الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: أصول الدعوة
المؤلف: عبد الكريم زيدان
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - موضوع الدعوة

الفصل الرابع - أنطöمَة الإسْلام - المبحث الخامس - نöظام الحُكم

تمهيد

130- قلنا فيما سبق أن المجتمع ضروري للانسان، وأن النظام – على أي نحو كان – ضروري للمجتمع. ونضيف هنا فنقول أن وجود رئيس للمجمتع ضروري لبقائه ونظامه، لأنه يستطيع أن يحمل الناس على طاعة النظام وعدم الخروج عليه فيجنبهم حياة الفوضى والاضطراب والهرج والمرج، ولهذا لم يوجد مجتمع إلا وجد فيه رئيس – على أي نحو كان – يطيعه الناس عن رضى واختيار، أو قهر واضطرار "لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من المظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين وهمجاً مضاعين"[1] ولأن "بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رئيس"[2].

وإذا وجد رئيس للمجتمع، أمكن عند ذلك أن يأخذ المجتمع شكل دولة، على نحو ما، لتوافر عناصر الدولة من اقليم وسكان ونظام وحاكم يباشر السلطة في المجتمع، ويحمل الناس على عدم الخروج على أحكامه.

 

المقصود بنظام الحكم

131- ونريد بنظام الحكم في بحثنا هذا مجموعة من القواعد والأحكام التي تتعلق بالحاكم – أي رئيس الدولة – وتبين كيفية اختياره ومركزه القانوني وعلاقة الأمة به، والاغراض التي يهدف اليها الحكم ونحو ذلك.

 

هل يوجد نظام حكم في الإسلام؟

132- وقد يسأل البعض، هل يوجد في الإسلام نظام للحكم؟ والجواب نعم، لأن من خصائص الإسلام الشمول، فمن البديهي أن يرد فيه من القواعد والأحكام ما يكونّ نظاماً خاصاً للحكم في الإسلام، فنحن نجد في القرآن الكريم الأمر بالشورى، ولزوم طاعة الحكام، والحكم بما أنزل الله، ونحو ذلك. وفي السنة النبوية تتكرر ألفاظ الامير والامام والبيعة، وطاعة الامير في غير معصية الله. وفي اجتهادات الفقهاء القائمة على نصوص القرآن والسنة كثير من الأحكام والقواعد المهمة المتعلقة بالحكم. وكل هذا وما سنذكره يدل على أن للإسلام نظامه الخاص في الحكم.

 

مقومات نظام الحكم في الإسلام

133- وإذا كان في الإسلام نظام للحكم، فلا بد له من مقومات أو أسس، وهي في نظرنا، وجود الخليفة، وقاعدة الشورى، والخضوع لسلطان الإسلام. ولا بد من الكلام عن كل واحد من هذه المقومات في مطلب على حدة.

 

المطلب الأول - الخليفة

تعريف الخليفة

134- الخليفة اسم يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خلف غيره في أمر من الأمور[3]. وفي الاصطلاح الشرعي، يراد بالخليفة، عند الاطلاق، من يتولى إمرة المسلمين أي: رئاسة الدولة الإسلامية، ويسمى أيضاً بالامام، فهو رئيس لدولة موصوفةى بوصف الإسلام، أي قائمة على أسسه ومصبوغة بصبغته، وتطبق أحكامه، والخليفة هو الحارس لبقاء صفتها هذه، كما سنبين فيما بعد.

 

وجوب نصب الخليفة

135- يقول الامام ابن تيمية "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام للدين إلا بها"[4] وهذا حق، فنصب الخليفة الذي يتولى الحكم وادارة شؤون الناس من فرائض الإسلام التي دلّ عليها القرآن والسنة والاجماع وطبيعة أحكام الشريعة الإسلامية.

أولاً: فمن الكتاب، قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم﴾ وأولو الأمر هم الأمراء، وأدخل بعضهم في مفهوم أولي الأمر العلماء أيضاً[5].

ثانياً: ومن السنة القولية، الحديث الشريف ".... ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية" أي بيعة للامام، وهذا صريح في الدلالة على وجوب نصب الخليفة. وفي حديث آخر "لتنقض عرى الإسلام عروة عروة وأولها نقضاً الحكم وآخرها الصلاة" والمقصود بالحكم، الحكم على النهج الإسلامي ويدخل فيه بالضرورة وجود الخليفة الذي يقوم بهذا الحكم، ونقضه يعني التخلي عنه وعدم الالتزام به، وقد قرن بنقض الصلاة وهي واجبة فدل على وجوبه.

ثالثاً: ومن السنة الفعلية، أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام أول دولة إسلامية في المدينة بعد أن مهّد لها وهو في مكة، وصار هو صلى الله عليه وسلم أول رئيس لتلك الدولة الإسلامية التي قامت في المدينة... وما معاهدته عليه الصلاة والسلام مع يهود المدينة ثم مع غيرهم إلا من مظاهر السلطان الذي أخذ يباشره بصفته رئيساً لدولة الإسلام. وقد أدرك الفقهاء اجتماع صفة الامام – الرئاسة – مع صفة النبوة في شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبينوا حكم ما يصدر عنه بهذه الصفة أو بتلك[6].

رابعاً: الاجماع، قال الفقهاء: نصب الخليفة واجب بالاجماع، فمن أقوالهم هذه، ما قاله الماوردي الشافعي، وأبو يعلى الحنبلي، "عقد الامامة لمن يقوم بها في الامة واجب بالاجماع"[7]. ويفصل ابن خلدون فيقول في مقدمته "إن نصب الامام واجب، فقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وإلى تسليم النظر اليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من الاعصار، واستقر ذلك اجماعاً دالاً على وجوب نصب الامام[8]. وحكى ابن حزم الاجماع على وجوب الإمامة وقال: "لم يخالف في هذا إلا فرقة من الخوارج هي النجدات، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الامام إنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم" ثم قال ابن حزم: "وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد" ثم أخذ يسرد الأدلة على اثبات وجوب الامامة والرد على هذه الفرقة[9]. والواقع أن قول النجدات لا يعول عليه، فإن الادلة تخالفه، لأن الإسلام يوجب التأمير في أقل الاجتماعات، فكيف بأكثرها جاء في الحديث "لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم" وفي رواية في سنن أبي داود "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"، ويقول الامام ابن تيمية تعليقاً على هذين الحديثين: "فإذا كان قد أوجب في أقل الاجتماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم، كان هذا تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك"[10].

خامساً: أن كثيراً من أحكام الشريعة يحتاج تنفيذها إلى قوة وسلطان، مثل أحكام الجهاد، واقامة الحدود والعقوبات، واقامة العدل بين الناس، فلا بد من نصب الامام حتى يمكن تنفيذ هذه الأحكام، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن تيمية إذ يقول "ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحج والجمع والاعياد ونصر المظلوم واقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والامارة"[11].

 

من يملك حق انتخاب الخليفة

136- والأمة هي التي تملك حق نصب الخليفة قياماً منها بهذا الواجب الشرعي الذي خوطب به المسلمون، كما سنذكره. يدل على ذلك ما جاء في المغني "من اتفق المسلمون على امامته وبيعته ثبتت امامته ووجبت معونته"[12] ومعنى ذلك أن الأمة هي صاحبة الحق في اختيار من تراه أهلاً لمنصب الخلافة.

 

أساس حق الأمة في انتخاب الخليفة

137- وأساس حق الأمة في انتخاب الخليفة – على ما نرى – كونها هي المخاطبة في القرآن بتنفيذ أحكام الشرع واعلاء كلمة الله في الأرض واقامة المجتمع الإسلامي الفاضل فمن هذه النصوص القرآنية ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوادلين والأقربين﴾ ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ فهذه النصوص وأمثالها كثير تدل على مسؤولية جماعة المسلمين عن تنفيذ أحكام الإسلام.

وما دامت الأمة مسؤولة عن تنفيذ أحكام الإسلام، ومطالبة به، فهي تملك – بداهة – السلطة على هذا التنفيذ – بتمليك من الشارع – وحيث إن جماعة المسلمين لا تستطيع أن تباشر سلطانها بصفتها الجماعية لتعذره في الواقع، فقد ظهرت النيابة في الحكم والسلطان، بأن تختار الأمة الخليفة لينوب عنها في مباشرة سلطاتها لتنفيذ ما هي مكلفة بتنفيذه شرعاً، لان انابة المالك غيره في مباشرة ما يملكه أمر جائز كما هو معروف في نظرية النيابة في الفقه الإسلامي.

 

المركز القانوني للخليفة

138- وإذا كانت الأمة هي التي تختار رئيسها – الخليفة – فهو اذن وكيلها ونائب عنها، ومركزه القانوني هو مركز النائب والوكيل عن الأمة. وقد أدرك الفقهاء هذا المعنى، وصرحوا به، فمن أقوالهم في هذا الباب، ما ذكره الفقيه الماوردي وهو يتكلم عن موت الخليفة، والوزير وأثر ذلك في سلطة أمير البلد أو القطر، فقال ما نصه "وإذا كان تقليد الأمر من قبل الخليفة، لم ينعزل بموت الخليفة، وإن كان من قبل الوزير، انعزل بموت الوزير، لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين، وتقليد الوزير نيابة عن نفسه"[13].

 

كيف تختار الأمة الخليفة؟

139- وإذا كانت الأمة هي التي تختار الخليفة، فكيف تمارس هذا الاختيار، هل تقوم به مباشرة، بأن يقوم جميع أفرادها بإظهار رأيهم بمن يرضونه لهذا المنصب، أم يقوم به طائفة منها نيابة عنها؟ الواقع أننا لا نجد نظاماً محدداً لاختيار رئيس الدولة، وهذا يعني أن الأمر متروك للأمة، فهي التي تختار طريقة اختيارها للإمام، وعلى هذا فيمكنها أن تباشر انتخاب الخليفة بالطريقة المباشرة، حيث يشترك جميع أفراد الأمة إلا من استثني منهم بدليل شرعي، كالصغار والمجانين وغير المسلمين، ونجد سنداً لهذه الطريقة في الآية الكريمة: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ فظاهر هذا النص يدل على أن المسلمين يتشاورون فيما يهمهم، ولا شك أن اختيار الخليفة من أهم ما يهمهم، ويؤيد ما استظهرناه ما جاء في تفسير هذه الآية الكريمة في تفسير الإمام الرازي، فقد جاء فيه: "إذا وقعت الواقعة، اجتمعوا وتشاوروا، فأثنى الله عليهم، أي: لا ينفردون برأي، بل ما لم يجتمعوا عليه لا يعزمون عليه"[14].

ويجوز للأمة أن تباشر حقها في انتخاب الخليفة بصورة غير مباشرة عن طريق النيابة، وهذه الطريقة نجد لها سنداً في السوابق التاريخية القديمة في عصر الخلفاء الراشدين، وهو خير العصور فهماً للإسلام وتطبيقاً له، فقد تم انتخاب أولئك الخلفاء الكرام من قبل طائفة من المسلمين، هم الذين يسميهم الفقهاء بأهل الحل والعقد، وتبعهم المسلمون الموجودون في المدينة فبايعوا من اختاروه خليفة، ولم ينتخبهم جميع المسلمين، كما يبايعهم بعد انتخابهم جميع المسلمين في جميع المدن الإسلامية، ولم ينقل لها اعتراض على هذه الطريقة، لا من الخلفاء الراشدين، ولا من غيرهم، فدل ذلك على اجماعهم على صحة هذه الطريقة في الانتخاب. ويؤيد هذه الطريقة من النظر أن الأمة هي صاحبة الحق في انتخاب الخليفة كما قلنا، وصاحب الحق له أن يباشره بنفسه كما له أن يباشره بواسطة نائبه بأن يوكل من يقوم به نيابة عنه. وقد أقر الفقهاء هذه الطريقة من الانتخاب وصرحوا بها، فمن أقوالهم "وإذا تقرر أن هذا المنصب – أي منصب الخليفة – واجب بإجماع، فهو من فروض الكفاية وراجع إلى اختيار أهل العقد والحل، فيتعين عليهم نصبه ويجب على الخلق طاعته"[15].

 

أهل العقد والحل

140- وإذا كان انتخاب الخليفة من حق الأمة، ولها أن تباشر هذا الحق عن طريق أهل الحل والعقد، فمن هم أهل الحلّ والعقد؟ وما علاقتهم بالأمة؟ وكيف ينالون هذه المنزلة؟

أما عن السؤال الأول، من هم أهل الحل والعقد، فإنَّ الفقهاء يذكرون أوصافاً عامة لهم ويقولون: هي الشروط المعتبرة فيهم وهي الأول: العدالة الجامعة لشروطها. والثاني: العلم الذي يتوصل إلى معرفة من يستحق الامامة على الشروط المعتبرة فيها. والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للأمة أصلح وبتدبير المصالح أقوم[16]. ويذهب بعض الفقهاء المحدثين إلى تحديد أوضح في أوصاف أهل العقد والحل، فيقول صاحب تفيسر المنار رشيد رضا رحمه الله تعالى "أولو الأمر جماعة أهل الحل والعقد، وهم الامراء والحكماء والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع اليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة"[17]. فيفهم من هذا القول ومما ذكره الفقهاء أن أهل العقد والحل هم المتبعون في الأمة الحائزون على ثقتها ورضاها لما عرفوا به من التقوى والعدالة[18] والإخلاص والاستقامة وحسن الرأي ومعرفة الامور والحرص على مصالح الأمة.

أما علاقة أهل العقد والحل بالأمة فهي علاقة النائب والوكيل، فهم يباشرون انتخاب رئيس الدولة – الخليفة – نيابة عن الأمة، ومن ثم يعتبر انتخابهم ملزماً للأمة.

أما كيف ينالون هذه المنزلة – منزلة أهل العقد والحل – فإنَّ المتبادر إلى الذهن أن الأمة هي التي ترفعهم إلى هذه المنزلة باختيارها لهم. ولكننا لا نجد في السوابق التاريخية القديمة ما يشير إلى أن الأمة اجتمعت وانتخبت طائفة منها واعطتها صفة أهل الحل والعقد. ومع هذا فإنَّ خلو السوابق التاريخية مما ذكرنا لا يدل على أن من كانوا يسمون أهل العقد والحل ما كانوا يمثلون الأمة ولا يعتبرون وكلاء عنها، لأن الوكالة – كما هو معروف – تنعقد صراحة أو ضمناً، وقد كانت وكالة أهل العقد والحل عن الأمة في عصر الإسلام الأول – عصر الخلفاء الراشدين – وكالة ضمنية، لأنهم كانوا معروفين بتقواهم وسابقتهم في الإسلام ودرايتهم بالأمور واخلاصهم في العمل، مع فضل الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومدح الله لهم في قرآنه، وثناء رسوله العام والخاص عليهم، ومن ثم فقد كانوا حائزين على رضى الأمة وثقتها، فما كانت هناك حاجة لقيام الأمة بانتخابهم وتوكيلهم عنها صراحة، وحتى لو قامت بهذا الانتخاب لما فاز فيه إلا أولئك الاخيار الذين عرفوا بأهل العقد والحل ولما نازعهم أحد في هذه المنزلة ومن ثم كان انتخابهم الخليفة يعتبر انتخاباً من الأمة نفسها لأنه تم بتوكيل ضمني منها لهم للقيام بهذا الانتخاب.

 

معرفة أهل العقد والحل في الوقت الحاضر

141- وإذا أخذنا في الوقت الحاضر بالانتخاب غير المباشر لرئيس الدولة، وفقاً للأحكام الشرعية، فلا مناص من قيام الأمة بانتخاب من يمثلونها وينوبون عنها في مباشرة هذا الانتخاب. ومن تنتخبهم الأمة لهذه المهمة يمكن أن يوصفوا بأنهم أهل العقد والحل لمتابعة الأمة لهم ورضاها بنيابتهم. وعلى الدولة أن تضع النظام اللازم لاجراء هذا الانتخاب وضمان سلامته من التزييف والتضليل، وان تعين في هذا النظام الشروط الواجب توافرها فيمن تنتخبهم الأمة لتكوين جماعة أهل العقد والحل، في ضوء ما ذكره الفقهاء من شروط فيهم. إن مثل هذا الانتخاب، على النحو الذي ذكرناه، ضروري على ما نرى، لايجاد أو معرفة أهل العقد والحل، ولاثبات نيابتهم عن الأمة بالتوكيل الصريح، لأن التوكيل الضمني يتعذر حصوله في الوقت الحاضر لكثرة أفراد الأمة، ولأن اجازة مثل هذا التوكيل الضمني يفتح باباً خطيراً على الأمة ويؤذن بفوضى وشر مستطير، إذ يستطيع كل عاطل عن شروط أهل الحل والعقد أن يدعي لنفسه هذه المنزلة وينصب نفسه ممثلاً عن الأمة ونائباً عنها بحجة أنها ترضي نيابته ضمناً.

 

ولاية العهد

142- قلنا: إن الأمة هي التي تختار الخليفة عن طريق أهل الحل والعقد، وقد يعترض علينا بولاية العهد التي أقرها الفقهاء كطريق لتولي منصب الخلافة، فالماوردي وأبو يعلى الحنبلي يقولان "والامامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل والثاني بعهد الإمام من قبله"[19].

والجواب على هذا الاعتراض أن اختيار الخليفة عن طريق عهد الامام السابق قد وقع فعلاً في عصر الخلفاء الراشدين فقد عهد أبو بكر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وعهد عمر إلى ستة يختارون من بينهم واحداً للخلافة، وعلى هاتين السابقتين اعتمد الفقهاء في تجويزهم ولاية العهد واعتبروا جواز هذا المسلك ثابتاً بالاجماع.

ولكن ما هو التكييف القانوني الشرعي لولاية العهد؟ وهل يصير المعهود إليه بالخلافة خليفة بهذا العهد فقط؟ وما الذي يسبق العهد؟ إن الجواب على هذه الأسئلة ضروري حتى يتبين لنا مدى موافقة أو مناقضة ولاية العهد لحق الأمة في اختيار الخليفة، وهذا الجواب يظهر مما يأتي:

أولاً: جاء في كتاب الأحكام السلطانية للفقيه أبي يعلى الحنبلي ما يأتي:

أ) يجوز للإمام أن يعهد إلى امام بعده... ولأن عهده إلى غيره ليس بعقد للامامة"[20].

ب) لأن الامامة لا تنعقد للمعهود اليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين... ان امامة المعهود اليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت"[21]

فهذه الأقوال صريحة في دلالتها على أن الامامة لا تنعقد ولا تثبت بمجرد العهد وإنما تثبت باختيار أهل الحل والعقد، ومعنى ذلك أن التكييف القانوني للعهد انه ترشيح للخلافة وليس تعييناً نهائياً لمن يتولاه. أما قولهم الامامة تنعقد بالعهد، والانعقاد غير الترشيح، فجوابنا أن استعمالهم كلمة "تنعقد" محمولة على الترشيح لتتفق أقوالهم التي ذكرناها مع هذا الاستعمال، أو أن هذا الاستعمال محمول على ما يؤول إليه العهد وهو انعقاد الامامة للمرشح بناء على رضى أهل الحل والعقد المتوقع نظراً لمشاورتهم بأمر العهد كما هو الغالب.

ثانياً: في سابقة عهد أبي بكر إلى عمر، شاور أبو بكر أهل الحل والعقد في رغبته في العهد إلى عمر فاظهروا رضاهم وموافقتهم، وهذا ثابت في التاريخ، وعلى هذا يكون عهد أبي بكر إلى عمر كأنه عهد من أهل الحل والعقد بالامامة إلى عمر بعد وفاة الخليفة، وعلى هذا التوجيه يمكن اعتبار عهد أبي بكر كاشفاً لارادة أهل الحل والعقد، وكذلك في عهد عمر بن الخطاب إلى الستة لاختيار خليفة منهم، فقد آل أمر الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف فقام باستشارة كبار الصحابة وأهل الحل والعقد ثلاثة أيام بلياليها فرآهم يرضون بعثمان بن عفان فأعلن عند ذاك اختياره له ومبايعته له فبايعه المسلمون، فيكون اختيار عبد الرحمن بن عوف لعثمان كاشفاً عن اختيار أهل الحل والعقد ولذلك بايعوه. ومع هذا فنحن نعتبر كلا من عهد أبي بكر إلى عمر وعهد عمر إلى الستة ترشيحاً للخلافة وان سبقه تشاور مع أهل الحل والعقد وموافقتهم على المرشح، لأن موافقتهم هذه لا يترتب عليها تولي الخلافة فعلا من قبل المرشح إلا بعد وفاة الخليفة المعاهد واعلان الموافقة الصريحة منهم ببيعتهم للمرشح، فما لم يعلن أهل الحل والعقد اختيارهم الصريح وبيعتهم الصريحة لا يصير المعهود إليه – المرشح – خليفة، وقد نبه إلى هذا المعنى الفقيه المشهور ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال – وهو يتكلم عن الامامة ويرد على أقوال من قال ان الامامة تنعقد ببيعة أربعة أو اثنين أو واحد – "فليست هذه أقول أئمة السنة بل الامامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل اماماً حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الامامة، فان المقصود من الامامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار اماماً... وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماماً لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم صار إماماً، سواء كان ذلك جائزاً أو غير جائز... فمن قال انه يصير اماماً بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط... وعثمان لم يصر اماماً باختيار بعضهم – أي الستة الذين اختارهم عمر – بل بمبايعة الناس له وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد"[22].

وإذا كان تكييف ولاية العهد انه ترشيح، وانه يسبق بمشاورة أهل الحل والعقد وظهور رضاهم عن المرشح، فإنه لا شك مسلك سديد وحميد لاختيار الخليفة ولا يناقض حق الأمة في اختيار الخليفة، بل وقد يرجح على طريقة انتخاب أهل الحل والعقد للخليفة دون عهد منه إلى أحد، لما في العهد من حسم لمادة الخلاف والنزاع، ولهذا رجح هذه الطريقة الامام ابن حزم فقال: "وهذا – أي العهد – هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره لما في هذا الوجه من اتصال الامامة وانتظام أمر الإسلام وأهله ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع من غيره بقاء الأمة فوضى ومن انتشار الأمر وحدوث الاطماع"[23].

 

شروط الخليفة

143- يشترط في الخليفة جملة شروط، كلها تلتقي في تحقيق كفايته للنهوض بأعباء هذا المنصب الخطير على الوجه المرضي لله تعالى والمحقق لمصلحة الأمة. وهذه الشروط، على ما ذكره الفقهاء هي:

أولاً: الإسلام: فيجب أن يكون مسلماً لقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ أي منكم أيها المسلمون، فهو من المسلمين. ولقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ والخلافة أعظم السبيل فلا تكون لغير مسلم، ولأن حقيقة الخلافة، كما سنبين فيما بعد خلافة عن صاحب الشرع في حفظ الدين، فمن البديهي أن تودع هذه الأمانة بيد من يؤمن بهذا الدين، وان لا تسند لمن يكفر به.

ثانياً: أن يكون رجلاً، لقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهذا حديث صحيح رواه البخاري وغيره من أئمة الحديث[24]، والواقع خير شاهد فإنَّ المرأة تعجز عن النهوض بمهام رئاسة الدولة وهي كثيرة وجسيمة، ولا نريد أن نكثر من ذكر الحجج والأدلة فما ذكرناه من قول الله تعالى وقول رسوله تكفينا وتكفي من يؤمن بالله واليوم الآخر وبالإسلام ديناً، ومن يجد في نفسه شيئاً من ذلك، نقول له: أمامك دول العالم في الماضي والحاضر، فامسك قلماً واحص عدد النساء اللاتي تولين رئاسة الدولة وعدد الرجال الذين تولوا رئاسة الدولة، ثم قارن بين العددين، نر ضآلة نسبتهن إلى نسبتهم في ولاية رئاسة الدولة مما يدل على أن الناس بتجربتهم يعرفون أن رئاسة الدولة لا يصلح لها إلا الرجال، وان من صار منهن في منصب رئاسة الدولة إنما كان نادراً ولظروف استثنائية.

ثالثاً: أن يكون جامعاً للعلم بالأحكام الشرعية لأنه مكلف بتنفيذها، ولا يمكنه التنفيذ مع الجهل بها، والعلم قبل العمل، قال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ واشترط بعض الفقهاء الاجتهاد ولم يكتفوا بمجرد العلم عن طريق التقليد.

رابعاً: وأن يكون عدلاً في دينه، لا يعرف عنه فسق، متقياً لله، ورعاً، عارفاً بأمور السياسة وشؤون الحكم جريئاً على اقامة حدود الله لا تأخذه في الله لومة لائم، شجاعاً، ذا دراية بمصالح الأمة وسبل تحقيقها مع حرص عليها وتقديمه لها[25].

خامساً: أن يكون من قريش لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأئمة من قريش" وهذا حديث صحيح روي من غير وجه واحتج به الفقهاء[26]. والحكمة من هذا الشرط، كما يقول العلامة ابن خلدون، أن مقصود الخلافة يحصل بالاجتماع ووحدة الكلمة وترك النزاع وانقياد الأمة لرئيسها، وهذا يحصل إذا كان الخليفة ممن تسكن النفوس اليهم ويعترف لهم بالفضل والتقدم، وهذا الاعتراف وذاك السكن كان متحققاً فيمن يولى من قريش، لأن قريش كانت ذا قوة وشوكة، وتعترف لها العرب بالتقدم والفضل والزعامة، ولم ينازعوها في ذلك، مما يجعل أمر اجتماع الكلمة وحصول الطاعة لهم أقرب احتمالا وأسهل منالاً من غيرهم، ولذلك جاء الحديث بالتنويه بهم وان الأئمة منهم ليحصل الائتلاف ويسهل الانقياد ويتحقق مقصود الخلافة[27]. ثم يستنتج ابن خلدون فيقول: "فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه اليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية"[28] ومعنى ذلك أن مآل القرشية، عنده أصبحت تعنى الانتساب إلى جماعة قوية يعترف الناس لها بالقوة والشوكة والتقدم والفضل ليحملهم ذلك على طاعة من يولى الخلافة منهم، فتهدأ ثائرتهم ويسهل حكمهم، وينقادوا إلى الحكم المرضي المطلوب.

والواقع أن الحديث "الائمة من قريش" حديث صحيح لا مجال للطعن في سنده ولا في متنه، فيبقى تحديد المعنى المقصود منه. والذي فهمه الفقهاء من هذا الحديث هو اشتراط النسب القرشي في الخليفة، وهذا المعنى هو ما يذكرونه ولا يذكرون غيره إلا ابن خلدون، وهو فقيه ومؤرخ، ذكر التوجيه الذي نقلناه عنه. وما ذكره ابن خلدون في فهمه للحديث وان كان – في نظرنا – يحتمله الحديث إلا انه احتمال مرجوح. كذلك يمكن القول على وجه الاحتمال المرجوح ان الحديث مسوق على سبيل الاخبار بما سيقع لا على سبيل الأمر بما يقع. وفي ضوء هذا كله الذي يترجح عندي الآن، انه إذا تساوى اثنان في شروط الخلافة وكان أحدهما قرشياً وجب اختيار القرشي. وإن كان القرشي عارياً من شروط الخلافة والآخر مستوفياً لها إلا أنه غير قرشي قدم المستوفي لها على القرشي، لأن مقاصد الخلافة لا تتحقق بالقرشي وهو عاطل وعار من شروطها وإنما تتحقق بالآخر الكفء القدير، لأن الأصل العام في الولايات لزوم توافر القدرة والكفاءة، وقد وجدتا. وان لم يوجد القرشي أصلا كانت الخلافة لمن تتوافر فيه بقية شروطها.

 

عزل الخليفة

144- الأمة هي التي تختار الخليفة، فلها حق عزله، لأن من يملك حق التعيين يملك حق العزل. ولكن استعمال هذا الحق يقتضي وجود المبرر الشرعي، وإلا كان تعسفاً في استعمال الحق، واتباعاً للهوى، وهذان لا يجوزان في شرع الإسلام. والمبرر الشرعي لعزل الخليفة، خروجه عن مقتضى وكالته عن الأمة خروجاً يبرر عزله، أو عجزه عن القيام بمهام الخلافة وهذا ما صرح به الفقهاء، فالامام ابن حزم يقول – وهو يتكلم عن الامام – ما نصه.. "... فهو الامام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمن اذاه الا بخلعه خلع وولي غيره"[29]. ومن أقوال الفقهاء أيضاً "وللأمة خلع الامام وعزله بسبب يوجبه مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين كما كان لهم نصبه واقامته لانتظامها واعلائها"[30]. ومن أمثلة العجز عن مهام الخلافة الموجب لزوالها عنه أو عزله واختيار غيره لمنصب الخلافة: جنونه المطبق، وعماه، وأسره بيد العدو على وجه لا يرجى خلاصه لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، فيختارون غيره ليقوم بمصالح المسلمين[31].

 

تنفيذ العزل

145- وإذا كانت الأمة تملك حق عزل الخليفة عند وجود السبب الشرعي الداعي لذلك، إلا انه يجب أن يعرف جيداً بأن مجرد وجود السبب الشرعي للعزل لا يعني بالضرورة لزوم تنفيذ العزل، لأنه عند التنفيذ يجب أن ينظر في امكانه ونتائجه، فإذا كان تنفيذه ممكناً ورؤي انه لا تترتب على العزل نتائج مضرة بالأمة تربو علىعدم عزله، وجب العزل في هذه الحالة. وإذا رؤي أن التنفيذ غير ممكن أو ممكن بذاته ولكن تترتب عليه نتائج مضرة بالأمة تزيد على اضرار بقائه وعدم عزله، وجب أو ترجح عدم التنفيذ، لأن من قواعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يكون العمل على إزالته المنكر مستلزماً أو مقتضياً وقوع منكر أعظم منه[32].

 

المطلب الثاني - الشورى

وجوب الشورى

146- مبدأ الشورى من أهم مقومات نظام الحكم في الإسلام، به نطق القرآن، وجاءت السنة، وأجمع عليه الفقهاء. وهو حق للأمة وواجب على الخليفة، والتفريط به سبب لعزله كما سنذكره. والأدلة على وجوبه تستفاد من القرآن ومن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن أقوال الفقهاء:

أولاً: قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ وظاهر الأمر يدل على الوجوب. ومن أقوال الفقهاء والمفسرين بصدد هذه الآية قول ابن تيمية: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة فإنَّ الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم"[33]. وجاء في تفسير الطبري بصدد آية ﴿وشاورهم في الأمر﴾. إنما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم فيه تعريفاً منه امته ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم فيتشاوروا فيما بينهم"[34]. وفي تفسير الرازي "قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك – أي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالمشاورة – ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته"[35].

ثانياً: ومما يؤكد وجوب المشاورة على رئيس الدولة أن النبي صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره وعظيم منزلته كان كثير المشاورة لاصحابه، شاورهم يوم بدر في التوجه إلى قتال المشركين. وشاورهم قبل معركة أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو. وشاور السعدين: سعد بن معاز وسعد بن عبادة يوم الخندق فأشارا عليه بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل انصرافهم عنها فقبل رأيهما[36]، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لاصحابه حتى قال العلماء "لم يكن أحد أكثر مشورة لاصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم"[37].

 

ترك المشاورة موجب لعزل رئيس الدولة

147- وإذا كانت المشاورة حقاً للأمة وواجباً على رئيس الدولة. فإنَّ التفريط بها إلى حد تركها موجب للعزل، جاء في تفسير القرطبي "قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب"[38] فلا بقاء لحاكم مستبد في دولة الإسلام.

 

تعليل أهمية المشاورة

148- مما ذكرناه يتبين لنا بوضوح أن المشاورة في نظام الحكم في الإسلام ذات أهمية بالغة، وتعليل ذلك، على ما نرى، ان المشاورة سبيل معرفة الرأي الصواب لأن كل مستشار يظهر رأيه ووجهة هذا الرأي ومدى فائدته. وبعرض هذه الآراء ومقارنتها ومناقشتها يظهر الصواب غالباً. كما أن بالمشاورة استفادة بلا جهد من خبرات الآخرين وتجاربهم التي اكتسبوها في سنين طوال وبجهود وتضحيات. كما أن بالمشاورة عصمة لولي الأمر من الاقدام على أمور تضر الأمة ولا يشعر هو بضررها، ولا سبيل الى اصلاح الضرر بعد وقوعه، ولا يرفعه كونه حسن النية... وفي المشاورة أيضاً تذكير للأمة بأنها هي صاحبة السلطان وتذكير لرئيس الدولة بأنه وكيل عنها في مباشرة السلطان، وفي هذا وذاك عصمة من الطغيان الذي هو من صفات الانسان، قال تعالى: ﴿كلا إن الانسان ليطغى...﴾.

 

في أي شيء تجري الشورى

149- والمشاورة مع الأمة تجري في شؤون الدولة المختلفة وفي الأمور الشرعية الاجتهادية التي لا نص فيها، أي أن رئيس الدولة يستشير في أمور الدين والدنيا كما يقول الفقهاء، فقد جاء في تفسير الجصاص "الاستشارة تكون في أمور الدنيان وفي أمور الدين التي لا وحي فيها..."[39] والمشاورة في أمور الدنيا أي في شؤون الدولة المهمة منها مثل تسيير الجيوش واعلان الحرب وعقد المعاهدات واسناد المناصب المهمة في الدولة إلى مستحقيها ونحو ذلك، فلا تكون المشاورة في كل شيء من شؤون الدولة حتى في صغائرها وجزئياتها، فإنَّ هذا غير ممكن ولا مطلوب ولا حاجة اليه ولا منفعة فيه ولا دليل عليه.

 

أهل الشورى

150- ولكن كيف تتم المشاورة؟ وهل يجب على رئيس الدولة أن يشاور الأمة كلها أو طائفة منها أو أفراداً منها؟ المستفاد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في الشورى، انه كان يشاور جمهور المسلمين في الأمور التي تهمهم مباشرة كما حصل في مسألة الخورج إلى قتال المشركين في معركة أحد، فقد استشار جمهورهم الموجودين في المدينة، وكان يقول "أشيروا عليّ"[40]. وكذلك في مسألة غنائم هوازن فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يعرف آراء جميع المسلمين المشتركين في حرب هوازن في مسألة الغنائم التي صارت اليهم، فقد جاء في أخبارها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر لهم ما يراه بصدد الغنائم، قال الحاضرون "يا رسول الله رضينا وسلمنا، قال: فمروا عرفاءكم أن يرفعوا ذلك إلينا حتى نعلم... فكان زيد بن ثابت على الانصار يسألهم: هل سلموا؟ فأخبروه أنهم سلموا ورضوا ولم يتخلف عنهم رجل واحد... الخ"[41]. فهذه الواقعة تدل على أنَّ أهل الشورى كانوا جميع المسلمين الذين يتعلق بهم موضوع المشاورة. وأحياناً كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير بعض أصحابه لا كلهم كما حصل في مسألة أسرى بدر، فقد استشار عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه في هؤلاء الاسرى وهل يأخذ منهم الفداء أم لا؟

واستشار عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في مسألة مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا عن قتال المسلمين في معركة الخندق، فقالا: يا رسول الله إن كان هذا أمراً من السماء فامض له، وإن كان أمراً لم تؤمر فيه ولك فيه هوى فسمع وطاعة، وإن كان انما هو الرأي، فما لهم إلا السيف، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم برأيهما وترك موضوع المصالحة مع غطفان[42].

فهذه السوابق الثابتة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن أهل الشورى، تارة يكونون جمهور الأمة، وطوراً يكونون جميع المسلمين الموجودين وقت المشاورة ويتعلق بهم موضوع المشاورة كما في مسألة غنائم هوازن، وأحياناً يكون أهل الشورى المتبوعين في قومهم كما في مسألة مصالحة غطفان حيث شاور النبي صلى الله عليه وسلم السعدين من سادات الأنصار والمتبوعين فيهم. وأحياناً أخرى يكون أهل الشورى بعض المسلمين من ذوي الرأي كما في مسألة أسرى بدر.

وفي ضوء هذه السوابق يمكن أن نقول: إن من يشاورهم رئيس الدولة يختلفون باختلاف موضوع المشاورة من المسائل التي تحتاج إلى نوع معرفة وحسن رأي ولطف ادراك، فيشاور رئيس الدولة أهل الاختصاص والمعرفة، وقد أشار الامام القرطبي في تفسيره إلى ما نقول، فقال رحمه الله "واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح. ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها.. إلى أن قال، قال العلماء صفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالماً وديناً، وصفة المستشار إن كان في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً"[43].

 

الخلاف بين رئيس الدولة وأهل الشورى

151- وقد يختلف رئيس الدولة مع أهل الشورى، فما الحل في هذه الحالة؟ الحل ما أمرت به الآية الكريمة ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ فيجب رد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما تقضي به الآية الكريمة وأجمع عليه المفسرون[44].

فإذا وجد الحكم صريحاً في الكتاب أو السنة وجب اتباعه ولا طاعة لأحد في مخالفته وان لم يوجد الحكم صريحاً، فأي الآراء أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به[45].

 

الأخذ برأي رئيس الدولة

152- وإذا لم يظهر الرأي الذي هو أشبه بكتاب الله وسنة رسوله، وبقي الخلاف بين رئيس الدولة وبين أهل الشورى، فما الحكم في هذه الحالة؟ الذي نراه ونرجحه ترك الأمر إلى رئيس الدولة، فان شاء أخذ برأي الاكثرية، وإن شاء أخذ برأي الاقلية، وإن شاء أخذ برأيه هو وإن كان خلاف رأي الاكثرية والاقلية. وقد يبدو قولنا هذا غريباً، لأن الاذهان ألفت الاخذ برأي الاكثرية دائماً إلى درجة الاعتقاد بأن الأخذ به ملزم، وان الخروج على رأي الأكثرية علامة الاستبداد والتعسف، إلى آخر ما يقال في هذا المجال، ولكن الحق أحق أن يتبع، فما هي حجتنا فيما قلناه؟ إن حجتنا تتلخص بالأدلة الآتية:

 

أدلة الأخذ برأي رئيس الدولة وإن خالف رأي الأكثرية

153- أولاً: قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ قال قتادة في تفسير هذه الآية: "أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله لا على مشاورتهم"[46].

ثانياً: السوابق القديمة ومنها ما فعله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق في جيش أسامة، وفي محاربة المرتدين. وخلاصة القول في جيش أسامة بن زيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله قائداً على جيش من المسلمين فيه كبارهم وأبطالهم وأمره بالتوجه إلى جهة فلسطين، وقبل أن ينفصل من المدينة توفي الرسول صلى الله عليه وسلم فتوقف أسامة حتى بويع أبو بكر بالخلافة، فأرسل إليه عمر بن الخطاب يستأذنه بالرجوع مع جيشه ليكون بجانبه ويسهم في دفع شر المرتدين عن المدينة وكان هذا رأي عمر بن الخطاب أيضاً وغيره من المسلمين ولكن أبا بكر رفض هذا الرأي وقال: والله لو علمت أن السباع تجر برجلي ان لم أرده ما رددته ولا حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم[47].

أما قصة المرتدين، فقد كان منهم فريق كبير امتنعوا ان أداء الزكاة مع بقائهم على الايمان بالله وبرسوله، وأرسلوا وفداً إلى المدينة ليقنع الخليفة بالموافقة على ذلك، فرفض أبو بكر هذا الرأي وقال: والله لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه وظل أبو بكر رضي الله عنه على هذا الرأي بالرغم من رأي أكثر الصحابة أن اللين أولى في هذه الحالة، لضعف المسلمين وانتشار الردة وكثرة المرتدين ولكن أبا بكر ظل باقياً على رأيه ماضياً في الذي شرح الله له صدره من الحق لا يضعف ولا يني[48].

ووجه الدلالة في هذه السابقة القديمة أن أبا بكر رضي الله عنه أخذ برأيه ونفذه ولم يأخذ برأي غيره وإن كانوا كثيرين.

ثالثاً: إن الخليفة – رئيس الدولة – مسؤول مسؤولية كاملة عن أعماله، فلا يجوز الزامه بتنفيذ رأي غيره إن لم يقتنع بصوابه، لأن كون الإنسان مسؤولا عن عمله يعني أن يعمله باختياره ورأيه لا أن يعمل وينفذ رأي غيره على وجه الالزام وهو كاره له غير مقتنع به ثم يسأل هو عن هذا الرأي ونتائجه.

رابعاً: إن صواب الرأي أو خطأه يستمدان من ذات الرأي وطبيعته لا من كثرة أو قلة القائلين به.

خامساً: ليست الكثرة لذاتها دليلاً قاطعاً أو راجحاً على الصواب، كما أن القلة ليست لذاتها دليلاً أو راجحاً على الخطأ، إذ يمكن أن يكون الخطأ مع الكثرة، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة، قال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك﴾﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾.

سادساً: في حالة الحروب، وهي أخطر ما تمر به الأمة، يفوض الأمر إلى قائد الجيش لينفذ ما يراه من خطط الهجوم والدفاع بعد أن يستشير مساعديه، ولا يلزم برأيهم مطلقاً وان كان ملزماً باستشارتهم، ومعنى ذلك أن البشر يدركون بفطرتهم ان خير حل عند اختلاف الرئيس مع مستشاريه هو ترك الأمر له يقرر ما يراه، ولهذا يأخذون بهذا الحل في حالة الحرب، مع أن خطأ القائد قد يؤدي إلى فناء الجيش وهلاك الأمة، ولكن مع هذا يأخذون بهذا الحل لأنه خير الحلول وأصوبها عند اختلاف الرئيس مع من يشاورهم.

 

اعتراضات ودفعها

154-  إنّ رأينا الذي قدمناه واعتبرناه هو الراجح، بل ونعتبره هو الصحيح قد يعترض البعض عليه بالاعتراضات التالية:

الاعتراض الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ برأي الأكثرية في مسألة الخروج إلى معركة أحد مع أنه كان يميل إلى عدم الخروج. والجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ برأيهم لأنه رأى ذلك، لا لأن الأخذ برأي الأكثرية ملزم، وكلامنا في الزام الاكثرية لرئيس الدولة أو عدم الزامه.

الاعتراض الثاني: ما فائدة المشاورة إذا لم يلتزم رئيس الدولة برأي من يشاورهم أو برأي أكثريتهم؟ والجواب، فائدة المشاورة تظهر في ظهور الرأي الصواب والمظنون في رئيس الدولة أن يأخذ بالصواب، فإذا لم يؤخذ برأيهم فمعنى ذلك أنه لم يقتنع بما قيل لا لكونه يريد العناد والخلاف.

الاعتراض الثالث: أن الله تعالى أمر بالمشاورة وهذا الأمر يتضمن الأخذ برأي من يشاورهم، والجواب، المشاورة غير التنفيذ، والله تعالى أمر بالمشاورة، وينقضي حق هذا الأمر باجراء المشاورة فعلا، اما التنفيذ فشيء آخر، وهو متروك لرئيس الدولة حسب ما يراه، ما دام الأمر اجتهادياً.

 

حق الأفراد في ابداء آرائهم

155- وقيام الخليفة بمشاورة أهل الحل والعقد لا يعني أن غيرهم من أفراد الأمة لا حق لهم في ابداء آرائهم في شؤون الحكم وتصرفات الخليفة، فالواقع أن لكل فرد أن يبدي رأيه فيما يرى فيه المصلحة أو إزالة مفسدة، وأساس هذا الحق تكليف الشارع لكل مسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل جعل القيام بهذا التكليف من صفات المؤمنين الأصلية قال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". ومن الواضح أن القيام بهذا الفرض يستلزم تمتع الفرد بحق ابداء رأيه بالمعروف الذي يأمر به وبالمنكر الذي يريد تغييره وهذا الحق للأفراد متمم للشورىة ومساعد لها ويتفق مع أهدافها لأن به يعان الخليفة على معرفة الصواب وتجنب الخطأ، فقد يفوت أهل الشورى بعض الأمور التي يعرفها غيرهم من أفراد الأمة. وعلى هذا لا يجوز للخليفة أو لغيره من أولياء الأمور الانتقاص من هذا الحق للأفراد كما لا يجوز للأفراد التنازل عنه أو تعطيله، لأنه حق أوتوه من الشرع ليتمكنوا من أداء ما افترض عليهم من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا كان الحكام الصالحون يربون أفراد الأمة على حرية الرأي ويحثونهم على هذه الصفة ويعيبونهم على تركها، قال رجل للإمام عمر بن الخطاب "اتق الله يا عمر، فقال له عمر: الا فلتقولوها: ولا خير فينا إن لم نسمعها". وفي خطبة لأبي بكر رضي الله عنه "فإن أحسنت فاعينوني، وإن زغت فقوموني"[49].

 

حدود حرية الرأي

156-  وحق الأفراد في إبداء آرائهم في تصرفات الخليفة، له حدود وضوبط،

الأول: أن يكون قصد صاحبه بذل النصح الخالص للخليفة، جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الامام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". فلا يجوز للفرد أن يقصد في بيان رأيه في تصرفات الحكام التشهير بهم أو تكبير سيئاتهم أو انتقاصهم أو تجريء الناس عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الباطلة التي لا يراد بها وجه الله ولا الخير للمنصوح ولا المصلحة للأمة.

الثاني: أن يكون بيان المسلم لرأيه في تصرفات الحكام على أساس من العلم والفقه، فلا يجوز أن ينكر عليهم أو ينتقصهم في الأمور الاجتهادية، لأن رأيه ليس أولى من رأيهم ما دام الأمر اجتهادياً.

الثالث: لا يجوز للأفراد احداث الفتنة ومقاتلة المخالفين لهم بالرأي إذا لم يأخذوا برأيهم ما دام الأمر يحتمل رأيهم ورأي غيرهم.

 

تنظيم الشورى في الوقت الحاضر

157- ذكرنا في الفقرات السابقة السوابق الثابتة في السنة النبوية في موضوع الشورى، ومجموعها يدل على أن الشريعة الإسلامية لم تنص على كيفية خاصة لتحقيق مبدأ الشورى، ومعنى ذلك أنها تركت تنظيم الشورى للأمة الإسلامية على النحو الذي يلائم ظروفها وأحوالها ويحقق مقصود الشورى ومعرفة رأي الأمة. وهذا في الحقيقة من حسنات الشريعة واحتياطها للمستقبل. وعلى هذا، فيبدو لنا، أن ما يوافق العصر الحاضر أن تقوم الأمة بانتخاب أهل الشورى الذين يشاورهم رئيس الدولة ويعتبرون بنفس الوقت أهل العقد والحل، على أن يكون لرئيس الدولة الحق في مشاورة أهل الاختصاص في موضوع اختصاصهم، وأن يكون له الحق في استفتاء الأمة في المسائل الخطيرة، وأن يوضع نظام مفصل لكل هذه المسائل وغيرها مما له علاقة في موضوع الشورى في ضوء قواعد الشريعة ومبادئها وأحكامها في نظام الحكم. كما يجب توفير حرية الرأي للمواطنين لابداء آرائهم في شؤون الدولة في الحدود الشرعية، فلا يجوز مثلا التشهير والطعن والسباب وفاحش الكلام والافتراء والتضليل بحجة ابداء الرأي، فليس من حق أحد أن يشيع الفساد بحجة ابداء الرأي. والواقع أن مجرد وضع الانظمة لا يكفي لتحقيق الانتخاب السليم ولا لتحديد حدود الرأي المباح الخالص من الغش والدجل، وإنما الذي يفيد كثيراً في هذا الباب – مع وضع الانظمة اللازمة – اشاعة المفاهيم الإسلامية والاخلاق الإسلامية، وتربية الأفراد على معاني العقيدة الإسلامية ومخافة الله وتقواه في السر والعلن، فبهذا يقف الانسان عند الحدود الشرعية ويقوم بواجبه على الوجه المرضي سواء أكان هذا الواجب في انتخاب أعضاء مجلس الشورى أو في قيام هؤلاء بابداء آرائهم أو في ابداء آحاد الناس آراءهم فيما يرونه من وجوه المصلحة.

 

المطلب الثالث - الخضوع لسلطان الإسلام

تمهيد

158- قلنا فيما مضى: إن الأمة مخاطبة بأحكام الشرع مكلفة بتنفيذها مثل أحكام العقوبات والجهاد والحكم بين الناس بالعدل ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التي هي من الفروض في الإسلام، وانها تملك – بتمليك الشرع لها – السلطة لتنفيذ هذه الأحكام وحمل الناس عليها. وحيث إن تنفيذ هذه الأحكام باستعمالها سلطتها، ولا يمكن أن يكون عن طريق جماعي. فقد برزت قاعدة النيابة لتحقيق ذلك، بأن تنيب الأمة واحداً عنها من يباشر سلطانها نيابة عنها لتحقيق ما هي مكلفة به، وهذا النائب هو الخليفة.

 

سلطان الأمة مقيد غير مطلق

159- ولكن سلطان الأمة مقيد غير مطلق، مقيد بالغرض الذي من أجله منحت الأمة هذا السلطان من قبل الشرع، ومعنى ذلك أن سلطانها مقيد بسلطان الله المطلق الذي له الحاكمية الحقة المطلقة ﴿إن الحكم إلا لله﴾ وارادته الشرعية المتمثلة في شرعه، ومن شرعه نظام الحكم في الإسلام. وعلى هذا فإنَّ سلطان الأمة في الحقيقة سلطان تنفيذ لشرع الله ومنه نظام الحكم وليس بسلطان خلق وابتداع لنظام يهواه...

 

سلطان الخليفة مقيد غير مطلق

160- وإذا كان سلطان الأمة مقيد بسلطان الإسلام أي بشرائعه وأحكامه ونظمه، ومنها نظام الحكم، فإنَّ الخليفة – وهو نائبها – سلطانه في الحكم مقيد أيضاً بسلطان الإسلام، لأنه لا يمكن أن يملك الوكيل أكثر مما يملكه الموكل من سلطة وحق.. فسلطانه، سلطان تنفيذ للشرع، وليس بسلطان ابتداع لشرع، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز في خطبته بعد توليه الخلافة: إنما أنا متبع ولست بمبتدع...

 

ما يترتب على تقييد سلطان الأمة والخليفة

161- ويترتب على تقييد سلطان الأمة والخليفة بسلطان الإسلام انه لا يملك واحد منهما الخروج على هذا السلطان أبداً، فلا يجوز لأحدهما ولا لكليهما، وإن كان برضى منهما تغيير شرع الله أو اتباع غيره، لأن الاتفاق على الباطل لا بقلبه حقاً ولا يعطي المتفقين عليه تبريراً شرعياً لعملهم الباطل... ولكن يجوز للخليفة وضع الترتيبات اللازمة لتنفيذ شرع الله ومنه نظامه في الحكم، أو وضع الانظمة اللازمة لإدارة شؤون الدولة في نطاق القواعد العامة في الشرع الإسلامي، ما دام لا يوجد نص أو نصوص تحكم هذه الشؤون.. وهذه الدائرة التي يباح فيها للخليفة وضع هذه الانظمة لتسهيل تنفيذ شرع الله وادارة شؤون الدولة هي التي تدخل فيما يسميه الفقهاء بالامور الاجتهادية التي يجوز فيها البحث والنظر، وتشريع الأحكام الجزئية في نطاق الاجتهاد وقواعده وضوابطه، ويلزم تنفيذ هذه الأحكام الاجتهادية السائغة، ولا يجوز للأمة ولا لأهل الحل والعقد عصيان هذه الأحكام ولا التمرد عليها ما دام الخليفة قد قرر تنفيذها، ولا يقبل منهم تبرير عصيانهم بمخالفة هذه الأحكام لآرائهم الاجتهادية لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله كما يقول الفقهاء. إلا أنه من المرغوب فيه جداً للخليفة بل قد يكون من الواجب عليه أن يشاور أهل الشورى فيما يريد تشريعه من الأمور الاجتهادية كما كان يفعل الامام عمر بن الخطاب، ومن أمثلة ما فعله هذا الامام الراشد تشاوره مع أهل الشورى في مسألة تقسيم أراضي السواد في العراق أيقسمها على الفاتحين أم يبقيها بأيدي أصحابها ويضرب على أراضيهم الخراج؟ ولا شك أن الخليفة عندما يشاور أهل الشورى في هذه المسائل قد يخرجون برأي واحد وقد يختلفون، وعند الاختلاف يترك الأمر للخليفة ليختار الرأي الذي يراه. والمأمول دائماً أن الرأي الصواب فالراجح جداً أن الخليفة يقبله لأنه لا مصلحة له في مخالفة الصواب وهو المنصوب لتنفيذ أحكام الشرع وتحقيق مصالح الأمة، وإذا قدر أنه لم يقتنع بوجهات نظر الآخرين الصائبة وأخذ بوجهة نظر خاطئة فهذا نادر، لا غالب، لأن الغالب ما قلناه، والعبرة للغالب الشائع لا للنادر...

 

الجدية والمساواة في تنفيذ شرع الله

162- وإذا كان الخليفة والأمة خاضعين لسلطان الإسلام المتمثل في شرعه فإنَّ هذا الخضوع يظهر في جدية التنفيذ والمسارعة فيه والحرص عليه، فلا يفيد الادعاء بالخضوع لسلطان الإسلام مع المخالفة الفعلية له. ومع هذه الجدية في التنفيذ والمسارعة فيه، مساواة بين الرعية في تنفيذ القانون الإسلامي عليهم، لأن الخليفة لا يملك تعطيل القانون بالنسبة لواحد منهم وإلا كان مسؤولا عن ذلك مسؤولية دينية أمام الله في الآخرة، وأمام الأمة التي اختارته في الدنيا. كما أن الأمة كلها لا تملك تعطيل القانون بالنسبة لأي فرد ولا يجوز لها السعي في هذا المجال المحرم بالشفاعة السيئة أو التأثير على الخليفة. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعاني بصورة حاسمة وصريحة في مسألة المرأة المخزومية التي سرقت وأهمّ الناس أمرها فطلبوا من أسامة أن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الشفاعة لها عنده عسى أن يعفيها من اقامة الحد أو يجد لها مخرجاً، وقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، وقال في خطبة له في الناس على أثر ذلك: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

 

الدولة الإسلامية دولة قانونية

163- وإذا تبين لنا أن الخليفة والأمة خاضعون لسلطان الإسلام، فإنَّ معنى ذلك أن الدولة الإسلامية يمكن وصفها بأنها "دولة قانونية" أو "دولة قانون" أي أنها تخضع في جميع تصرفاتها وشؤونها، كما يخضع جميع الأفراد في جميع تصرفاتهم وعلاقاتهم إلى القانون. وأعنى القانون هنا، بالنسبة للدولة الإسلامية القانون الإسلامي المتمثل بكتاب الله وسنة رسوله وما قام عليهما من استنباط صحيح واجتهاد سائغ مقبول.. قال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء...﴾ ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. ويترتب على ذلك أن نظام الحكم الإسلامي لا يقوم على معنى باطل قد يتلبس الحكم أو يقارنه أو يخالطه مثل الهوى والطغيان والتكبر في الأرض وحب الفساد والتسلط على الآخرين وغمط حقوق الناس وتسخيرهم للشهوات ونحو ذلك من المعاني الفاسدة التي لا تنفك عنها نظم الحكم الوضعية، لأن نظام الحكم الإسلامي خاضع للقانون الإسلامي المبرأ من هذه العيوب والمفاسد. ومن مظاهر هذا الخضوع أن الأمة في اختيارها للخليفة أو أهل الشورى، تختارهم وفقا للموازين الشرعية، بعيدة عن الأهواء، وهؤلاء المنتخبون في مجلس الشورى يباشرون حقهم في ابداء الرأي مستحضرين في قلوبهم مخافة الله ومراقبته فلا يقولون إلا ما يعتقدونه الحق والصواب ولا يألون جهداً في إرادة الخير للأمة والنصح للخليفة ولا يبغون من وراء ذلك إلا مرضاة الله... وأفراد الأمة عندما ينتقدون أو يبدون آراءهم في تصرفات الخليفة يفعلون ذلك وهم يشعرون بلزوم خضوعهم إلى شرع الله الذي يأمرهم بالعدل في القول والصدق فيه وإرادة النصح الخالص في النقد أو الاعتراض. والخليفة في شؤون ومباشرته سلطان الحكم إنما يستهدي بشرع الله، فلا يعطي ولا يمنع ولا يقدم ولا يحجم إلا ببرهان من شرع الله، وينفذ القانون الإسلامي بعدل ومساواة وجدية، لا تمنعه من إقامة الشرع صداقة ولا قرابة ولا أي معنى من المعاني التي لا يعترف بها الشرع في مجال التنفيذ، لأن تنفيذ القانون الإسلامي من لوازم خضوعه له كما قلنا، ولا يعطل تنفيذه بحجة الرحمة المتوهمة، فالرحمة الحقة في تنفيذ القانون الإسلامي لا في تعطيله، وقد نبهنا الله تعالى إلى هذا الجانب الضعيف في النفس الانسانية الذي يتسلل منه الشيطان ليمنع ولي الأمر من اقامة حدود الله، قال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله...﴾.

وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة قانون، وقانونها هو شرع الله – الإسلام – فإنَّ أي خلاف ينشب يكون مرجعه إلى هذا الشرع، لا إلى شيء غيره، قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾. والمحق من كان الحق بجانبه ببرهان من الشرع ومن ثم تكون الدولة بجانبه وان كان ضعيفاً، والمبطل من لم يكن الحق بجانبه ببرهان من الشرع ومن ثم تكون الدولة ضده وإن كان قوياً.

164- وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة قانونية، خاضعة لسلطان الإسلام فإنَّ معنى ذلك أن الحكم الحقيقي والسلطان الحقيقي لمشرّöع هذا الإسلام وهو الله جل جلاله وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿إن الحكم إلا لله﴾.

 

المطلب الرابع - مقاصد الحكم في الإسلام

الحكم وسيلة لا غاية

165- الحكم في الإسلام وسيلة لا غاية، وسيلة فعالة إلى مقاصد معينة يستطيع الحكم تحقيقها لما للحاكم من سلطان يستطيع به تنفيذ ما يعجز عنه آحاد المسلمين، فيختصر الطريق ويبلغ الأهداف ويحقق المقاصد وهي بعض مقاصد الإسلام، فما هي مقاصد الحكم الإسلامي؟

 

مقاصد الحكم

166-  يقول الفقهاء في تعريفهم للإمامة أي الخلافة "الامامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"[50].

فهذا التعريف يؤكد على وظائف الخلافة أي مقاصد الحكم ويجملها في مقصدين كبيرين الأول: حراسة الدين، والثاني: سياسة الدنيا به.

فلا بد من الكلام عن كل مقصد على حدة وبيان ما يندرج تحته من مقاصد فرعية.

 

المقصد الأول: حراسة الدين

167- ويقصد بالدين هنا بداهة الإسلام، فهو الدين المطلوب حراسته بالحكم. وحراسته تعني شيئين: حفظه وتنفيذه. فما معنى الحفظ والتنفيذ في هذا المقام؟

168-  أولاً: حفظه

وحفظ الإسلام يعني ابقاء حقائقه ومعانيه ونشرها بين الناس كما بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليها صحابته الكرام ونقلوها إلى الناس من بعده. وعلى هذا لا يجوز أي تبديل أو تحريف في هذه الحقائق والمعاني، لأن التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله. ولا يجوز التردد أبداً في منع التبديل والتحريف بحجة حق الفرد في ابداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد.. لأن الفرد ان كان مسلماً فليس من حقه أن يبدل دين الله، وإذا اختار لنفسه الضلالة ولعقيدته الفساد فليس من حقه أبداً أن يضل الآخرين أو يفسد عقائدهم. وإن كان الفرد غير مسلم فليس من حقه أبداً أن يخرج على نظام دار الإسلام ويشوه حقائق الإسلام وإلا كان ناقضاً لعقد الذمة. ومع هذا فقد يقع المسلم في زيغ أو شبهة أو خطأ، نتيجة فهم سقيم أو تضليل خبيث فيجب على ولي الأمر – الخليفة – أو نائبه، أن يعمل على كشف الشبهة واظهار الصواب بالدليل والبرهان حتى يظهر الحق وتقوم الحجة، فإن أصر المبطل على باطله وسعى öإلى نشره في الناس منع من ذلك وأقيم عليه ما يوجبه الشرع. وقد أشار الفقهاء إلى ما ذكرناه فقد قالوا: إن على الامام "حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة. فان زاغ ذو شبهة عنه بين له الحجة وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروساً من خلل والأمة ممنوعة من الزلل"[51].

169- ومن لوازم حفظ الدين "تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظهر الاعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً ويسفكون فيها لمسلم أو معاهداً دماً"[52]. والحقيقة أن دفع الاعداء عن دار الإسلام ضروري لحفظ الدين وبقائه لأن استيلاء الكفرة على دار الإسلام ضياع للإسلام وطمس لحقائقه وفتنة عظيمة للمسلمين وزعزعة لعقائدهم بسبب حكم الكفرة له وما يبذلونه لصرف المسلمين عن دينهم الحق بالوعد والوعيد والتلبيس والخداع والتضليل. بل نستطيع القول أن من لوازم وتمام حفظ الدين إعلاءه واظهاره على جميع أنظمة الكفر حتى لا يبقى للباطل حكم قائم ولا راية مرفوعة، وهذا ما أشار اليه الماوردي إذ يقول، وهو يعدد واجبات الامام، "والسادس جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل الذمة ليقام بحق الله تعالى في اظهاره على الدين كله"[53].

170-  ثانياً: تنفيذه

وأما تنفيذ الدين، الإسلام، وهو المظهر الثاني لحراسته، فيتحقق في أمور منها: تطبيق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، وفي علاقاتهم مع الدولة، وفي علاقة الدولة – دار الإسلام – مع غيرها من الدول. ومنها: حمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره وترغيبهم في ذلك ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية. ومنها إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع كما يقضي به الإسلام، إذ لا يمكن الادعاء بحفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إنكار ولا إزالة مع توفر القدرة على ذلك. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المقصد من مقاصد الحكم الإسلامي، قال تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.

 

المقصد الثاني: سياسة الدنيا به

171-  إن هذا المقصد يعني أن الدنيا داخلة في نطاق الدين، محكومة به، غير خارجة عنه.

والقول الجامع في سياسة الدنيا بالدين هو إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وهذا يتم إذا كانت إدارة شؤون الحياة وفقاً لقواعد الشريعة ومبادئها وأحكامها المنصوص عليها أو المستنبطة منها وفقاً لقواعد الاجتهاد السليم. فهذه هي السياسة الشرعية لأمور الدنيا بالدين. ومن أوجه هذه السياسة التي يضطلع بها الحكم الإسلامي ويلتزم بها الحاكم المسلم، والتي أشار إليها الفقهاء ما يأتي:

أ)  اقامة العدل بين الناس

172- أول مظهر لسياسة الدنيا بالدين، الالتزام التام بالعدل في إدارة شؤون الناس وعدم الحيدة عنه مطلقاً، لأنه هو الأساس الذي لا قيام لدولة بدونه ولا بقاء لأمة بفقده، ولهذا كان من صفة عقد البيعة للإمام أن يقال فيها "بايعناك بيعة رضى على إقامة العدل والانصاف والقيام بفروض الإمامة"[54].

والعدل يتضمن اعطاء كل انسان حقه وعدم ظلمه في شيء. فمن الظلم تكليفه بما لا يجب عليه شرعاً أو أخذ ماله بغير وجه حق أو منعه ما يستحق، وهذا ما أشار إليه الفقهاء، فالفقيه الماوردي يقول – وهو يعدد واجبات الامام – "وجباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير عسف وتقدير العطاء وما يستحق من بيت المال من غيرسرف ولا تقصير فيه ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير"[55]. والعلامة ابن خلدون يوضح الظلم الممنوع فيقول "ولا تحسبن الظلم انما هو أخذ المال أوالملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب، كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد، أوغصبه في عمله أوطالبه بغير حق، أو فرض عليه حقاً لم يفرضه الشرع فقد ظلمه. فجباة الأموال بغير حق، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظملة. ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران"[56]. وعلى هذا يجب على الخليفة أن يقوم بما يلزم لتحقيق العدل ومنع الظلم، وأول ما يلزمه في هذا الباب اختيار الموظفين الأكفاء الأمناء، والثاني مراقبتهم.

173- أما اختيار الموظفين الاكفاء، فهذا شيء ضروري، لأن الخليفة لا يمكنه أن يباشر أمور الناس بنفسه لأن ذلك فوق طاقته بل ويستحيل عليه حتى لو أراده. وإنما يباشر أمور الناس بواسطة نوابه أي الموظفين الذين يختارهم، فعليه أن يتخير الكفء الأمين. ومرد الكفاءة إلى القدرة على ما يتولاه، ومرد الأمانة عدم التفريط بشؤون ما ولي عليه من أمور، وقد أشار القرآن الكريم إلى قانون تولي الأمور الواجب مراعاته من كل حاكم وولي أمر، قال تعالى: ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾. فإذا وفق الخليفة إلى حسن اختيار الموظفين الأكفاء الأمناء حكموا بالعدل وحفظوا حقوق الناس ومنعوا عنهم الظلم، وشعر الناس بالأمن والأمان والاطمئنان، وانكمش أولو الأطماع وأهل البغي، ولم يستطع قوي أن يعتدي على ضعيف لأن الدولة أقوى منه، ولم يخش الضعيف المحق من عدوان القوي لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفاً. وهذا كله يؤدي إلى كسب قلوب الناس وربطهم لأنها في نظرهم كالبيت لهم وكالحارس لحقوقهم. أما إذا عين الخليفة الموظفين العاجزين والفاسدين والخائنين، فإنَّ الناس سيكتوون بنار فسادهم وخيانتهم، ويقعون تحت ظلمهم وبغيهم، مما يضعف صلتهم بالدولة والولاء لها، ويزهدهم في الدفاع عنها، "ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران" كما قال ابن خلدون. ولا يشفع للخليفة عند الناس كرهه لتصرفات ولاته الظلمة الفاسدين، لأن الناس يحملونه مسؤولية أعمالهم لأنه هو الذي ولاهم، ولهذا كله يجب الاهتمام الكامل باختيار الموظفين الأكفاء الأمناء وبدون ذلك يقع المحذور الذي أشرنا إليه، ولا يدفعه كون الخليفة نفسه صالحاً، وقد أشار الفقهاء الى واجب الخليفة في اختيار الموظفين الأكفاء، فقال الفقيه الماوردي عند تعداد واجبات الإمام "التاسع استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه اليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال بالأكفاء مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة"[57].

174- ولا يكفي أن يعين الخليفة الأكفاء الأمناء، بل عليه أيضاً أن يراقبهم في أعمالهم فقد "يخون الأمين ويغش الصالح" كما يقول الفقهاء. وحتى إذا استبعدنا خيانتهم وغشهم، فلا يمكننا استبعاد خطئهم، وظلم الناس خطأ كظلم الناس عمداً من جهة لحوق الضرر بالمظلوم وكرهه للظلم، فلا بد من المراقبة المستمرة والمحاسبة الدائمة للموظفين حتى لا تقع خيانة ولا غش، ويقل الخطأ ويعرف الناس شدة حرص الخليفة على العدل ومنع الظلم، ويخرج هو من عهدة الخلافة ومسؤولية الحكم. وقد نبه الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى هذا المعنى، فقال الفقيه أبو يعلى الحنبلي: على الخليفة "أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ليهتم بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أوعبادة. فقد يخون الأمين ويغش الناصح. وقد قال الله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ فلم يقتصر سبحانه على التفويض دون المباشرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"[58].

ب) إشاعة الأمن والاستقرار

175- ومن واجبات الخليفة المهمة، ومن واجبات الحكام المسلمين جميعاً إشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين. إن هذا المقصود يتحقق بصورة كاملة بتطبيق القانون الإسلامي الجنائي، أي بتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين في الأمن، المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد. فإذا ما طبقت الأحكام الشرعية على المعتدين، أمن الناس وخاف المجرم، وتحقق الاطمئنان. وسنتكلم عن أهمية العقوبات الشرعية وأثرها الفعال في منع الاجرام وفي تحقيق الأمان للناس عند الكلام عن نظام الجرائم والعقوبات وقد أشار الفقهاء إلى هذا المقصد قالوا: وعلى الخليفة "إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك"[59].

جِ) تهيئة ما يحتاجه الناس

176- ومن مظاهر سياسة الدنيا بالدين، قيام الحكم الإسلامي بتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها، وقد أشار الفقهاء إلى ذلك، فقد قال العلامة ابن عابدين في حاشيته "رد المحتار" على "الدر المختار": ومن فروض الكفاية الصنائع المحتاج إليها[60]. ومن الواضح أن الصنائع المحتاج إليها تختلف باختلاف العصور والأزمان، فما كان الناس يحتاجونه في الأمس قد يحتاجون إلى غيره اليوم، فعلى الحكم الإسلامي ملاحظة ذلك وتهيئة وسائله. ويترتب على اعتبار تحصيل الصناعات والحرف المحتاج إليها من فروض الكفايات لحوق الاثم بالأمة وبالحكام إذا قصروا في تحصيلها، وثبوت حق الحكام في اجبار أصحاب الصناعات على القيام بها إذا امتنعوا عنها، وهذا ما صرح به الفقهاء، فقد قال الفقيه المشهور ابن قيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية: إن لولي الأمر اجبار اصحاب الحرف والصناعات على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن القيام وكان في الناس حاجة إلى صناعاتهم[61].

د) استثمار خيرات البلاد

177- ومن مظاهر سياسة الدنيا بالدين، استثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية الرفاه الاقتصادي والعيش الكريم، وقد أشار الفقهاء إلى هذا الواجب، فقد قال الفقيه المشهور أبو يوسف في كتابه القيم "الخراج" الذي وجهه إلى الخليفة هارون الرشيد: إن على الخليفة أن يأمر بحفر الأنهار واجراء الماء فيها وتحميل بيت المال وحده نفقات ذلك وهذا نص كلامه: "فإذا اجتمعوا – أي أهل الخبرة – على أن في ذلك – أي في حفر الأنهار – صلاحاً وزيادة في الخراج أمرت بحفر تلك الأنهار وجعلت النفقة من بيت المال، ولا تحمل النفقة على أهل البلد. وكل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطلبوا اصلاح ذلك لهم أجيبوا إليه، إذا لم يكن فيه ضرر على غيرهم"[62] وما ذكره أبو يوسف رحمه الله من ضرورة حفر الأنهار لأرض الخراج[63] هو من قبيل التمثيل لا الحصر، يدل على ذلك عبارته الأخيرة "وكل ما  فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطلبوا إصلاح ذلك لهم أجيبوا اليه" كما يمكن القياس على ما ذكره أبو يوسف جميع الأعمال اللازمة لاستغلال ثروات البلاد وخيراتها على وجه يعود بالنفع العميم على الجميع فهذه يجب القيام بها، مثل تنظيم الري في البلاد وإقامة السدود وتحسين الزراعة واستخراج المعادن وإقامة المصانع وتعبيد الطرق التي تسهل نقل المحاصيل، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال.



[1]  الأحكام السلطانية للماوردي ص 3.

[2]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 138.

[3]  منهاج السنة النبوية لابن تيمية ج 1 ص 137.

[4]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 138.

[5]  أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 210، وتفسير القرطبي ج 5 ص 259.

[6]  الفروق للقرافي ج 1 ص 207 – 208.

[7]  الأحكام السلطانية للماوردي ص 3. الأحكام السلطانية لابن يعلى الحنبلي ص 3.

[8]  مقدمة ابن خلدون ص 191.

[9]  الملل والنحل لابن حزم ج 4 ص 87.

[10]  فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 65، ومثل هذا ورد في كتابه السياسة الشرعية ص 129.

[11]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 139.

[12]  المغني لابن قدامة الحنبلي ج 8 ص 17.

[13]  الأحكام السلطانية للماوردي ص 29.

[14]  تفسير الرازي ج 27 ص 177.

[15]  مقدمة ابن خلدون ص 193، وانظر الماوردي ص 4.

[16]  الأحكام السلطانية للماوردي ص 4، وأبو يعلى الحنبلي ص 3-4.

[17]  تفسير المنار ج 5 ص 181.

[18]  من شروط العدالة الإسلام، فيشترط أن يكون الشخص مسلماً.

[19]  الماوردي ص 4، وأبو يعلى ص 7.

[20]  أبو يعلى ص 9.

[21]  أبو يعلى ص 9.

[22]  منهاج السنة لابن تيمية ج1 ص 140-143.

[23]  الملل والنحل لابن حزم ج 4 ص 169.

[24]  تيسير الوصول ج 2 ص 36.

[25]  الماوردي ص 4، وأبو يعلى ص 4، ومقدمة ابن خلدون ص 193.

[26]  الملل والنحل لابن حزم، والماوردي ص 4، وأبو يعلى ص 4.

[27]  مقدمة ابن خلدون ص 195.

[28]  مقدمة ابن خلدون ص 198، ويلاحظ هنا أن العصبية التي يتكلم عنها ابن خلدون ليست هي العصبية الجاهلية، وانما يعني بها ارتباط القوم بسبب النسب أو غيره وهذا الارتباط يجعلهم متعاونين أولي قوة لا يستطيع غيرهم منازعتهم في الامر.

[29]  الملل والنحل لابن حزم ج 4 ص 102.

[30]  المواقف للأيجي وشرحه نقلا عن كتاب النظريات السياسية الإسلامية للاستاذ ضياء الدين الريس ص 270.

[31]  أبو يعلى ص 605.

[32]  فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 129.

[33]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 169.

[34]  تفسير الطبري ج 4 ص 94.

[35]  تفسير الرازي ج 9 ص 66.

[36]  امتاع الاسماع للمقريزي ص 219، وتفسير الرازي ج 9 ص 67.

[37]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 169.

[38]  تفسير القرطبي ج 4 ص 249.

[39]  أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 40.

[40]  امتاع الاسماع للمقريزي ص 116.

[41]  امتاع الاسماع ص 429.

[42]  امتاع الاسماع ص 236.

[43]  تفسير القرطبي ج 4 ص 249 – 250.

[44]  تفسير الطبري ج 5 ص 87، تفسير القرطبي ج 5 ص 261، تفسير الجصاص ج 2 ص 212.

[45]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 170.

[46]  تفسير القرطبي ج 4 ص 257.

[47]  أبو بكر الصديق، تأليف الاستاذ علي الطنطاوي ص 162 – 163.

[48]  المرجع السابق.

[49]  الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 183.

[50]  الماوردي ص 3، وابن خلدون في مقدمته، ذكر هذا التعريف أيضاً.

[51]  أبو يعلى الحنبلي ص 11.

[52]  الماوردي ص 14.

[53]  الماوردي ص 14: وسنزيد هذه النقطة توضيحاً عند الكلام عن نظام الجهاد.

[54]  أبو يعلى ص 9.

[55]  الماوردي ص 12.

[56]  مقدمة ابن خلدون ص 223.

[57]  الماوردي ص 14.

[58]  أبو يعلى الحنبلي ص 12.

[59]  الماوردي ص 14.

[60]  ابن عابدين ج 3 ص 32.

[61]  الطرق الحكمية لابن القيم ص 222.

[62]  الخراج لأبي يوسف ص 110.

[63]  أرض الخراج، هي الأراضي التي فتحها المسلمون، مثل أرض العراق وتركوها بيد أهلها على أن يدفعوا عنها ضريبة معينة تسمى "الخراج".

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

أصول الدعوة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca