الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: أصول الدعوة
المؤلف: عبد الكريم زيدان
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - موضوع الدعوة

الفصل الرابع - أنطöمَة الإسْلام - المبحث الرابع - نöظامُ الحöسْبَة

تمهيد

130- قلنا فيما سبق: إن المطلوب من المسلم أن تكون أفعاله وأقواله وفق المناهج الاسلامية ولهذا أمر الله تعالى أهل العلم بتبليغ الناس أحكام الاسلام وتعليمهم حدود ما أنزل الله، كما أمر سبحانه وتعالى من لا يعلم أن يتعلم، ومن سبل التعلم أن يسأل أهل العلم ولهذا وجد في الاسلام نظام الافتاء الذي تكلمنا عنه. ومع هذا قد يبقى المسلم جاهلا شرع الله إما لأن تبليغ العلماء لم يصله أن أنه قصر في تعلم ما يجب عليه تعلمه كما لم يستفت أهل العلم فيما يهمه من أمور، فيقع في المعصية ومخالفة الشرع بسبب جهله. وقد يعلم المسلم حدود ما أنزل الله ومع هذا يقع في المعصية اتباعاً لهواه، والمعصية في الحالتين منكر ارتكب أو معروف هجر، والمنكر إذا وقع وجبت إزالته، والمعروف إذا هجر، وجب الأمر به. وإزالة المنكر إذا ظهر فعله، والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه هو أساس وملاك ما يعرف بالشريعة الإسلامية بنظام الحسبة وهو ما نتكلم عنه في هذا المبحث.

 

منهج البحث

131-  تسهيلاً للبحث وإحاطة بالموضوع نقسم هذا المبحث إلى خمسة مطالب:

المطلب الأول – للتعريف بالحسبة وبيان مشروعيتها ومكانتها في الإسلام

المطلب الثاني – للكلام عن المحتسب

المطلب الثالث – للكلام عن المحتسب عليه

المطلب الرابع – للكلام عن المحتسب فيه

المطلب الخامس – للكلام عن نفس الاحتساب

 

المطلب الأول - التعريف بالحسبة ومشروعيتها ومكانتها في الإسلام

معناها في اللغة

132- الحسبة في اللغة تدل على العد والحساب، ويقال: احتسب بكذا إذا اكتفى به، واحتسب على فلان الأمر، أنكره عليه، واحتسب الأجر على الله: ادخره لديه. والحسبة اسم من الاحتساب، والاحتساب يستعمل في فعل ما يحتسب عند الله تعالى.

 

معناها في الاصطلاح

133- والحسبة عند الفقهاء "أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله" فهي إذن من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن الفقهاء يسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، احتساباً وحسبة ما دام القائم به يفعله ابتغاء مرضاة الله وما عنده من ثواب.

 

دليل مشروعيتها

134- دل على طلب الشرع للحسبة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فكل آية وردت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على مشروعية الحسبة وطلب الشرع لها. والواقع أن القرآن الكريم دل على طلب الحسبة بأساليب متنوعة فطوراً يأمر بها، وتارة يجعلها وصفاً لازماً للمؤمنين وسبباً لخيرية الأمة وان الغاية من التمكين في الأرض والظفر بالسلطان والحكم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن ترك ذلك سبب لاستحقاق اللعنة. فمن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...﴾ ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.

135- والسنة النبوية دلت على مشروعية الحسبة وطلب الشرع لها. فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم" "أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك".

 

مدى مشروعيتها

136- والحسبة – وهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر – قد ينظر اليها من ناحية المطالب بها، وقد ينظر إليها من حيث هي أمر ونهي. فمن الناحية الأولى هي فرض كفائي إذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وإن لم يقم بها أحد، أثم القادرون جميعاً. وقد تصير فرض عين إذا تعينت على شخص معين كما أنها قد تصير مستحبة بالنسبة للمسلم غير واجبة عليه بل وقد تصير محرمة في ظروف خاصة كما سنبينه فيما بعد.

أما من الناحية الثانية أي بالنظر إلى ذاتها فإنها تكون – على رأي البعض – واجبة أو مندوبة نظراً إلى موضوعها، أي إلى ما تتعلق به فإن كانت أمراً بواجب أو نهياً عن حرام كانت الحسبة واجبة، سواء كان وجوبها عينياً أو كفائياً، وان كان موضوعها أو ما تتعلق به مندوباً كانت مندوبة. وقال البعض الآخر من الفقهاء: إن الحسبة بذاتها تكون واجبة دائماً بغض النظر عما تتعلق به.

 

مكانة الحسبة في الاسلام:

137- وللحسبة مكانة عظيمة جداً في الاسلام لأنها أمر بمعروف ونهي عن منكر. وهذا من أخص خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى مبيناً هذه الحقيقة: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر...﴾ وقد وصف الله الأمة الاسلامية بما وصف به رسولها حتى تقوم من بعده بما قام به صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأصول العظيمة للاسلام، ومن ثم كانت الحسبة محل عناية الفقهاء والتنويه بشأنها. قال الفقيه المشهور بابن الأخوة: "الحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها، وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وإصلاح بين الناس". وقال ابن خلدون في مقدمته: "أما الحسبة فهي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين أن يعين لذلك من يراه أهلا له...".

 

حكمة مشروعيتها

138- وحكمة مشروعيتها ظاهرة لأن تبليغ الدعوة الإسلامية بجميع معانيها يندرج تحت مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما أن من حكمة مشروعيتها توقي العذاب واستنزال رحمة الله، وبيان ذلك أن المعاصي سبب المصائب وما ينزل على الناس من عذاب التأديب أو الانتقام أو الاستئصال وبهذا جرت سنة الله قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير...﴾. وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبباً للمصائب والهلاك فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت الآخرون فلا يأمرون ولا ينهون فيكون ذلك من ذنوبهم فتصيبهم المصائب، وفي الحديث الشريف "ان الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعذاب منه". وكما أن المعصية سبب المصيبة والعذاب، فإن الطاعة سبب النعمة والرخاء ورضوان الله تعالى وبذلك جرت سنة الله تعالى، قال تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ وقال تعالى: ﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة...﴾ وقال تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾.

 

أركان الحسبة

139- الحسبة تستلزم وجود من يقوم بها، وهذا هو المحتسب، ومن تجري عليه الحسبة وهذا هو المحتسب عليه، وعمل أو ترك تجري فيه الحسبة، وهذا هو المحتسب فيه، وما يقوم به المحتسب وهذا هو الاحتساب فأركان الحسبة أربعة: المحتسب، والمحتسب عليه، والمحتسب فيه، والاحتساب. ولا بد من الكلام عن هذه الأربعة في المطالب التالية:

 

المطلب الثاني - المحتسب

من هو المحتسب

140- المحتسب من يقوم بالاحتساب أي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن شاع عند الفقهاء اطلاق هذا الاسم على من يعينه ولي الأمر للقيام بالحسبة، وأطلقوا عليه أيضاً اسم والي الحسبة، أما من يقوم بها من دون تعيين ولي الأمر فقد أطلقوا عليه اسم "المتطوع" ثم راحوا يفرقون بين المحتسب والمتطوع.

 

الفرق بين المحتسب والمتطوع

141- أ) الاحتساب فرض متعين على المحتسب بحكم الولاية أي بحكم تعيينه محتسباً، أما فرضه على غيره فهو من فروض الكفاية ومن ثم لا يجوز للمحتسب أن يتشاغل عما عين له من أمور الحسبة بخلاف المتطوع.

ب) وقالوا: إن المحتسب عين للاستعداء اليه وطلب العون منه عند الحاجة ومن ثم تلزمه اجابة من طلب ذلك منه بخلاف المتطوع إذ لا يلزمه من ذلك شيء.

جِ) وقالوا: إن المحتسب عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة حتى يتمكن من إزالتها كما أن عليه أن يبحث عما ترك من المعروف الظاهر حتى يأمر بإقامته، أما المتطوع فلا يلزمه ذلك.

د) وقالوا: للمحتسب أن يستعين على أداء مهمته بالأعوان، فيتخذ له من الأعوان والمساعدين بقدر ما يحتاج لأداء مهمته التي عين لها، وليس للمتطوع ذلك.

هِ) قالوا: وللمحتسب أن يعزر على المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوزها الى إقامة الحدود وليس للمتطوع ذلك.

