وبعد
فإنكم تسألون: ما هو الجديد فى هذه النظرية التخطيطية إذن؟
فأقول : الجديد كثير وافر، يبنى على الأصل القديم، توسعاً واشتقاقاً ومنحاً لبعض الأمور أهمية أكثر من ذى قبل .
فمن الجديد فيها : منح العمل العام أهمية أكبر، والنزول إلى ساحة المجتمع وعموم الناس ما أمكن، ومحاولة ترك العزلة والانطواء فى المجتمع الخاص، وطلب الولاء من الناس بدل الطاعة .
ومنه : منح بعض الدعاة أصحاب القابليات الجيدة والثنراء العلمى حرية أكبر فى التحرك والاتصال بالآخرين، وتقليل مشاركتهم فى تنفيذ الواجبات الدعوية الجماعية اليومية ليتوفر لهم وقت أكثر يتصلون فيه بالناس ويقودونهم من خلال ولاء واع وليس بالتجميع الجماهيرى العاطفى.
ومنه : الاعتراف بعلوم وفنون كان يظنها بعض الدعاة ترفاً وأنها لا تفيد ولا تثرى المسيرة الدعوية، كالهندسة المعمارية، والخط، وفن القصة، والفلسفة، وعلم الآثار، والتصوير الفوتغرافى. وكذلك أعطاء أهمية أكبر من ذى قبل للأدب، والتاريخ ، والاقتصاد، والاعلام، وعلوم الاجتماع .
ومنه : تكثيف الدور القيادى فى تربية العناصر الجيدة ليكونوا صناعاً للحياة من خلال منهجية شاملة ومدرسة قيادية، وإدخال العنصر الجمالى كعامل تربوى فى هذه المنهجية، وكذا الثقافة العامة .
ومنه : جعل المشاركة فى البناء الحضارى مهمة دعوية أساسية .
ومنه : رعاية وتشجيع كل جهد إسلامى وإن لم يكن صاحبه داعية .
ومنه : محاولة حيازة الدعوة لأكبر كمية ممكنة من المال، والنزول إلى ساحة التجارة والصناعة والعقار وعموم أنواع الاستثمار.
ومنه : التأصيل التخطيطى، والاقتراب من الفلسفة بالمقدار المسموح به شرعاً عبر رؤية وحدة المحركات الحياتية، ورصد المؤشرات الخلقية والايمانية الدالة على تماثل الموازين الحاكمة والمسيرة للحياة البشرية والمخلوقات والكون، وفهم ضرورة تناسق الخطة والتوجهات الدعوية معها .
ومنه : فهم دور الفارس الدعوى فى تحريك مجموعة من الدعاة ضمن دائرة حركته، وأثر ذلك فى علاج الفتور، وأن تهب الخطة الكثير من العناصر الجيدة لهذا العمل العام كما تهبهم للادارة التنظيمية .
ومنه : محاولة تنمية الابداع والاجتهاد وجعل دورهما أكبر من ذى قبل، وتنمية ثقة الداعية بنفسه .
ومنه : قطع تطلع الدعاة لحيازة مراكز المسؤولية فى الدعوة، والتوجه لإبداء أثر شخصى فى الحياة الإسلامية انطلاقاً من التمكن العلمى أو الفنى أو من أى منطلق إبداعى .
ومنه : الدعوة إلى التخصيص فى الفكر والمناهج والتخطيط والعمل، وإلى العمل المؤسسى .
ومنه : قطع التخوف من فشل التجارب السابقة فى هذا المجال والجفلة من انحراف بعض من حصل له جاه أو تعاليه على الجماعة وبيان أن ذلك كان لأسباب لا تطرد .
وعدا ذلك فقد حوى الكتاب موازين فرعية كثيرة فى فقه الدعوة مبثوثة فى كل فصوله، وأخباراً علمية وتاريخية ربما لم يسمع بها بعض الدعاة من قبل، وطرائف وقصص، وحوى أيضاً مقاطع وصفية أدبية، كوصف الاجتهاد، والقائد الفذ، ومهمة الخطاط .
ومع ذلك فإن هذه المعانى لا تصل بك إلى خاتمة قصة صناعة الحياة، فإن الأمر يبقى أوسع وأكثر تفصيلاً، ولم نقصد أن يكون هذا الكتاب جامعاً محيطاً، وإنما أردناه كالزناد الذى تنطلق منه شرارة البحث والحوار بين الدعاة فى مجالسهم وندواتهم ومؤتمراتهم، لعلهم يضعون النقاط على الحروف ويستقصون خبر هذه الصناعة الايمانية ويترجمونها إلى لمسات إضافية وتعديلية للخطط والأعراف الجماعية المناهج، بل ولعموم طريقة الفهم والتلقى وتقويم الناس والدعاة وتحليل الحوادث والظواهر واتخاذ القرار وتحديد المواقف والعلاقات.
إن فقه الدعوة يعتبر نقطة مهمة من نقاط انطلاق الحركة الإسلامية إلى التمكين، وينبغى تكثيف دوره المنهجى وإثراء مباحثه وتلقين الدعاة موازينه وقواعده، وأظن أن (نظرية صناعة الحياة) ستؤدى دوراً فى ذلك وتفتح باباً لخير آخر ننتظره من ذى تجربة، وقديم عركته الأيام، ودائب ألهمته المعاناة .
والله ولى المؤمنين، وناصر العاملين، ومعلم الصانعين .
والحمد لله رب العالمين .......
وهذه هى وصيتى الشرعية السنية إلى دعاة الإسلام أجمعين : أوصيهم بتقوى الله تعالى، وبصناعة الحياة .