إن صورتى الذرة واللبنة الكونية تفصحان بوضوح أن (الولاء ) حقيقة حيوية راسخة، ولذلك يمكن إسقاطها على العلاقات البشرية وانتظار تبعية بعض البشر لبعضهم الآخر الذين هم أنوية ومحاور، وهذا ما يظهره التاريخ الإنسانى جلياً وتؤكده الحقبة الحالية التى نعيشها، ولذلك يؤذن لدعاة الإسلام أن يطلبوا لأنفسهم المكان المحورى ليحوزوا ولاء الآخرين.
هذا الاستنتاج يهمنا فى تفهيم نظرية صناعة الحياة، لذلك أرى أن تمسك به أيدينا لنقرنه بمعان أخرى سنستنتجها من بعد .
ولكن إذ نحن نمشى لاكتشاف هذه المعانى الأخرى يحسن أن نتوقف عند معان فرعية كامنة فى ظاهرة الولاء بين المخلوقات :
(المعنى الأول) : أن الولاء يتكرر، فالقوى الآسر لغيره يستأسر بدوره لآخر أقوى منه، وهذا واضح فى أن العنقود النجمى قد انتمى مع أصحاب له إلى عنقود متميز متفوق صار بؤرة للعناقيد، وهذا هو أصل ظاهرة (القيادة) فى الحياة البشرية، وأن الحائزين لولاء الناس يحتاجون آخر ينسق بينهم ويمنع التناطح والتظالم .
(المعنى الثانى) : أن ازدياد بروتونات النواة الذرية تجلب الكترونات زائدة بعددها، كما قلنا، ولكن ما لم نقله: أن هذه الالكترونيات لها مستويات وطبقات محدودة تدور فيها، ولذلك تكون قلقة جداً إذا صار عددها أكثر من تسعين ، فتخرج بأدنى سبب، ونتفلت، وكذلك الأمر فى الحياة البشرية، إذا ازداد الموالون فى عمليات التجميع الواسع: أصبح التفلت أكثر حدوثاً، إذ لا يستطيع العنصر الذى جمعهم حوله أن يمنحهم مدارات خططية كثيرة تشبع رغباتهم وتطلعاتهم، فيسيطر نوع من القلق على العلاقة، ويكون الخروج، وربما ولد ذلك إحباطاً لدى العنصر المحورى تقل به كفاءته، إذ فى الذرة يخرج بروتون من النواة فى حالات القلق متزامن مع خروج الالكترون ربما، وهذا أمر يعظنا أن يكون تجميعنا موزوناً. ولنا أن ننظر إلى هذه الظاهرة من زاوية أخرى فنقول : إن العنصر المحورى إذا ازدادت قوته العلمية وملكاته وزاد اتباعه فى المرحلة الأولى فإنهم يتحلقون حوله ما دامت لذة الارتباط غامرة، ثم قد لا يواكبونه فى اجتهاده المتقدم وفكره الثاقب ولا يفهمونه، فيكون التفلت، وهو أمر يعظ بوجوب أن نسير بسيرة النمط الأوسط، وأن فرى العباقرة قد يحصل للمسلم، ولكن لا يستطيع تسويق عبقريته والعثور على متفهم لها.
(المعنى الثالث) : إن عدد الالكترونات المأسورة يتناسب مع قوة النواة وعدد البروتونات فيها، وكذلك صانع الحياة يتبعه عدد من الناس يتناسب مع مقدار علمه وقوة ملكاته، كلما زاد ذخيرة: زاد أتباعه.
(المعنى الرابع) : إن الذرة من عنصر تتتحد مع ذرة من عنصر آخر فتتكون جزئية ذات خواص جديدة، وهذه المركبات كثيرة جداً، وعليها مدار الانتفاع فى الأغذية والأدوية، حتى أن الكيمياء العضوية لتوجد سلاسل من المركبات مستحدثة بإضافة ذرة هايدروجين أو كربون إلى التركيبة الأصلية، وتتجدد الخواص مع كل ذرة مضافة أقول: فهذه الظاهرة هى أصل ظاهرة الحلف فى الحياة البشرية والحيوانية، حين يكون التحالف مع الشبيه والقرين والقريب، وعلى التخطيط الدعوى أن يستفيد من هذه النزعة .