و) للمحتسب أن يأخذ على عمله أجراً من بيت المال وليس للمتطوع ذلك.

ز) للمحتسب أن يجتهد في المسائل المبنية على العرف فيقر منها ما يراه صالحاً للاقرار وينكر منها ما يراه مستحقاً للانكار وليس للمتطوع ذلك.

 

رأينا في هذه الفروق

142- هذه الفروق بنيت على أساس التفريق بين المعين للحسبة وغير المعين لها. والواقع أن الحسبة من فروض الإسلام فلا يتوقف القيام بها على التعيين من قبل ولي الأمر ومن ثم كانت تسمية غير المعين بالمتطوع تسمية غير دقيقة لأنها تشعر بأن القيام بالحسبة من قبل غير المعين لها هو من قبيل القيام بالأمور المستحبة غير الواجبة.

ومع هذا فإن تنظيم الحسبة وضبطها من قبل ولي الأمر وتعيين الأكفاء لها حتى لا تسود الفوضى في المجتمع بإسم الحسبة أقول: إن هذا التنظيم من الأمور الحسنة ولكن بشرط أن لا يكون هذا التنظيم مانعاً من قيام الآخرين بواجب الحسبة على الوجه المشروع. وعلى هذا لا نرى ما قاله الفقهاء من أن المحتسب له أن يتخذ أعواناً أما المتطوع فليس له ذلك، لأن إتخاذ الأعوان على الحسبة من التعاون على البر والتقوى فلا ينبغي منع من يقوم بالحسبة من هذا التعاون بحجة أنه غير معين من قبل ولي الأمر ما دام صالحاً للحسبة وتتوفر فيه شروط الحسبة. وكذلك لا نرى منع المتطوع من التعزير على المنكرات الظاهرة أو على الأقل لا نرى منعه من التعزير مطلقاً لأن التعزير درجات فينبغي أن لا يمنع إلا من بعضها لا كلها كأن يمنع من الضرب والجلد.

 

ولاية المحتسب

143- ولاية المحتسب يستمدها من الشرع الشريف لأن المسلم مكلف بالحسبة وحيث يوجد التكليف توجد الولاية على القيام بما كلف به، إلا أنه في حالة قيام ولي الأمر بتنظيم أمور الحسبة وتعيين الأكفاء لها فإن المعين يملك من الولاية أكثر مما يملكه غير المعين، ومع هذا فإن ولاية (المحتسب) المعين من قبل ولي الأمر يستمدها من الشرع وإن جاءت عن طريق ولي الأمر باعتبار أن تنظيم ولي الأمر للحسبة سائغ مشروع فكأن الشرع خوله ذلك.

 

مقصود هذه الولاية

144- ومقصود ولاية المحتسب سواء عين من قبل ولي الأمر أو لم يعين هو إقامة شرع الله في الأرض وتطهيرها من الفساد لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. وهذا المقصود في الحقيقة هو مقصود كل ولاية في الإسلام وكل الفرق بين ولاية وأخرى هو في سعتها ومتعلقاتها وهكذا تعمل جميع الولايات منسجمة لتحقيق مقصود واحد هو إقامة شرع الله في الأرض وتطهيرها من الفساد والمفسدين.

 

ولاية المحتسب وولاية القاضي

145- وقد بحث الفقهاء أوجه الفرق والاختلاف بين ولاية المحتسب وولاية القاضي وخرجوا من بحثهم هذا ببيان أوجه الفرق والخلاف بينهما على النحوالتالي:

أ)  أوجه الاتفاق:

تتفق الولايتان في جواز الاستعداء إلى المحتسب والادعاء أمامه في حقوق الآدميين في دعاوى خاصة هي المتعلقة ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن، أو متعلقة بغش أو تدليس في بيع أو ثمن أو متعلقة بمطل أو تأخير لدين مستحق الأداء مع القدرة على الوفاء. وإنما جاز للمحتسب أن ينظر في هذه الدعاوى دون غيرها لأنها كما قالوا "تتعلق بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى إقامته".

وللمحتسب كما للقاضي أن يلزم المدعى عليه بأداء الحق الواجب عليه إلى مستحقه في الدعاوى التي له حق النظر فيها إذا ثبتت تلك الحقوق بإقرار المدعى عليه وثبتت قدرته على الوفاء. وإنما كان للمحتسب إلزام المدعى عليه بإداء هذه الحقوق لأن تأخير وفائها مطل، والمطل منكر نهى الشارع عنه، قال صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم يحل ماله وعرضه" والمحتسب منصوب لإزالة المنكر.

ب)     أوجه الخلاف:

أولاً: تقصر ولاية المحتسب عن ولاية القاضي من وجهين:

الوجه الأول: ليس للمحتسب سماع الدعاوى التي تخرج عن نطاق المنكرات الظاهرة أي التي تخرج عن نطاق الدعاوى الثلاث التي أشرنا إليها في أوجه الاتفاق.

الوجه الثاني: له النظر في الحقوق المعترف بها، أما ما يدخله التجاحد والتناكر فلا ينظر فيه لأن الحق لا يثبت عند ذاك إلا ببينة من المدعي أو تحليف المنكر اليمين وهذا للقاضي لا للمحتسب.

ثانياً: وتزيد ولاية المحتسب على ولاية القاضي من وجهين:

1: للمحتسب أن يأمر بما هو معروف، وينهى عما هو منكر، وإن لم يرتفع إليه  في ذلك خصم ولم يتقدم إليه أحد بدعوى، وليس للقاضي ذلك إلا برفع دعوى ومطالبة خصم.

2: للمحتسب من سلاطة السلطة فيما يتعلق بالمنكرات الظاهرة ما ليس للقاضي، لأن الحسبة – كما يقول الفقهاء – تقوم على الرهبة، فلا تجافيها الغلظة وإتخاذ الأعوان وسلاطة السلطة، أما القضاء فموضوع لإنصاف الناس واستماع البينات حتى يتبين المحق من المبطل فكان الملائم له الأناة والوقار والبعد عن الغلظة والخشونة والرهبة.

146- ويمكن أن نضيف إلى ما قاله الفقهاء فرقاً ثالثاً تزيد به ولاية المحتسب على ولاية القاضي وهي ولاية المحتسب على الأمر والنهي فيما لا يدخل في صلاحية القاضي ولا يجري فيه الحكم، فللمحتسب أن يأمر العامة بالصلاة في أوقاتها ويأمر بالجمعة والجماعات وينهى عن منكرات المساجد وعن تأخير الصلاة عن أوقاتها ونحو ذلك مما لا يجري فيه حكم القضاء ولا ينظر فيه القاضي.

 

شروط المحتسب

147-  اشترط الفقهاء شروطاً معينة في المحتسب ليكون أهلاً للاحتساب، وهذه الشروط:

أولاً: أن يكون مكلفاً لأن غير المكلف لا يلزمه أمر ولا يجب عليه تكليف. والمكلف في اصطلاح الفقهاء هو البالغ العاقل، وهذا في الحقيقة شرط وجوب الاحتساب على المسلم، أما إمكان الحسبة وجوازها فلا يستدعي إلا العقل حتى إن الصبي المميز وإن لم يكن مكلفاً فله إنكار المنكر وليس لأحد منعه من ذلك، لأن احتسابه من القربات وهو من أهلها كالصلاة وليس حكم احتسابه حكم الولايات حتى يشترط له التكليف.

ثانياً: أن يكون مسلماً وهذا شرط واضح لأن الحسبة نصرة للدين فلا يكون من أهل النصرة من هو جاحد لأصل الدين.

148- ثالثاً: الإذن من الإمام أو نائبه، وهذا شرط محل نظر ذلك أن المحتسب إذا عين من قبل ولي الأمر، فلا حاجة له للإذن، لأنه ما عين إلا للاحتساب. أما إذا لم يكن معيناً وهو الذي يسمونه "المتطوع" فإن اشترطوا له الإذن لكل نوع من أنواع الحسبة فإن اشتراطهم هذا لا دليل عليه بل إن النصوص تدفعه لأن كل مسلم يلزمه تغيير المنكر إذا رآه وقدر على إزالته دون اشتراط إذن من الإمام ويؤيد ذلك استمرار السلف الصالح على الحسبة دون إذن من الإمام فضلاً عن أن الحسبة تجري على الإمام نفسه فكيف يحتاج المحتسب إلى إذن منه للإنكار عليه؟.

وإن اشترطوا الإذن بالنسبة لبعض أنواع الحسبة وهي التي يجري فيها التعزير واتخاذ الأعوان واستعمال القوة فهذا الشرط له وجه مقبول لابتنائه على المصلحة، لأن إباحة هذا النوع من الاحتساب لكل أحد قد يؤدي إلى الفتنة والفوضى ووقوع الاقتتال بين الناس بحجة الحسبة، وباشتراط الإذن تندفع هذه الأضرار فيلزم الإذن لأن دفع الضرر واجب وما يستلزمه هذا الدفع يكون مشروعاً. ومع هذا التوجيه المقبول نرى جواز تغيير المنكر من المتطوع إذا أمن الفتنة وإن استلزم التغيير اتخاذ الأعوان واستعمال القوة ومباشرة التعزير كلما كان ذلك ضرورياً ولا يحتمل التأخير حتى يتحصل الإذن.

149-  رابعاً: العدالة، وهذا شرط قال به البعض، فعندهم لا بد أن يكون المحتسب

عدلاً غير فاسق ومن مظاهر عدالته أنه يعمل بما يعلم ولا يخالف قوله عمله. ويمكن أن يستدل لهذا القول بما يأتي:

أ) قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾.

ب) المطلوب من المسلم أن يعمل بما يدعو الناس إليه ولا يخالف قوله فعله ليكون لقوله التأثير في رفع المنكر واستجابة الناس له ولهذا قال شعيب عليه السلام لقومه كما أخبرنا الله تعالى: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾ وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بالمقاريض فقلت له من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم".

150- وقال البعض الآخر: العدالة ليست شرطاً، وإنما الشرط القدرة على إزالة المنكر لأنه ما من أحد إلا ويصدر منه العصيان، والمعصية تثلم العدالة، فكيف يشترط ما يتعذر تحققه في المسلم؟ ولهذا قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: "إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء".

151- والراجح، عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ، ومن حيث الجملة دون التفصيل، لأن الاحتساب فرض كسائر الفروض الإسلامية لا يتوقف القيام به على أكثر مما يتطلبه ويحتاجه هذا الفرض، وليس مما يتوقف عليه أن يكون المحتسب عدلاً بالاصطلاح المعروف عند الفقهاء، لأن ما يأمر به المحتسب أو ينهى عنه هو من الأمور الحسنة المشروعة، والحق ينبغي أن يتبع ويقبل من قائله بغض النظر عن فعله وسلوكه، وما احتج به المشترطون لا حجة لهم فيه لأن الذم على من يأمر غيره بالمعروف وينسى نفسه إنما استحق هذا الذم بسبب ارتكابه ما نهى عنه لا على نهيه عن المنكر، وإن كان النهي عن المنكر ممن يأتيه مستقبحاً في النفوس، كما أن أمره بالمعروف دل على قوة علمه وعقاب العالم وذمه إذا ارتكب المنكر أشد من الجاهل إذا ارتكب المنكر، وعليه فإن الإنكار في قوله تعالى: ﴿وتنسون أنفسكم﴾ إنما كان عليهم بسبب أنهم نسوا أنفسهم لا بسبب أنهم أمروا غيرهم بالمعروف.

152- ومع ترجيحنا عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ والأصل، إلا أن العدالة لها تأثير في بعض أنواع الحسبة وفي وجوبها أو عدم وجوبها ومن ثم يكون لاشتراط العدالة وجه مقبول، وبيان ذلك أن الحسبة إذا كانت بالوعظ والإرشاد فإن نفعها المرجو يحصل إذا كان المحتسب ورعاً تقياً عدلاً حيث يكون لكلامه ووعظه – عادة – تأثير في الناس وقبول عندهم فيتركون المنكر، وحيث كان نفع الحسبة مرجواً بالوعظ ولا ضرر للمحتسب منه كانت الحسبة عليه واجبة، فيكون اشتراط العدالة في هذه الحالة لوجوب الحسبة اشتراطاً مقبولاً. أما إذا كان المحتسب فاسقاً غير عدل فالغالب أن وعظه لا يؤثر ولا يقبل فلا يفيد، وإذا لم ينفع وعظه لم تجب عليه الحسبة لفقدان شرط وجوبها وهو العدالة.

أما إذا كانت الحسبة بالقوة والقهر فالعدالة ليست شرطاً في المحتسب لوجوب الحسبة عليه، إذ الشرط لوجوبها عليه القوة والقدرة وليست العدالة، ولأن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

153- ومع هذا التفصيل الذي بيناه، فإنه مما لا ريب فيه أن من المرغوب فيه بالنسبة لجميع المحتسبين أن يكونوا على أكبر قدر ممكن من العدالة وتجنب ما يخدشها، وكلما كان المحتسب أكثر عدالة من غيره كان ذلك كما قالوا "أزيد في توقيره وأنفى للطعن في دينه" وتؤثر حسبته وتقبل وإن كانت بالقوة والقهر.

154- خامساً: العلم، ويشترط في المحتسب أن يكون عنده من العلم ما يستطيع أن يعرف المنكر فينهى عنه، ويعرف المعروف فيأمر به حسب الموازين الشرعية، وبهذا يكون احتسابه عن علم ومعرفة لا عن جهل وتخبط. وقد جاء في الأثر "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به فقيهاً فيما ينهى عنه" ويدخل في حد العلم المطلوب علم المحتسب بمواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها ليقف عند حدود الشرع كما سنبينه فيما بعد. ولكن هل يشترط في المحتسب أن يكون مجتهداً؟ الجواب بالإيجاب إذا قلنا: للمحتسب أن يحمل الناس على رأيه في الأمور المختلف فيها، أما إذا قلنا: ليس للمحتسب ذلك فالاجتهاد ليس شرطاً وإنما يكفي أن يكون عالماً بالمنكرات المتفق عليها وبالمعروف المتفق عليه. وعدم شرط الاجتهاد هو ما نرجحه.

155- وهل يشترط في المحتسب أن يكون عارفاً بالصنائع الدنيوية والمهن والحرف التي يباشرها الناس؟ الواقع أن هذا التساؤل وارد لأن عمل المحتسب يشمل مراقبة هذه المهن والحرف ليتأكد من عدم غش أصحابها واحتيالهم وإضرارهم بالناس، فقد ذكر الفقهاء أن على المحتسب أن يراقب أصحاب المهن والصنائع المختلفة ويمنعهم من الغش فيها، كما يمنع مباشرتها من قبل الجهال بها، ومن البديهي أن ذلك لا يتأتى للمحتسب إلا إذا كان عارفاً بهذه الصنائع والحرف، بل ذهب الفقهاء إلى أن المحتسب يمتحن بعض أصحاب المهن العلمية كالكحال "طبيب العيون" ليتأكد من صلاحيته لهذه المهنة، وهذا يستلزم معرفة المحتسب لهذا الجانب من العلم، قال الفقيه عبد الرحمن بن نصر الشيزري: "وأما الكحالون فيمتحنهم المحتسب... فمن وجده فيما امتحنه عارفاً بتشريح عدد طبقات العين السبعة.. وكان خبيراً بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس" كما صرح الفقهاء بضرورة معرفة المحتسب بالأوزان ونحوها فمن أقوالهم "لما كانت هذه – أي القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم – أصول المعاملات وبها اعتبار المبيعات لزم المحتسب معرفتها وتحقيق كميتها لتقع المعاملة بها من غير غبن على الوجه الشرعي".

156- وعلى هذا يجب على المحتسب أن يعرف ما يحتسب فيه من المهن والحرف والصنائع. ولكن يمكن أن يقال: إن إلزام المحتسب بمعرفة هذه الأشياء كلها أو أكثرها بل وحتى بعضها مما يشق عليه ويعسر، ولهذا نرى أن وجوب هذه المعرفة في المحتسب يمكن أن تتحقق باستعانته بذوي الخبرة بهذه الأشياء سواء كان هؤلاء الخبراء من أعوانه الدائمين أو من غيرهم، فيستشيرهم فيما يحتسب فيه من شؤون هذه المهن والحرف والصنائع ويأخذ بأقوالهم ما داموا أمناء ثقاة.

157- سادساً: القدرة، ويشترط في المحتسب أن يكون قادراً على الاحتساب باليد واللسان، وإلا وقف عند الإنكار القلبي. وهذا الشرط مفهوم فيمن يقوم بالاحتساب من تلقاء نفسه وبدون تعيين ولي الأمر، أما المعين فإن القدرة حاصلة فيه لأن الدولة معه. هذا ولا يقف سقوط وجوب الحسبة على العجز الحسي بل يلحق به ما يخاف من المكروه الذي ينزل به ولا يطيقه على النحو الذي سنبينه فيما بعد إن شاء الله.

 

آداب المحتسب

158- ذكر الفقهاء جملة من الآداب التي يجب على المحتسب التحلي بها حتى ينجح في عمله ويؤدي واجب الحسبة على الوجه المرضي المقبول، فمن ذلك ما قالوه: إنَّ على المحتسب أن يقصد باحتسابه وجه الله تعالى وطلب رضاه ولا يقصد بحسبته الرياء والسمعة والجاه والمنزلة عند الناس. والواقع أن خلوص النية مما يلزم المسلم في جميع أعماله فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، ولكن حاجة المسلم إلى الإخلاص تعظم وتشتد كلما كان عمله بطبيعته ظاهراً أو متعلقاً بالآخرين، ولهذا قد يتسرب الوسواس إلى بعض الأتقياء فيتركون الحسبة بحجة عدم خلوص النية، ونقول لهؤلاء الطيبين الورعين: إن عليهم أن يقوموا بالحسبة ويدفعوا هواجس الرياء ولا يتعمقوا في ذلك أو يسترسلوا في الخوف من الرياء لأن الشيطان قد يفتح عليهم باباً من الوسواس الذي لا ينتهي.

159- وقالوا إن المحتسب يلزمه الصبر والحلم بالإضافة إلى بقية الأخلاق الحسنة. والواقع أن تأكيد فقهائنا رحمهم الله تعالى على الصبر والحلم له ما يبرره، لأن الغالب لحوق الأذى والمضايقات بالمحتسب فإن لم يكن صبوراً حليماً كان ضرره أكبر من نفعه وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه وفاته ما كان مرجواً من احتسابه.

160- وقالوا أيضاً: يجب أن يكون المحتسب رقيقاً رفيقاً في أمره ونهيه بعيداً عن الفظاظة مع صلابة بالدين. وقد يبدو قولهم لأول وهلة متناقضاً إذ كيف يتفق الرفق مع الصلابة؟ والحقيقة لا تناقض، فالرفق وعدم الفظاظة مما أمر به الشرع فقد جاء في الحديث الشريف "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" وفي القرآن الكريم ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ فالمحتسب يستطيع أن يوصل أمره ونهيه بأسلوب رقيق يفتح مغاليق القلب، وسيأتي مزيد للكلام عن هذه المسألة فيما بعد إن شاء الله تعالى. أما الصلابة بالدين فتعني عدم التهاون في بيان أحكامه ولا المداهنة للمحتسب عليه ولا مجازاته على حساب الدين، وهذا لا يتناقض مع الرفق.

161- وقالوا أيضاً: على المحتسب أن يقلل علاقاته مع الناس حتى لا يكثر خوفه من انقطاعها، وأن يقطع طمعه من الخلائق حتى تزول منه معاني الملق والمداهنة، وأن لا يقبل هداياهم فضلاً عن رشاواهم التي هي حرام وسحت، وأن يلزم أعوانه بما ألتزمه من الأخلاق والآداب فإذا علم أن أحداً من أعوانه خرج عن هذا النهج والسلوك عزله وأبعده إذا لم ينفع معه التحذير "لتنتفي عن المحتسب الظنون وتنجلي عنه الشبهات" كما قال الفقهاء رحمهم الله، لأن الناس – غالباً – يحملون المحتسب أوزار أعوانه، وقليل منهم من يفصل بين أعمالهم وأعماله فلا خلاص من ذلك إلا بإبعاد الأعوان السيئين عنه.

 

المطلب الثالث - المحتسب عليه

التعريف به وبشرطه

162-  المحتسب عليه هو كل إنسان يباشر أي فعل يجوز أو يجب فيه الاحتساب ويسمى المحتسب عليه أو المحتسب معه.

ويشترط فيه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع منه في حقه منكراً وإن لم يكن معصية يحاسب عليها ديانة. وعلى هذا لا يشترط فيه أن يكون بالغاً عاقلاً، فالمجنون إذا زنى وجب الاحتساب معه وكذا الصبي مميزاً كان أو غير مميز إذا شرب الخمر أو همّ بشربه أنكر عليه المحتسب وحال بينه وبين شربها، وإن كان فعل هذا الصبي لا يعتبر معصية يحاسب عليها ديانة.

 

أنواع المحتسب عليهم

163- قلنا: إن المحتسب عليه هو كل إنسان يباشر ما تجري فيه الحسبة، وعلى هذا يمكن أن يكون محتسباً عليه أي فرد في المجتمع بلا استثناء إذا ما صدر منه ما تجري فيه الحسبة، سواء كان إماماً للمسلمين أو واحداً من عموم الناس. وعلى هذا تجري الحسبة على الأصناف الآتية التي قد يظن البعض عدم جريانها عليهم أو يتهاونون في الاحتساب معهم، أو أن الحسبة معهم تكون بشكل معين.

أولاً: الأقارب:

164- تجري الحسبة على الأقارب والأباعد على حد سواء لأن الحسبة أمر بمعروف ونهي عن منكر والكل أمام هذا الفرض سواء. ولكن الفقهاء رحمهم الله تعالى قالوا: احتساب الابن على والديه يكون ببيان الحكم الشرعي والموعظة الحسنة والتخويف من الله تعالى ولا يتعدى ذلك إلى الوسائل الأخرى كالكلام الغليظ والضرب، رعاية لحق الأبوة والأمومة دون تفريط بواجب الاحتساب.

ثانياً: غير المسلمين

165- ويجري الاحتساب على غير المسلم المقيم في دار الإسلام ذمياً كان أو مستأمناً لأننا وإن أمرنا بتركهم وما يدينون إلا أن هذا الترك لهم لا يعني تركهم يخرقون نظام الإسلام ويتعاطون ما يناقضه علانية، وإنما يعني تركهم وما يعتقدون وما يباشرونه في بيوتهم ومعابدهم من صنوف العبادة، أما إذا تظاهروا وأعلنوا ما يناقض الإسلام كما لو سكروا في قارعة الطريق، أو خطبوا في الناس يعلنون شتمهم للإسلام وتكذيبهم لنبي الإسلام فإنهم يمنعون من ذلك وتجري الحسبة عليهم في ضوء ما يفعلون.

ثالثاً: الأمراء

166- ويجري الاحتساب على السلطان ونوابه وسائر ذوي الأمرة والولاية كما يجري على آحاد الناس، ولكن يجب أن يلاحظ المحتسب منزلة السلطان وفقه الاحتساب معه، ومن هنا قال الفقهاء يكون الاحتساب عليه بتعريف الحكم الشرعي والوعظ لا بالقوة والقهر. وقد زخر تاريخنا الإسلامي بأخبار المحتسبين مع الخلفاء والأمراء دون أن يلحقهم أذى بل كانوا يقابلون بالقبول والتقدير وهكذا يكون شأن الحكام الصالحين.

رابعاً: القضاة

167- وتجري الحسبة على القضاة، قال الفقهاء: "وينبغي للمحتسب أن يتردد على مجالس القضاة والحكام ويمنعهم من الجلوس في الجامع والمسجد للحكم بين الناس وأنه متى رأى المحتسب القاضي قد استشاط على رجل غضباً أو شتمه أو احتد عليه في كلامه ردعه عن ذلك ووعظه وخوفه بالله عز وجل، فإن القاضي لا يجوز أن يحكم وهو غضبان ولا يقول هجراً ولا يكون فظاً غليظاً".

خامساً: أصحاب المهن المختلفة

168- ويجري الاحتساب على جميع أصحاب المهن والحرف والصنائع المختلفة لأن للإسلام حكمه فيهم وفيما يباشرونه. فمن أحكام الإسلام في الصنائع التي يحتاجها الناس أنه يعتبرها من فروض الكفاية فإذا امتنع أصحابها عنها ألزمهم المحتسب بالقيام بها. وحكم الإسلام فيما يباشرونه هو أداؤه على الوجه الصحيح السليم الخالي من الغش والتدليس والإضرار، ومن ثم كانت واجبات المحتسب تمتد إلى مراقبتهم جميعاً ليقرهم على أعمالهم إن كانت على الوجه الشرعي ويمنعهم منها إن كانت مخالفة للشرع، ولهذا بين العلماء رحمهم الله تعالى الضوابط والحدود الواجب مراعاتها في مباشرة المهن المختلفة والتي يجب على المحتسب التأكد من مراعاتها من قبل أصحاب هذه المهن.

 

المطلب الرابع - موضوع الحسبة

المنكر هو موضوع الحسبة

169- قلنا في تعريف الحسبة أنها أمر بمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن منكر إذا ظهر فعله. وهذا التعريف في الواقع يشمل موضوع الحسبة والاحتساب ذاته. فالموضوع هو المعروف والمنكر، والاحتساب هو الأمر بالأول والنهي عن الثاني.

ثم إن المنكر قد يكون بإيجاد فعل نهت الشريعة عنه وقد يكون بترك فعل أمرت الشريعة بفعله، فيكون المنكر بهذا الاعتبار ذا وجهين:

الأول: إيجابي يتمثل بإيجاد الفعل المحظور شرعاً.

الثاني: سلبي يتحقق بترك الفعل المطلوب شرعاً أي المعروف. ويكون الاحتساب في الوجهين بالنهي عنهما أي بالنهي عن إيجاد الفعل المحظور حتى لا يوجد أو الانكفاف عنه بعد وجوده، وبالنهي عن ترك الفعل المشروع حتى يوجد. وعلى هذا فنحن نؤثر أن نجعل موضوع الحسبة هو المنكر بوجهيه ويكون الاحتساب فيه بالنهي عنه بهذين الوجهين.

 

المقصود بالمنكر

170- وإذا كان موضوع الحسبة هو المنكر بوجهيه الإيجابي والسلبي فما المقصود بالمنكر؟ الغالب أن هذه الكلمة تطلق على المعصية، والمعصية هي مخالفة الشريعة بارتكاب ما نهت عنه أو ترك ما أمرت به سواء كانت المعصية من صغائر الذنوب أو كبائرها وسواء تعلقت بحق الله أو بحق العبد. وسواء ورد بها نص شرعي خاص أو عرف حكمها من قواعد الشريعة وأصولها العامة وما أرشدت إليه من مصادر، وسواء كانت المعصية من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح. ولكن كلمة المنكر في باب الحسبة تطلق على معنى أوسع مما ذكرناه فتطلق على كل فعل فيه مفسدة أو نهت الشريعة عنه وإن كان لا يعتبر معصية في حق فاعله إما لصغر سنه أو لعدم عقله، ولهذا إذا زنى المجنون أو همّ بفعل الزنى، وإذا شرب الصبي الخمر كان ما فعلاه منكراً يستحق الإنكار وإن لم يعتبر معصية في حقهما لفوات شرط التكليف وهو العقل والبلوغ.

 

من يملك إعطاء وصف المنكر

171- والجهة التي تملك إعطاء وصف المنكر لأي فعل أو ترك هي الشريعة الإسلامية لأن إعطاء هذا الوصف حكم شرعي، والحاكم هو الله تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ وما على الفقهاء إلا التعرف على حكم الله، فعملهم هو كشف عن الحكم الشرعي وليس إنشاءً للحكم الشرعي ولهذا إذا تبين خطؤهم لم نتابعهم عليه لأن الحجة فيما بيّنه الشرع وقد ظهر لنا، ولأن مهمة الفقهاء الكشف، وليس الإنشاء كما قلنا.

172- وقد يعترض البعض علينا بأن الفقهاء قالوا: إن ما رآه المسلمون حسناً أو قبيحاً دخل في موضوع الحسبة أمراً بالأول ونهياً عن الثاني فكيف نوفق بين هذا القول وبين ما قلناه؟ والجواب أن الشريعة الإسلامية دلت على أن الإجماع حجة معتبرة فإذا أخذنا بما رآه المسلمون حسناً فأمرنا به وبما رأوه فبيحاً فنهينا عنه فإنما نأخذ بدليل الإجماع وهو دليل شرعي أرشدتنا إليه الشريعة.

وكذلك أخذنا بالعرف الصحيح هو اتباع بما أرشدتنا إليه الشريعة من مراعاة العرف الصحيح.

 

شروط المنكر

173- وإذا كان المنكر بوجهيه هو موضوع الحسبة فلا بد من توافر شروط معينة فيه ليمكن الاحتساب فيه. فما هي هذه الشروط؟ قال علماؤنا رحمهم الله تعالى يشترط فيه أن يكون ظاهراً وقائماً في الحال ومتفقاً على حكمه. ولا بد من الكلام بإيجاز عن كل شرط.

أولاً: أن يكون ظاهراً

174- المراد بظهور المنكر انكشافه للمحتسب وعلمه به بدون تجسس سواء كان هذا الانكشاف والعلم به حصل عن طريق السمع أو البصر أو الشم أو اللمس أو الذوق لأن هذه الحواس طرق سليمة للعلم بالشيء وبها يكون الشيء ظاهراً ما دامت خالية من التجسس. وعلى هذا من كان في بيته وقد أغلق بابه عليه وقام بشيء من المنكر لم يجز للمحتسب أن يتسلق الجدار أو يكسر الباب ليطلع على ما يفعله أهل الدار، ولكن لو ظهر المنكر الذي يباشرونه عن طريق الصياح أو الاستغاثة جاز للمحتسب اقتحام الدار لظهور المنكر عن طريق سمعه للصياح أو الاستغاثة.

ويدخل في مفهوم أو في معنى ظهور المنكر أي مكان يغلب على ظن المحتسب وقوع المنكر فيه، فعليه أن يخرج إلى ذلك المكان ويقوم بالاحتساب فيه، ولا يجوز له أن يسقط وجوب الحسبة عليه بالقعود بالبيت بحجة عدم انكشاف المنكر وظهوره له.

ثانياً: أن يكون قائماً في الحال

175- ومعنى ذلك أن يكون موجوداً في الحال لأن المنكر إذا وقع وانتهى فلا احتساب فيه على فاعله وإنما لولي الأمر أن يعاقبه إذا ثبت ذلك عليه ولكن يجوز الاحتساب على فاعله بوعظه بعدم العودة إليه.

ولكن هل يشترط وجود المنكر فعلاً أو يكفي وجود مقدماته وإن لم يوجد بعد؟ الواقع أن المنكر إذا ظهرت بوادره ولاحت علاماته وقامت القرائن على وشك وقوعه دخل في موضوع الحسبة وجاز الاحتساب فيه بالوعظ والإرشاد بلا تقريع إذ قد يحمل التقريع المحتسب عليه على ارتكاب المعصية على وجه العناد. ولكن إذا لم ينفع الوعظ ورأى المحتسب أن المنكر يوشك أن يقع وإذا وقع لم يكن تلافيه جاز أو وجب على المحتسب الاحتساب فيه بالوجه الذي يمنع وقوعه ما دام قادراً على ذلك.

وإذا كان وجود مقدمات المنكر يكفي لجريان الاحتساب فيه فهل يكفي العزم على المنكر للاحتساب؟ الواقع أن العزم على المنكر ما دام حديث نفس ولم يظهر في الخارج على شكل أشياء مادية تعتبر مقدمات للمنكر لم يجز الاحتساب فيه، ولكن لو صرح صاحب هذا العزم الخبيث بعزمه جاز للمحتسب أن يحتسب عليه بالوعظ والإرشاد والتخويف من الله تعالى بالقدر الذي يستحقه عزمه.

ثالثاً: عدم الخلاف فيه

176- ويشترط في المنكر أن يكون مما اتفق الفقهاء على اعتباره منكراً حتى لا يحتج المحتسب عليه بأن ما يفعله جائز على رأي بعض الفقهاء وإن كان غير جائز على رأي المحتسب.

ولكن إذا كان المنكر مما اختلف الفقهاء فيه فهل يمنع ذلك الاختلاف من الاحتساب فيه بدون قيد ولا شرط؟

الواقع أن الخلاف إما أن يكون سائغاً وإما أن لا يكون سائغاً ولكل حكمه:

أ) الخلاف السائغ يمنع من الاحتساب على رأي بعض الفقهاء، وقال آخرون يجوز للمحتسب أن ينكر على فاعل المنكر المختلف فيه بشرط أن يكون المحتسب مجتهداً.

ب) الخلاف غير السائغ، وهو الخلاف الشاذ أو الباطل الذي لا يعتد به لعدم قيامه على أي دليل مقبول كالذي يخالف صريح القرآن أو السنة الصحيحة المتواترة أو المشهورة أو إجماع الأمة أو ما علم من الدين بالضرورة، فمثل هذا الخلاف لا قيمة له ولا يمنع المحتسب من الإنكار والاحتساب.

 

إتساع موضوع الحسبة

177- الشرط الجوهري في موضوع الحسبة أن يكون منكراً في الشريعة الإسلامية وحيث إن من صفات الشريعة الشمول بمعنى أن لها حكماً في كل شيء بلا استثناء فإن موضوع الحسبة يصير واسعاً جداً بحيث يشمل جميع تصرفات وأفعال الإنسان، ولا يخرج من ذلك إلا ما تتوافر فيه شروط الاحتساب، ولا يدخل في ولاية المحتسب. وقد أشار الفقهاء إلى هذه السعة، فالفقيه ابن الإخوة يقول "والمحتسب من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية والشكف عن أمورهم ومصالحهم وبياعاتهم ومأكولاتهم ومشروبهم وملبوسهم ومساكنهم وطرقهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر" ويقول ابن خلدون وهو يتكلم عن المحتسب "ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل المنع من المضايقات في الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتعينة للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة... الخ".

 

أمثلة على إتساع موضوع الحسبة

178-  أولاً: في الاعتقادات

تجري الحسبة في أمور العقيدة، فمن أظهر عقيدة باطلة، أو اظهر ما يناقض العقيدة الإسلامية الصحيحة أو دعا الناس إليها أو حرف النصوص أو ابتدع في الدين بدعة لا أصل لها، منع من ذلك وجرت الحسبة عليه، لأن التقول على الله ودينه بالباطل لا يجوز ويناقض العقيدة الإسلامية التي من أصولها الانقياد والخضوع لله رب العالمين ولشرعه. ويدخل في ذلك رواية الأحاديث المقطوع ببطلانها وكذبها، وتفسير كتاب الله بالباطل من القول كتفسير الباطنية الذي لا تحتمله النصوص ولا اللغه ولا الشرع ولا المنقول عن السلف الصالح.

179-  ثانياً: في العبادات

مثل ترك صلاة الجمعة من قبل أهل قرية أو بلد مع توافر شرط إقامتها، وترك الأذان أو الزيادة فيه بما لم يأت به الشرع. ومثل المخالفة لهيئات العبادات كالجهر في صلاة الاسرار، والاسرار في صلاة الجهر، أو الزيادة في الصلاة أو عدم الطمأنينة فيها، وكالافطار في رمضان، وكالامتناع عن اخراج الزكاة.

180-  ثالثاً: في المعاملات

مثل عقد العقود المحرمة وأكل أموال الناس بالباطل بالربا وغيره والرشوة والغش في الصناعات والبياعات يدل على ذلك الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على صبرة طعام فادخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غشنا فليس منا" والواقع أن الغش يكون في أشياء كثيرة جداً فيكون مثلاً في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع مثل أن يكون ظاهر المبيع خيراً من باطنه، ويدخل في الصناعات مثل الذين يصفون المطعومات والملبوسات فيجب نهي هؤلاء عن الغش الذي يرتكبونه في مصنوعاتهم أو بياعاتهم.

181-  رابعاً: فيما يتعلق بالطرق والدروب

مثل بناء الدكات ووضع الاسطوانات وغرس الأشجار ووضع الأخشاب والسلع والأطعمة في الطرقات وذبح الحيوانات في الطريق وتلويث الأرض بالدماء وطرح القمامة في الدروب والأزقة وإلقاء قشور البطيخ فيها ورشها بالماء بحيث يخشى منها الزلق ونحو ذلك مما فيه ضرر بالناس، فيمنع ذلك كله ويحتسب فيه، لأنه ضرر، وهو ممنوع في الشريعة وإذا وقع يجب رفعه.

182-  خامساً: فيما يتعلق بالحرف والصناعات

وقد ذكر الفقهاء جميع الحرف والصناعات وبينوا كيفية الاحتساب فيها. والأصول الجامعة في الاحتساب فيها هي:

أ) من حيث المكان، فيجب أن يكون مكان الحرفة أو الصنعة لا ضرر فيه على الآخرين فلا يكون مكان الخباز في سوق الأقمشة مثلاً، وان يكون المكان بذاته صالحاً لمباشرة المهنة أو الصنعة وصلاحه من جهة نظافته وسعته وتهويته.

ب) من حيث أدوات الحرفة أو الصنعة يجب أن تكون صالحة للاستعمال، وقد وضع الفقهاء رحمهم الله تعالى مقاييس لصلاح كل أداة كأنهم هم أصحاب تلك الصنائع والحرف، فالإمام الشيزري يقول في مقلى الزلابية: "ينبغي أن يكون مقلى الزلابية من النحاس الاحمر الجيد.. ثم يبين الشيزري رحمه الله كيفية اعداده للاستعمال فيقول: ويحرق فيه النخالة ثم يدلكه بورق السلق إذا برد ثم يعاد إلى النار ويجعل فيه قليل من عسل ويوقد عليه حتى يحترق العسل، ثم يجلى بعد ذلك بمدقوق الخزف ثم يغسل ويستعمل فإنه ينقى من وسخه وزنجاره" وقد ذكرت هذا الكلام بطوله ليتبين للناس مدى اهتمام فقهائنا رحمهم الله تعالى بما ينفع للناس في حياتهم ويدفع عنهم الضرر في معايشهم.

جِ) إذا كانت أدوات الحرفة مقاييس للوزن أو الكيل أو الذرع وجب التأكد من سلامة هذه المقاييس وصحتها.

د) من جهة المصنوع أو المبيع، يجب أن يكون خالياً من الغش والتدليس، فلا تخلط الحنطة بالتراب ولا الطحين بغيره من المواد الرديئة، وان توضع العلامات المميزة لكل نوع إذا اتحد الجنس، فتنقط لحوم المعز – كما قال الفقهاء – بنقط الزعفران حتى تعرف وتميز من غيرها، وان تبقى أذناب المعز معلقة على لحومها الى آخر البيع.

هِ) من جهة من يباشر الصنعة والحرفة، يجب أن يلاحظ المحتسب اهليتهم، وقد ذكرنا من قبل قيام المحتسب بامتحان الكحال – طبيب العيون – وهكذا قالوا في امتحان اصحاب الحرف الأخرى كالمجبرين والفصادين والحجامين والجراحين وغيرهم. كما تلاحظ امانتهم وعفتهم.

183-  سادساً: فيما يتعلق بالأخلاق والفضيلة

ومما يلاحظه المحتسب ويحتسب فيه ما يتعلق بالأخلاق والآداب والفضيلة فيمنع مما يناقض الاخلاق الفاضلة، والآداب الإسلامية مثل الخلوة بالأجنبية والتطلع على الجيران من السطوح والنوافذ وجلوس الرجال في طرقات النساء وأماكن خروجهن أو تجمعهن أو التحرش بهن، ومثل التكشف بالطرقات باظهار العورات وما لا يحل كشفه واظهاره ومنع من عرف بالفجور من معاملة النساء قال أبو يعلى الحنبلي "وإذا كان من أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعي المحتسب سيرته وأمانته فإذا تحققها منه أقره على معاملتهن وان ظهرت منه الريبة وبان عليه الفجور منعه من معاملتهن وادبه على التعرض لهن".

 

المطلب الخامس - الاحتساب

معنى الاحتساب

184- نريد بالاحتساب القيام فعلاً بالحسبة كأن يأمر المحتسب بفعل معين بكيفية معينة أو يزيل منكراً بيده كأن يكسره أو يمزقه أو يتلفه أو يدفع صاحب المنكر بيده وبالقوة عما هو فيه.

 

ما يتم به الاحتساب

185- الاحتساب الكامل يتم بازالته تماماً ومحوه فعلاً ولو بالقوة عند الاقتضاء من قبل المحتسب او أعوانه او من قبل صاحب المنكر نفسه بأن يأمره المحتسب بتكسير آلة المنكر فيطيع أمره. فإن عجز المحتسب عن التغيير باليد انتقل الى الاحتساب بالقول عن طريق الوعظ والارشاد والتخويف من الله تعالى وقد يزول المنكر بهذا الطريق وقد لا يزول ويبقى صاحب المنكر مصراً على منكره. فإذا عجز المحتسب عن الانكار بالقول تحول إلى الانكار بالقلب بأن يكرهه بقلبه ويود لو استطاع تغييره. ودليل ما قلناه الحديث الشريف "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان".

 

مراتب الاحتساب

186-  وبناء على ما تقدم تكون مراتب الاحتساب ثلاثة:

المرتبة الاولى – تغيير المنكر باليد أي تغييره فعلاً ولو باستعمال القوة واستعمال السلاح والاستعانة بالأعوان كما في دفع الصائل لتخليص النفس البريئة من الموت وتخليص العرض المصون من الهتك. ويدخل في نطاق التغيير باليد ضرب المحتسب عليه أو حبسه أو دفعه لمنعه من مباشرة المنكر.

المرتبة الثانية – الاحتساب بالقول، وهو أنواع:

أ) التعريف: أي تعريف المحتسب عليه بالحكم الشرعي لفعله أو تركه إذ قد يكون المحتسب عليه جاهلاً بذلك فارتكب المنكر.

ب) الوعظ والنصح والارشاد والتخويف من الله تعالى وقد يقلع العاصي عن معصيته إذا سمع نصح الناصح ووعظ الواعظ فيحصل المقصود من الاحتساب.

جِ) التهديد والتخويف بإنزال الأذى به من قبل المحتسب وينبغي أن يكون ذلك مما يقدر عليه المحتسب فعلاً وبما هو غير ممنوع شرعاً لأنه إذا هدده بما لا يقدر عليه، لم يؤثر تهديده وإذا هدده بغير الجائز شرعاً، كان ذلك غير جائز، لأن على المحتسب أن لا يخالف الشرع في احتسابه.

المرتبة الثالثة – الاحتساب بالقلب، وهذا إذا عجز عن المرتبتين السابقتين، وهذه المرتبة لا يجوز أن يخلو منها أي مسلم يسمع بمنكر أو يراه إذ لا ضرر فيه ثم يتبع ذلك بالاحتساب القولي أو الفعلي.

 

فقه الاحتساب

187- الغرض من الاحتساب إزالة المنكر من الأرض وإيجاد المعروف فعلاً، وإذا كان هذا هو الغرض من الاحتساب فيجب الوصول إليه بأيسر طريق وأقصره بشرط أن يكون مشروعاً وأن ينظر الى ما يؤول اليه احتسابه من جهة ما يترتب عليه من زوال مفسدة المنكر وحلول مصلحة المعروف مكانه، وفي ضوء ذلك يقدم أو يحجم عن الاحتساب. ومما يعين على تفهم فقه الاحتساب بيان القواعد التالية.

القاعدة الأولى

188- الانكار القلبي يجب أن يكون كاملاً ودائماً وبالنسبة لكل منكر. وفائدته بقاء القلب في حساسيته ضد المنكر وبقاء عزمه على التغيير عند الامكان. أما الانكار القولي أو الفعلي فيكون حسب الاستطاعة ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وما جاء في الحديث الشريف الذي ذكرنا "من رأى منكم منكراً فليغيره.... الخ" ويلاحظ هنا أنَّ الثواب يكون كاملاً إن شاء الله تعالى إذا كان المحتسب ينكر المنكر بقلبه ويكرهه كراهية تامة ويفعل لازالته بقدر استطاعته.

القاعدة الثانية

189- إنما يطلب الاحتساب إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة. فإذا كان ما يترتب عليه فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر لم يكن هذا الاحتساب مطلوباً شرعاً وإن كان المحتسب عليه قد ترك واجباً أو فعل محرماً لأن على المحتسب أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله أن يتسبب باحتسابه في فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر، لأن الشرع إنما أوجب الحسبة لقمع الفساد وتحصيل الصلاح فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقداراً من الفساد أكبر من الفساد القائم أو يفوت من الصلاح مقداراً أكبر من الصلاح الفائت لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع. ولا شك أن ما قلناه يختلف باختلاف الاشخاص والاحوال والظروف، وعلى المحتسب ان يتبصر فيها ويزن مقادير المعروف والمنكر التي تنتج عن احتسابه ثم يقدم بعد ذلك على احتسابه او يحجم عنه. وهذا كله بالنسبة للواقعة المعينة والشخص المعين، اما بالنسبة للعموم فهو يأمر بالمعروف مطلقاً وينهى عن المنكر مطلقاً.

190- وبناء على هذه القاعدة نستطيع أن نفهم لماذا قال العلماء: لا يجوز الخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح وإن ظهر منه شيء من الفسوق، لأن الغالب في هذا الخروج حصول مفاسد أعظم من مفسدة فسقه، وحيث كانت المفسدة اعظم لم يجز الاحتساب، كما أنَّ الإمام لا يزال في دائرة الإسلام ولم يخرج منه بفسقه، فيبقى له حق الطاعة على الرعية ما لم يأمر بمعصية فلا يستوجب الاحتساب عليه بالقوة وحمل السلاح واحداث الفتنة والاقتتل بين المسلمين.

القاعدة الثالثة

191-  الأخذ بالرفق ما أمكن ذلك، ومستند هذه القاعدة ما يأتي:

أ) الحديث النبوي الشريف "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف.

ب) إن الانسان بطبيعته وما فطر عليه يقبل الأمر والنهي باللطف والرفق ولين القول أكثر من قبوله عن طريق العنف بل ربما حمله العنف على الإصرار على المنكر مراغمة للآمر وعناداً له. وربما دل على ما نقول قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ مع انه صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بالمعروف ولا ينطق إلا بالحق.

جِ) ان الاحتساب المثمر هو الذي يجعل المحتسب عليه قابلاً للاحتساب راضياً به مقتنعاً بضرورته ومضمونه حتى يكون له من نفسه وازع يمنعه من العودة الى المنكر، وهذا كله يحتمل حصوله بقدر أكبر إذا كان الاحتساب بالرفق وعدم الغضب والعنف وبالمحاججة والمناقشة الهادئة المقنعة، جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى "عن ابي امامة ان غلاماً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قربوه، ادن، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتحبه لأمك، فقال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك حتى ذكر صلى الله عليه وسلم العمة والخالة، والغلام يقول في كل واحدة: لا جعلني الله فداك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كذلك الناس لا يحبونه. فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه، فلم يكن شيء أبغض اليه من الزنى".

د) الاحتساب يجري على السلطان كما قلنا، والسلطان بحاجة الى التلطف معه لما يحس من نفسه من سلطة، ولأنه محتاج الى الهيبة وقد يتطاول عليه المغرضون بحجة الاحتساب، فمنعاً لذلك ومراعاة لما يحس هو من نفسه كان الرفق معه في الاحتساب هو المطلوب وبهذا أشار الفقهاء. ويقاس على السلطان نوابه وولاة الأمور. وقد يدل على ما قلناه او يؤيده أن الله تعالى أمر نبيه موسى عليه السلام وأخاه هارون وقد أرسلهما الى فرعون أن يقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى.

192- وما قلناه لا يعني ان الرفق هو الاسلوب الوحيد للاحتساب أو انه لا يجوز تركه في بعض الأحيان، وإنما يعني ما قلناه التأكيد على الرفق والأخذ به كلما أمكن ذلك ولا يستعاض عنه بغيره إلا عند الحاجة أو الضرورة. فمن مجالات الرفق اللازمة للمحتسب، إذا غلب على ظنه أن المحتسب عليه قام بالمنكر جهلاً منه بحكمه أو استجابة لهوى عابر او لضعف في إرادته. كما ان الرفق يلازم الاحتساب بالتعريف بالحكم او بالوعظ والارشاد او التخويف من الله تعالى. فإذا لم ينفع الرفق تحول المحتسب الى الشدة، وكذلك إذا كان المنكر جسيماً لا يمكن معه الانتظار أخذ المحتسب بالشدة الكافية لدفعه ولا يعتبر ذلك خروجاً عن قاعدة الرفق، لأن من معاني الرفق الحرص على مصلحة المحتسب عليه بإبعاده عن المنكر وتخليصه من المعصية وما يترتب عليه من عقاب.

 

متى يجب الاحتساب

193-  الاحتساب القلبي واجب على كل مسلم في جميع الأحوال إذا ما سمع بمنكر أو رآه كما قلنا.

أما الاحتساب باليد او بالقول، فهذا يجب بالقدرة على هذا النوع من الاحتساب بشرط أن يأمن المحتسب على نفسه من الأذى والضرر كما يأمن على غيره من المسلمين من الأذى والضرر.

وتعليل ذلك ان الخوف من لحوق الأذى والضرر بمنزلة العجز الحسي والعجز الحسي يفوت شرط القدرة فلا يجب الاحتساب إلا انه يجب هجران اصحاب المنكرات وعدم مخالطتهم.

 

هل يشترط الانتفاع بالاحتساب لوجوبه

194-  وإذا توفرت القدرة وأمن المحتسب من الأذى والضرر فهل يشترط الانتفاع باحتسابه لوجوب الحسبة عليه؟ قولان للعلماء:

القول الأول – لا يجب الاحتساب وإنما يستحب عند عدم رجاء الانتفاع فإذا كان مرجواً وجب الاحتساب ودليل هذا القول ما فهموه من قوله تعالى: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ جاء في تفسير ابن كثير بصدد هذه الآية: منهم من حملها على ظاهرها فيكون المعنى: ذكّر حيث تنفع التذكرة.

القول الثاني – يجب الاحتساب سواء نفع او لم ينفع لأن احتسابه قيام منه بواجب شرعي فلا يتوقف على انتفاع الغير به، ولأن على المسلم أن يؤدي ما عليه وليس عليه ان يقوم الغير بما عليه مثل ترك صاحب المنكر منكره. وأجابوا على احتجاج اصحاب القول الأول بأن الآية الكريمة: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ لا تعلق الوجوب على حصول الانتفاع للادلة التالية:

أ) إن المعلق (بأن) على الشيء لا يلزم ان يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، يدل على ذلك آيات، منها قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم..﴾ فان القصر جائز وإن لم يوجد الخوف، وقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ والرهن جائز مع وجود الكاتب.

ب) ان ذكر الشرط في الآية الكريمة: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ لفوائد، منها: انه سبحانه وتعالى ذكر اشرف الحالتين عند التذكير وهي حالة الانتفاع، وسكت عن الحالة الاخرى وهي عدم الانتفاع منبهاً عليه كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر...﴾ وتقدير الآية وتقيكم البرد. وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ تقديرها فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع. ومن الفوائد ايضاً ان المراد الحث على الانتفاع بالذكرى كما يقول الشخص لغيره إذا بيّن له الحق، قد اوضحت لك الأمر إن كنت تعقل. فيكون مراده الحث على القبول.

195- والراجح عندي من القولين الوجوب كلما كان الانتفاع مرجواً او ممهداً لتحقيق الانتفاع او كان فيه إظهار شعائر الاسلام، او يحقق مصلحة مشروعة غير انتفاع المحتسب عليه، فإذا عري عن ذلك كله كان مستحباً لا واجباً.

 

من يستحب الاحتساب

196- ويستحب الاحتساب القولي إذا علم المحتسب ان قوله لا يفيد ولكن لا يلحقه أذى منه وهذا على رأي بعض العلماء. وقد قيدنا هذا الاستحباب بما قلناه في الفقرة السابقة.

كما يستحب الاحتساب إذا علم المحتسب ان انكاره يفيد ولكن يلحقه اذى. ووجه الاستحباب إزالة المنكر مع تحمله الأذى. وحتى إذا علم المحتسب أن احتسابه لا يفيد المحتسب عليه ولا يمنعه من منكره. ولكن احتسابه يفيد من ناحية اخرى كأن تقوى به قلوب المؤمنين وتنكسر او تضعف شوكة الفاسقين او يمهد لإزالته ففي هذه الأحوال يصير مستحباً برغم الأذى الذي يناله ما دام يتحمله ولا يتعدى الى غيره.

 

متى يحرم الاحتساب

197- ويحرم الاحتساب إذا لحق المحتسب من جرائه اذى جسيماً بغيره من اصحابه أو اقربائه او رفقائه أو عموم المسلمين حتى ولو قدرنا زوال المنكر، لأنه يفضي إلى منكر آخر هو إلحاق الأذى بالآخرين وهذا لا يجوز، لأن للمسلم أن يتسامح في حق نفسه ويتحمل الأذى ولكن ليس من حقه أن يتسامح في إيذاء غيره عن طريق احتسابه. وكذلك يحرم الاحتساب إذا أدى إلى وقوع منكر أكبر من المحتسب عليه مع لحوق الأذى بالآخرين. وكذلك يحرم الاحتساب إذا لم يكن من ورائه إلا إلحاق الأذى الجسيم بنفسه كقتله أو هتك عرضه دون أن يكون لاحتسابه اي مصلحة او اي أثر في إزالة المنكر ورفعه.

198- والأذى المخوف من جراء الاحتساب وبالتالي ينقله إلى الاستحباب او الحرمة على النحو الذي بيناه، هو الأذى الذي يتحقق به زوال ما هو حاصل للمحتسب او لغيره من سلامة وعافية في جسمه او عرضه او حريته او ماله وليس هو خوف امتناع حصول هذه الاشياء له، لأن الضرر الحقيقي هو فوات شيء موجود فعلاً من هذه الأشياء وليس هو – اي الضرر – امتناع حصولها. وعلى هذا فالضرب الشديد الؤلم والجرح وهتك العرض واتلاف عضو من البدن او إزهاق الروح او التعذيب الشديد او السجن الشديد كل هذا ونحوه يعتبر من الأذى الذي ينقل الاحتساب من الوجوب الى الاستحباب او الحرمة على النحو الذي فصلناه.

 

الشرط في مباشرة الاحتساب

199- من المعلوم ان القاضي لا يباشر النظر في حقوق الناس ودعاويهم إلا إذا رفعوها إليه، فالشرط في نظر القاضي فيها هو رفع الدعوى فهل يشترط للمحتسب لمباشرة احتسابه رفع المنكر إليه من قبل من وقع عليه هذا المنكر او شاهده؟ الجواب على ذلك ان كان الاحتساب يتعلق بحق خاص توقف نظر المحتسب فيه على طلب صاحب الحق واعلامه بحقه ووجه الاعتداء عليه وليس للمحتسب ان يتدخل فيه من تلقاء نفسه لأن المحتسب إنما يتدخل في منكر ظاهر وقبل رفع صاحب الحق ظلامته إليه لا يكون ظاهراً ولكن بعد اعلامه به يصير ظاهراً فيحق للمحتسب النظر فيه والاحتساب فيه، فإذا رفع إليه المنكر المتعلق بحق خاص كان على المحتسب أن يتثبت من وجوده بطريق المشاهدة او بإقرار المعتدي، اما عند الخفاء والإنكار والجحود ممن نسب إليه الاعتداء فلا يتدخل المحتسب، لأنه لا يسمع بينة كما قلنا من قبل ولا يوجه يميناً عند الإنكار ولا يتجسس.

أما إذا كان الاحتساب في حق من حقوق الله تعالى أو يغلب فيه حق الله أو كان في حق عام يتعلق به نفع الناس كاعتداء على مرفق عام، فإن الاحتساب حينئذ يقوم على المشاهدة والعلم الشخصي إلى قيام المنكر ووجوده.

 

الاحتساب في الوقت الحاضر

200- يمكن لولي الأمر المسلم في الوقت الحاضر ان ينظم شؤون الحسبة على النحو الذي يحقق المقصود من الاحتساب وان يتخذ ما يلزم لذلك فله ان يفتح المدارس لتخريج المحتسبين الاكفاء، كما له أن ينظم شؤون الحسبة بين المحتسبين فيعين لأمور المساجد محتسبين، وللاسواق محتسبين ولمنكرات الطرق محتسبين وهكذا، كما له أن يرسل بعضهم الى القرى والارياف لتعليم الناس امور دينهم لأن الغالب عليهم الجهل.

أما إذا لم يقم ولي الأمر بما ذكرنا جاز او وجب على المسلمين القيام بمهمة الاحتساب وتهيئة المحتسبين والانفاق عليهم على أن يقوموا بالاحتساب في حدود الوعظ والارشاد والتذكير فقط دون استعمال العنف لئلا يؤدي ذلك العنف الى الفوضى والفتنة مما يجعل المغرضين يستغلون ذلك ويتقولون بالباطل على الحسبة والمحتسبين وتأليب ولاة الأمر على المحتسبين.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

أصول الدعوة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca