغفل جانب المجتمع ومصلحته.

فجميع العقوبات الفصيلية قامت على معان واوصاف ثابتة لا تتغير ومن ثم فهي صالحة لكل مجتمع فاضل يريد ان يعيش بأمان واطمئنان.

40-   أما عقوبات التعزير، وهي بالنسبة لجميع الجرائم التي لم تحدد الشريعة لها عقوبات، فالقاضي في تحديده العقوبة يلاحظ مدى جسامة ضررها بالمجتمع، وسوابق المجرم، وظروفه التي دفعته الى الاجرام، إلى غير ذلك من الأمور ويقرر بعد ذلك العقوبة المناسبة في ضوء قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ولا شك أن نظام التعزير نظام مرن في الشريعة يمكنها من مواجهة مختلف الحالات التي يلزم فيها العقاب، وبالتالي يكون صالحا لكل زمان ومكان.

41-      الدليل الثالث: مصادر الأحكام

مصادر الأحكام الشرعية، نوعان: (الاول) مصادر أصلية وهي الكتاب والسنة النبوية (الثاني) مصادر تبعية قامت على المصادر الاصلية كالاجماع والاجتهاد بأنواعه المختلفة كالقياس والاستحسان والمصلحة المرسلة.

وهذه المصادر كلها تجعل الشريعة الإسلامية في غاية القدرة والاستعداد والاهلية للبقاء والعموم، بحيث لا يحدث شيء جديد الا وللشريعة حكم فيه، إما بالنص الصريح أو بالاجتهاد الصحيح، وبالتالي لا تضيق الشريعة بالوقائع الجديدة وبالتالي لا تضيق بحاجات الناس ومصالحهم.

42-   ومن جميع ما تقدم من أدلة وبراهين يظهر لنا بغاية الوضوح ان الشريعة الإسلامية شريعة فيها كل مقومات العموم المكاني والزماني، ومن ثم فهي صالحة للجميع وفي جميع الازمان، وهذا من فضل الله على بني الانسان.

 

المبحث الرابع - الخصيصة الرابعة

الجزاء في الإسلام

 

43-   أحكام الإسلام، ليست نصائح وارشادات خالية من الثواب والعقاب. إنها ارشادات ونصائح حقاً ولكن لها ثواب حسن ينال الملتزم بها، ولها عقاب يصيب المخالف لها، على درجات متفاوتة في العقاب والثواب.

والأصل في أجزية الإسلام وعقوباته انها في الآخرة لا في الدنيا، ولكن مقتضيات الحياة وضرورة استقرار المجتمع وتنظيم علاقات الافراد على نحو واضح مؤثر وضامن لحقوق الناس كل ذلك دعا الى ان يكون الجزاء الاخروي جزاء دنيوي، أي مع العقاب الاخروي عقاب توقعه الدولة في الدنيا على المخالف لأحكام الإسلام.

ونطاق الجزاء في الإسلام واسع شامل شمول الإسلام لجميع شؤون الحياة ومن ثم فأجزية الإسلام تتعلق بأمور العقيدة والاخلاق والعبادات والمعاملات. فكل مخالفة لهذه الأمور لها جزاؤها في الآخرة وقد يكون لها جزاء في الدنيا أيضاً.

والجزاء في الدنيا لا يمنع الجزاء في الآخرة عن المخالف العاصي الا اذا اقترنت معصيته بالتوبة النصوح والتوبة النصوح تقوم على الندم على ما اقترفه الانسان، وعلى العزم الاكيد على عدم العودة إلى هذه المخالفة، وعلى التحلل من حقوق الغير اذا كانت معصية تتعلق بهذه الحقوق.

وقد ترتب على هذا الجزاء الاخروي خضوع المسلم لأحكام الشريعة خضوعاً اختيارياً في السر والعلن خوفاً من عقاب الله، وحتى لو استطاع الافلات من عقاب الدنيا، لان العقاب الاخروي ينتظره ولا يستطيع الافلات منه. ولهذا اذا ارتكب المسلم جريمة أو معصية في غفلة من ايمانه طلب إقامة العقوبة عليه بمحض اختياره، فهذا ماعز اعترف أمام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بجريمة الزنى وطلب إقامة الحد "العقوبة" عليه. وهكذا تنزجر النفوس من مخالفة القانون الإسلامي اما بدافع الاحترام له والحياء من الله تعالى واما بدافع الخوف من العقاب الآجل الذي ينتظر المخالفين ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً﴾ ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ وفي هذا وذاك أعظم ضمان لزجر النفوس عن المخالفة والعصيان.

 

المبحث الخامس - الخصيصة الخامسة

المثالية والواقعية

تمهيد

44-   من خصائص الإسلام انه يحرص على ابلاغ الانسان أعلى مستوى ممكن من الكمال وهذه هي مثالية الإسلام. ولكنه لا يغفل عن طبيعة الانسان وواقعه وهذه هي واقعية الإسلام. فلا بد من الكلام عن هاتين الناحيتين في مطلبين متتاليين.

 

المطلب الأول - المثالية في الإسلام

المقصود بالمثالية

45-   قلنا ان الإسلام يحرص على إبلاغ الانسان الكمال المقدور له، وهذا يكون بجعل تصرفاته وأقواله وأفعاله وتروكه وقصوده وأفكاره وميوله وفق المناهج والأوضاع والكيفيات التي جاء بها الإسلام، وقد تحقق ذلك كله في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك أمرنا الله تعالى بالتاسي به ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ وقوام هذه المثالية الاعتدال والشمول.

 

أولاً: الاعتدال

46-   ونقصد بالاعتدال عدم الافراط والتفريط في أي شيء واعطاء كل ذي حق حقه. يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: "خير الامور أوسطها".

47-   والاعتدال مطلوب حتى في العبادات فلا ينبغي للمسلم أن يرهق نفسه أو يؤذي جسده، يدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس رضي الله عنه، قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت ازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته. فلما أخبروا كأنهم تقالوها، قالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل ابدا وقال الآخر وانا أصوم الدهر ولا أفطر وقال الآخر وانا اعتزل النساء ولا أتزوج ابداء فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله اني لاخشاكم لله واتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

48-   وتعذيب الجسد وتحميله ما لا يطيق ليس من مناهج الإسلام ووسائله لبلوغ الكمال المنشود، اذ ليس من لوازم هذا الكمال أو مقتضياته فعل ذلك، ولا من مقاصد الإسلام تعذيب الجسد لا قصد الغايات ولا قصد الوسائل، ومن ظن ذلك فهو واهم فان مثالية الإسلام يمكن بلوغها بنهج معتدل وسير مريح، وان الخروج عن هذا النهج يضعف الجسد ويقعد به عن اداء الفرائض فضلا عن النوافل، ومن خرج عن هذا النهج وجب رده اليه، جاء في الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فسأل عنه فقالوا: يا رسول الله انه نذر ان يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال عليه الصلاة والسلام: "مروه فليتكلم وليقعد وليتم صومه". فالصوم مطلوب، ولكن الوقوف في الشمس حيث يمكن الوقوف في الظل غير مطلوب ولا معنى فيه، وكذلك الصمت الدائم طيلة النهار لا داعي له ولا فائدة فيه. وسر المسألة ان الجسد مركب الروح وليس من الحكمة خرق المركب أو اضعافه، والجسد مستقر الروح ومسكنها وليس من المصلحة تخريبه ولا من الكمال المنشود هضمه حقه، وان الروح هي الاخرى لها حق في الراحة والاستجمام لا يجوز التفريط فيه، جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فاذا حبل ممدود بين الساريتين فقال "ما هذا" قالوا: حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به. فقال لا، حلوه. ليصل أحدكم نشاطه فاذا فتر فليقعد".

وفي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون "فان لأهلك عليك حقاً وإن لضيفك عليك حقاً فصم وافطر وصل ونم".

49-   وحرمان الانسان نفسه أو جسده من الطيبات والمتع الحلال ليس من منهاج الإسلام في بلوغ الكمال، وانما منهاجه في الاعتدال، فاذا وجد الانسان أو تيسر له شيء من الطيبات بطريق الحلال أخذه وتناوله ولا يقدح ذلك في تعلقه بمثالية الإسلام، وإذا لم يجده لم يأس عليه وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾ فالمطلوب لبلوغ الكمال تقوى الله وليس تحريم الطيبات وحرمان الجسد أو النفس منها.

50-   ومع هذا فقد يسوغ أو يندب أو يجب أخذ الانسان نفسه بالشدة وخشونة العيش ورضاه بالضيق إذا كان ذلك لغرض مشروع أو مقصد نبيل أو لسبب مقبول، كما لو كان المسلم في مقام القدوة، أو بسبب ايثار الغير على نفسه، أو بسبب امتناعه عما لا يجوز له فتعرض الى ما ذكرنا. وعلى هذا الاساس يجب أن نفهم سيرة أسلافنا الصالحين وما روي عنهم من أخذ نفوسهم بالشدة وامتناعهم عن كثير من طيبات العيش ونعومته.

 

ثانيا- الشمول

51-   والمثالية في الإسلام تتصف بالشمول، لان الإسلام يريد من المسلم ان يبلغ الكمال المقدور له بتناسق وفي جميع شؤونه، فلا يقبل على جانب واحد أو عدة جوانب ويبلغ فيها المستوى العالي من الكمال، بينما يهمل الجوانب الاخرى حتى ينزل فيها إلى دون المستوى المطلوب، ان مثله مثل من يقوي يديه ويترك سائر اعضائه رخوة هزيلة ضعيفة. وعلى هذا الاساس فهم الصحابة الكرام مثالية الإسلام فلم تأسرهم عبادة ولم تقيدهم عادة، وإنما تقلبوا في جميع العبادات والأحوال وبلغوا فيها المستوى العالي من الكمال، فلم يحبسوا نفوسهم في مكان ولا على نوع من العبادة ولا على نمط معين من الاعمال، وانما باشروا الجميع، فعند الصلاة كانوا في المسجد يصلون، وفي حلقات العلم يجلسون معلمين أو متعلمين، وعند الجهاد يقاتلون، وعند الشدائد والمصائب يواسون ويساعدون، وهكذا كان شأنهم في جميع الاحوال.

 

المطلب الثاني - الواقعية في الإسلام

52-   والإسلام لا يغفل طبيعة الانسان وتفاوت الناس في مدى استعدادهم لبلوغ المستوى الرفيع الذي يرسمه لهم، وفي ضوء هذا النظر الواقعي جعل الإسلام حدا أدنى أو مستوى أدنى من الكمال لا يجوز الهبوط عنه لان هذا المستوى ضروري لتكوين شخصية المسلم على نحو معقول ولانه أقل ما يمكن قبوله من المسلم ليكون في عداد المسلمين ولانه وضع على نحو يستطيع بلوغه أقل الناس قدرة على الارتفاع إلى مستوى الكمال. إن هذا المستوى الادنى يتكون من جملة معاني يجب القيام بها وهي المسماة بالفرائض، كما يشمل جملة معان يجب هجرها وهي المسماة بالمحرمات. ان هذه الفرائض والمحرمات جعلت بقدر طاقة أقل الناس استعدادا لفعل الخير وابتعادا عن الشر ومن ثم يستطيع كل واحد الوفاء بمقتضاه، ولا يعذر في التخلف عنها. ولكن بجانب هذا المستوى الالزامي الواجب بلوغه على كل مسلم، وضعت الشريعة مستوى آخر أرفع منه وأوسع منه وحببت إلى الناس بلوغ هذا المستوى العالي، فإلزامهم به ارهاق لهم وحرج شديد، والحرج في شرع الإسلام مرفوع لانه يخالف نظرة الإسلام الواقعية قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾.. وهذا المستوى العالي يشمل المندوبات التي ترغب الشريعة في القيام بها، والمكروهات التي ترغب الشريعة في ترك المسلم لها.

وهذان المستويان الأدنى والأعلى موجودان في تشريعات الإسلام، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:

أولاً: الصلاة: منها ما هو فرض، ومنها ما هو مندوب، فالاول يدخل في معاني المستوى الادنى، والثاني يدخل في معاني المستوى الاعلى، وفيه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعا غير الفريضة الا بنى الله له بيتا في الجنة".

ثانياً: الصيام: الفرض منه صيام شهر رمضان، وهذا من معاني الحد الادنى المطلوب، وصيام ست من شوال، وأيام البيض من كل شهر، وصوم الاثنين والخميس من معاني المستوى الاعلى.

ثالثاً: الحج: فرضه مرة في العمر، وما زاد فتطوع وهو من معاني المستوى الاعلى.

رابعاً: وفي انفاق المال في سبيل الله، فريضة الزكاة، قال تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وفي صدقة التطوع يقول الله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير فلانفسكم وما تنفقون الا ابتغاء وجه الله، وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾.

خامساً: وفي القتل العمد شرع القصاص قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ فلاهل القتيل المطالبة به، وهذا حقهم، ولا تثريب عليهم فيه، ولكن الإسلام ندب إلى العفو، وهو من معاني المستوى الأعلى، وفيه قال تعالى في نفس الآية: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾.

سادساً: وفي الاعتداء بصورة عامة تجوز المعاقبة بالمثل، والعفو والصبر أفضل، وهما من معاني المستوى الاعلى، قال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾.

سابعاً: وفي البيوع والأشربة: حبب الإسلام للمسلم أن يكون سهلاً في بيعه وشرائه ومقاضاته، وهذه كلها من معاني المستوى الاعلى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى".

ثامناً: الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فرض كفائي يجب وجوده في الامة، ويسوغ تركه باليد واللسان والاكتفاء بانكار القلب بالنسبة لحاكم ظالم طاغية لا يتسع صدره لسماع النصيحة ويقتل من يأمره أو ينهاه، ولكن من المندوب إليه قيام المسلم بأمره ونهيه وان أدى ذلك إلى قتله، وهذا من معاني المستوى الأعلى يدل على ذلك الحديث الشريف: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قال كلمة حق لسلطان جائر فقتله". ولا يعترض علينا هنا بان القاء الانسان نفسه في التهلكة لا يجوز، وهذه تهلكة، قال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ لأننا نقول: إن الاستشهاد في سبيل الله مكرمة لا تهلكة، وان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أو باللسان ضرب من ضروب الجهاد المشروع، لما يترتب عليه من تقوية نفوس المحقين وخذلان المبطلين وايقاف الظالمين عند حدودهم.

تاسعاً: والكلام بالباطل حرام يجب تركه، والترك هنا من معاني المستوى الادنى، والثرثرة وكثرة الكلام بما لا يفيد ولا ينفع مكروه وان لم يكن فيه باطل، جاء في الحديث الشريف: "إن الله يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" فالكلام الكثير بما لا ينفع مكروه وتركه افضل وهذا من معاني المستوى الاعلى.

عاشراً: والاكراه على الكفر بالتهديد بالقتل يسوغ للمكره أن يقول كلمة الكفر بشرط اطمئنان القلب بالايمان رخصة من رخص الإسلام وهي من معاني الحد الادنى قال تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ والمندوب اليه عدم قوله الكفر وان ادى ذلك إلى قتله وهذا من معاني المستوى الأعلى.

53-   ولا تقف واقعية الإسلام عند الحد الذي ذكرناه وهو وضعه مستويين للكمال، أدنى وأعلى، وانما تظهر واقعية الإسلام في أمر آخر هو ايجاد المخارج المشروعة للمسلم في أوقات الشدة والضيق، وعدم الزامه بما كان لازما له أو واجبا عليه، أو محرما عليه في الاوقات العادية، وعلى هذا الاساس جاءت الرخص كلها وجاءت القاعدة الفقهية "الضرورات تبيح المحظورات" لأن النفوس قد لا تقوى على الاستمرار بما يريده الإسلام في الظروف القاسية والأحوال الاضطرارية فتقع في المعصية فخفف الإسلام عنها بما شرعه من رخص ومنها اباحة أكل الميتة عند الجوع الشديد الذي يخاف فيه تلف النفس، واباحة ترك الواجب مثل الفطر في رمضان للمريض والمسافر، واباحة الصلاة للمريض وهو قاعد اذا كان لا يقوى على الوقوف.

54-   وبهذه المثالية والواقعية في الإسلام يستطيع المسلم ان يحقق لنفسه الكمال المقدور له بيسر واعتدال وشمول وبما يوافق الفطرة دون ارهاق ولا حرج ولا انعزال عن الحياة وأهلها.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

أصول الدعوة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca