الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: صناعة الحياة
المؤلف: محمد الراشد
التصنيف: سياسي
 

فريق البناء

صفحات الجمال تهدى نفحات الاجتهاد

والمهندس المعمارى من أهم صناع الحياة، كفإن بعض عجيبة النحل يكمن فى سداسياتها، ونصف جمال الحياة بين جناحى فراشة .
إن حس الجمال رزق من الله وزعه على المخلوقات من بعض ما عنده من جمال وحب للجمال، كما وزع بعض الرحمة التى عنده .
فجمال الزهور الجميلة من مقدمات تلقيحها، وجمال الديك والطاووس إنما كان لأن عملية البيض والحضن صعبة تأباها الأنثى لولا جاذبية الجمال.

وقد سخر الله تعالى بإذنه بعض الناس أن يكونوا صناعاً للجمال، والمعمارى منهم، فهو يبنى النفوس والأذواق وجيد الطباع بمبادئ التناظر والتعادل والتناسق والتدرج والتناسب.

المدينة الجميلةجزء من الحياة، ولذلك حين يقول المعماريون المؤمنون بعد أن يساهموا فى بنائها أن أيها الناس آمنوا: سيؤمن منهم عدد ، وألف ضعف ذلك العدد تكون نفسه قد تعادلت وأنكرت الشذوذ واقتربت من الإيمان، بإيحاءات الجمال التى صاغها المهندسون.
يؤذنون من على عروشهم المعمارية فى آن واحد مع المؤذنين من على منابر المساجد.

إن جانباًَ من محنة الناس يكمن فى فساد الأذواق وانحراف الطباع، ولا يقبل الكفر إلا صاحب نفس معكوسة منكوسة، وسوى النفس أقرب إلى الإيمان، وبحق رصد عباس محمود العقاد انتساب أصحاب الانحرافات إلى الشيوعية حتى وصفها بأنها مذهب ذوى العاهات.

 

إن المعمارى قرين الواعظ فى تسوية النفوس


هى فلسفة فى الحياة ......... لكن اسمها جدار ورواق .

وفلسفة فى القيم.......... لكن يلقبونها باباً وباحة .

وحشد من المعانى .... مترجم بأقواس وأعمدة وأخشاب نافرة .


وحاجة الدعوة إلى رهط من المعمارين يشاركون فى تعليم الدعاة والمؤمنين موازين الجمال هى من جنس حاجتها إلى علماء يعلمونهم موازين المزنى وشوافع الشافعى وملاك مصالح مالك، ولو فوض الأمر إلى لدفعت ربع أذكياء شباب الدعوة إلى دراسة فنون العمارة، ولأدخلت ذلك فى الخطة وجعلته حتماً واجباً، فإن تعادل العقلانية والعاطفية فى الأداء الدعوى يلزمه الاقتران بالمعايير الجمالية، ليتم بهذه الثلاث استواء الصناعة الحيوية، ومن الخطأ أن نفهم أن الدور المعمارى يلزمه التعقد والبذبخ والتعاظم والإسراف والتطاول والتبذير والتكلف ليؤدى وظيفته، وإنما يؤديه من خلال البساطة والتواضع ومجانسة البيئة والجرى مع الفطرة واستعمال المواد الخام غير المصنعة، وبدأ الجيل الجديد من المعماريين يعود إلى هذه المعانى الأصيلة، ولعل أثر جماعة المعمارين المؤمنين فى التربية الدعوية هو الجزء الناقص فيها المكمل لآثار الحسن البصرى والجنيد .

إن مدينتنا الفاضلة كما تبنيها أبيات الشعراء وتضع قوانينها طوائف الفقهاء، فإنها تتلألأ بلمسات فنون العمارة، لتكون وحدة واحدة متجانسة بمادتها ومعانيها.

وقد كانت إنجازات السلف أيام الازدهار الحضارى كذلك .

فاس المغربية وحدة واحدة كلها، وكلها مصانة الآن محفوظة من الهدم والتغيير بإشراف الأمم المتحدة، وهى كتلة معمارية كلها، ومعلم من معالم الإنسانية حين تنضج ويسمو سذوقها.

وقصر الحمراء ومقترباته وأركان غرناطة كتلة مندمجة .

ومدارس بغداد وخاناتها وباقايا سورها ومساجدها وأزقتها ومستنصريتها علاقات جمالية مؤاداة على نسق، بعضها من بعض.

وصنعاء لوحة فنية واحدة، وكذا دمشق والقاهرة، والقيروان وتلمسان، وبخارى وسمرقند، وأصفهان واستانبول.

ولهذا فإن سواء أنفس أجيال المسلمين بالأمس هو من تأثير هذه المعطيات الحضارية الفنية كما هو تأثير الإيمان.

وجزء من محنة عواصم النفط اليوم يكمن فى الفوضى المعمارية التى عكرت النفوس حين لم يستخدم المال فى منهجية معمارية واحدة متناسقة متناسبة، وإنما استوردت مذاهب المهندسين استيراداً عشوائياً، فصار التناقض المزرى، وتوترت القلوب حتى افتقدنا السكينة .

ولهذا فإن أدوار كبار المهندسين الذين يصرون على مواصلة الارتباط بالتراث وتوحيد المستقى، مثل حسن فتحى بمصر ، وقد تجاوز الثمانين، ومحمد مكية ورفعت الجاردجى وأمثالها بالعراق: هى أدوار بطولية، وهى أدوار إسلامية إيمانية وإن لم يفهم بعضهم كل قصة الحياة ولبثت يتوهم العلمانية، لغلبة أثر المنشأة وبقية التقليد لموجة المراهقة الفكرية التى عمت العالم الإسلامى بين الحربين العالميتين على وجه الخصوص.
واليوم يسير المعمارى أحمد الرستمانى وفريقه بمكتب التراث فى دبى بخطى ثابتة ويمضى قدماً فى استلهام التراث حقاً .

إن الناس إذا عرفت مقاييس الجمال فليس أجمل من الإيمان والأخلاق والمعروف، ولذلك فإن على خطة الدعوة فى كل بلد أن تدفع مائة لدراسة العمارة، لينبغ منهم عشرة ويصلوا إلى درجة الإبداع والاجتهاد وجودة العطاء فيكون هؤلاء العشرة من صناع الحياة، بمشاركتهم فى تحسين المحيط وترويض الأذواق، وباللبنات الحضارية التى يرسونها فى أساس النهضة الإسلامية المستأنفة، وبألوف أهل الولاء الذين يضيفونهم إلى رصيد مصرف الترجيح.

بل المتأمل يذهب إلى أبعد من هذا، ويجد فى الموازين المعمارية مادة لتعميق الوعى التنظيمى والتربوى وإتقان فقه الدعوة .

ففكرة المركزية التى يضجر منها بعضهم إنما هى حقيقة حيوية ومعمارية تعظ الداعية بأن الأمر نسبى، وأنه ليس من الصواب إطلاق تفضيل اللامركزية الإدارية والاستطراد فيها، بل فى المركزية قوام الأداء، وهى فرع من حقيقة الولاء، ومثلها المعمارى ما يكون من شخوص قبة مسجد مثلاً، فكأنها جمعت ما فى البيئة المحيطة وربطته بأنساب القربى معها، ولخصت وركزت ما هنالك حولها، فلا تكون فى الساحة والعرصة الواسعة أشكال معمارية متسيبة متروكة عائمة، بل هى مربوطة بعلاقة محورها القبة، ثم يكون محراب المسجد عاكساً لمعانى مركزية داخلية أخرى مكملة، من ارتباط الجوانب والأعمدة والنوافذ به كمركز، فتتولد عندنا إيحاءات مضاعفة من وجود مركزية داخل مركزية تؤلف جانباً من الأنماط الحيوية الصحيحة، بدليل حلول التجانس فيها وقبول النفس لها، وهو معنى يعظ الضجر من مركزية الأعمال ويناديه أن لا سلب فى ذلك، وإنما ثم نور على نور.

وفى العمارة أفكار أساسية كثيرة، مثل المحورية، وهى عكس المركزية اللامة الجامعة الساعية إلى تكثيف المعنى، أى هى النشر والتوزيع المنتظم الذى يبقى الشىء فى ابتعاده واستقلاله مرتبطاً بعلاقة لا تدعه يتفلت أو ينفرد أو يطيش ولهذا المبدأ تطبيق تربوى أيضاً، بل وجود المحورية المعمارية يطبع فى لا شعور الناظر معناها من خلال النظر المسترسل البرئ. كذلك فكرة التنوير المتكافئ، وفكرة انتقال الوظائف الفرعية بين أجزاء المبنى وتبادلها بسلاسة ويسر وتكاملها فى أداء الوظيفة الكبيرة هى فكرة معمارية عظيمة الأثر فى الفكر التنظيمى، والاعتياد على استعمال الفرد لمبنى على هذه الهيئة من سهولة النفاذ والحركة وجزالة الاستفادة من كل زاوية ودهليز وباحة هو فى نفس الوقت تربية له على تجويد تخطيطاته التنظيمية الادارية فى اتجاه التكامل الوظيفى وتوفير الجهد المبذول، ومنجمع الوزارات بالكويت هو نموذج جيد لذلك، وهو مدرسة تربى أهل الكويت على هذه المعانى وهم لا يشعرون.

ويسعنا أن نطور وعينا الحيوى بأن نعيش سويعات مع رواية المعماريين لتجاربهم، وقد عشت ساعة مع المعمارى الايطالى الصاعد (بيانو) عبر حلقة تلفزيونية، وكان يتكلم من شقته التراثية فى أزقة جنوا القديمة وكأنه يملك كل إيطاليا. وعشت أيضاً مع المعمارى العراقى رفعت الجادرجى فى كتابه ( بين شارع طه وهمرسمث) الذى أودع فيه جانباً من فلسفته المعمارية وروى معها خبر غيره. وشارع طه ببغداد حيث يقع بيت أبيه الذى هو أحد قادة السياسة العلمانية فى العراق، وهمرسمث هى الكلية المعمارية التى درس فيها بلندن.

فهو يدعو إلى ضرورة تمثل العمارة بمنشأة مادية يستخدمها الجمهور من أجل أن ينتشر الوعى المعمارى، وهذا كلام صائب، يشبهه تمثل الإيمان والفكر بأشخاص قدوات يخالطون الناس، لتنتشر عدوى الخير.

وهو يعتبر المرونة فى الحركة فى المنشأة: التجسيد الكامل للفكر المعمارى، بل هذا من أول مفاهيم العمارة بعد مفهومها الجمالى، وهو مفهوم أساسى فى التخطيط الإسلامى كذلك.

ويرى أن كل عمل معمارى يؤثر فيه عاملان: الشكل القديم المتوارث المتاح والإبداع الفردى التطويرى. وهذا ميزان فى العمل الإسلامى أيضاً، فالتربية على فهم الأصالة والتدريب على التأصيل والسلفية من أهم وظائف المنهج التربوى، ولكننا نجعل الشورى محركاً للإبداع والاجتهاد ونبذ التقليد الجزاف، فيبقى أحدنا مشدوداً أبداً إلى الثوابت، ويتجول فى الوقت نفسه فى ساحات المتغيرات.

وعنده أن تقويم صنعاء غير تقويم روما، إذ لابد من ملاحظة أثر التطور الاجتماعى والتقنى ونوع المفهوم العاطفى والمناخ. وهذا ميزان عام فى غاية الصواب، ولكل قطر تأثيراته الذاتية فى العمل الإسلامى الذى فيه، ولا يجوز النقل الحرفى لتجارب الآخرين، كما لا يجوز تعميم النقد بناء على الظواهر، بل لابد من ملاحظة الخلفيات والفروق.

وعنده أن نوع المواد والمكننة المتاحة تؤثر فى معنى العمارة، ولذلك كان من آثار تطوير الأعمدة باستعمال الحديد والخرسانة: تقليل مهمة الجدران فى إسناد البناء عموماً وحمل ثقل السقف والطوابق العليا بخاصة، فأتيح للمعمارى وضع النوافذ العريضة الطويلة وكثرة استعمال الزجاج، فأتيحت من ثم الإنارة الوافرة والإطلالة على الجمال المحيط بالمبنى من خضرة ومياه من داخل المبنى. وهذه موازين تصلح للتخطيط الإسلامى، إذ ان وجود رجال الصفوة والقاعدة الصلبة يتيح انفتاح الجماعة الدعوية على المجتمع وتكثيف الخلطة به ، لرجحان التأثير وقلة الخوف من التأثر. وكذلك الانفتاح على الثقافة الشمولية والفنون والمعرفة العالمية، لوفرة الاطمئنان إلى ثبات عناصر الدعاة وقابليتهم – إذ هم أقوياء – على التمييز وانتقاء المعانى الصائبة وغربلة المسموع والمقروء، ونبذ واطراح اللغو والأخطاء والأوهام، بينما تميل الدعوة فى حالة ضعف تربية رجاهلا إلى عصمتهم عن تأثيرات المجتمع والثقافات بالعزلة والانكفاء على النفس.

وعنده أن العمارة طراز فردى وطراز عام فى آن واحد، وأحدهما يؤثر فى الآخر، فالمعمارى ينوب عن المجتمع العام فى تحديد شكل عمارته، فيترك أثره الفردى، ثم هو فى إبداعه الخاص لا يوغل فى الفردية، لئلا يشذ ويغرب، فكأن المجتمع صار رقيباً عليه. وهذا هو دور مجالس الشورى والندوات الفكرية وحلقات لحوار فى الجماعة الإسلامية، بحيث تستفز الجماعة الداعية ليفكر ويجرب مغامرات العقل وطلب المعانى من مواطن المعالى، ولكنها فى الوقت نفسه تجعل له مثابة دائمة تحت مظلة الرقابة الجماعية يفئ إليها ويرجع كلما غزا وجاب الصحراء.
وبكل هذا وضحت كيفية استيلاء المعماريين على صناعة الحياة، حتى أنهم ليكادون يحتكرونها فى ظن المسترسل مع حماستنا لهم، لولا أن يرده ما يعلم من أن أهل الفضل والعلوم والتخصصات قد توزعتهم دائرة مفرغة مغلقة لا تعرف لها طرفاً .

ولقد رأيت حسن فتحى أيضاً فى حلقة تلفزيونية يتحدث عن مسيرته الطويلة، والقرية الإسلامية فى أمريكا من إنجازاته، فازددت وعياً وقناعة. وكان لى تأمل طويل فى لمسات محمد مكية بجامع الخلفاء ببغداد، ونظر إلى أعماله الأخرى، فتعلمت الكثير .

فكن المعمارى المسلم، أو المجهز له، أو الناظر لماتقترف يده الملائكية، لتفتح عرضات الحياة وتدق أبواب الحضارة ولا تكن الرابع فتتربع من بعد ما أردت لك المنطلق .

 

بين صرير القصبة .. ورنة الذهب

والخطاطون من صناع الحياة، وعلينا أن نزاحم الفن الجاهلى بفن إسلامى نظيف، والخط من أهم وسائله، لأن الحاسة الجمالية فى جمهور الناس تحتاج إشباعاً، وهم ليسوا مثل أعيان المؤمنين يستطيبون الجد والصرامة، فإن لم نستطع سد فراغهم وتطلعاتهم بالمباح: مالوا إلى التهتك ومقدمات الاباحية، أو استظرفوا الفوضوية الصاخبة، ومن إتمام شوط المعمارى فى التربية الجمالية أن يبرز لهم الخطاط يمتع أنظارهم باستدارة العين، واستقامة الألف، وتداخل الهاء، وامتداد السين، وركوع الكاف، وسجود الراء، وانفتاح الدال، وينقلهم من ثلث إلى ديوانى، ومن تعليقات فارس إلى أعمدة الكوفة، والزخرفة من قبل ذلك وبعده تتفجر بين يديه وتمتد إلى حيث اللانهاية، فكل تلميذ له هو للإيمان لوى، وكل حائز لرقعة من فنه على جدار بيته هو للإحسان صفى، وتجليته للنفوس أكبر، وتسكينه للقلق أعظم، وتسليته للحزين أبلغ، فإن شغله هو الحرص على تكييف أعماق الذات من خلال حركات الظاهر، فهو مسلم ولعه إنطاق حروف آيات الإسلام ودرر قول نبى الإسلام عليه السلام، ووجهته تربية ذوق رجال الاسلام، وغايته جلاء جمال الإسلام، ومصب أحباره وألوانه فى وادى الإسلام، فهو للإسلام ومن الإسلام وبالإسلام.
والكشف عن الآثار: صنعة المؤمنين أيضاً، فإن المحافظة على الآثار الاسلامية وإبرازها تغرس فى النفوس احترام الإسلام فى اللاشعور، ولا يكون رائيها المتفهم لتاريخها ملحداً. وحين ينبرى خمسة من الآثار بين يقولون بوجوب المحافظة على المئذنة الفلانية وعلى أقواس تنتسب لها فإنهم يكونون قد وطأوا الأرض والمسار أمام الواعظين حين يدعون إلى الإسلام المحض والمفاصلة والعودة بالأمة إلى ما أصلح أولهِا.
والكشف عن آثار الظالمين فيه موعظة للناس بالمنظر الشاخص أن : إياكم أن تظلموا! وفى سجن الباستيل تذكير بمصير الجبروت، وفى جثة فرعون الناجى ببدنه آية رادعة ودليل إعجاز .

ورأيت فى التلفزيون العربى الإيرانى الملتقط فى الخليج حلقة تلفزيونية يتكلم فيها على شريعتى بالفارسية بخطبته التى عنوانها (نعم هكذا كان يا اخى)، وصوت الترجمة العربية أعلى من نبرته، ولكن يواكبها، وقد أضاف المخرج صوراً وثائقية وممثلة عن الأماكن والأحداث التى يتحدث عنها، فرأيت وسمعت شيئاً عجباً شدنى وهزنى.

وشريعتى هذا شيعى معتدل منكر على بدع التشيع الصفوى، وقد أخبرنى الخبير الثقة بصحة دعوى اعتداله مع بقايا قليلة لم يبرأ منها تمام البراءة، وهو عالم اجتماع من الطراز الأول، ومثقف بثقافة شمولية واسعة، وكبته محرمة فى إيران أيام الخمينى بسبب اعتداله سوى مثل هذه الحلقة التى تذاع بالعربية ولا تؤثر فى أهل إيران، وكان الشاه قد أمر السفاكين فى سافاكه فاغتالوه بباريس، غفر الله له.

وقد انحدر هادراً بمقدرة خطابية عالية واضحة فى نبرته رغم جهلى بلغته، فذكر حيرة الفلاسفة والمصلحين فى الأمم كلها أمام حاولة انتشال الإنسان من وهدته واستخذائه للظالمين لاذين أرهقوه، وكيف أراد كونفوشيوس رفع رأس أهل الصين من بعد ما رأى الأباطرة يستخفونهم ويأمرونهم ببناء سور الصين العظيم وصنع ألوف التماثيل للجنود والخيل يخلدون بها أحداث المعارك، لكن كونفوشيوس فشل لأنه أراد الملائمة بين حاجة فلاح الصين وشهوة الامبراطور. وكان زرادشت أفشل منه، لأنه انطلق فى إصلاحه من أروقة بلاط كسرى، فكان أسيراً لسياسة المداراة. أما كهنة مصر فقد خدعوه المستضعفين بالعقائد القدرية السلبية حتى لم يعد فيهم عرق ينبض حين كانت أجسادهم تتهاوى تحت ثقل حجارة تخليد فرعون إذ هم يرفعون صرح الأهرام، وكأن ضرب السياط الذى يلهب ظهورهم يؤلف صرح الأهرام، وكأن ضرب السياط الذى يلهب ظهورهم يؤلف أنغام النوم واستمراء الذل. حتى الاغريق: ألهى فلاسفتهم عامتهم بالمجاز الذى لا تخصيص معه، فحاروا حيرتهم الكبيرة، ولم تنجب الانسانية غير متلفت يروم الهداية وقد ضل الطريق، إلا الراعى الذى ظهر بمكة صلى الله عليه وسلم بعيداً عن العروش والبلاطات والفلسفات التعميمية، فأشار وخصص، وأرشد المستضعفين، فاهتزت أركان الجبابرة، وتحطمت الطواغيت! .

وأيم الله لقد هزنى ونفضنى وأنا العريق فى درب الاسلام، وعندها أدركت ما كان يفعله كلامه فى النفوس الايرانية حتى هوت بالشاه عن عليائه، وكان فى سماعى تلقين لى عن دور صناع الحياة كيف يكون، ودور علماء الآثار والتاريخ فى تعليم صناع الحياة دروس الحياة فى امتدادها الفسيح.
إن اكتشاف الدعاة لأبعاد نظرية صناعة الحياة هو سطر فى إعلان انتصار الدعوة الإسلامية فى الربع الأول من القرن الخامس عشر.
وعلى خمسة من الدعاة أن ينتدبوا أنفسهم للنبش فى الآثار ونفض الغبار عن بناء الأجداد، ليرجعوا إلى إخوانهم بالخبر اليقين، وبخمسة آلاف ولاء يضافون إلى الرصيد .

والفيلسوف من صناع الحياة، ولابد أن نقول لبعض الناس خبر أرسطوا وسقراط، وأن دعوة لا تملك ثلاثة باحثين فى الفلسفة مع فيلسوف مبدع على رأسهم هى دعوة لا يمكنها أن تؤثر فى جميع المثقفين.

ولماذا نشطب بحجرة قلم سهلة على كل المتأثرين بالثقافة الغربية؟

ألا يجوز أن نفترض أنهم ضحايا وأن نحدثهم بلسان يفهمونه؟

ومن قال إن قدرهم الكفر؟ أولا يمكن أن يكون قدرهم الإيمان والرفل طمأنينته لو أوضح لهم موضح خبر ديكارت وكانت فقبل ورفض، ويكون كالغزالى حين نقض الفلسفة واستعمل لغتها وألفاظها حتى صار كتابه الذى بين فيه (تهافت الفلاسفة) مفصلاً من مفاصل التاريخ الفكرى للدعوة الإسلامية؟

إن التخطيط الدعوى مكلف بمحاولة إبراز هؤلاء المتفلسفين الأربعة. ولكنه لكى يحصل عليهم لابد أن يدفع بعشرين إلى دراسة الفلسفة، ثم ينتظر بروز المبدعين منهم ليجلبوا إلى رصيد الولاء ثلاثة آلاف فى عشر سنوات، وينشروا التخذيل فى صفوف الملاحدة، ويمهدوا بعقلانيتهم للعاطفى الواعظ طريق التأثير.


والنسابة العالم بأنساب القبائل والعوائل وشجرات الشرف هو من صناع الحياة، فإن الناس يحتاجونه ويأنسون به، والدعوة تحتاجه بعد ما تعمدت حكومات الاشتراكية طمس أنساب الناس لإتاحة مجال الصعود والأمر والنهى للغوغاء والنكرات والدخلاء، حتى صدرت قوانين بتحريم الانتساب إلى قبيلة أو مدينة، وما كان (كوهين) ليصل إلى مرافقة على على عامر فى تفتيشه لدفاعات الجولان لولا أن التربية الاشتراكية علمت من هنالك أن لا يسأل عن نسب رفيقه! .

ليس علم الأنساب من الباطل، ولا تكبر ثم، وإنما إذا اجتمع النسب الشريف مع العمل الصالح فنعما هو، والشافعية ميزوا الشافعى على الفقهاء بأنه قرشى، ورأيت إمام الحرمين الجوينى متحمساً لذلك فى كتابه: الكافية فى الجدل.

وقد وجدنا بالاستقراء الاجتماعى أن الأخلاق الطبيعية الأساسية هى أوفر لدى أبناء العائلات العريقة، من شجاعة وكرم ووفاء وعدم غدر وصدق وكراهة الطعن من الخلف، مع أنهم يتلبسون بمنكرات، من زنا وشرب خمر، إلا أن هذه سيئات طارئة، يمكن التوبة منها من قريب، وإنما البناء فى الحياة: بناء تلك الأخلاق الأساسية.

وتساؤل : وهل تزنى الحرة؟ : جواب على كل اعتراض .

ثم التاجر المسلم هو من صناع الحياة، ونعم الصناع هم، بل همن صناع الصناع، وعلى خطة الدعوة أن تتوب توبة نصوحة من إسرافها القديم فى تعليم الدعاة كراهة المال وحب الوظائف الحكومية، وأن ترجع إلى وصية مؤسسها رحمه الله فى تفضيل أبواب الرزق الحرة، وأنا أفتى فتوى لأهل المذاهب الأربعة من الدعاة أن من ملك منهم ثمن ثلاثمائة وخمسة وستين رغيف خبز وجرة من الخل يجعله إداماً، وألفاً وخمساً وتسعين تمرة: فإن الوظيفة عليه حرام، ولينزل إلى السوق يجمع المال ويصفق وينافس، إلا وظيفة لها مردود دعوى، وليبدأ ببيع حبل أو حصير، فإن الذهب بإذن الله آتيه .

كلنا يجيد سب اليهود الذين استحوذوا على الأموال والأسواق، ويضجر من المارون والأقباط والبهرة والقاديانية والمبتدعة والأقليات إذ كان منهم السبق إلى المال، بتسهيل من الدوائر الاستعمارية فى فترة الاستعمار جزماً، وبمساعدة من قوى خفية أخرى ربما، ولكننا لم نحسن غير المسبة .


بدل أن تلعن الظلام أوقد شمعة .

يجب أن نزيح الفاسقين ونحل بدلهم، على نظرية الفيزياء فى الازاحة والإحلال .

إن قوة الاقتصاد الاسلامى ستكون عاملاً من عوامل قوة الدعوة الإسلامية، إذ إضافة إلى اطمئنان المسلمين فى التعامل مع سوق إسلامى ومنظومة شركات إسلامية، وإضافة إلى ما سيشيعه رجل المال المسلم من معنويات فى النفوس وأذان فى المسلمين أن كونوا أقوياء وزاحموا بالمناكب، فإن قوة المال ستكون فى خدمة الأمة والدعوة والسياسة والفكر، وسيسند العملية الإيمانية الشاملة، وبدل أن ينطلق الداعية من الرباطات والحصران الرثة ودهاليز الدروشة فإنه سينطلق من مواطن التأثير ومبانى الشركات.

نعم، سبقت حصيرة فى الميزان ناطحة سحاب، لكنها الناطحة النفاقية الفاجرة. أما حين تنطح السحاب اتسمداداً من عزها الإسلامى وشموخاً بالعفاف الإيمانى فإنها تسبق مليون حصيرة .

لنترك المنطق غير المسؤول، فقد آن لنا أن نكتسب بعض الوعى وأن نتعلم بعض أسرار الحياة .

لابد أن ننزل إلى ميدان الصناعة والزراعة والعقار والاستيراد والتصدير، وبخاصة فى البلاد الحرة التى لا ينال أموالنا فيها ظلم، وفى العالم الفسيح متسع للاستثمار .

يجب أن نوجد معادلة اقتصادية جديدة، وأن نشكر المقتحم.

المال ينطق، ورنة الذهب قرينة هدير الواعظ من على منبره وهتاف المتحمس فى حفلته وشارعه .

فحتى متى نذهل …. حتى متى؟

كن حمالاً فى السوق، لكن قرر مع أول خطوة لك فيه أن تصير تاجراً أو عقارياً أو مدير شركة، فستصير وتصل بإذن الله. المهم تصميمك وأن لا تستطيب جلسة الوظيفة الحكومية .

قرر قبول الجوع سنة تأكل الخبز بالخل. هذا هو المهم، إذ ستأتيك الأموال من بعد، وستجد مراغماً كثيراً فى الأرض وسعة، وتكون من صناع الحياة، فتستكتسب علماً إذ أنت فى الطريق، وتهدى إليك الأسرار فى مجالسك، وتتجمل بالأذواق من خلال ندمائك، وتتولد عندك الأفكار عبر سياحاتك والمعارض التجارية التى تزورها وقد حشد لك فيها أهلها خلاصة عقول البشر ومبتكراتهم وهممهم فى مكان واحد .
معادلة المال والعلم والجمال تجعلنا الأكفاء

وهكذا أهل العلوم والفنون والمهن الأخرى

هكذا الفيزياوى الذى يشارك فى بحوث الذرة والليزر ويكون فخر الناس فى بلده أو لدى أبناء الأمة الإسلامية عموماً، والمدرس فى المدرسة الثانوية الذى يبنى أساس العقول والمعنويات لدى الجيل الصاعد، والأستاذ الجامعى الذى يملأ الأسماع ببحوثه ومحاضراته، والمؤرخ، والاقتصادى المنظر، والخبير النفطى الذى يستوعب خبر الأسعار وأوبك وأوابك وينقد ويصحح، والمجاهد فى أرض الثورات، والإعلامى الجرئ المبتكر، والفنان المصور بالكاميرا، والرسام التجريدى، والمهندس المخترع، وخبير المخطوطات، إلى ألف تخصص ومهنة، وإنما مثلنا لك الأمثلة وعليك القياسن، والأمر كما قال على لأبى الأسود الدؤلى رضى الله عنهما يعلمه أصل النحو : الكلام حرف واسم وفعل، وانح منحى هذا، فكان علم النحو الواسع بالاستقراء ثم بالاشتقاق، وقد قلنا لك إن صناع الحياة واعظ وشاعر ومعمارى وتاجر، وانح منحى هذا، وارفع الأذان مع ألف وصلوا درجة الاجتهاد فى فنهم: تمنحك الحياة زمامها لتقودها .

حتى أصحاب الصوت الجميل الذين يتلون القرآن، فإنهم سبب استرواح أنفس المؤمنين، وتغمر سامعيهم السكينة .

إن نظرية صناعة الحيياة فى خلاصتها هى تنبيه لضرورة إمساك الدعاة بمصادر القوة العلمية والمحركات العاطفية والجاذبية الجمالية والتسهيلات المالية .

إنها نظرية القدوات، والنقاط الجامعة، والبؤر اللامعة .

وهى مصادر الولاء التى ترفع الرصيد فى مصرف الترجيح حتى يبلغ – على النمط الذى وصفنا – ربع المليون أو نصفه، فيكون كافياً لإحداث النقلة، حسب سعة نفوس البلد، وبالفهم الذى جردنا به الملايين الكثيرة من أهميتها وإرهاب رقمها الظاهرى.

ما أبخس الثمن لمن ملك مصرفاً !!

ثم نضوجان لازمان: نضوج هؤلاء الألف، ونضوج الظرف .

يقال : لم تهتز أجواء بنبضات كما اهتزت أجواء فرنسا بترددات برقيات اللاسلكى بين رجال المقاومة الفرنسية للنازية قبيل إنزال نورماندى .
وأذان الألف الجلى، وهمسهم الخفى: سيبعث الحياة فى الحياة .

ومن النقاط التى هى فوق أحرف نظريتنا: أن لا يطيش الدعاة إذا رأوا فرصة وفراغاً فى بلدهم يمكنهم أن يملأوه وهم بعد ضعاف لم يقو عودهم ولم تكتمل تربيتهم ولا تقلب لهم فى المراحل، وإنما عليهم أن يدركوا أنهم يعاكسون تربية جاهلية علمانية ممتدة عميقة الجذور كثيرة الرجال، قد سخرت العلوم والآداب والفنون، من باب، ثم أن يدركوا من باب آخر أنهم فى محاولة بناء حضارى شامل، ولذلك لا يغنى الاستعجال، ولا رد الفعل المتطرف والمكفر والمتكلف لمعنى الجهاد، وإنما هو ا لطريق العلمى الجارى مع شمولية العلم، والتوزع التخصصى المتعمقن والتربية الذوقية التى ترتفع بالأحاسيس إلى أوج الأرهاف وتنكر الإرهاب .

ويوم بدر خرج الثلاثة الكفار من قريش يطلبون المبارزة، فأخرج لهم النبى صلى الله عليهم وسلم ثلاثة من الأنصار، فقالوا: والله لا نطعن فى أحسابهم ولا أنسابهم، ولكن أخرج لنا أكفاءنا من قريش فأخرج لهم علياً وحمزة وأبا سفيان بن الحارث، فقتلوهم.

وكذلك الناس دوماً: تحب المكافأة حتى إذ هم يقتلون، والقرشية اليوم تتمثل فى الصروح العلمية، والمجامع الأدبية، والمعارض الفنية، والمتاحف الآثارية، والمؤسسات الصحفية، والمعاهد السياسية، والدور الوثائقية، والشركات الصناعية، والقاعات المصرفية، وعلى دعاة الإسلام اليوم أن ينطلقوا منها للمبارزة.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

المسار 

العوائق 

معاً نحمي العراق 

المُنطلق 

صناعة الحياة 

نحو المعالي 

معاً نتطور 

فضائح الفتن 

تقرير ميداني 

الرقائق 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca