الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: أصول الدعوة
المؤلف: عبد الكريم زيدان
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - موضوع الدعوة

الفصل الرابع - أنطöمَة الإسْلام - المبحث الثالث - نöظامُ الإفتاء

تمهيد

130- المطلوب من المسلم أن تكون أفعاله ابتداءً وفق المناهج الإسلامية وأن يتقبل حكم الشرع في نتائج أفعاله، وأن يتصرف على النحو المشروع في علاقاته مع الآخرين فاذا جهل ذلك أو بغضه وجب عليه أن يعرفه ليكون سلوكه وفق الحدود الشرعية. ومن سبل المعرفة قيام العلماء بتعليم الناس أمور الدين وتبليغهم أحكامه، أو قيام الجهال بسؤال العلماء عن أحكام الإسلام.

131- أما قيام العلماء بواجب التعليم والتبليغ فهذا ما افترضه الإسلام على أهل العلم. فعليهم تعليم الناس ما يحتاجونه من أمور دينهم بالقدر الذي يأمر به الإسلام ويحتاجه الناس. ويزداد هذا الوجوب على العلماء ويتأكد كلما فشا الجهل في الناس واندرست معالم الشريعة وظهرت البدع. فاذا قصر العلماء في واجب التعليم والتبليغ أثموا وحوسبوا على تقصيرهم حساباً عسيراً، لأن تقصيرهم في هذا الواجب يعتبر من كتمان العلم الذي اؤتمنوا عليه وأمروا بنشره وتبليغه للناس. فاذا قام العلماء بواجب التبليغ وجب على الناس أن يقبلوا عليهم ويسمعوا منهم ويتعلموا ما يقولون ويعملوا بما يتعلمون، فاذا لم يفعلوا أثموا وحوسبوا لقيام الحجة عليهم بتبليغ العلماء لهم احكام الدين.

132- وبالرغم من تبليغ العلماء أحكام الدين ابتداءً فقد يبقى البعض جاهلاً بأحكام الإسلام، وقد يقصر العلماء بواجب التبليغ، فيفشو الجهل، ويكثر عدد الجاهلين. وواجب الجاهل أن يتعلم أمود دينه التي تهمه قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. ولا يرفع عن الجاهل مسؤولية تعلم ما يلزمه من أمور الدين تقصير العلماء بواجب التعليم والتبليغ ابتداءً اذ عليه أن يسأل أهل العلم عما يجهله من أمور الدين كما جاء في الآية الكريمة.

133- وسؤال الجاهل أهل العلم، وجواب هؤلاء له، وما يتعلق بهذين الموقفين موقف الجاهل وهو يسأل، وموقف العالم وهو يجيب، من وجوب عليهما في السؤال والجواب أو ندب أو اباحة بلا وجوب في السؤال والجواب وغير ذلك من الأمور، كل ذلك يكوّن ما يعرف في الشريعة الإسلامية بنظام الإفتاء.

 

الإفتاء في اللغة

134- جاء في لسان العرب لابن منظور: أفتاه في الأمر، أي أبانه له، وأفتاه في المسألة يفتيه: إذا أجابه، والاسم الفتوى، واستفتيته فأفتاني افتاء، والفتوى اسم يوضع موضع الافتاء، والفتيا والفتوى: ما أفتى به الفقيه.

ومما تقدم نعلم أن الاستفتاء في اللغة يعني السؤال عن أمر أو عن حكم مسألة وهذا السائل يسمى المستفتي. والمسؤول الذي يجيب: هو المفتي، وقيامه بالجواب هو الافتاء، وما يجيب به هو الفتوى. فالافتاء يتضمن وجود المستفتي والمفتي والافتاء نفسه والفتوى.

 

الإفتاء في الاصطلاح

135- والمعنى الاصطلاحي للافتاء هو المعنى اللغوي لهذه الكلمة وما تتضمنه من وجود مستفت ومفت وافتاء وفتوى، ولكن بقيد واحد هو أن المسألة التي وقع السؤال عن حكمها تعتبر من المسائل الشرعية، وأن حكمها المراد معرفته هو حكم شرعي.

فالمستفتي اذن في نظام الإفتاء الذي نتكلم عنه هو: السائل عن حكم الشرع في مسالة من المسائل، أي من يسأل عن حكم مسألة شرعية، وإنَّ المفتي هو من يجيب عن هذا السؤال، وقيامه بإعطاء الجواب هو الإفتاء، ونصّ ما يجيب به هو الفتوى.

 

منهج البحث

136-  وبناءً على ما تقدم نقسم هذا المبحث إلى أربعة مطالب:

الأول: للكلام عن المستفتي.

الثاني: للكلام عن المفتي.

الثالث: للكلام عن الافتاء.

الرابع: للكلام عن الفتوى.

 

المطلب الأول - المستفتي

من هو المستفتي

137- المستفتي هو من يسأل عن حكم الشرع في مسألة ما، وهذا يعني أنه جاهل بهذا الحكم وإنما يسأل ليعرفه وليعمل بما يفتيه به المفتي مقلداً له بهذه الفتوى. ولكن هل يجب على كل جاهل بالحكم الشرعي أن يسأل عنه حتى يعرفه أم لا؟ واذا علم الحكم أو كان قادراً على معرفته بنفسه فهل يجب عليه أو يسوغ أن يسأل عنه أم لا؟ الجواب على ذلك يختلف باختلاف الناس واختلاف أحوالهم. فقد يحرم على بعضهم الاستفتاء وقد يجب وقد يجوز، فلا بد من بيان هذه الأصناف من الناس.

 

الصنف الأول: المحرم عليهم الاستفتاء

138- من توافرت فيه أهلية الاجتهاد وشروطه على النحو المذكور في كتب أصول الفقه صار مجتهداً، والمجتهد يحرم عليه تقليد غيره، لأن الواجب عليه – وقد صار مجتهداً – أن يجتهد في المسألة حتى يعرف حكمها الشرعي على وجه اليقين أو غلبة الظن، وبالتالي يحرم عليه أن يستفتي أحداً في بيان حكم هذه المسألة. والتحريم هنا يتعلق بالاستفتاء الذي يراد به تقليد المفتي بما يفتي به، أما سؤال المجتهد غيره عن حكم مسألة على وجه المذاكرة وفحص المعلومات فهو جائز غير ممنوع، وإذا تبين للمجتهد بعد هذه المذاكرة أن الصواب عند غيره وجب عليه اتباعه لأنه صار من جملة ما عرفه باجتهاده.

139- وإذا قلنا بأن الاجتهاد يتجزأ، وهذا ما نرجحه، بحيث يكون المسلم مجتهداً في بعض المسائل دون بعض، فإنه فيما يقدر عليه من الاجتهاد ينزل منزلة المجتهد المطلق فلا يجوز له سؤال غيره وتقليده فيما يفتيه به. أما فيما يعجز عن الاجتهاد فيه فإنه ينزل منزلة غير المجتهد فيجب عليه الاستفتاء أو يجوز كما سنبينه فيما بعد.

 

الصنف الثاني: من يجب عليهم الاستفتاء

140-  يجب الاستفتاء على كل من لم يصل الى مرتبة الاجتهاد ووجب عليه معرفة الحكم الشرعي. فشروط وجوب الاستفتاء شرطان:

الشرط الأول: أن يكون غير مجتهد. سواء كان سبب ذلك عجزه عن الاجتهاد لعدم استعداده له وعدم قدرته عليه أو لعدم الملكة الفقهية فيه أو لعدم تفرغه لطلب العلم حتى يصل الى مرتبة الاجتهاد أو لأي سبب آخر.

الشرط الثاني: وجوب معرفته الحكم الشرعي. وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فمن بلغ عاقلاً لزمه أن يعرف أحكام الصلاة وكيفية أدائها وشروطها. وإذا دخل عليه رمضان وجب عليه أن يعرف أحكام الصيام. وإذا صار عنده مال وبلغ النصاب وجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة، وإذا استطاع الحج وجب عليه أن يعرف أحكام الحج، ومن نزلت به نازلة وجب عليه أن يعرف حكمها. ومن باشر التجارة والبيع والشراء وجب عليه أن يعرف أحكام هذه المعاملات وهكذا. والأصل الجامع في هذا الشرط هو: كل من لزمته معرفة حكم شرعي معين وجب عليه أن يسأل أهل العلم عنه من يعرفه. أما ما زاد على ذلك من معرفة تفاصيل الشرع فهو من الأمور المندوبة في حق الفرد وان كان من الفروض الكفائية في حق الأمة إذ لا بد أن يوجد في الأمة من يعرف تفاصيل الشرع مع بلوغه رتبة الاجتهاد ليفتي الناس فيما يحتاجون إليه من أمور الدين.

141-  والخلاصة فإنَّ العامي يجب عليه استفتاء العلماء فيما يلزمه من تكاليف الشرع ليعرف كيف يؤدي هذه التكاليف على الوجه المشروع.

 

الصنف الثالث: من يجوز لهم الاستفتاء

142- ويجوز الاستفتاء لغير المجتهد فيما لا تلزمه معرفته من أحكام الشرع كالعامي الذي لا يجب عليه الحج فلا يلزمه أن يعرف احكامه وبالتالي لا يجب عليه أن يسأل عن هذه الأحكام وان كان يجوز له أن يسأل عنها، لأن معرفة أحكام الشرع والاستزادة من هذه المعرفة من الأمور المندوبة في حق كل مسلم، وحيث كان الأمر مندوبا فجوازه أولى.

143-  ولكن هل يجوز الاستفتاء لغير المجتهد فيما لا يلزمه معرفته فيما لم يقع عليه من الحوادث والنوازل؟ للعلماء قولان:

القول الأول: كراهة ذلك، وهذا هو المنقول عن الامام مالك، فقد كان رحمه الله تعالى يكره السؤال عن حكم ما لم يقع، ولهذا كان بعض تلامذته اذا أراد معرفة حكم مسألة لم تقع دفع الى الامام مالك من يسأله عنها كأنها مسألة واقعة. وتعليل هذه الكراهة عند بعض العلماء هو أن الافتاء في أمور الدين شيء خطير ومسؤولية كبيرة، لأن الافتاء في أمود الدين في حقيقته اخبار عن شرع الله وحكمه، وهذا لا يسوغ الا بعد بذل الجهد المستطاع، فاذا قصر المجتهد في ذلك تعرض للمسؤولية، وما دامت الواقعة لم تقع فلا حاجة ولا ضرورة للتعرض للافتاء وما ينطوي عليه من مسؤولية، بل إن السلامة والاحتياط في الدين يوجبان الاعراض عن مثل هذا الافتاء. كما أن اجتهاد المجتهد قد يتغير فلا حاجة للتسرع في الافتاء والحادثة لم تقع بعد، فقد يتغير اجتهاد المجتهد ثم تقع الحادثة ولا يستطيع المجتهد اخبار المستفتي عن اجتهاده الجديد، ولهذا كله فيحسن بالمفتي أن يعرض عن الافتاء عما لم يقع بعد كما يحسن بالعامي أن يستفتي عما يحتاجه وعما يقع له فعلاً ويدع ما سوى ذلك مما لم يقع بعد.

144- القول الثاني: عدم كراهيته السؤال عما لم يقع بعد إذا كان غرض السائل معرفة الحكم مسبقاً لاحتمال وقوعها. وهذا ما نرجحه، اذ لا ضرر فيه، بل فيه احتياط لما يحتمل وقوعه، إذ قد تقع الحادثة ولا يتيسر لصاحبها الوصول الى من يستفتيه فيها، فإذا حرص على معرفة حكمها قبل وقوعها كان حرصه في محله، وعلى المفتي أن يجيبه، لأن كليهما محسن غير مسيء، السائل في حرصه على معرفة الحكم، والمفتي في تعريفه بما حرص المستفتي على معرفته، وبناء على هذا القول وجدنا بعض العلماء من يتصور المسائل ويفترض الوقائع ويجيب عليه، ويدون ذلك حتى يقف عليها من يريد معرفة هذه الأحكام.

 

على المستفتي أن يسأل الصالح للإفتاء

145- وحيث وجب على المسلم أو جاز له الاستفتاء فعليه أن يستفتي من توافرت فيه الصلاحية للافتاء لأن استفتاءه يتعلق بالدين فعليه أن يحتاط لدينه فيسأل من هو أهل للافتاء. ولكن كيف يعرف العامي الصالح الكفء ليسأله؟ قالوا يعرف ذلك بالسؤال عنه أو اخبار الثقة له عنه أو باشتهار أمره بين الناس، وهذا هو المقدور للعامي.

146- فإذا لم يجد العامي في بلده من يستفتيه فعليه أن يرحل الى حيث يجد من يفتيه، فقد كان السلف الصالح إذا احتاج أحدهم الى معرفة مسألة شرعية ولم يجد من يخبره بحكمها رحل الى حيث يجد العالم الكفء الذي يخبره بذلك.

 

استفتاء الأصلح

147-  واذا وجب على المستفتي أن يستفتي الصالح للافتاء، فهل يجب عليه أن يتحرى عن الأصلح اذا كثر المفتون في بلده؟

قولان للعلماء في هذه المسألة:

القول الأول: لا يجب عليه التحري عن الأصلح، فله ان يسأل من شاء من اهل الإفتاء ما داموا صالحين له، لأن العامي لا قدرة له على معرفة الأصلح ولا على وزن الرجال وتقدير منازلهم ومراتبهم في العلم فتكليفه بذلك ضرب من التكليف بما لا يطاق.

القول الثاني: يجب عليه التحري عن الأصلح واستفتاؤه دون غيره، وليس في ذلك تكليف له بما لا يطاق، اذ يستطيع أن يعرف الاصلح بالسؤال عنه أو باخبار الثقة له عنه أو باشتهار أمره وبروزه بين أقرانه، وهذا القدر، كما يرى، ممكن له ويؤدي إلى معرفة الأصلح غالباً، وهذا هو المقدور له والمطالب به، وإذا لم يصل إلى الأصلح مع ذلك كله فلا لوم عليه ولا تثريب.

148- والراجح عندي القول الأول لأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ما كانوا يوجبون على المستفتي استفتاء الأصلح أو البحث عنه فدل على جواز استفتاء الفاضل وترك الأفضل. ومع هذا يستحب للعامي التحري عن الأصلح واستفتائه كلما كان ذلك ميسوراً له.

 

من هو الأصلح

149- واذا قلنا بوجوب التحري عن الأصلح، على القول الأول للعلماء، أو عن استحباب ذلك له على ما ذكرناه في ترجيحنا، فمن هو الأصلح للافتاء؟ المستفاد من اقوال العلماء أن الأصلح هو الأعلم الأورع، ولكن إذا وجد المستفتي المفتي الأعلم ووجد المفتي الاورع فأيهما يسأل؟ قولان للعلماء:

القول الأول: يسأل الأعلم لأنه هو الأصلح فيتعين عليه استفتاؤه لأن مدار الافتاء على العلم وما دام هو الاعلم فهو الاولى بالافتاء والأصلح له من غيره.

القول الثاني: الأصلح هو الأورع، فعليه أن يستفتيه دون غيره. واستدل أصحاب هذا القول بقوله جل جلاله ﴿اتقوا الله ويعلمكم الله﴾ وبما روي عن السلف الصالح "ان هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه".

150- والراجح عندي أن استفتاء الاورع أولى، لأن ما عنده من العلم يكفي للافتاء ولأن ورعه يحجزه عن التهجم على الفتوى والتساهل فيها ويبعده عن مزالق الهوى الخفي، كما أن ورعه يدفعه الى البحث الشديد لمعرفة الحكم الصحيح، وبهذا البحث الشديد وخلوص النية تكون إصابته في الفتوى محتملة جداً. بل ويمكن القول أن الأورع هو الأصلح للافتاء في زماننا هذا فيتعين استفتاؤه دون غيره ما أمكن ذلك، لقلة الورع عند العامة وأكثر العلماء، فمن الاحتياط المطلوب في الدين أن يسأل المستفتي المفتي الأورع ما دام عنده من العلم ما يكفي للافتاء ويدع الأعلم الذي لا ورع عنده أو عنده من الورع ما لا يكفي لمنصب الافتاء.

 

استفتاء المستفتي لأكثر من واحد

151- وإذا لم تطمئن نفس المستفتي إلى جواب المفتي فماذا يعمل؟ قالوا: له أن يسأل غيره. ولكن إذا اختلفت عليه الفتوى فماذا يعمل؟ أقوال في المسألة:

القول الأول: يأخذ المستفتي بقول من يفتيه بالحظر دون الاباحة لأنه أحوط.

القول الثاني: يأخذ بالقول الأخف لقوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم "إنَّ الله يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخذ عزائمه".

القول الثالث: على المستفتي أن يتحرى عن الاعلم الاورع ويسأله إن لم يكن قد سأله، ويأخذ بفتياه، فان لم يجد مثل هذا المفتي ووجد الأعلم فقط والأورع فقط استفتى الأورع، وأخذ بقوله وقال بعضهم: يستفتي الأعلى ويأخذ بقوله.

القول الرابع: يأخذ بقول من وافق قوله قول الآخرين للتعاضد كتعدد الأدلة ولزيادة غلبة الظن بأن هذا القول هو الراجح.

القول الخامس: يتخير فيأخذ بأي قول شاء لأن الجميع أهل للافتاء.

152- والراجح عندي التفصيل في المسألة بأن ينظر: إذا كان المستفتي قد استفتى الأعلم الأورع فعليه أن يأخذ بقوله ولا عبرة بعدم اطمئنانه وسكون نفسه وليس له أن يسأل غيره. وإ     ذا لم  يكن المستفتي قد استفتى الأعلم الأورع فعليه أن يتحرى عنه فيسأله ويأخذ بقوله، فإن لم يجده ولكن وجد الأورع أخذ بقوله، وإذا كان الجميع متساوين بالعلم والورع كما يبدو للمستفتي ولم تسكن نفسه إلى قول من استفتاه فله أن يستفتي الآخرين، فإن اتفقوا فيها، أخذ بفتياهم، وإن اختلفوا أخذ بما تطمئن إليه نفسه من أقوالهم دون تقيد بكثرة المتفقين أو قلتهم، لأن الكثرة بذاتها ليست من المرجحات في باب الفتوى وانما الترجيح بالدليل، فان لم يكن هناك دليل صريح يصلح للترجيح كان الترجيح لقول الأعلم الأورع ثم لقول الأورع، فإن انعدم هذا كان الترجيح باطمئنان النفس وسكونها عملا بالحديث الشريف "استفت نفسك وإن افتوك وافتوك وافتوك" وقوله صلى الله عليه وسلم "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".

 

اعادة الاستفتاء

153- وإذا استفتى العامي عن حادثة فهل عليه أن يعيد استفتاءه إذا نزلت به مرة أخرى أم يعمل بالفتوى الأولى؟ قولان للعلماء، منهم من قال بوجوب اعادة الاستفتاء لاحتمال تغير اجتهاد المفتي. ومنهم من قال بعدم وجوب اعادة الاستفتاء لأن المستفتي قد عرف حكم الحادثة باستفتائه الأول فلا حاجة الى اعادته.

154- والذي أميل إلى ترجيحه هو التفصيل: فإن كان الذي افتاه أولاً هو الأعلم الأورع فلا حاجة في هذه الحالة إلى إعادة الاستفتاء، وإن لم يكن كذلك ثم نزلت به الحادثة مرة أخرىة ووجد الأعلم فعليه أن يستفتيه لأن اجتهاده مظنة الصواب أكثر من غيره وقد وجده فعليه أن يسأله. أما إذا لم يجد الأعلم الأورع فالأولى له أن يعيد استفتاءه إذا أمكنه ذلك لأن اجتهاد المجتهد قد يتغير لظهور ما لم يكن ظاهراً له من الأدلة، فإذا جاءت الفتوى الثانية كالأولى عمل بها وإن اختلف عليه الجواب كرر الاستفتاء وأخذ بما تسكن إليه نفسه على النحو الذي فصلناه من قبل.

 

كيفية الاستفتاء أو صيغته

155- والمستفتي حين يسأل عن حكم مسألة أو واقعة إنما يسأل عن حكم الشرع فيها، وبناء على ذلك ينبغي أن تكون صيغة الاستفتاء على النحو الآتي: "ما حكم الشرع الإسلامي في هذه المسألة" أو يقول "ما حكم الله في هذه المسألة" أو نحو ذلك من الصيغ الدالة على هذا المعنى.

 

الاستفتاء بموجب مذهب معين

156- وقد أثار كثير من العلماء السؤال التالي: هل يجب على المستفتي أن يكون استفتاؤه بموجب مذهب معين أم يجوز له الاستفتاء وفق أي مذهب شاء؟ وقد أجابوا على هذا السؤال بأن الجواب مبني على مسألة أخري، هي: هل يجب على العامي أن يتقيد بمذهب معين يأخذ بعزائمه ورخصه ويستغني بموجبه أم لا يجب عليه ذلك؟ وإذا انتسب إلى مذهب معين والتزم به واستفتى بموجبه فما قيمة انتسابه والتزامه هذا في كيفية استفتائه؟

157- وقد تعرض الامام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي لهذا السؤال وما ابتني عليه، فقال ما خلاصته: إن العامي إما أن يكون منتسباً إلى مذهب معين وإما أن لا يكون، ولكل حالة حكمها على النحو التالي:

 

الحالة الأولى: أن يكون منتسباً إلى مذهب معين. وفي هذه الحالة قولان للعلماء:

القول الأول: ان انتسابه لمذهب معين لا يجعله ملتزماً به لأن المذاهب إنما تكون لمن يعرف الأدلة، والعامي لا معرفة له بها، وعلى هذا له أن يستفتي من شاء من المفتين وعلى أي مذهب يفتيه المفتي.

القول الثاني: ان انتساب العامي إلى مذهب معين هو انتساب معتبر في حقه ملزم له لأن اعتقد أن المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بما اعتقده والتزم به. ورتبوا على ذلك أن عليه أن يستفتي من يفتيه بموجب مذهبه.

 

الحالة الثانية: عدم انتساب العامي إلى مذهب معين. وفي هذه الحالة قولان عند العلماء:

القول الأول: لا يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين وبالتالي لا يلزمه أن يستفتي بموجب مذهب معين بل له أن يستفتي أي عالم، ويأخذ بفتواه على أي مذهب جاءت فتواه، ودليل هذا القول ان السلف لم يلزموا العامي بتقليد عالم معين ولزوم استفتائه دون غيره، بل كانوا يبيحون له استفتاء أي عالم شاء.

القول الثاني: يلزمه ان يتمذهب بمذهب معين فيأخذ بعزائمه ورخصه ويستفتي بموجبه. واحتج أصحاب هذا القول بأنه لو جاز للعامي اتباع أي مذهب شاء لأدى ذلك إلى التقاط رخص المذاهب اتباعاً لهواه، وهذا مسلك من شأنه أن يؤدي الى الانحلال عن التكاليف الشرعية والتلاعب بالأحكام، ولا خلاص من هذه الفوضى الا بإلزام العامي بالانتساب إلى مذهب معين والاستفتاء بموجبه فقط. وقالوا عن حجة أصحاب القول الأول بأن المذاهب لم تكن قد مهدت وحررت وعرفت في عهد السلف الصالح ومن ثم أباحوا عدم التقيد بمذهب معين. ثم خلص أصحاب هذا القول الى ضرورة الانتساب الى مذهب معين يختاره بعد التحري والسؤال عن المذهب الأصلح ويمكن أن يعرف ذلك بالسؤال كما قلنا وبالشهرة وشيوع المذهب ونحو ذلك، فاذا ما انتسب الى مذهب معين كان عليه أن يستفتي بموجبه ولا يستفتي وفق غيره.

 

القول الراجح في المسألة

158-  والراجح في المسألة التفصيل بعد ذكر بعض المقدمات على النحو التالي:

أ) إنَّ الواجب على كل مسلم أن يعرف حكم الله فيما يلزمه من أمور كما ورد في الكتاب والسنة وبالاستنباط الصحيح منها أو من المصادر التي أشارت اليها نصوص الكتاب والسنة.

ب)  والأصل أنَّ المسلم – ما دام قادراً على الاجتهاد – أن يعرف حكم الله تعالى عن طريق البحث والنظر في معاني القرآن والسنة وفيما دلت عليه نصوصهما من أدلة الاستنباط، وبهذا تكون معرفته للاحكام مبنية على الدليل والبرهان وهي المعرفة التي أمر بها الشرع الشريف.

ت)  وللمسلم القادر على البحث والاجتهاد أن يأخذ بمناهج المجتهدين في البحث والاستنباط ما دامت تلك المناهج سائغة وجائزة الاتباع بموجب الدليل والبرهان وإن تفاضلت فيما بينها بالجودة والقرب من الصواب وبالأولوية بالاتباع.

ث)  وإذا كان المسلم عاجزاً عما تقدم، فعليه أن يستعين بأهل العلم ليدلوه على أحكام الشرع ويقلدهم بما يقولون باعتبار أن ما يخبرونه به هو حكم الشرع، والله تعالى أمر من لا يعلم ان يسأل من يعلم، وفائدة السؤال هو الأخذ بجواب أهل العلم والعمل به وإلا لم يكن للسؤال فائدة ولا معنى، وهذا ما ينزه عنه الشارع الحكيم.

ج)  وللمسلم العاجز عن الاجتهاد أن يستعين بكتب العلماء، الموثوقة والمشهود لأصحابها بالإمامة بالدين مثل أصحاب المذاهب المعروفة فيتفقه بها ويتخرج عليها ويأخذ بما فيها باعتبار أن ما فيها هي أحكام الشرع التي وصل اليها أصحابها وهم علماء فقهاء أهل لمعرفة أحكام الشرع.

ح)  وإذا تفقه المسلم بفقه هذه المذاهب وانتسب الى أحدها فقيل عنه: إنه شافعي أو حنفي فإنَّ هذا الانتساب يعني تفقهه بفقه هذا المذهب واتخاذه دليلاً وهادياً له الى أحكام الشرع، فالمذهب بحقه كاشف له عن أحكام الشرع، وليس مصادماً للشرع، وعلى هذا الأساس انتسب اليه.

خ)  وعلى هذا فإذا تبين لهذا المنتسب أن مذهبه لم يوفق في الدلالة الى الصواب في مسألة معينة وأن الصواب فيها عند غير هذا المذهب وبالتالي اتبع غير مذهبه في هذه المسألة فهو في هذا المسلك محسن غير مسيء، ولهذا نقل عن أصحاب المذاهب أن كل واحد منهم قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط. لأن الحديث هو القول الحق وفيه حكم الله فليزم اتباعه، ويقاس على قولهم هذا كل قول صحيح ظهرت صحته بالدليل والبرهان فيلزم اتباعه وهجر ما خالفه.

د) وبناء على ما تقدم يجوز للمسلم أن ينتسب الى مذهب معين، فيدرسه ويتفقه به باعتباره مظنة الصواب ويستفتي بموجبه. كما يجوز للعامي أن لا ينتسب إلى مذهب معين وإنما يتعلم ما يلزمه من أحكام الشرع بسؤال أهل العلم عنها ابتداءً أو عند نزول الحادثة به. ولهذا العامي غير المنتسب الى مذهب معين أن يستفتي دون تقيد بأي مذهب، فاذا استفتى بمذهب معين فإنَّ استفتاءه هذا يمكن توجيهه وتصحيحه باعتبار أن هذا العامي اعتقد أن هذا المذهب أولى من غيره بالاتباع. وكما يجوز لغير المنتسب لمذهب أن يستفتي دون تقيد بمذهب فإنَّ المنتسب هو الآخر له أن يستفتي دون تقيد بمذهب، وتوجيه ذلك أنه يريد معرفة حكم الشرع كما يدله عليه هذا المفتي الذي هو أعلم منه ولذلك جاء يستفتيه.

ذ) والخلاصة، فإنه في جميع الأحوال يسع العامي الذي لم يصل الى رتبة الاجتهاد أن يستفتي دون تقيد بمذهب معين وإنما يسأل عن حكم الشرع سواء كان هذا العامي منتسباً الى مذهب معين أو غير منتسب، وسواء تفقه على مذهب معين أو لم يتفقه، فيقول للمفتي: ما حكم الشرع في كذا وكذا. وهذه صيغة صحيحة سليمة، أما السؤال بمذهب معين فغايته أنه سائغ وجائز على التوجيه الذي بيناه.

 

مطالبة المستفتي بالدليل

159- وهل للمستفتي أن يطالب مفتيه بدليل ما يفتيه به؟ قال بعضهم: ليس له ذلك، وإنما له أن يسأله عن الدليل في مجلس آخر. ولا نرى وجهاً لتعليق السؤال على مجلس آخر. والذي نرجحه أن للعامي أن يطلب من مفتيه الدليل، لأن ما يفتيه به دين يدين الله تعالى به ويعمل به فمن حقه أن يستوثق من ذلك، وأقل درجات الاستيثاق أن يطلب منه الدليل، فإذا قال له المفتي: الدليل هو الحديث الشريف الذي نصه كذا وكذا، أو معناه كذا وكذا، سكن المستفتي، واطمأن، لأن المفروض في المفتي أنه عرف صحة الحديث ومعناه فأفتى بموجبه، أما إذا قال له: إن الدليل هو رأيي أو محض اجتهادي فللمستفتي في هذه الحالة أن يستفتي غيره إذا لم يطمئن إلى جواب المفتي كما قلنا من قبل كما أن للمستفتي أن يقبل جواب المفتي ولا يسأل غيره باعتبار أن المفتي من أهل العلم والفتيا وأن اجتهاده سائغ ومظنة الصواب. ومع هذا كله يسوغ للمستفتي أن لا يطالب مفتيه بالدليل اكتفاء منه بظاهر حال المفتي وأنه لا يفتي الا بعلم ودليل.

 

ادب المستفتي

160-  قال العلماء يجب على المستفتي أن يكون مؤدباً في استفتائه، وعددوا بعض مظاهر أدبه معه.

والواقع ان آداب الكلام في الإسلام، وآداب التلميذ نحو استاذه، وآداب المسلم نحو أهل العلم، كلها لازمة في حق المستفتي، فهو مسلم فعليه أن يلتزم بآداب الإسلام في الكلام والخطاب، وهو بمنزلة التلميذ نحو استاذه فعليه أن يلتزم بآداب الإسلام في هذا المجال، وهو يسأل أهل العلم فعليه أن يلتزم بآداب الإسلام نحو العلماء. وعلى هذا يجب عليه أن يظهر تواضعه نحو المفتي واحترامه له فلا يعلي صوته عليه، ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يكلمه بلهجة جافة قاسية، وأن يستأذنه بالسؤال والجلوس ويتخير الوقت المناسب والمكان المناسب لسؤاله، فلا يستفتيه وهو مشغول بغيره ولا أن يطرق عليه بابه في وقت القيلولة أو النوم ليلا الى غير ذلك من مظاهر الاحترام والتوقير وآداب السؤال. ولا شك أن هذه المظاهر والآداب تتأثر بالعرف والعادات فيجب مراعاتها ما دامت هذه العادات والأعراف لا تصادم معاني الشريعة الاسلامية.

 

المطلب الثاني - المفتي

شروط المفتي

161- المفتي من يقوم بالافتاء، والافتاء اخبار عن حكم الله، فلا بد أن يكون أهلاً لذلك، وهذه الأهلية تكون بشروط، ومن هذه الشروط أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً فقيهاً مجتهداً، عدلا. وليس من الشروط المطلوبة الذكورة ولا الحرية ولا النطق فتصح فتوى المرأة والعبد والأخرس. وهذا الاجمال في الشروط لا يغني عن شيء من التفصيل في بعضها على الأقل.

 

الشرط الأول: الاسلام

162- وهذا الشرط في الحقيقة مفهوم، لأن المفتي يخبر عن حكم الله ويبلغ شرع الله ويطبق أحكامه على الوقائع والأحداث فلا بد أن يكون مؤمناً بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وبشرع الله الذي بلغه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

هذا، وإن الإسلام وما به يصير الشخص مسلماً، وما به يفقد المسلم اسلامه فيصير مرتداً، كل ذلك مبين في كتب العقائد وليس هو موضوع بحثنا، ويكفينا هنا أن نقول: أن العنوان الظاهر للمسلم أن يتلفظ بالشهادتين معتقداً بهما فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأن يظهر ما تقتضيه هذه الشهادة من أقوال وأفعال فيؤدي العبادات الظاهرة كالصلاة والصيام ويؤدي الزكاة ان كان ذا مال وبلغ النصاب وأن يحج البيت ان استطاع إليه سبيلا. وعليه أن ينطوي قلبه على الانقياد التام والاستسلام لله رب العالمين، فلا يكون في قلبه معارضة ولا كراهية ولا مزاحمة لما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لا في خبر ولا في أمر ولا في نهي. وعلى المسلم أيضاً أن لا يأتي ما يناقض حقيقة الإسلام وما تلفظ به من الشهادتين لا في الاعتقادات ولا في الأقوال ولا في الأفعال والا وقع العصيان والابتداع وقد يؤدي به ذلك الى الارتداد عن الاسلام فيصير مرتداً والمرتد لا يصلح للافتاء. أما الابتداع والعصيان إذا لم يصلا إلى درجة الردة فإنهما قادحان في الأهلية للافتاء وقد يصلان الى درجة سلب هذه الاهلية عن صاحبها.

 

الشرط الثاني: البلوغ والعقل

163- لا بد أن يكون المفتي ذا عقل يعقل به أحكام الشرع ويفهمها ويعرفها، وأقل درجات العقل المعتبرة يكون بالبلوغ ولهذا كان شرط التكليف أن يكون المسلم بالغاً عاقلاً، فلا يكفي البلوغ وحده مع عدم العقل ولا يكفي العقل وحده بدون بلوغ، لأن البلوغ مظنة نضج العقل ولذلك علق به التكليف والتكليف إنما يقوم على القابلية على فهم الخطاب الشرعي واحكام الشريعة والافتاء يحتاج إلى قدر أكبر من الفهم فيستلزم العقل من باب أولى، ولهذا ما علمنا أن أحداً أفتى أو تصدى للافتاء وهو دون البلوغ. ولا ينتقض قولنا بصحة تحمل الحديث الشريف قبل سن البلوغ بل وصحة روايته أيضاً عند بعض العلماء، لأن تحمل الحديث يقوم على القدرة على حفظ المسموع وضبطه، وروايته مبنية على القدرة على الأداء كما سمع وحفظ. وهذه القدرة يتصور وجودها فيمن هو دون سن البلوغ، أما الافتاء فيقوم على إدراك معاني الشريعة وفهم أحكامها وهذا لا يتأتى عادة لمن هو دون سن البلوغ.

 

الشرط الثالث: العدالة

164- ويشترط في المفتي أن يكون عدلاً. والعدالة هيئة يكون عليها المسلم من مقتضياتها ولوازمها فعل المطلوب شرعاً وترك المنهي عنه شرعاً، وهجر ما يخرم المروءة ويوقع في التهم والشكوك، وان تكون أخلاق صاحبها وسلوكه على النحو اللائق بعلماء الاسلام. ولا يعني ما قلناه اشتراط العصمة من الذنوب حتى تتحقق العدالة ويصير المسلم عدلاً، وإنما المقصود أن تكون أحوال المسلم العدل ظاهرة الحسن والطاعة للشرع فلا يفعل كبيرة إلا على وجه الندرة أو الخطأ أو غلبة الطبع، ولا يصر على صغيرة، فهو يجتهد ليكون سلوكه كله وفق مقتضيات العدالة وإن انحرف عنها في بعض الأحوال والأوقات. وبالجهة فإن العدل هو من تكون أحواله الحسنة هي الغالبة فيه ولا يصدر عنه ما يعتبر قادحاً في عدالته إلا على وجه الندرة أو الغفلة مع الخلوص من الإصرار على المعصية.

هذا وإن ما يناقض العدالة ليس على درجة واحدة من القبح وشدة المناقضة، ولهذا كان بعضها مسقطاً للعدالة دون بعض فالمسقط منها مثل القول على الله ورسوله بغير علم إما عن طريق الابتداع في الدين أو بالتأويلات الفاسدة الظاهرة الفساد والبطلان، ومثل مجاراة الظلمة والإفتاء لهم بما يشتهون، وأخذ الرشوة ونحو ذلك. وغير المسقط للعدالة مثل ارتكاب الصغيرة من المعاصي وعدم الإصرار عليها.

 

الشرط الرابع: الاجتهاد

165- ويشترط في المفتي كما ذكر العلماء: أن يكون فقيهاً مجتهداً، والمجتهد هو من قامت فيه أهلية معرفة الأحكام الشرعية التفصيلية من أدلتها المعتبرة عن طريق البحث والاستنباط مع احاطته بالأمور الضرورية للاجتهاد. ولا يشترط لثبوت هذه الأهلية كثرة الاجتهاد واستخراج الأحكام، بل يكفي وجودها ولا يشترط كثرة عملها وفعاليتها لأن المنظور إليه وجود هذه الأهلية بوجود مقوماتها التي ذكرناها وهي القدرة على البحث واستخراج الأحكام ومعرفتها عن طريق الاستدلال من مصادرها المعتبرة. ان مثل صاحب هذه الأهلية مثل الشاعر الذي قامت فيه ملكة نظم الشعر وأهليته، فهو شاعر سواء أكثر من نظم الشعر أو لم يكثر.

 

أقسام المجتهدين

166- هذا وإن العلماء، وهم يتكلمون عن الاجتهاد كشرط في المفتي قسموا المجتهدين إلى أقسام وبينوا من يصلح من هذه الأقسام للافتاء، فقالوا قد يكون المجتهد مجتهداً مطلقاً، أو مجتهداً في مذهب معين، أو مجتهداً في نوع من العلم، أو مجتهداً في مسألة أو مسائل معينة. فلا بد من التعريف بهؤلاء وبيان من يصلح منهم للافتاء ومن لا يصلح.

 

أولاً: المجتهد المطلق

167- وقالوا في تعريفه: انه "من حفظ وفهم أكثر الفقه وأصوله وأدلته في مسائله إذا كانت له أهلية تامة يمكنه بها معرفة أحكام الشرع بالدليل وسائر الوقائع إذا شاء، فإن كثرت اصابته صلح – مع بقية الشروط – أن يفتي ويقضي وإلا فلا" وقالوا ان الاجتهاد المطلق لا بد لتحصيله من توافر المعرفة الجيدة بالكتاب والسنة وما ورد فيهما مما يتعلق بالأحكام، وأن يعرف الأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد والمستثنى والمستثنى منه، وتوافر المعرفة الجيدة بالسنة النبوية الشريفة بحيث يستطيع المجتهد التمييز بين صحيح السنة وسقيمها ومراتب ما روي منها وطرق الاحتجاج بها وغير ذلك مما هو ضروري ولازم لمعرفة الحكم الشرعي من القرآن الكريم والسنة المطهرة. وقالوا أيضاً: لا بد للمجتهد المطلق أن يعرف ما أجمع عليه الفقهاء وما اختلفوا فيه وأن يعرف القياس وشروطه وأن يكون على قدر كافٍ من المعرفة باللغة العربية وأساليبها ونحوها وصرفها.

ولا خلاف بين العلماء في أن المجتهد المطلق أهل للافتاء وأنه يصلح أن يكون مفتياً.

 

ثانياً: المجتهد في مذهب معين

168-  ولهذا المجتهد أربعة أحوال، ولكل حالة حكمها، كما قال العلماء.

الحالة الأولى: أن يتبع إمام مذهبه في مناهج البحث والاستدلال والاستنباط ولكن لا يقلده فيما وصل إليه هذا الإمام باجتهاده من أحكام تفصيلية. ولمثل هذا المجتهد الحق في أن يكون مفتياً. ومن هذا النوع الإمام أبو يوسف والإمام محمد صاحبا أبي حنيفة رحمهم الله تعالى جميعاً، والقاضي أبو يعلى الحنبلي في المذهب الحنبلي والمزني وابن سريج في المذهب الشافعي.

الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه مستقلاً بتقريره بالدليل ولكن لا يخرج على أصول إمامه وقواعده مع قدرته على الخريج والاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول التي قررها إمامه. ولصاحب هذه الحالة الأهلية لأن يكون مفتياً، ويعتبر مستفتيه مقلداً لإمامه وليس مقلداً له لعدم استقلال هذا المجتهد المفتي بتصحيح نسبة ما يقوله إلى الشرع الشريف رأساً بلا واسطة إمامه. ولكن قد يكون لهذا المجتهد نوع من الاستقلال بالفتوى كما في افتائه في مسألة لا يجد لها حكماً منقولاً عن إمامه فيفتي عن طريق التخريج على مذهب إمامه والتفريع على أقواله في المسائل المشابهة لهذه المسألة التي يفتي فيها. ولكن هل ينسب ما يقوله هذا المجتهد في فتواه إلى إمامه فيكون من مذهب هذا الإمام، أم أنه ينسب إلى المجتهد نفسه، ويعتبر من قوله واجتهاده؟ فيه خلاف، والظاهر أنه تصح السنبة إلى الاثنين ولكن باعتبارين فينسب القول إلى إمام مذهبه باعتباره مخرجاً على أصول هذا الإمام، وعلى هذا يكون المستفتي مقلداً لهذا الإمام. كما يمكن نسبة ما يقوله هذا المفتي إلى نفسه باعتبار أنه هو الذي قام بالافتاء وإن كان عن طريق التخريج على أصول إمامه. وعلى هذا يكون المستفتي مقلداً لهذا المجتهد فيما يفتيه به غير مقلد لإمامه.

الحالة الثالثة: أن لا يصل المجتهد إلى مرتبة أصحاب الحالة الثانية وإنما يقف عند رتبة أصحاب الوجوه والتخريج في المذهب مع حفظه لفقه مذهب إمامه ومعرفته بأدلته وقدرته على تقرير أقواله ونصرتها والاستدلال لها، كما أنه قادر على الترجيح بين أقوال إمامه المذكورة في المذهب.

ولصاحب هذه الحالة الحق في الإفتاء وأن يصير مفتياً، وتكون فتواه مقبولة وإن لم تبلغ فتوى أصحاب الحالة الثانية.

الحالة الرابعة: أن يكون قادراً على فهم فقه مذهبه مع حفظ لهذا الفقه أو لأكثره، ويفهم ضوابطه وتخريجات أصحابه ويستطيع الرجوع إلى مصادر هذا المذهب.

ولصاحب هذه الحالة أن يفتي وأن يصير مفتياً ولكن في المسائل التي بيّن أحكامها أصحاب المذهب والمجتهدون فيه، وكذلك له الإفتاء فيما يندرج تحت ضابط مفهوم وواضح من ضوابط المذهب.

 

ثالثاً: المجتهد في نوع من العلم

169- وقد مثلوا لهذا النوع بقولهم: من عرف القياس وشروطه أن يفتي في مسائل القياس. وكذلك من عرف الفرائض والمواريث وأصولها وقواعدها أن يفتي فيها.

ويبدو لي أن مثل هذا المجتهد لا يصلح أن يعين مفتياً لأن المفتي لا يفتي فقط في هذا النوع من العلم الذي علمه، ولكن له أن يفتي فيما علمه دون أن يعين مفتياً.

 

رابعاً: المجتهد في مسألة أو مسائل معينة

170- وهو من كان مجتهداً في مسألة معينة أو مسائل معينة من الفقه فله أن يفتي فيها دون غيرها. ويبدو لي أن مثل هذا لا يصلح أن يعين مفتياً وإن جاز له الافتاء في المسائل التي علمها واجتهد فيها.

 

الخلاصة والترجيح

171- والخلاصة أن مدار الأهلية للافتاء هو العلم المقبول بما يفتي به وهو المبني على البحث ومعرفة الدليل والاجتهاد فيه، فكل من حصل على مثل هذا العلم في مسألة من المسائل كان له أن يفتي فيها، وهذا متوجه على القول بتجزئ الاجتهاد وهو ما نرجحه. وكل من جهل حكم مسألة فليس له أن يفتي فيها وإن كانت عنده أهلية الإفتاء من حيث الجهة. هذا من جهة الصلاحية للإفتاء في مسألة معينة، أما من جهة صلاحية التعيين في منصب الافتاء أي في أن يعين مفتياً، فهذا المنصب يحتاج إلى أهلية الاجتهاد على النحو الذي ذكره العلماء، ولا تلازم بين الاهليتين بالنسبة للافتاء في مسألة معينة، فقد يكون الشخص مجتهداً الاجتهاد الذي يؤهله للتعيين في منصب المفتي ويعين فعلاً في هذا المنصب ولكن لا يكون أهلاً للافتاء في مسألة معينة لجهله بحكمها أو لعدم وصوله إلى معرفة حكمها. وقد يكون الشخص أهلاً للافتاء في مسألة معينة أو مسائل معينة ولكن ليس أهلاً لأن يعين مفتياً للناس.

 

شروط أخرى

172- وقد اشترط العلماء شروطاً أخرى في المفتي ليتمكن من اداء وظيفته على نحو جيد وسليم. فقالوا: يشترط فيه أن يكون على قدر كاف من اليقظة وجودة الذهن والمعرفة بالناس ومكرهم وخداعهم حتى لا يقع في هذا الخداع وذلك المكر، وأن يكون صلباً في دينه لا تأخذه في الحق لومة لائم، وان لا يتأثر بوعد أو وعيد، وأن يكون على قدر كبير من الورع والزهد ومخافة الله تعالى.

ولا شك أن هذه الشروط ضرورية للمفتي ولا يسد مسدها أو يقوم مقامها مجرد علمه وعدالته الظاهرة. ولكن هذه الصفات لا يمكن معرفتها على وجه جيد إلا بالعمل وممارسة الافتاء فعلاً، ولهذا يصعب جداً معرفتها ابتداء إذا أريد تعيين شخص ما في منصب الافتاء، وعلى هذا يجب على ولي الأمر عند ارادته اختيار شخص ليعينه مفتياً أن يتحرى عن سلوكه وأحواله، والسؤال عنه ممن يعرفه، ويثق بأخباره قبل الاقدام على تعيينه.

 

وجوب وجود المفتي

173- وجود المفتي الكفء المستجمع لشروط الافتاء من فروض الكفاية، فيجب أن يوجد في كل قرية او بلدة مفت يقوم بافتاء الناس فيما يسألون عنه من أمور الدين أو يعلمهم بها ابتداء دون أن يسألوه. وقد قال بعض العلماء: يجب تعدد المفتين بحيث يكون في كل مسافة قصر – أي المسافة التي تقصر فيها الصلاة – مفت واحد. ولأهمية وجود المفتي في البلد قال العلماء: إذا لم يوجد مفت في مكان ما حرم السكن فيه ووجب الرحيل منه الى حيث يوجد من يفتيه في أحكام الدين وما ينزل به من نوازل.

 

العمل على ايجاد المفتين

174- وإذا كان وجود المفتي من فروض الكفاية فيجب العمل على إيجاده باتخاذ الوسائل الضرورية لذلك، ولهذا قال الإمام ابن حزم "فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو حصن أن ينتدب منهم من يطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها ويتعلم القرآن كله وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث الأحكام... الخ ثم يقوم بتعليمهم فان لم يجدوا في محلتهم من يفققههم في ذلك كله ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المجتهدين في صنوف العلم وأن بعدت ديارهم وأن كانوا بالصين".. فالجماعة اذن تهيئ من يتعلم أحكام الدين ويتفقه فيه ثم يقوم بتعليم الجاهلين ابتداء أو يفتيهم عما يسألون.

175- وحيث إن ولي الأمر يمثل جماعة المسلمين وينظر في مصالحهم فعليه أن يقوم بواجب إيجاد المفتين الاكفاء بتهيئة الوسائل الضرورية اللازمة لذلك مثل تأسيس المدارس لتعليم الفقه، واختيار الطلبة، وتخصيص المال اللازم لهم حتى يكملوا تحصيلهم العلمي ثم يعينهم في مناصب الافتاء ويجعل لهم رواتب كافية تغنيهم عن الكسب وتعينهم على التفرغ للافتاء.

 

منع المفتي الماجن والمفتي الجاهل

176- ولولي الأمر أن يمنع المفتي الماجن والمفتي الجاهل من الافتاء سواء كان هذا المفتي قد عينه ولي الأمر أو أنه يقوم بالافتاء بلا تعيين، فان كان قد عينه فله أن يعزله عن منصبه ويولي غيره من الاكفاء، وإن كان يفتي الناس بلا تعيين من ولي الأمر منعه من الافتاء وتوعده إذا عاد. والمفتي الماجن هو الذي يفتي الناس بما يشتهون فيحل لهم الحرام ويحرم عليهم الحلال بالشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة إرضاء لهم واتباعاً لاهوائهم. أما المفتي الجاهل فهو الذي يجهل أحكام الاسلام فيفتي بغير علم. وكلاهما – الماجن والجاهل – لا يصلح لمنصب الافتاء، ومن لا يصلح للافتاء يجب منعه منه، قال الفقيه ابن نجيم الحنفي: "ينبغي للإمام أن يسأل أهل العلم المشهورين في عصره عمن يصلح للفتوى ليمنع من لا يصلح ويتوعده بالعقوبة إذا عاد" وقال الشافعية والحنابلة: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، فمن صلح للفتيا أقره ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وهدده بالعقوبة إذا عاد. وهذا الكلام ينطبق على المفتين الذين يباشرون الافتاء بلا تعيين من ولي الأمر، ولكن إذا كان لولي الأمر منع هؤلاء لعدم صلاحهم، فله من باب أولى أن يعزل المفتي الذي عينه إذا ظهر انه غير كفءٍ للافتاء لمجونه أو جهله.

 

كفاية المفتي من بيت المال

177- ويحل للمفتي أن يأخذ من بيت المال ما يكفيه لأنه يقوم بالافتاء وهو من المصالح العامة كالأذان. ولهذا يجوز لولي الأمر أن يخصص مرتباً شهرياً للمفتي من بيت المال بالقدر الذي يكفيه ويغنيه عن الكسب.

 

ضمان المفتي

178- إذا أفتى المفتي مستفتيه بفتوى معينة فعمل بها وأدى عمله الى إتلاف نفس أو مال، وحكم على المستفتي بالضمان فهل يرجع على مفتيه بما ضمن أم لا؟ ينظر: فإن كانت فتوى المفتي باطلة قطعاً لمخالفتها للنص القاطع أوالإجماع الظاهر كان للمستفتي أن يرجع بما ضمن على المفتي لأنه هو المتسبب في ذلك. وإن كانت فتوى المفتي سائغة، لم يضمن المفتي شيئاً، ولا يكون للمستفتي أن يرجع عليه بما ضمن. أما إذا كان المفتي غير أهل للافتاء فإنه يضمن مطلقاً لأنه غرّ من استفتاه ومعنى ذلك أن للمستفتي أن يرجع عليه بما ضمن. وقيل: لا يضمن ولا يكون للمستفتي حق الرجوع عليه، لأن المستفتي هو المقصر، إذ سأل من لا يصلح للافتاء.

 

واجبات المفتي وآدابه

179- على المفتي أن يعلم أن ما يقوله ويفتي به دين محاسب عليه أمام الله تعالى، ولهذا يجب عليه أن يطيل النظر والفكر ولا يسرع في الإجابة، وإذا لم يعرف الجواب فليقل لا أدري فإن نصف العلم لا أدري، وقد كان الإمام مالك يسأل عن مسائل فيقول عن بعضها أو أكثرها لا أدري، فقد روى الهيثم بن جميل قال: شهدت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في ثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وعن عبد الله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: من أفتى عن كل ما يسأل عنه فهو مجنون.

180- هذا وينبغي للمفتي أن يلاحظ عرف البلد وعاداته ليعرف مقصود المستفتي وإذا لم يفهم السؤال استفهم من السائل عن مراده وإذا جهل لغته كفاه ترجمة واحد ثقة. كما ينبغي للمفتي أن يشاور الفقهاء الحاضرين في موضوع الاستفتاء إذا رأى حاجة لذلك، وأن يتحرز من الميل في إفتائه إلى المستفتي أو إلى خصمه فيبين في فتواه ما لأحدهما من حق دون أن يبين ما عليه من واجب.

181- وعلى المفتي، كما قال العلماء، أن يقدم رقاع الفتوى حسب تسلسل تقديمها فيجيب على استفتاء الأسبق ثم الذي يليه وهكذا ولكن يجوز تقديم استفتاء المسافر والمرأة إذا كان تأخير الجواب يضر بهما.

182- وعلى المفتي أن يبتعد عن مظان التهم والريب ليكون قوله مقبولاً عند المستفتي وغيره، وان لا يقبل هدية ممن يستفتيه لئلا يجره ذلك الى التساهل معه في الفتيا دون أن يشعر.

183- وعلى المفتي أن يكون ليناً متواضعاً لا فظاً غليظاً وأن يقبل على المستفتي بلطف وبشاشة واذا رآه بطيء الفهم فليترفق به حتى يفهمه الجواب. واخيراً فإن المفتي من حملة العلم فيجب أن يكون له حلم ووقار وسكينة وسمت على النحو اللائق بالعلماء.

 

المطلب الثالث - الافتاء

تعريفه

184-  الافتاء هو قيام المفتي بجواب المستفتي، وهو في حقيقته تبليغ عن الله تعالى واخبار عما شرعه لعباده من أحكام.

 

أول من قام به

185-  وأول من قام به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكان إفتاؤه عليه الصلاة والسلام متضمناً جوامع الكلم ومشتملاً على فصل الخطاب.

 

الافتاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم

186- ثم قام بالافتاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام، وكان منهم المكثر في افتائه والمتوسط والمقل. والذين حفظت عنهم الفتوى مائة ونيف وثلاثون نفساً ما بين رجل وامرأة. والمكثرون منهم في الافتاء: سبعة عمر بن والخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

 

من له حق الافتاء

187-  أولاً: كل من كان أهلاً لأن يكون مفتياً كان أهلاً لأن يفتي، سواء عين مفتياً أو لم يعين، وقد بينا من قبل شروط المفتي.

ثانياً: من كان مجتهداً في نوع من العلم أو في مسألة من مسائل الفقه كان له أن يفتي في هذه المسألة أو ذلك النوع من العلم.

ثالثاً: مقلدة المذاهب. فمن قلد مذهباً وحفظه وعرف ما قاله أصحابه فله أن يفتي بما قالوه على أن يقول في جوابه ما يدل على أنه قول أو رأي هذا المذهب فيقول مثلاً: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة كذا وكذا. وإذا ترقى في المعرفة بأصول المذهب وقواعده وسئل عن مسألة تندرج تحت قاعدة من هذه القواعد فعليه أن يقول: مقتضى مذهب أبي حنيفة مثلاً في هذه المسألة كذا وكذا.

 

العامي إذا عرف حكم المسألة

188- وإذا عرف العامي حكم مسألة من المسائل ودليلها، فهل له أن يفتي من سأله عنها؟ قال بعضهم: يجوز له ذلك، وقال آخرون: يجوز إذا كان دليل المسألة نصاً من كتاب الله أو سنة نبيه. وقال بعض آخر: لا يجوز للعامي أن يفتي مطلقاً ولو في مسألة عرف حكمها ودليلها إذ قد يكون لهذا الدليل معارض يجهله هو.

ولكن لو أفتاه عالم بحكم مسألة ثم سئل عنها فله أن يخبر بحكمها عمن أخبره لأن الافتاء إنما يكون باجتهاد من نفسه لا بالحكاية عن غيره. هذا ما قالوه، والظاهر لي أن العامي إذا عرف حكم مسألة بطريق من طرق المعرفة المعتبرة شرعاً، فلهذا العامي أن يفتي غيره بها وإن كان الأحوط أن ينقل له نص فتوى من أفتاه بها.

 

هل يفتي العامي بما يجده في كتب الحديث

189- ومن لم يكن مجتهداً وكان عنده كتب الحديث وشروحه وأقوال الصحابة، فهل له أن يفتي بما يجده في هذه الكتب أم لا؟ قال عبدالله: سألت أبي – أي الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى – عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا بالاسناد القوي من الضعيف فهل يجوز له أن يعمل بما شاء ويتخير ما أحب مما يجده في هذه الكتب فيفتي ويعمل به؟ قال – أي الإمام أحمد بن حنبل – لا يعمل حتى يسأل أهل العلم عما يأخذ به منها حتى يكون عمله على وجه صحيح.

 

هل يشترط إذن الإمام للقيام بالافتاء

190- من كان أهلاً للافتاء وعين مفتياً فلا خلاف في جواز الافتاء له بل ووجوبه عليه لانه ما عين إلا لذلك. أما من كان أهلاً للافتاء ولم يعين مفتياً، فله أن يفتي دون حاجة لاذن مسبق من ولي الأمر، لأن الافتاء إخبار عن شرع الله وتبليغ لأحكامه، فهو إذن من الواجبات الدينية بالنسبة للقادرين عليه ولا يشترط للقيام بالواجب الديني أخذ الاذن من ولي الأمر، وان كان لولي الأمر حق مراقبة القائمين بالافتاء ولكن حقه هذا في المراقبة لا ينسحب الى وجوب أخذ الإذن المسبق منه للقيام بالافتاء، وما علمنا أحداً كان يأخذ الإذن من الإمام أو من ولي الأمر قبل أن يفتي الناس، كما لم نعلم أن أحداً من أهل العلم قال: إنَّ الافتاء مقصور على من يعينهم ولي الأمر مفتين.

 

التصدي للافتاء

191- وإذا كان اذن الامام أو ولي الأمر ليس شرطاً لثبوت حق الافتاء للمسلم كما قلنا، إلا أنه يجب على من يتصدى للافتاء أن يتأكد من أهليته له ولا يتسرع في الوثوق من أهليته وكفاءته، ومن سبل التأكد من أهليته شهادة أهل العلم له بالأهلية بالاضافة الى ما يعرفه من نفسه، قال الإمام مالك: لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلاً لذلك ويرى هو نفسه أهلاً لذلك. وقول الإمام مالك: "حتى يراه الناس أهلاً لذلك" محمول على شهادة العلماء له بالأهلية وشيوع شهادتهم له في الناس.

 

خلوص النية والقصد عند الافتاء

192- فإذا وثق المسلم من أهليته للافتاء بشهادة أهل العلم له وبما يعرفه من نفسه فعليه أن يفحص نيته جيداً حتى تكون خالصة لله بحيث لا يقصد من تصديه للافتاء والقيام به إلا تبليغ شرع الله وتعليم الناس ما أنزل الله ابتغاء مرضاة الله، فهو لا يريد بافتائه مباهاة العلماء وحصول المنزلة عند الناس، وبهذا القصد الحسن والنية الخالصة يبارك الله في مسعاه ويعلمه ما لم يعلم ويثيبه على افتائه.

 

على من يجب الافتاء

193-  وقد يصير الافتاء واجباً على من هو أهل له في حالتين:

الحالة الأولى: الافتاء واجب في حق من عينه ولي الأمر مفتياً ورضي بهذا التعيين. ولكن يجب أن يعرف بأن هذا الوجوب لا يعني وجوب الافتاء عليه في كل ما يسأل عنه، وإنما يعني وجوب النظر في موضوع الاستفتاء وإرادته الافتاء، فإذا عرف حكم المسألة المسؤول عنها أفتى فيها وإذا لم يعرف قال: لا أعرف، ولا يجوز إلزامه بالافتاء فيما يجهله.

الحالة الثانية: إذا كان أهلاً للافتاء ولم يعينه ولي الأمر مفتياً ولا يوجد غيره يفتي الناس فإنَّ الافتاء يتعين عليه إذا استفتاه أحد في مسألة شرعية وقدر على الجواب.

 

على من يحرم الافتاء

194- ويحرم الافتاء على الجاهل، لأن الافتاء إخبار عن شرع الله فلا يجوز إلا بعلم، قال تعالى: ﴿قل إنما ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. فالافتاء بغير علم ضلال وإضلال للغير وكل ذلك حرام، وكما يحرم على الجاهل الافتاء يحرم الافتاء على الماجن الذي لا يبالي بما يفتي وبما يقول.

 

على من يكره الافتاء

195- اختلف الفقهاء في حكم الافتاء بالنسبة للقاضي، فقال بعضهم يكره الإفتاء للقاضي في مسائل الأحكام التي ينظرها مخافة أن يجبن عن الرجوع عما أفتى به إذا ترجح عنده وقت المحاكمة ضد ما أفتى به، قال القاضي شريح: أنا أقضي لكم ولا أفتي. ولكن للقاضي أن يفتي في مسائل العبادات كالصلاة والصيام. وقال الحنفية: للقاضي أن يفتي من لم يخاصم إليه، ولا يفتي أحد الخصمين فيما خوصم إليه.

وقال بعض الفقهاء: للقاضي أن يفتي ما دام أهلاً للافتاء، ولم يقيدوا هذا الجواز بشيء.

196- والراجح عندي هو القول الأول ولكن بشرط أن يتعين عليه الافتاء، فإن تعين عليه الافتاء فعليه أن يفتي وإن كان قاضياً ولو في مسألة ينظر فيها قضاء وإن كان السائل أحد الخصوم، لأن المستفتي إذا علم أن الحق لخصمه فقد يترك المخاصمة ويسلم الحق له، ولا خوف من هذا الافتاء لأن المفتي يبين الحكم على فرض ثبوت الوقائع عند المستفتي، أما القاضي فإنه وان كان يطبق نفس الحكم الذي يفتي به ولكن بشرط أن تثبت الوقائع أمامه بالطرق الشرعية فإذا عجز صاحب الحق عن إثبات حقه أمام القاضي فان القاضي لا يحكم له به على خصمه وإن كان يفتي له به على سبيل الفتوى.

 

التهيب من الافتاء

197- الافتاء وان كان تبليغاً لشرع الله وقياماً بواجب ديني إلا أن صاحبه معرض للخطأ، ومن هنا كان السلف الصالح يتهيبون من الافتاء مع صلاحيتهم له ويود كل واحد منهم أن يقوم غيره به، بل وكان كل واحد منهم أو أكثرهم يحيل الافتاء الى غيره ليكفيه مؤنته ويجنبه خطره، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا الى هذا، وهذا الى هذا حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية أخرى: ما منهم من يحدث بحديث إلا ودّ أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى عن شيء الا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا. وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لولا الخوف من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعليّ الوزر.

 

الجرأة على الافتاء

198- وإذا كان التهيب من الافتاء مسلكاً حميداً عرف به السلف الصالح فإنَّ الجرأة على الافتاء وجدت أيضاً في السلف الصالح ولهذا كان بعضهم كثير الفتيا، ولا تتأتى الكثرة في الفتيا مع التهيب من الافتاء عادة، فكيف نوفق بين التهيب من الافتاء – وهو مسلك حميد – والجرأة عليه وقد وجد المسلكان في السلف الصالح دون نكير؟

التحقيق في المسألة أن التهيب من الافتاء قد يكون سببه كثرة المفتين وعدم تعين الافتاء على المسؤول وهذا ما كان واقعاً وغالباً في السلف الصالح. أما الجرأة على الافتاء فقد يكون سببها قلة العلم كما قد يكون سببها سعة العلم وابتلاء صاحبه بكثرة السائلين. أما السبب الأول للجرأة وهو قلة العلم حيث يندفع من قلّ علمه الى الجواب عن كل مسألة مخافة أن يتهم بالجهل، فهذا، ولله الحمد، لم يقع في السلف الصالح، أما السبب الثاني للجرأة وهو سعة العلم وابتلاء المسؤول بكثرة السائلين فهذا قد وقع في السلف الصالح ولهذا عرف من كثرت فتاواه وبسبب هذه الكثرة عرف بالجرأة على الافتاء، وهذه بلا شك جرأة محمودة غير مذمومة، ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما من أوسع الصحابة إفتاء وجمعت فتاواه في عشرين سفراً، وكان سعيد بن المسيب في التابعين واسع الفتيا، وكانوا يسمونه سعيد بن المسيب الجريء.

 

الامتناع عن الافتاء

199- وقد يكون الشخص أهلاً للإفتاء غير متهيب منه، ولكن يرى أو يوجد ما يدعوه الى الامتناع عن الافتاء فيجوز له ذلك الامتناع ومن هذه الحالات:

أ)  قد يسأل المستفتي عن أمر شرعي وتدل القرائن للمفتي المتيقظ أن مراد المستفتي التوصل بالفتوى الى غرض فاسد.

ب)  قد يسأل العامي عن مسألة عويصة لا يستطيع ادراكها وليس هي من المسائل التي يلزمه معرفة حكمها، فيمتنع المفتي عن الاجابة لئلا يوقعه في الحيرة والفهم الفاسد.

ت)  إذا كان موضوع الاستفتاء حادثة لم تقع بعد، فيمتنع المفتي عن الاجابة اتباعاً لمسلك بعض السلف في الامتناع عن الافتاء فيما لم يقع بعد مخافة أن يتبدل اجتهاده عند وقوع الحادثة.

ث)  إذا كان المفتي في حالة يخشى فيها عليه من عدم التثبت والتأمل في موضوع الاستفتاء، كحال الغضب والجوع والعطش والهم والخوف والمرض والحر الشديد وانشغال الفكر ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك من الظروف والأحوال.

 

الاجرة على الافتاء

200- يجوز لمن يقوم بالافتاء أن يأخذ عليه أجراً من بيت المال لأن الافتاء من المصالح العامة وعلى هذا يجوز للامام أن يخصص شيئاً لمن يقوم بالافتاء من بيت المال سواء كان ذلك العطاء لمن عينه مفتياً أو لمن لم يعينه ولكنه يقوم بالافتاء وسواء كان العطاء منظماً في كل شهر أو متقطعاً. فاذا لم يكن لمن يقوم بالافتاء رزق معين من بيت المال، فالأولى له عدم أخذ الأجرة على افتائه ولكن إذا كان انقطاعه للافتاء يمنعه عن الكسب فله أخذ الاجرة إلا أنه إذا تعين عليه الافتاء لم يجز له أن يأخذ أجراً من المستفتي لأنه اعتياض عن واجب عليه، وهذا لا يجوز حتى لو لم يكن عنده ما يكفيه. ومن المفيد أن أقوله هنا: لو أن أهل بلد أو جماعة جعلوا لمفتيهم – غير المعين من قبل ولي الأمر – رزقاً من أموالهم كان ذلك حسناً وجاز للمفتي أخذه.

 

الافتاء لمن لا تقبل شهادته للمفتي

201- ويجوز الافتاء لمن لا تقبل شهادته للمفتي، كأن يفتي الشخص لأبيه أو أمه أو زوجته أو شريكه لأن القصد من الافتاء بيان الحكم الشرعي فقط وليس فيه إلزام بخلاف القضاء.

 

المطلب الرابع - الفتوى

تعريفها

202-  هي نص جواب المفتي، أو هي حكم الشرع الذي يخبر عنه المفتي بإفتائه.

 

أساس الفتوى

203- وما دامت الفتوى تتضمن حكم الشرع فيجب أن تقوم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما دل عليه هذان الأصلان الكبيران من أدلة الأحكام كالإجماع.

204- أما الرأي فإن كان مقبولاً صلح أن يكون أساساً للفتوى، وإن كان فاسداً لم يصلح، والفاسد هو المخالف للكتاب والسنة. أما الرأي المقبول هو أنواع:

الأول: رأي الصحابة الكرام لاعتماده على النظر السديد والفقه العميق والاستنباط الدقيق لمشاهدتهم التنزيل وصحبتهم للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ولما عرفوا به من جودة الذهن وإحاطة بمقاصد الشرع ومعانيه.

الثاني: الرأي الذي يفسر النصوص ويبين دلالاتها ويسهل طريق الاستنباط منها مثل رأي الصحابة في العول في الميراث.

الثالث: ما قبلته الأمة من الآراء الفقهية ويدخل في هذا النوع الأقيسة الصحيحة التي توافرت فيها شروط القياس الصحيح ولم تخالف النصوص.

205- وإذا كانت الفتوى تتضمن حكم الشرع وبالتالي يجب أن تقوم على الكتاب والسنة وما دلت عليه نصوصهما، فمن البديهي أن لا تقوم الفتوى على الحيل المحرمة شرعاً ولا على الشبه الباطلة تحليلاً لحرام أو تحريماً لحلال، قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود والنصارى حرمت عليهم الشحوم، فجملوها (أي أذابوها) وباعوها وأكلوا ثمنها" ولكن يجوز أن تقوم الفتوى على الترخص المباح الذي يجوز للمستفتي أن يأخذ به ويجوز للمفتي أن يفتي به، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثاً واضرب به ولا تحنث﴾ وفي الحديث الشريف: "إن الله يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخذ عزائمه".

 

تعلق الفتوى بموضوع الاستفتاء

206-  الاصل في الفتوى أن تكون متعلقة بموضوع الاستفتاء مطابقة له ليحصل المستفتي على بغيته من استفتائه غير خارجة عنه.

207- ولكن يجوز أن تكون الفتوى أوسع من موضوع الاستفتاء، بمعنى أنها تتعلق به وبغيره، إذا رأى المفتي أن في هذا التوسع فائدة للمستفتي، ودليل ذلك أن بعض الصحابة الكرام سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر وهل يجوز التوضؤ به، فقال صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته" فأجابهم صلى الله عليه وسلم عن ميتة البحر ولم يسألوه عنها لعلمه صلى الله عليه وسلم بفائدة بيان هذا الحكم لهم.

208- كما يجوز أن تكون الفتوى متعلقة بموضوع آخر غير موضوع الاستفتاء، وهذا يكون إذا رأى المفتي أن الجواب على موضوع الاستفتاء لا يفيد المستفتي أو لا يقوى على إدراكه وفهمه فيحيد عن جواب سؤاله الى بيان بعض ما يحتاجه المستفتي، ويدل على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله﴾.

 

وضوح الفتوى

209- ولما كانت الفتوى تتضمن بيان حكم الشرع وتبليغه فيجب أن تكون واضحة مفهومة لأن التبليغ يجب أن يكون بالأسلوب المبين ولهذا قال تعالى في تبليغ الرسالة وقيام الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا التبليغ: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ ويتأتى وضوح الفتوى باللغة السهلة والاسلوب المفهوم لدى المستفتي، بعيدة عن الاصطلاحات التي لا يفهمها المستفتي. كما ينبغي أن تكون خالية من التردد وعدم القطع في الجواب كأن يقول المفتي: في المسألة قولان، لأن المستفتي يريد الجواب القاطع الذي يقلد المفتي فيه ويعمل بموجبه.

ومن لوازم وضوح الفتوى وايضاحها للمستفتي أن يمهد لها المفتي إذا كان فيها حكم مستغرب حتى يزول هذا الاستغراب عند المستفتي بهذا التمهيد.

 

الايجاز والاطالة في الفتوى

210- والوضوح في الفتوى لا يستلزم الاطالة بالضرورة، ولهذا كان الاصل في الفتوى الايجاز والاختصار حتى تبدو وكأنها نص قانوني لأن الغرض من الفتوى بيان الحكم الشرعي في المسألة للمستفتي وليس الغرض منها مناقشة الآراء وسوق الأدلة. وعلى هذا يجوز للمفتي ويسعه أن يقول في فتواه جواباً للمستفتي، يجوز، أو لا يجوز. أو يقول: نعم، أو لا.

211- ولكن يجب أن يعلم أن الايجاز في الفتوى لا يجوز إذا كان على حساب الاخلال بالبيان المطلوب والوضوح المطلوب، وعلى هذا يجب على المفتي أن يطيل في فتواه إذا كان ذلك لا بد منه لوضوح الفتوى وتخليصها من الإبهام والغموض، فمن استفتى عن حكم من قال قولاً يكفر قائله، فلا يبادر المفتي بالقول: انه حلال الدم، وانما يجب أن يكون الجواب بشيء من التفصيل والاطالة كأن يقول في الجواب: إذا ثبت ذلك عليه بالبينة الشرعية أو بالاقرار استتابه ولي الأمر فإن تاب قبلت توبته وان أصر ولم يتب قتل. وكذلك إ  ذا سئل المفتي عن كلام يحتمل معنيين فليقل في فتواه: إن أراد المستفتي بكلامه كذا وكذا، فالحكم كذا، وإن أراد كذا، فالحكم كذا.

212- وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق المفتي الجواب بل يفصله. وإذا كان السؤال يتضمن جملة مسائل فصلها المفتي وذكر مع كل مسألة الفتوى التي تخصها.

 

ذكر دليل الفتوى

213- ويجوز أن يندب للمفتي أن يذكر في فتواه الدليل الذي استند اليه كأن يذكر نصاً من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو إجماع الفقهاء أو قياساً جلياً. وإذا كانت المسألة مما اختلفت فيها أنظار المجتهدين فيندب للمفتي أن يذكر في فتواه الأدلة التي جعلته يرجح أو يأخذ بفتواه هذه، كما يجوز للمفتي أن يناقش أدلة الآراء الأخرى التي لم يأخذ بها.

وكذلك يندب ذكر الدليل إذا كانت هناك فتوى باطلة تتعلق بموضوع الاستفتاء حتى يعلم المستفتي وغيره دليل فتواه وبطلان الفتوى السابقة.

وما قلناه يفعله المفتي من تلقاء نفسه، أما إذا سأله المستفتي عن الدليل فقد قلنا فيما سبق: إن على المفتي أن يجيبه ويذكر له الدليل.

 

تغير الفتوى بتغير المكان والزمان

214- والفتوى قد تتغير بتغير المكان والزمان، وهذا إذا كان الحكم الشرعي مبنياً على عرف بلد وتغير هذا العرف ولم يكن العرف الجديد مخالفاً للنص الشرعي. أو كان الحكم الشرعي مبنياً على معنى معين وتغير ذلك المعنى كما في صدقة الفطر فقد جاء الحديث الشريف بإخراج صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط. وقد قال العلماء يجوز إخراج صدقة الفطر من الذرة أو الأرز أو غيرهما إذا كانت هذه الأصناف غالب أقوات البلد، وعلّل العلماء ذلك بأن الأصناف الواردة في الحديث الشريف إنما جاءت لأنها كانت هي غالب أقوات أهل المدينة ولم تأت على سبيل الحصر والتخصيص.

وكذلك إذا كان الحكم الشرعي وارداً بالنسبة لمكان معين وزمان معين فيجب الافتاء فيه في ذلك المكان والزمان دون الافتاء بالحكم العام، كالسرقة الحد فيها هو قطع اليد وهذا هو حكمها العام، ولكن السرقة في الغزو في أرض العدو حكمها عدم القطع هناك ولزوم تأجيل إقامة الحد لورود الحديث الشريف "لا تقطع الأيدي في الغزو".

وكذلك إذا كان الحكم ملحوظاً فيه تحقيق غرض معين ورأى الفقيه المفتي أن هذا الغرض لا يتحقق في موضوع الاستفتاء فلا ينبغي أن يفتي به، مثل أن يستفتيه أحد في إزالة منكر معين باليد ورأى الفقيه أن إزالته يترتب عليه شر ومنكر أكبر من المنكر القائم فينبغي له أن لا يفتيه بالحكم العام وهو إزالة المنكر باليد ما دام المفتي يرى ترتب منكر أكبر من المنكر المزال، وهذا باب واسع يعتمد على فطنة المفتي وملاحظته الأحوال والأمكنة والأزمنة والظروف وحالة المستفتي.

 

التشدد في عبارات الفتوى والحلف عليها

215- ويجوز التشدد في عبارة الفتوى عند الحاجة أو المصلحة فيقول المفتي في فتواه مثلاً: وهذا عليه إجماع المسلمين، أو لا أعلم فيه خلافاً، أو من خالف حكم هذه الفتوى فقد أثم وعصى الله تعالى ونحو ذلك. كما يجوز الحلف على ثبوت الحكم الشرعي الوارد في الفتوى في بعض الأحيان وفي الأمور الخطيرة ما دام الحكم ثابتاً بدليل قطعي يدل على هذا الجواز قوله تعالى: ﴿ويستفتونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾.

 

ما يراعى في كتابة الفتوى أو النطق بها

216- والفتوى كما تجوز شفاهاً تجوز كتابة، وفي الحالتين ينبغي للمفتي أن يبدأ فتواه بالبسملة وحمد الله تعالى والصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يختم فتواه بقوله: وبالله التوفيق، أو والله هو الموفق، أو والله أعلم.

217- وإذا كانت الفتوى مكتوبة فعلى المفتي أن يقارب سطورها وكلماتها ولا يترك فواصل فيما بينها لئلا يزور أحد عليه ويضيف اليها ما لم يقله. وأن تكون موصولة بآخر سطر من السؤال، وإذا ضاقت ورقة الاستفتاء عن الفتوى لطولها فينبغي أن يكتب الجواب أو يكمله في ظهر الورقة ولا يكتبها في ورقة مستقلة منفصلة خوفاً من الاحتيال عليه.

218- وإذا كان في ورقة الاستفتاء فتوى من ليس أهلاً للفتوى فللمفتي أن يشطب اسم صاحب هذه الفتوى وإن كانت صحيحة، أما إذا كانت الفتوى خطأ فيشطب اسمه ويشطب الفتوى، ولكن هذا الشطب يكون بإذن صاحب الاستفتاء، وإذا رفض فللمفتي أن يمتنع عن اعطاء الفتوى كتابة وإنما يجيبه شفاهاً، والسبب في ذلك أن ذكر اسم المفتي مع اسم من سبقه وهو غير أهل للافتاء تقريراً للناس لما يتوهمونه من صلاحية وأهلية ذلك الشخص للافتاء إذا رأوا اسمه مقروناً باسم المفتي. أما إذا كان اسم من سبقه أهلاً للافتاء ولكن كانت فتواه خطأ قطعاً فله شطبها بإذن صاحب الاستفتاء أو إعادتها الى صاحب الفتوى ليصححها أو ينبه على ما فيها من خطأ عندما يحرر فتواه، أما إذا كانت سائغة فليس له أن يتعرض لها بالشطب أو التخطئة وإن خالفت اجتهاده.

 

العمل بالفتوى

219- والفتوى متى صدرت ممن هو أهل للافتاء عمل بها المستفتي وكان عمله هذا مقلداً لصاحب الفتوى، ولكن إذا رجع المفتي عن هذه الفتوى قبل أن يعمل بها المستفتي وعلم برجوعه حرم عليه العمل بها، وعليه أن يعيد استفتاءه ويعمل بما يفتي به. وأما لو عمل بالفتوى ثم رجع المفتي عن فتواه وعلم المستفتي برجوعه، فعلى المستفتي اعادة استفتائه والعمل بالفتوى الجديدة حتى ولو استلزمت نقض عمله السابق ما دام هذا العمل له صفة الاستمرار كما لو نكح من لم يجز له نكاحها بموجب فتوى سابقة رجع عنها صاحبها ثم استفتى فأفتي بعدم الجواز فإنه يفارق زوجته. هذا ما قالوه، ويبدو لي أن هذا النقض إنما يكون إذا كانت الفتوى السابقة التي رجع عنها صاحبها باطلة قطعاً لمخالفتها للدليل القاطع، أما إذا كانت سائغة ورجع عنها صاحبها وكان المستفتي قد عمل بها فلا أرى وجوب نقض عمل المستفتي بها لأنه عمل بما هو سائغ وبزعم شرعي.

 

الفرق بين الفتوى والحكم

220-  هناك جملة فروق بين الفتوى التي تصدر عن المفتي وبين الحكم الذي يصدر عن القاضي، ومن هذه الفورق:

أ) الفتوى تعتبر محض اخبار عن الله تعالى بما هو مطلوب شرعاً من المستفتي أو بما هو مباح له. أما حكم القاضي فهو وإن كان اخباراً عن حكم الشرع أيضاً إلا أن فيه إلزاماً للمحكوم عليه بما تضمنه الحكم.

ب)  إن كل ما يجري فيه حكم القاضي تجري فيه الفتوى أيضاً ولا عكس، فالعبادات تجري فيها الفتوى ولكن لا يجري فيها حكم القضاء فليس لحاكم أن يحكم أن هذه الصلاة صحيحة أو فاسدة أو أن هذا الماء نجس لا يجوز الوضوء به ولكن للمفتي أن يفتي في هذه المسائل ونحوها. ويلحق بالعبادات أسبابها كما لو شهد شاهد أو شاهدان بهلال رمضان وأثبت ذلك حاكم وأمر بإعلانه فإن ذلك منه فتوى وليس بحكم وهذا ما قاله المالكية.

ت)  فتوى المفتي أعظم خطراً من حكم القاضي، لأن الفتوى تعتبر شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره، أما حكم القاضي فهو خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

أصول الدعوة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca