الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: أصول الدعوة
المؤلف: عبد الكريم زيدان
التصنيف: سياسي
 

الباب الأول - موضوع الدعوة

الفصل الرابع - أنطöمَة الإسْلام - المبحث السادس - النظام الاقتöصَادي

تمهيد

379-  من الحقائق الثابتة أن الانسان يبذل كثيراً من نشاطه وجهده للحصول على وسائل العيش من طعام ولباس وسكن وغير ذلك من الأمور الضرورية وغير الضرورية. ولا شك أن هذا الجهد المبذول من كل انسان ضروري لتوفير وسائل العيش للآخرين لأن الانسان لا يستطيع بمفرده توفير جميع ما يحتاجه لنفسه. إنَّ نشاط الانسان في هذا المجال وما يترتب عليه هو الذي يسمى بالنشاط الاقتصادي. ولما كان الانسان يعيش في المجتمع فلا يمكنه أن يتمتع بحرية مطلقة فيما يباشره من نشاط ومنه النشاط الاقتصادي، بل لا بد من تنظيمه على نحو يرتضيه المجتمع ويحقق الخير له وللفرد. والقواعد والأحكام التي تنظم النشاط الاقتصادي للأفراد في مجتمع ماهي إلاّ التي تكوّن النظام الاقتصادي فيه. وهذا النظام – على أي نحو كان – لا بد له من أساس يقوم عليه وأفكار معينة تشيع فيه تكوّن معالمه وخصائصه وتنسجم أحكامه وقواعده مع هذه المعالم والخصائص ومع ذلك الأساس الذي يقوم عليه.

380-  ولما كان الشمول من خصائص الإسلام، فمن البديهي أن نجد في الإسلام تنظيماً للنشاط الاقتصادي للانسان بما وضعه له من قواعد وأحكام في ضوء أفكاره. وهذه القواعد والأحكام وما قامت عليه من أساس تكوّن النظام الاقتصادي الإسلامي.

381-  ويقوم نظام الإسلام في الاقتصاد على أساس العقيدة الإسلامية ويتفرع منها. فهذه العقيدة إذن هي أساسه الفكري، وهويراعي الفطرة الانسانية ومعاني الاخلاق الفاضلة ويؤكد على ضرورة سد حاجات الأفراد اللازمة للعيش، وهذه هي خصائصه. وبناء على أساسه وخصائصه تنبثق جملة مبادئ عامة وتنظيمات جزئية، كما أنه يحدد موارد بيت المال ومصارفه لتستطيع الدولة توفير حاجات الأفراد ومصلحة المجتمع. وعلى هذا سنتكلم عن أساسه الفكري وخصائصه في مطلب أول، ثم عن مبادئه العامة في مطلب ثان، ثم عن بيت المال في مطلب ثالث.

 

المطلب الأول - الفرع الأول - الأساس الفكري للنظام الاقتصادي الإسلامي

382-  العقيدة الاسلامية هي الأساس الفكري للنظام الاقتصادي الاسلامي، وهذه العقيدة، كما أشرنا من قبل، تبين علاقة الانسان بالكون وبخالق الكون وبالغاية التي من أجلها خلق الانسان، وتفصل وسائل تحقيق هذه الغاية. فالانسان – في ضوء هذه العقيدة الحقة – من مخلوقات الله، بل ومن أفضل هذه المخلوقات وأن الله سبحانه وتعالى خلقه لعبادته بمعناها الواسع. وأنه لا يبلغ هذه الغاية إلا بالخضوع الاختياري المطلق لله رب العالمين. ومظهر هذا الخضوع صياغة نفسه وسلوكه ونشاطه، ومنه النشاط الاقتصادي، على النحو الذي فصَّله وشرعه الله تعالى. وعلى هذا فإنَّ النظام الاقتصادي في الاسلام، يعمل مع غيره من أنظمه الاسلام، لتسهيل وتيسير السبل للإنسان لبلوغ الغاية التي خلق من أجلها وهي عبادة الله وحده. فإذا تيسرت هذه العبادة للإنسان زكت نفسه بالقدر المطلوب وصار أهلاً للظفر بالحياة الطيبة في الآخرة فضلاً عن ظفره بالسعادة في الدنيا.

إنَّ فقه هذا الاساس الفكري للنظام الاقتصادي في الاسلام من قبل المسلم ضروري جداً له لأنه بهذا الفقه واستحضاره في ذهنه سيعرف مركزه الحقيقي في الدنيا وعلاقته بها وغايته في الحياة، وبالتالي يتقبل بنفس رضية جميع الضوابط والتنظيمات التي جاء بها الشرع الاسلامي في مجال النشاط الاقتصادي، وسيندفع لتنفيذ هذه الضوابط والتنظيمات والتقيد بها، وبهذا تظهر ثمار النظام الاقتصادي في واقع الحياة ويسهم هذا النظام في تحقيق ما خلق الانسان من أجله.

383-  ومن معاني العقيدة الاسلامية ولوازمها التي لها علاقة في موضوع النظام الاقتصادي ما يأتي:

384-  أولاً: الملك لله وحده: أن الكون بكل ما فيه وبدون أي استثناء مملوك لله تعالى وحده على وجه الحقيقة والخلوص، فلا شريك لأحد معه في ذرة منه، لأن الله تعالى هو خالقه، قال ربنا في القرآن الكريم: { ولله ملك السموات والأرض وما بينهما}، {لله ملك السموات والأرض وما فيهن}، {ولم يكن له شريك في الملك}، {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك...}. ومن لوازم الملك التام التصرف التام في المملوك، ولهذا فإنَّ لله وحده حق التصرف المطلق في جميع مخلوقاته.

385-  ثانياً: المال مال الله: والمال – وهوما يتموله الناس ويستفيدون منه ويمكن إحرازه – هو من جملة ما في الكون، فهو إذن لله وحده وان الله تعالى هو مالكه الحقيقي، قال تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}.

386-  ثالثاً: تسخير الله تعالى مخلوقاته لنفع الإنسان: الله تعالى بمحض فضله سخر للانسان ما خلقه في السموات والأرض لينتفع به، وهيأ له سبل هذا الانتفاع بما أودعه في الانسان من عقل وجوارح يستطيع بها الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله تعالى. قال ربنا تبارك وتعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه}، {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} وقال تعالى ممتناً على الإنسان بما أودعه فيه مما يستطيع به الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله له {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون}.

387-  رابعاً: الملك المجازي للانسان: ومع أن الملك الحقيقي هو لله رب العالمين، فقد اذن الله تعالى – بمحض فضله – للانسان أن يختص بالانتفاع بالمال والتصرف فيه واضافته وتسميته مالكاً له. قال ربنا تبارك وتعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون}، {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة}، {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار}. فهذه الآيات الكريمة تضيف المال للانسان اضافة ملك واختصاص. وفي الحديث الشريف "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" فهذا الحديث الشريف يضيف المال للانسان على وجه الملك له ومع هذا فإن الملك الحقيقي يبقى لله رب العالمين لأنه يستحيل أن يشاركه أحد في ملك شيء من الكون فضلا عن أن يستأثر لوحده بملك شيء. ومعنى ذلك أن اضافة الملك للإنسان، هي من قبيل المجاز لا الحقيقة وان الإنسان فيما يملكه كالوكيل فيه عن مالكه الحقيقي. ويترتب على ذلك أن على الإنسان أن يخضع فيما يملكه إلى جميع القيود والتنظيمات التي شرعها المالك الحقيقي وهو الله تعالى، وانه لا يجوز للانسان أبداً أن يخرج عن هذه القيود، فإن خرج عنها كان عاصياً لأمر الله واستحق العقاب المقرر في الشرع، وقد ينزع منه الملك نهائياً أو مؤقتاً، كلياً أو جزئياً. وقد أدرك فقهاؤنا رحمهم الله تعالى هذه المعاني وأشاروا اليها، فقد قال الامام القرطبي في تفسيره، وهو يفسر قوله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} قال رحمه  الله. وفي هذا دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله... ثم قال رحمه الله تعالى: وهذا دليل على أن الأموال ليست أموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء فاغتنموا الفرصة فيها قبل أن تزال عنكم الى من بعدكم[1]. أن فقه هذه الحقيقة تجعل المسلم مندفعاً الى تنفيذ شرع الله في المال الذي آل ليه، فلا يبخل به حيث يجب عليه بذله، لأنه وكيل عليه وليس بمالك حقيقي له، والشأن في الوكيل تنفيذ ما يريده الموكل فيما وكله فيه..

388-  خامساً: استعمال المال في مرضاة الله: وكل ما يؤتاه المسلم من مال يجب أن يستعمله في مرضاة الله، لتحقيق الغاية التي خلق من أجلها وهي عبادة الله تعالى ليظفر بالحياة الطيبة في الأخرى قال تعالى: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا}. ولكن هذا لا يعني حرمان نفسه من طيبات الدنيا ولا ارهاق جسده بحرمانه مما يحتاج إليه. قال ربنا {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}.

389-  سادساً: الدنيا وسيلة لا غاية: والدنيا بكل ما فيها من متاع وأموال ليست هي الغاية للانسان وانما هي وسيلة الى الغاية التي خلق من أجلها وهي اعداد نفسه للدار الآخرة بعبادة ربه، فلا يجوز أن ينسى هذه الغاية إذا ظفر بوسائل الدنيا ومتاعها، ولا يجعل الدنيا أو شيئاً منها هي غايته. ان الحذاء وظيفته أن يضع الانسان قدمه فيه، وإن الدابة وظيفتها أن يركبها الانسان ليبلغ المكان الذي يريده، فلا يجوز في فقه الاسلام ولا في ادراك العقل السليم أن يكون القصد من اقتناء الحذاء غاية في نفسه ولا الحصول على الدابة غاية في نفسها، وهكذا متاع الدنيا يميل اليه المسلم كوسيلة فقط تسهل له بلوغ الغاية التي خلق من أجلها، وانه سيفارق هذه الوسائل قطعاً ولا يبقى له إلا ما استفاده منها في عبادة ربه ومرضاته. ان ادراك هذه المعاني واستحضارها في الذهن من الأمور الضرورية لضبط النشاط الاقتصادي على النحو الذي يريده الإسلام، لأن الضوابط الحقيقية لنشاط الانسان هي التي تضبطه من داخله، تضبط ارادته وقصده ونظرته وميله، فاذا انضبط الداخل سهل ضبط الخارج أي النشاط الخارجي للانسان، وقد أشار القرآن الكريم الى هذه المعاني جميعاً في آيات كثيرة، منها:

{وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون}.

{إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا}.

{المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا}.

 

الفرع الثاني - خصائص النظام الاقتصادي الاسلامي

 

390-  قلنا فيما سبق: إن خصائص النظام الاقتصادي في الاسلام مراعاته للفطرة الانسانية ومعاني الاخلاق الفاضلة وتأكيده على سد حاجات الانسان الضرورية للحياة. ونذكر فيما يلي شيئاً عن كل خصيصة بإيجاز.

أولاً: مراعاة الفطرة الانسانية

391-  فطر الله الانسان على جملة غرائز وميول ورغبات لا يمكن قلعها واستئصالها أبداً وان كان يمكن تقويمها وتهذيبها إذا ما انحرفت أو تكدرت. وعلى هذا فأي نظام يصادم الفطرة الانسانية ويناقضها لا يمكن أن يأتي بخير ولا تتيسر له فرص البقاء. ونظام الاقتصاد في الاسلام راعى جانب الفطرة الانسانية لأن الاسلام هو دين الفطرة، ومن مظاهر هذه المراعاة إقراره بحق الملكية للإنسان لأنه مفطور على ذلك، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، قال تعالى: {وتحبون المال حباً جماً} وإقراره نظام الارث لأن الإنسان مفطور على حبه لابنائه، وقلقه عليهم اذا تركهم بدون مال، ومن ثم أقر الإسلام نظام الإرث لأنه ينسجم ويتفق مع هذه الفطرة. وقد أشار القرآن الكريم الى نوازع فطرة الإنسان نحو أبنائه وشفقته عليهم واهتمامه بهم وخوفه عليهم بعد موته، قال تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً} وقال تعالى: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}. كما أن الإسلام في نظامه الاقتصادي أقر للانسان بالتمتع بثمرات جهوده ونشاطه، لأن هذا مما يتفق وما فطر عليه كل إنسان، بل أن في أصل غريزة الإنسان رفضه أن يشاركه الغير في ثمرات جهوده، وانما قد يرضى بهذه المشاركة لمعنى آخر كالحصول على ثواب الله تعالى، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الغريزة الإنسانية، قال تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون} قال القرطبي في تفسير هذه الآية: أي جعل الله منكم غنياً وفقيراً فما الذين فضلوا بالرزق برادي مما رزقوا شيئاً على رقيقهم حتى يستوي المملوك والمالك في المال[2]. وفي آية أخرى قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء...} ويقول القرطبي في تفسير هذه الآية: من أنفسكم: "من" هنا للابتداء كأنه قال: أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم. الى أن قال الإمام القرطبي، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء[3].

وعلى أساس مراعاة الفطرة الانسانية قامت جملة مبادئ عامة في النظام الاقتصادي الاسلامي سنذكرها فيما بعد. ولكن مراعاة الفطرة الانسانية لا يعني السير وراءها كيفما سارت والى أية جهة اتجهت، لأن مراعاتها لا تقتضي ولا تستلزم هذه التبعية العمياء، وانما تعني مراعاة أصلها مع تهذيب لها ورقابة عليها إذا ما انحرفت أو تكدرت.

ثانياً: مراعاة معاني الاخلاق

392-  ويراعي النظام الاقتصادي معاني الأخلاق الفاضلة فلا يجوز لإنسان أن يهدر هذه المعاني أو يتخطى حدودها في أي جانب من جوانب نشاطه الاقتصادي لأن المجتمع الاسلامي يقوم على معاني الأخلاق كالمحبة والتعاون النظيف قال تعالى: {وتعاونوا علىالبر والتقوى ولا تعاونوا علىالإثم والعدوان} فلا حسد ولا خصام ولا حقد ولا بغضاء ولا كذب ولا غش ولا خداع ولا غدر، واذا ما صار في يد الإنسان مال لم يجز أن ينفقه في الفحش والرذيلة ومتع الجسد المحرمة، بل عليه أن ينفقه في السبل الحلال وتنفيس الكرب عن المكروب والمحتاجين. وإذا أراد أن ينمي الإنسان أمواله فلا يجوز له أن ينميها بما يفسد الأخلاق ويقطع روابط المودة بين أبناء المجتمع كفتح حانات الخمور والفحش والاقراض بالربا. وهذه المراعاة لمعاني الأخلاق منها ما هو متروك لايمان الإنسان ووجدانه كالالتزام بالصدق والوفاء، ومنها ما تتدخل الدولة في الزام الأفراد به واجبارهم عليه مثل منعهم من الربا وفتح محلات الفحش والخمور.

ثالثاً: التأكيد على سد حاجات الأفراد

393-  للإنسان حاجات مادية ضرورية لا يمكنه العيش بدونها كحاجته الى الطعام والشراب والسكن واللباس وما يلحق بهذه الأشياء وينزل منزلتها. ولا بد من توفير هذه الأشياء لكل انسان الى الحد الأدنى للعيش الكريم. وقد أكد النظام الاقتصادي الاسلامي على هذه الناحية أي لزوم سد هذه الحاجات الضرورية لكل انسان في المجتمع الإسلامي. وقد قرر لتحقيق هذا المطلب وسائل متعددة ومتدرجة إن لم تف الواحدة منها وجب الأخذ بالتي تليها حتى يتحقق المقصود ويجد كل فرد كفايته في المجتمع الإسلامي. وهذه الوسائل هي:

394-  أولاًَ: الأصل أن كل انسان مكلف بسد حاجاته بنفسه أي بما يبذله من جهد ونشاط، ولهذا حث الإسلام على العمل والاكتساب، ومدح العاملين الكاسبين، قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}. وفي الحديث الشريف "أن أفضل الكسب كسب الرجل من يده".

395-  ثانيا: على الدولة أن تهيئ سبل العمل للقادرين عليه حتى ولو اقتضى الأمر اقراضهم من بيت المال ما يستطيعون به العمل والاكتساب، وقد أشار الفقيه الكبير أبو يوسف رحمه الله الى جواز اقراض المحتاج من بيت المال فقد قال الفقيه ابن عابدين رحمه الله: وعن أبي يوسف: يدفع للعاجز – أي العاجز عن زراعة أرضه الخراجية لفقره – كفايته من بيت المال قرضاً ليعمل ويستغل أرضه[4].

ويقاس على ما ذكره أبو يوسف اقراض المحتاجين – من غير أصحاب الأراضي الخراجية – من بيت المال ليستعينوا بذلك على الكسب الحلال.

396-  ثالثاً: إذا عجز الفرد عن سد حاجاته بنفسه لعجزه أو شيخوخته أو مرضه أو عدم تيسر العمل له مع قدرته عليه، وجب على أفراد أسرته القيام بالانفاق عليه حسب القواعد المقررة في الفقه الاسلامي في باب النفقات الشرعية لأفراد الأسرة.

397-  رابعاً: إذا لم يجد العاجز الفقير من ينفق عليه من أفراد أسرته لعدم وجودهم أو لفقرهم وجب اعطاؤه ما يكفيه من الزكاة وهي حق الفقراء في أموال الأغنياء، وحصيلة الزكاة من أوسع أبواب الضمان الاجتماعي العام للفقراء والمحتاجين.

398-  خامساً: إذا لم تكف الزكاة وجب سد حاجات المحتاجين من موارد بيت المال الأخرى التي سنذكرها فيما بعد.

399-  سادساً: إذا لم يوجد في بيت المال ما يسد حاجات المحتاجين وجب على الأغنياء سد حاجات الفقراء، وفي هذا يقول الفقيه المعروف ابن حزم "وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك ان لم تقم الزكاة بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة"[5]. ويؤيد ما ذهب اليه ابن حزم ان الزكاة ليست هي الحق الوحيد في أموال الأغنياء للفقراء، فقد روي عن السيدة عائشة ام المؤمنين وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهما من الصحابة الكرام أنهم قالوا: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"[6]، وقد ذكر القرطبي والرازي في قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين...} قالا: إن الإيتاء هنا غير الزكاة وإنه من الواجبات لا التطوعات، وضرب الرازي لهذه الواجبات بعض الأمثلة منها اطعام المضطر. ثم قال القرطبي "واتفق العلماء على أنه اذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال اليها. قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء أسراهم وان استغرق ذلك أموالهم وهذا اجماع أيضاً"[7].

400-  وعلى هذا نرى جواز قيام ولي الأمر المسلم بتنظيم جباية المال اللازم من الاغنياء بفرض الضرائب العادلة في أموالهم بقدر ما يسد حاجات المحتاجين ويمكن الدولة الاسلامية من القيام بالوجائب المفروضة على المسلمين والتي تقوم بها الدولة نيابة عنهم مثل تحصين الثغور واعداد السلاح للدفاع عن دار الاسلام وهذا كله اذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي للقيام بما ذكرنا من سد حاجات الفقراء وحاجات الدولة الضرورية. يؤيد ما نقول الحديث الشريف "كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عنهم... الخ" ويقول الامام النووي في شرح هذا الحديث: "قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره. ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته"[8]. والواقع أن المأمول من أغنياء المسلمين المسارعة الى الإنفاق على الفقراء والمحتاجين ومساعدة الدولة بأموالهم لتقوم بما هو ضروري لبقائها إذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي لذلك، لأن الإسلام مدح المنفقين أموالهم في سبيل الله في آيات كثيرة في القرآن الكريم وذم البخل والبخلاء وحذر من الشح وكل هذا يدفع المسلم الى الانفاق والسخاء، وكذلك فعلت السنة النبوية في الحث على الانفاق في سبيل الله وتعددت الوصايا والأوامر في ذلك، ويكفينا هنا أن نذكر الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له. قال: فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل"[9]. فاذا لم يندفع الأغنياء من تلقاء أنفسهم بالانفاق المطلوب منهم جاز لولي الأمر أن يحملهم عليه بتنظيم الضرائب العادلة في أموالهم بقدر ما يكفي لسد حاجات الدولة والمحتاجين على النحو الذي ذكرناه.

 

المطلب الثاني - المبادئ العامة في النظام الاقتصادي الاسلامي

 

401-  في النظام الاقتصادي الاسلامي جملة مبادئ عامة تقوم على أساس العقيدة الاسلامية والفطرة الانسانية والمصلحة العامة. وعن هذه المبادئ تتفرع جزئيات كثيرة تنظيمات مختلفة. ونذكر من هذه المبادئ العامة حرية العمل، وحق الملكية، وحق الارث.

 

الفرع الأول - حرية العمل

 

402-  يحث الإسلام على العمل ويكره العجز والكسل. وأشرف الأعمال وأعظمها قدراً ما يقرب من الله تعالى كالعبادات الخالصة كالصلاة، والأعمال المباحة إذا اقترنت بها النية الصالحة كالزراعة والصناعة ونحو ذلك. وفي باب الكسب والنشاط الاقتصادي يحث الإسلام على العمل ويبارك العامل ويثني على جهده وكسبه الحلال، قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}.

وقال تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}. وفي الحديث الشريف "ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده". وفي حديث آخر "من بات كالا في طلب الحلال بات مغفوراً له". والحث على العمل وبذل النشاط الاقتصادي جاء عاماً مطلقاً غير مقصور على نوع معين وغير مقيد بشيء سوى الحل الشرعي. وعلى هذا فإنه يشمل جميع أنواع النشاط الاقتصادي ومختلف أنواع المعاملات والمكاسب مثل التجارة والزراعة والصناعة والشركة والمضاربة والاجارة وسائر ما يباشره الانسان من أوجه العمل والنشاط الاقتصادي لغرض الكسب الحلال. ولا تنقص فيمة الانسان في نظر الإسلام بمباشرة أي عمل حلال وان عدّه الناس عملا بسيطاً أو حقيراً، لأن قيمة الانسان في نظر الإسلام في دينه وتقواه لا في ماله وغناه ولا في عمله ومهنته، ولهذا وجدنا أكابر الأمة من علمائها وفقهائها يمتهنون مختلف المهن الحرة المباحة كما وجدنا بعض الصحابة الكرام يؤجرون أنفسهم لغيرهم للقيام ببعض الأعمال المباحة الحلال لقاء أجر معلوم.

403-  ومن وسائل الحث على العمل والكسب غير المباشرة أن الإسلام حث على اعانة الفقير وجعل المعين خيراً من المعان من جهة نوال الأجر والثواب، ففي الحديث "اليد العليا خير من اليد السفلى" كما أن في الزكاة والحج وصنوف البر المختلفة والانفاق في سبيل الله ثواباً عظيماً، ولا يتأتى هذا الثواب إلا بالقيام بأسبابه من حج وزكاة وغيرها، وهذه لا تتأتى إلا بوجود المال عند المسلم، والأصل في تحصيل المال العمل وبذل الجهد، ومن هنا صار العمل وسيلة للحصول على ثواب الله تعالى لأنه وسيلة لتحصيل المال، وبذل المال وسيلة لمرضاة الله ونوال ثوابه، ولهذا جاء في الحديث الشريف "نعم المال الصالح للرجل الصالح" لأن العبد الصالح ينفق المال الحلال الذي صار في يده في السبل المرضية عند الله فينال ثوابه ورضوانه.

404-  واختيار العمل المناسب للفرد متروك له ولتقديره، بمعنى أن الإسلام يمنح الفرد حرية العمل أي الحرية الاقتصادية، فله أن يباشر ما يشاء من أوجه النشاط الاقتصادي دون اكراه أو اجبار أو منع، وليس في نصوص الشريعة ما يدل على خلاف هذا الأصل: الحرية الاقتصادية، أو حرية العمل للافراد. والحقيقة أن تقرير هذا المبدأ يقوم على أساس من فطرة الانسان، وحفظ كرامته وآدميته، ومسؤوليته الفردية بما يصدر عنه، وملاحظة مصلحة الجماعة، وبيان ذلك أن فطرة كل انسان نزوع الى الحرية في رواحه ومجيئه وفي ما يأخذ ويترك، فلا يصح اهدار هذا الميل الفطري السليم الذي يحس به حتى الحيوان الأعجم. نعم قد تنحرف الفطرة فيختار الفرد ما يضر ولا ينفع وما يحرم ولا يحل فتحتاج في هذه الحالة الى التقويم والتقييد لتعود حريتها في دائرة الحلال الواسعة الفسيحة. وأيضاً فان في إقرار حرية العمل للانسان حفظاً أكيداً لكرامته آدميته لأن الانسان حر مختار يمتاز عن الحيوان في اختياره فلا يجوز أن يسوى بالحيوان الذي يسيره قائده كيفما يشاء. فلا يجوز اذن تقييد حريته في مجال العمل والنشاط الاقتصادي وغل يده عما يهوى ويريد بلا ضرورة تقضي بذلك، لأن في هذا التقييد اهداراً لآدميته، وهذا المعنى ملحوظ لدى فقهائنا العظام، حتى ان الامام أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يجز الحجر على السفيه بحجة أن في هذا الحجر اهداراً لآدميته وهو أشد ضرراً على السفيه من ضياع ماله. ولا يصح القول هنا بأن من المصلحة للفرد وللمجموع تقييد حرية الفرد واعطاء الدولة الحق في تعيين الأعمال لجميع الأفراد، لا يقال هذا القول لأن الانسان لا يحتاج فقط الى خبز يأكله ويملأ به معدته وإنما يحتاج أيضاً الى نسيم الحرية يملأ به روحه ووجدانه وكيانه الانساني، ومن ثم لا بد من تقرير مبدأ حرية العمل للانسان وجعله هو الأصل والأساس والتقييّد هو الاستثناء الذي لا يجوز إلا عند الضرورة.

وفي حرية العمل أيضاً انماء لمواهب الانسان وكفاءته وقدرته لأن كل انسان يختار من الأعمال ما يرغب فيه ويناسب ميوله وقدرته، فيندفع نحوه بشوق ورغبة، فيكثر انتاجه ويبارك في عمله وفي هذا خير عميم للمجتمع الذي يعيش فيه. وهذا بخلاف سلب الفرد حريته في العمل وتسليط الدولة عليه لتختار هي العمل له، فان هذا الاتجاه لا يوفر للافراد ما يناسبهم من أعمال فتموت مواهبهم ويقل نشاطهم ويقبلون على العمل متضجرين كارهين فتقل ثمرات أعمالهم ويقل الابداع فيها، ويعود ضرر ذلك عليهم وعلى المجتمع. وأخيراً فان الانسان في الإسلام مسؤول مسؤولية كاملة عن أعماله وعن اختياره وتركه، فمن العدل اعطاؤه الحرية الكافية لاختيار العمل الذي يريده.

ومع هذا الذي قلناه، يمكن عند الضرورة، وحيث يكون استعمال الناس لحريتهم الاقتصادية مضراً للمجموع، أو يكون وراء هذه الحرية سوء قصد وارادة الشر بالجماعة، ففي هذه الحالات وأمثالها يكون لولي الأمر الحق في التدخل في حرية الأفراد والزامهم بما يدفع الضرر عن الناس، وعلى هذا الاساس قال بعض الفقهاء بجواز تسعير المواد الضرورية إذا امتنع التجار عن بيعها بقيمتها المعتادة، وحمل أرباب الصناعات والحرف على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن العمل وكان في الناس حاجة لصناعاتهم وأعمالهم"[10].

405-  ومن النتائج الحتمية لتقرير مبدأ حرية العمل للأفراد، اقرار المنافسة الحرة بين الأفراد في مجال النشاط الاقتصادي في اطار من الأخلاق الاسلامية الفاضلة، فلكل فرد أن يضاعف نشاطه أو جهده ليبز غيره في مجال عمله، بشرط مراعاة معاني الاخلاق، فلا يجوز الغش والخداع والخصام وتنزيل الأسعار الى حد الخسارة بحجة المنافسة الحرة بينما القصد منها الاضرار بالآخرين واحتكار البيع في السوق من قبل فرد أو زمرة قليلة تتواطأ على هذا التنزيل والاضرار بالناس.

406-  ومن النتائج أيضاً لتقرير مبدأ حرية العمل التفاوت في الأرباح وثمرات الأعمال نظراً لاختلاف المواهب والكفاءات ومقدار الجهد المبذول. والإسلام يقر هذا التفاوت الطبيعي ما دام ناتجاً عن أسباب مباحة مشروعة لأنه نتيجة لازمة لاختلاف الناس في مقدار ذكائهم ومعرفتهم ومواهبهم، قال تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون} فالله تعالى فاضل بين عباده في الرزق وفي الغنى والفقر ليسخر ويستعمل بعضهم بعضاً في أسباب المعايش المختلفة فتسد حاجاتهم جميعاً[11]، وهذا التفاوت الذي قدره الله تعالى إنما قدره بأسبابه وهي كثيرة جداً لا يمكن أن يحيط بها الإنسان، ومنها تفاوتهم في المواهب والكفاءات، ولا يمكن ازالة هذا التفاوت مطلقاً ما دام التفاوت في مواهب البشر قائماً لا يمكن إزالته، وإنما الممكن والمطلوب اعانة الضعيف من قبل الغني، وهذا ما أكده الإسلام ودعا إليه ووضع من الوسائل ما يحققه فعلا.

 

الفرع الثاني - حق الملكية الفردية

 

407-  من البديهيات التي يعرفها صغار المطلعين على الشريعة الإسلامية، ان الإسلام أقر للأفراد بحق الملكية الفردية، وبهذا الاقرار أمكن للفرد أن يكون مالكاً. قال تعالى: {أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون} فأثبت الله تعالى للناس الملك لما خلقه الله سبحانه وتعالى وقال تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلöمون ولا تُظلَمون} فأثبتت هذه الآية الملك للناس وأضافت المال اليهم اضافة ملك واختصاص. وقال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} وقال تعالى: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى} وقال تعالى: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} فهذه الآيات الكريمة وأمثالها تضيف الملك للإنسان مما يدل دلالة قاطعة وواضحة على أن الإسلام يقر مبدأ الملكية الفردية، وفي السنة النبوية الشيء الكثير من الأحاديث الشريفة التي تقرر هذا المبدأ، منها "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه". وقد شرعت نظم في الإسلام تقوم أساساً على الاقرار بمبدأ حق الملكية الفردية، منها، الميراث، والزكاة، والمهور في النكاح، والنفقات وغير ذلك إذ بدون الاعتراف بحق الملكية لا يبقى معنى للميراث ولا يمكن تحقيق فرض الزكاة.. الخ.

408-  والدلائل الشرعية الدالة على إقرار مبدأ حق الملكية الفردية لا تفرق بين مال ومال، فسواء كان المال المملوك منقولاً أو عقاراً، مأكولاً أوغير مأكول حيواناً أو نباتاً، وسائل انتاج أو وسائل استهلاك، فكل هذا الاختلاف في المال موضوع الملكية لا يهم، لأن المال المضاف الى الفرد إضافة ملك واختصاص الذي جاءت به النصوص الشرعية وذكرنا بعضها، لم تقيد المال بصفة معينة بل جاءت مطلقة من كل قيد، عدا ما عرف من نصوص أخرى من حرمة تملك بعض الأشياء كالخمر والخنزير، أو ما كان سبب ملكه حراماً وإن كان هو بنفسه يصلح أن يكون مملوكاً كالمغصوب والمسروق ونحو ذلك.

409-  وقد رتب الإسلام على مبدأ حق الملكية الفردية التزاماً عاماً على الكافة باحترامه وعدم المساس به إلا بوجه حق، قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وقال تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً} وفي الحديث الشريف "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه". كما قرر الإسلام عقاباً لمن ينقض هذا الالتزام ويتجاوز على حق الملك للغير، فهناك عقوبة السرقة وقطع الطريق وخيانة الامانة والنهب ونحو ذلك سواء أكانت هذه العقوبات عقوبات حدود أم تعزيز.

410-  ولكن اقرار الإسلام بحق الملكية الفردية لا يعني أنه حق مطلق من كل قيد وان موقف الإسلام منه هو موقف الحارس له فقط، فالحقيقة أن الإسلام مع اقراره بحق الملكية وحمايته له فإنه ينظمه ويقيده بجملة قيود منذ نشأته الى اندثاره، وبهذا يجمع الإسلام بين موقفين بالنسبة لحق الملكية الفردية: الأول: الاعتراف به الحماية له. والثاني: التقيد والتنظيم لهذا الحق، وهذا التقييد يظهر فيما يأتي.

411-  أولاً: من حيث نشأة حق الملكية الفردية، يشترط الإسلام أن ينشأ عن سبب شرعي، فان نشأ عن سبب غير شرعي فإن الإسلام لا يعترف به ولا يحميه بل يأمر بنزعه عن يد حائزه ورده الى مالكه الأصلي، فإن لم يوجد، وضع في بيت المال. والأسباب الشرعية للملكية: (أ) الاستيلاء على المال المباح، ويندرج تحت هذا النوع الصيد، واحياء الأرض الموات، والاستيلاء على الكلأ والاجام، واستخراج المعادن والكنوز. وكل ذلك بشروط معينة[12]. (ب) العقود والتصرفات مثل البيع والهبة والوصية والاجارة والشركة والمضاربة، والمزارعة والمغارسة ونحو ذلك، بشرط أن تكون هذه العقود والتصرفات بالكيفية التي شرعها الإسلام. (جِ) الميراث، حيث يخلف الوارث المورث في ملكية تركته بأسباب وشروط معينة معروفة في باب الميراث في كتب الفقه الإسلامي.

هذه هي الأسباب الشرعية المنشئة لحق الملكية، فان نشأ هذ الحق بها اعتراف الإسلام به ولا يهم بعد ذلك كميتها ولا نوعيتها لأن المنظور اليه في الشرع في باب الملكية الفردية: الشرعية لا الكمية ولا النوعية، أي المنظور إليه السبب المنشئ للملكية فان كان مشروعاً كان الملك مشروعاً محمياً من قبل الإسلام، وإن لم يكن السبب مشروعاً لم يكن الملك مشروعاً ولا محمياً من قبل الإسلام. ولهذا فإن الإسلام يحمي الملك الكثير إذا كان سببه مشروعاً، ويرفض الاعتراف والحماية للملك القليل إذا كان سببه غير مشروع، انه يعترف بملك الأرض الواسعة ما دام ملكها نشأ عن سبب مشروع ويرفض الاعتراف بملكية شبر واحد مغصوب لأن الغصب ليس سبباً شرعياً للملكية.

412-  ثانياً: أما قيود الملكية في بقائها ونمائها فتظهر فيما شرعه الإسلام من حقوق في مال الانسان ووجوب أداء هذه الحقوق مثل حق الزكاة والنفقات الشرعية كما تظهر هذه القيود في نماء الملك، فقد حدد الإسلام سبل تثمير المال وتنميته، ومنها التجارات والمزارعات والشركات ونحو ذلك، فلا يعترف الإسلام بالنماء الناتج عن سبب باطل حرام كالربا مثلاً أو بيع الخمور، أوفتح نوادي القمار. إن هذا النماء الناتج عن هذه الأسباب المحرمة في نظر الإسلام، كالورم الذي يصيب بدن المريض، يحسبه الجاهل سمنة وعافية وهو في نظر الحكيم العارف بلاء ومرض يجب التخلص منه.

413-  ثالثاً: أما قيود استهلاك المال موضوع الملكية، فتظهر فيما قرره الإسلام من ضرورة الاعتدال في الانفاق قال تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا} وقال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا لم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} وهذا الاعتدال المطلوب في الانفاق إنما هو في الانفاق على المباحات أو على حاجات الإنسان الضرورية كالأكل والشرب، أما الانفاق على المحرمات فممنوع قليله وكثيره، فلا يجوز الانفاق على الملذات المحرمة كالفحش والخمور والرقص وليس الذهب من قبل الرجال ونحو ذلك مما وقع فيه المترفون الذين لا يخشون الله تعالى، مما أدى الى شيوع الفاحشة في المجتمع وظهور فئات كثيرة منحرفة تقوم بهذه الأفعال المحرمة التي يهواها هؤلاء المترفون.

414-  رابعاً: نزع الملكية عند الضرورة وللمصلحة العامة بعد تعويض صاحب الملك التعويض العادل، وقد ضرب الفقهاء بعض الأمثلة على ذلك منها جواز نزع الملك لتوسعة طريق عام، كما يجز بيع الملك جبراً على صاحبه تسديداً لدين حق عليه للآخرين.

 

الفرع الثالث - حق الارث

 

415-  من المبادئ المقررة في الشرع الاسلامي حق الارث، فاذا مات الشخص وترك مالاً، ورثه اقرباؤه، الأقرب فالأقرب، ونال المتسحقون للميراث سهاماً معينة من تركة الميت إذا ما توفرت شروط الميراث وأسبابه وزالت موانعه حسب القواعد المقررة في الشرع الإسلامي.

وحق الارث يقوم على أساس من الفطرة والعدل واحترام ارادة المالك، ويدفع الى بذل المزيد من الجهد والنشاط ويحقق ضماناً اجتماعياً لأفراد الأسرة الواحدة، ويفتت الثروات ويمنع تكديسها، فهو لهذا كله مبدأ عظيم من مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي.

416-  أما قيامه على أساس من الفطرة، فقد بينا فيما سبق أن من الفطرة في الإنسان اهتمامه بذريته وقلقه عليهم إذا أحس بتركهم بلا مال، ورغبته في أن يوفر لهم ما يستعينون به في حياته وبعد موته.

وأما قيامه على أساس من العدل، فان الانسان في حياته يعيل أولاده وبقية من هو مكلف باعالتهم كأمه وأبيه وزوجته. وقد يلزم بهذا الانفاق الزاماً عن طريق القضاء اذا امتنع عنه، والغالب عدم امتناعه، فمن العدل أن تكون أمواله بعد موته لأولئك الذين كان هو السبب في وجودهم، كأولاده، أو كانوا هم السبب في وجوده مثل أبويه، ليستعينوا بهذه الأموال بالانفاق منها على أنفسهم كما كان هو في حياته ينفق منها عليهم.

417-  وأما قيام الميراث على أساس احترام إرادة المالك، فان الإنسان يرغب رغبة أكيدة أن تكون أمواله بعد موته لاقربائه لا لغيرهم، فيجب احترام ارادته هذه ودفع أمواله الى ورثته بعد موته، وقد فصل الشرع الإسلامي هذا فبين حصص هؤلاء الأقرباء من الميراث على نحو دقيق عادل. ولا شك أن المسلم يسره ويرضيه أن تصير أمواله الى ورثته من بعده وفقاً لهذا التقسيم الشرعي العادل.

418-  وأما أن مبدأ الارث يدفع الى المزيد من بذل النشاط والجهد فأمر واضح لأن الانسان لا يعمل لنفسه فقط وإنما لمن يهمه شأنهم من أفراد أسرته أيضاً فهو يجهد نفسه ليسد حاجاتهم مع حاجات نفسه. وكما انه لا يعمل لتوفير حاجاتهم الحاضرة فكذلك يبذل جهداً آخر لتوفير ما يسد حاجاتهم في المستقبل فان بقي في قيد الحياة تولى الانفاق بنفسه عليهم وان مات تولوا هم بأنفسهم الانفاق من أمواله التي تركها لهم. وعلى هذا فاذا منع التوارث فان الانسان تضعف همته في العمل ويقلل نشاطه الاقتصادي لأنه يعلم بأن ثمرة جهوده لا ترجع إلى أفراد أسرته الذين يهتم بأمرهم. ولا شك أن المجتمع سيخسر كثيراً من فتور الناس عن العمل ومن ضعف دوفعهم على بذل كل ما يستطيعون من جهد ونشاط اقتصادي.

ومبدأ الميراث يحقق ضماناً اجتماعياً داخل الأسرة لما يوفره من أموال تعود الى الاحياء منهم إذا مات أحدهم وترك مالا، فلا يضيع الصغير واليتيم والأرملة، ولا يصيرون عالة على المجتمع، وفي هذا تخفيف عن كاهل الدولة في سد حاجات المحتاجين.

419-  والميراث يفتت الثروات ويمنع من تكديسها في أيد قليلة لأن تركة الانسان بعد موته تفسم على عدد غير قليل من أقاربه، ولما كان الانسان غير مخلد في الدنيا، وعمره في الغالب قصير لا يتجاوز بضع عشرات من السنين فان الثروة التي قد يجمعها الانسان في حياته لا بد ان تتفتت بعد زمن قصير. وتفتيت الثروات الكبيرة مما يرغب فيه الإسلام ويسلك لتحقيقه سبلا كثيرة هادئة مريحة لا عنف فيها ولا اهتزاز، ومن هذه السبل تقرير مبدأ الميراث.

420-  وأخيراً فان تنظيم الارث في الإسلام جاء على غاية في العدل والدقة مما لا نجد له نظيراً مطلقاً في أي شرع آخر، فقد لوحظ فيه مدى قرب الوارث من الميت، ومدى حاجته، وتكاليفه، واعانته للمورث، وفي ضوء ذلك وغيره جاءت حصص الورثة مختلفة، ومن أمثلة هذا الاختلاف أن نصيب الابن ضعف نصيب البنت قال تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين..} لأن حاجة الابن الى المال أكثر من حاجة البنت لكثرة التكاليف المالية عليه، فالرجل هوالذي يدفع المهر في النكاح دون المرأة، وهو المكلف بالانفاق على زوجته وعلى أولاده. فمن العدل اذن أن يكون نصيبه في الميراث ضعف نصيب اخته.

 

المطلب الثالث - بيت المال موارده ومصارفه

 

الفرع الأول - موارد بيت المال

تمهيد

421-  من البديهي أن الدولة تحتاج الى نفقات كثيرة لسد حاجاتها المختلفة، وهذه النفقات تغطيها من مواردها المتعددة. وقد كانت الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم قليلة التكاليف فلم يكن هناك موظفون لهم رواتب دائمة منظمة، وإنما كان يعطي من يقوم ببعض الأعمال أجراً على عمله، مثل جباة الزكاة فاذا انتهت الجباية انتهى الأجر. وفي القتال كان يستنفر المسلمين ويأتون بأسلحتهم ودوابهم ويقاتلون فان غنموا شيئاً قسمه عليهم. وحصيلة الزكاة إذا وردت قسمها الرسول صلى الله عليه وسلم على المستحقين، وهلى هذا لم تكن الحاجة قائمة لتنظيم واردات الدولة ومصارفها على النحو الذي حدث فيما بعد. وجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسار على النهج الأول فلم يضبط الواردات والا المصروفات لعدم ظهور الحاجة الى ذلك، ولأن أمد خلافته كان قصيراً. فلما جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية بما فتحه الله على المسلمين من بلاد الروم والفرس، وزادت واردات الدولة من الغنائم والفيء والجزية، فكر عمر بن الخطاب في طريقة تضبط هذه الأموال الكثيرة وتضبط صرفها، فأنشأ بيت المال لحفظ أموال المسلمين واحصاء دخل الدولة الإسلامية من مواردها المتعددة، واحصاء مصاريفها ومقدار هذه المصاريف مثل رواتب الجند والعمال والولاة ونحو ذلك من وجوه الصرف على المصالح العامة وحاجات الدولة، وما كان يبقى من أموال بعد الصرف يحفظ في بيت المال وينفق في حينه.

فبيت المال إذن يشبه الخزانة العامة في الوقت الحاضر، حيث كل ما يعود للدولة من حقوق مالية يضاف اليها باعتباره حقاً لها، وكل ما تحتاجه الدولة من نفقات وصرف تتحمله هذه الخزانة العامة ويضاف إليها باعتباره حقاً عليها.

422-  وموارد الدولة الإسلامية أي موارد بيت المال هي الزكاة والخراج والجزية والعثور والفيء وخمس الغنائم وغير ذلك مما نذكره فيما يلي تباعاً.

أولاً: الزكاة[13]

423-  الزكاة مأخوذة من النماء والزيادة، وهي في الشريعة حق يجب في المال، وهي من فروض الإسلام وأركانه قال تعالى: {وآتوا الزكاة} وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن وقال له "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" وأجمع المسلمون على وجوبها، واتفق الصحابة الكرام على قتال مانعيها. وعلى هذا فمن أنكر وجوبها كفر، ومن منعها معتقداً وجوبها وقدر الإمام على أخذها منه أخذها منه جبراً وعزره على امتناعه، وان كان خارجاً عن قبضة الامام قاتله كما فعل أبو بكر رضي الله عنه وقال قوله المشهور "لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه".

424-  وهي تجب على كل مسلم ومسلمة، فاذا ملك نصاباً خالياً من دين فعليه زكاته عند تمام الحول سواء أكان كبيراً أو صغيراً عاقلاً أو مجنوناً، ولا زكاة في ما لا يحول عليه الحول، وهذا في الماشية والذهب والفضة وقيم عروض التجارة، أما في الزرع والثمار والمعدن فلا يشترط لها الحول. وتجب الزكاة في الذمة بحلول الحول حتى ولو تلف المال بتفريط من صاحبه أو عدم تفريط، وذهب أبوحنيفة إلى سقوط الزكاة بتلف النصاب على كل حال إلا أن يكون الامام قد طلبها فمنعها. ولا تسقط بالموت، وقال الحنفية بالسقوط إلا إذا أوصى بها فتجب من الثلث. والدولة الإسلامية تجبي زكاة الأموال الظاهرة وهي الماشية والزروع وتقسمها على مستحقيها، أم7ا الأموال الباطنة كالذهب والفضة وعروض التجارة فان أصحابها يخرجون زكاتها إلا إذا دفعوها الى الامام فإنه يقسمها على المستحقين، ويبدو لي جواز قيام الامام بجباية زكاة الأموال الباطنة ابتداء وتقسيمها على مستحقيها.

425-  أما النصاب ومقدار الزكاة فيختلف باختلاف الأموال وأصنافها على النحو التالي[14].

426-  أولاً: المواشي، وتشمل الابل والبقر والغنم على التفصيل التالي:

أ)              نصاب الابل وزكاتها.

عدد الابل                    مقدار زكاتها

5 – 9                      شاة جذعة من الضأن أو ثنية من المعز.

                             والجذع من الغنم ما له ستة أشهر. والثني منها ما استكمل سنة.

10 – 14                   شاتان.

15 – 19                   ثلاث شياه.

20 – 24                   أربع شياه.

25 – 35                   ابنة مخاض من الابل وهي ما استكملت سنة، فان لم يجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر.

36 – 45                   ابنة لبون وهي ما استكملت سنتين

46 – 60                   حöقّة وهي ما استكملت ثلاث سنين واستحقت الركوب وطرق الفحل.

61 – 75                   جذعة وهي ما استكملت اربع سنين

76 – 90                   بنتا لبون.

91 – 120                  حقتان.

121 – 139                ثلاث بنات لبون.

140 – 149                حقتان وبنت لبون.

150 – 159                ثلاث حقاق.

160 – 169                أربع بنات لبون.

170 – 179                حقة وثلاث بنات لبون.

180 – 189                حقتان وبنتا لبون.

190 – 199                ثلاث حقاق وبنت لبون.

200                        أربع حقاق أوخمس بنات لبون.

 

وعلى هذا القياس فيما زاد، في كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة. وذهب الحنفية والثوري والنخعي أن الابل اذا زادت على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة فيكون في كل خمس من الابل شاة الى خمس وأربعين ومائة فيكون فيها حقتان وبنت مخاض الى خمسين ومائة وفيها ثلاث حقاق ثم تستأنف الفريضة بعد ذلك فيكون في كل خمس شاة.

هذا ويشترط لزكاة الابل مع تحقق النصاب ومرور الحول أن تكون سائمة أي ترعى الكلأ لتقل مؤونتها. وعن مالك رحمه الله: السوم ليس بشرط لزكاتها فتجب الزكاة في المعلوفة والعاملة هذا وليس فيما دون خمس من الابل زكاة.

 

427-  ب) – نصاب البقر والجاموس

عددها                                 زكاتها

30 – 39                             تبيع ذكر، وهو ما سنة ودخل في الثانية فان أعطى تبيعة انثى قبلت.

40 – 59                             مسنة انثى وهي التي لها سنتان، فان لم تكن

                                      في بقرة مسنة قبل منه المسن الذكر.

60 – 69                             تبيعان.

70 – 79                             مسنة وتبيع.

80 – 89                             مسنتان.

90 – 99                             ثلاثة اتبعة.

100 – 109                          مسنة وتبيعان.

110 – 119                          مسنتان وتبيع.

120                                  ثلاث مسنات أو أربعة أتباع.

 

ثم على هذا القياس فيما زاد: في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة. هذا ويشترط في البقر والجاموس مع النصاب ومرور الحول السوم، وعن مالك ليس هذا بشرط فتجب الزكاة في المعلوفة والعاملة كقوله في الابل. ويضم الجاموس الى البقر عند عد النصاب، وليس فيما دون الثلاثين زكاة.

 

428-  ج)- الغنم، ويشمل الضأن والمعز، ونصابها وزكاتها كما يلي:

 

العدد                        الزكاة

40 – 120                  جذعة أو ثنية من المعز إلا أن تكون كلها صغاراً دون الجذاع والثنايا فيؤخذ منها صغيرة دون الجذعة والثنية.

121 – 200                شاتان.

201 – 399                ثلاث شياه.

400                        أربع شياه.

 

ما زاد على الِ 400 في كل مائة شاة.

هذا وإن المعز يضم الى الشياه عند عدّ النصاب. ويشترط في زكاة الغنم السوم أي أن تكون سائمة.

 

429-  ثانياً: زكاة الزروع والثمار

كل ما أخرج الله عز وجل من الأرض مما ييبس ويبقى مما يكال ويبلغ خمسة أوسق فصاعداً ففيه العشر إن كان سقيه من السماء أوسيحاً، وان كان يسقى بآلة والدوالي والنواضح وما فيه الكلف فنصف العشر.

وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب والحشيش لقوله صلى الله عليه وسلم "فيما سقت السماء العشر" وهذا عام ولأن هذا يقصد بزراعته نماء الأرض فأشبه الحب، وانها تجب في القليل والكثير ولا تقيد بالخمسة أوسق، ولأنه لا يعتبر لزكاة الزروع مرور الحول فلا يعتبر لها نصاب. واحتج القائلون بأن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق بالحديث الشريف "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" وهو حديث صحيح وهو خاص فيجب تقديمه على الحديث الذي احتجوا به لأنه عام لأن الخاص يخصص العام. أما اشتراط الحول فلأن الزرع يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غير الزرع لأن مرور الحول مظنة لكمال النماء والنصاب اعتبر ليبلغ المال حداً يحتمل أخذ الزكاة منه وهذا المعنى يلاحظ في الزروع وغيرها[15].

430-  ثالثاً: زكاة الذهب والفضة، ويشترط في زكاتها النصاب ومرور الحول، ونصاب الفضة مائتا درهم وفيه خمسة دراهم، ونصاب الذهب عشرون مثقالا وفيه نصف مثقال. واذا اتجر بالدراهم والدنانير زكاها وربحها إذا حال عليها الحول وكانت نصاباً.

وليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه عادة أو تعيره. وذهب بعض أهل العلم الى أن فيه زكاة.

431-  رابعاً: زكاة المعادن

وهي من الأموال الظاهرة، وتجب الزكاة في جميع الخارج منها سواء اكانت من المعادن الصلبة كالذهب والفضة والحديد، أو المائعة كالقير والنفط أو كانت تشبه الحجر وتنكسر بالطرق كالجواهر. ويشترط لوجوب الزكاة فيها أن تبلغ نصاباً بعد السبك والتصفية، ومقدار النصاب عشرون مثقالا من الذهب ومائتا درهم من الفضة أو قيمة هذا النصاب من غير الذهب والفضة ولا يشترط مرور الحول لوجوب الزكاة، ومقدار الزكاة ربع العشر. وقال الامام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجب الخمس في قليل المعدن وكثيره من غير اعتبار نصاب بناء على أنه ركاز والركاز فيه الخمس، ولأنه لا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب.

ولا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان، وعن الإمام أحمد بن حنبل أن فيه الزكاة لأنه خارج من معدن.

432-  خامساً: الركاز

وهو كل مال وجد مدفوناً من ضرب الجاهلية (قبل الإسلام) في أرض موات أو طريق سابل يكون لواجده وعليه الخمس، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "وفي الركاز الخمس" ويجب هذا الخمس على واجده سواء أكان مسلماً أو ذمياً، صغيراً أو كبيراً عاقلاً أو مجنوناً لعموم هذا الحديث الشريف. ويعرف أنه من ضرب الجاهلية إذا كان عليه علامة تدل على ذلك كصورة صنم أو اسم ملك لهم أو تاريخ قديم قبل الإسلام. اما إذا كان من ضرب الإسلام بدلالة ما عليه من آية قرآنية أو تاريخ هجري فهو لقطة وتسري عليها أحكامها.

هذا وان الركاز إذا عثر عليه في أرض مملوكة فهو لمالك الأرض لا حقّ فيه لواجده، وعلى مالكه الخمس.

433-  سادساً: عروض التجارة

والعروض جمع عرض وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه من النبات والحيوان والعقار وسائر الأموال الأخرى التي يتجر بها صاحبها بقصد الربح. وتجب الزكاة في أموال التجارة إذا بلغت نصاباً بعد تقويمها بالذهب أو الفضة ومضى عليها حول ولا يلتفت الى زيادة النصاب أو نقصانه خلال الحول ما دام النصاب حاصلا في أول الحول وآخره. والنماء أي الربح تابع لأصل مال التجارة عند التقويم في نهاية الحول.

 

ثانياً: الجزية

434-  الجزية هي المال المقدر المأخوذ من الذمي، فهي ضريبة على الرؤوس يلتزم غير المسلم بأدائها الى الدولة الإسلامية إذا ما دخل في الذمة أي صار ذمياً.

وهي ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم والآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} وفي السنة، ان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجذية من مجوس البحرين. وأجمع المسلمون على أخذ الجزية من غير المسلم[16].

435-  ويشترط لوجوب الجزية العقل والبلوغ والذكورة فلا تجب على الصبيان والنساء والمجانين، كما يشترط لوجوبها السلامة من الزمانة والعمى والشيخوخة فلا تجب على زمن ولا أعمى ولا شيخ كبير. ولا تجب على الراهب وعند بعض الفقهاء تجب عليه مطلقاً وعند آخرين تجب عليه اذا خالط الناس أو كان قادراً على العمل.

436-  وتجب الجزية في آخر كل سنة وتؤخذ في آخرها، وعند الحنفية تجب في أولها وتؤخذ في آخرها. ومقدارها (12) درهماً على الفقير المعتل، و (24) درهماً على المتوسط و (48) درهماً على الموسر، وعند بعض الفقهاء انها غير مقدرة وإنما يقدرها الإمام حسب اجتهاده ورأيه.

437-  وتسقط الجزية بعد وجوبها إذا أسلم الذمي أو عجزت الدولة الإسلامية عن حماية الذميين، ولهذا ردّ أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه الجزية الى الذميين في بعض مدن الشام عندما عجز الجيش الإسلامي عن حمايتهم[17] وفي صلح خالد بن الوليد مع صلوبا بن نسطونا صاحب قس الناطف في منطقة الحيرة "فان منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا حتى تمنعكم"[18].

 

ثالثاً: الخراج

438-  الخراج ما ضرب على أراضي الكفار المغنومة عنوة التي تركت بيد أهلها[19] فهي ضريبة مالية على الأراضي المفتوحة التي تركها المسلمون بيد أهلها يزرعونها ويستغلونها. وأول من فعل ذلك الإمام الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ فرض على أرض العراق الخراج وتركها بيد أصحابها، بعد مشاورة منه للصحابة الكرام وموافقتهم على رأيه. والأرض التي تفرض عليها ضريبة الخراج تسمى بالأرض الخراجية.

439-  والخراج نوعان: خراج وظيفة، وهو ما يفرض على الأرض بالنسبة الى مساحتها ونوع زراعتها. وخراج مقاسمة وهو أن يكون المفروض جزء من الخارج كالخمس والسدس ونحو ذلك. والفرق بين النوعين أن في خراج الوظيفة يكون الواجب شيئاً في الذمة يتعلق بالتمكن من الانتفاع بالأرض ويؤخذ مرة واحدة في السنة، أما في خراج المقاسمة فيكون الواجب متعلقاً بما يخرج من الأرض لا بالتمكن من زراعتها، حتى إذا عطل الأرض صاحبها مع التمكن من الانتفاع بها لم يجب عليه شيء. كما أن خراج المقاسمة يتكرر بتكرر الخارج من الأرض.

440-  والمنظور إليه عند تقدير الخراج طاقة الأرض حتى لا يكون الخراج مرهقاً لصاحبها، وقد نص الفقهاء على بعض ما يسترشد به لمعرفة مدى طاقة الأرض لمقدار الخراج[20] فمن ذلك خصوبة الأرض ونوع ما يزرع فيها واثمانه وطريقة سقيها وقربها أو بعدها عن المدن والأسواق.

441-  وإذا عجز صاحب الأرض عن استغلال أرضه، فقد ذهب الحنفية ان للإمام في هذه الحالة أن يعطيها لغيره، مزارعة أو أن يؤجرها أو أن يزرعها بمال بيت المال ويستوفي من جميع ذلك ضريبة الخراج ويمسك الباقي لصاحب الأرض. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى يدفع للعاجز كفايته من بيت المال قرضاً ليعمل ويستغل أرضه. وعند الشافعية والحنابلة يؤمر صاحب الأرض بإيجارها أو رفع يده عنها ولا تترك بيده خراباً وان دفع خراجها لئلا تصير بالخراب أرضاً ميتة فيتضرر بيت المال ويقل الانتاج في الدولة الإسلامية وفي هذا ضرر عام.

والواقع ان الحلول التي ذكرها الفقهاء كلها سائغة ولولي الأمر أن يختار منها ما يراه أصلح من غيره[21].

 

رابعاً: العشور

442-  ضريبة تجارية يخضع لها الذميون والمستأمنون. فهي بالنسبة الى الذمي تفرض على أمواله المعدة للتجارة إذا انتقل من بلد الى بلد داخل الدولة الإسلامية ومقدارها نصف العشر. وهي بالنسبة للمستأمن – وهو غير المسلم إذا دخل الى دار الإسلام بأمان – تفرض على ما يدخل به من مال للتجارة الى اقليم دار الإسلام، ومقدارها عشر ما يدخل به من مال كقاعدة عامة، وإن كان من الجائز أن يقل عن هذا المقدار أو يزيد تبعاً لقاعدة المعاملة بالمثل، بمعنى أن دولة المستأمن إذا أخذت من تجار دار الإسلام إذا دخلوا أراضيها ضريبة أكثر من العشر أو أقل فإن الدولة الإسلامية تعامل رعايا هذه الدولة بالمثل فتستوفي من أموالهم التجارية نفس هذه الضريبة.

443-  ويشترط لوجوب هذه الضريبة في مال الذمي أن يبلغ نصاب الزكاة وهذا ما قاله الحنفية والزيدية وبعض الحنابلة[22] وقال الامام مالك: النصاب ليس بشرط لوجوب هذه الضريبة[23] وتستوفى هذه الضريبة في السنة مرة واحدة من الذمي والمستأمن إلا إذا رجع المستأمن بماله الى بلده ثم عاد بنفس ماله الى دار الإسلام فإنه تؤخذ منه الضريبة مرة أخرى على نفس المال.

 

خامساً: الغنائم

444-  والغنيمة، كما يقول الامام ابن تيمية: هي المال المأخوذ من الكفار بالقتال وسماها الله تعالى أنفالا لأنها زيادة في أموال المسلمين[24].

والغنيمة أربعة أصناف: أسرى وسبي، وأرضون، وأموال منقولة، أما الأسرى، فهم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر بهم المسلمون وأسروهم والإمام مخير فيهم – إذا قاموا على كفرهم – في فعل الأصلح حسب اجتهاده، إما القتل وإما الاسترقاق وإما الفداء بمال أو أسرى، أو المن بغير فداء[25] ولكن إذا أسلم الأسير سقط القتل عنه وكان الامام على خياره فيه بين الرق والمن والفداء[26].

445-  وأما السبي فهم النساء والأطفال وهؤلاء لا يجوز قتلهم ويكونون سبباً مسترقاً، يقسمون مع الغنائم "الأموال المنقولة" فإن فادى الإمام بالسبي على مال جاز ويكون مال فدائهم مغنوماً مكانهم، وان أراد الامام أن يفادي بهم عن أسرى المسلمين في أيدي العدو جاز ذلك وعوض الغانمين عنهم من سهم المصالح وان أراد ألمن عليهم لزم استطابة نفوس الغانمين عنهم إما بالعفو عن حقوقهم فيهم وإما بمال يعوضهم عنهم[27].

446-  وأما الأرضون، فخلاصة القول فيها، على ما ذكره الإمام أبو عبيد في كتابه الأموال، والماوردي في كتابه الأحكام السلطانية[28]: ان الأرض التي يستولي عليها المسلمون ثلاثة أقسام:

القسم الأول – أرض أسلم عليها أهلها فهي لهم وتكون أرضاً عشرية أي يستوفى من زرعها الزكاة المقررة.

القسم الثاني – أرض فتحت صلحاً على خراج معلوم فهي على ما صولحوا عليه ولا يلزمهم أكثر منه وهي على نوعين: أحدهما يصالحهم الامام على أن ملك الأرض للمسلمين فتصير بهذا الصلح وقفاً من دار الإسلام ويكون الخارج أجرة لا يسقط عنهم باسلامهم. والنوع الثاني أن يصالحهم الامام على أن الارض لهم على أن يؤدوا خراجاً معلوماً ويجوز لهم التصرف بها بالبيع ونحوه بخلاف النوع الأول.

القسم الثالث – أرض فتحها المسلمون بالحرب واستولوا عليها عنوة، فهذه اختلف فيها الفقهاء فذهب الشافعي رحمه الله تعالى الى انها تكون غنيمة كالأموال المنقولة تقسم على الغانمين المسلمين بعد اخراج خمسها الى من ذكرهم الله تعالى، إلا إذا رغب الغانمون بتركها لبيت المال فتوقف على مصالح المسلمين، وقال الامام مالك رحمه الله تعالى تصير وقفاً على المسلمين ولا يجوز قسمتها على الغانمين. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الامام فيها بالخيار بين قسمتها بين الغانمين فتصير أرضاً عشرية أو يعيدها الى أيدي المشركين أصحابها الأصليين بخراج يضربه عليها فتكون أرض خراج ويكون المشركون بها أهل ذمة، أو يقفها على كافة المسلمين وتصير هذه الأرض من اقليم دار الإسلام سواء سكنها المسلمون أو أعيد اليها المشركون لملك المسلمين لها ولا يجوز التنازل عنها للمشركين. ورجح الامام أبو عبيد أن الخيار للامام في الأرض المفتوحة عنوة، فله أن يقسمها على الغانمين بعد اخراج الخمس منها، كما له أن يجعلها موقوفة على المسلمين عامة. ورأي الحنفية يتضمن هذا الذي رجحه أبو عبيد وعلى هذا، نميل الى رأي الحنفية.

447-  أما الأموال المنقولة فهي الغنائم المألوفة، ولا تقسم إلا بعد انجلاء الحرب وتحقق ظفر المسلمين، ويجوز بعد جمعها، قسمتها في دار الحرب، كما يجوز تأخير قسمتها بعد الرجوع الى دار الإسلام بحسب ما يراه الامير من المصلحة. فاذا أرادوا قسمتها بدأ بأسلاب القتلى فأعطى كل قاتل سلب قتيله. والسلب ما كان على المقتول من لباس يقيه وما كان معه من سلاح يقاتل به وما كان تحته من فرس يقاتل عليه. ثم يبدأ بعد اعطاء السلب لمستحقيه باخراج الخمس من جميع الغنمة، ويوزع الى مستحقيه على ما سنذكره في باب مصارف بيت المال ثم يرضخ بعد اخراج الخمس لأهل الرضخ وهم من لا سهم له ممن يكون مع الجيش الإسلامي كالنساء والصبيان وأهل الذمة فيرضخ لهم من الغنيمة بحسب ما قدموه من عون للمقاتلين ولا يبلغ برضخ أحدهم سهم فارس ولا راجل. وبعد الخراج الخمس والرضخ يقسم الباقي من الغنيمة على المقاتلين للراجل منهم سهم واحد وللفارس ثلاثة أسهم. ويجوز لأمير الجيش أن يزيد في سهام بعض المقاتلين إذا ظهرت منهم زيادة نكاية العدو، أو قاموا بأعمال سهلت نصر المسلمين، وهذه الزيادة المعطاة لهؤلاء يجوز أن تكون من الخمس كما يجوز أن تكون من أربعة الأخماس الباقية من الغنيمة.

 

سادساً: الفيء

448-  الفيء هو كل مال أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال وأدخل الفقهاء في مفهومه الجزية والخراج والعشور، والمال الذي يصالح عليه العدو، وما يتركه المشركون بعد هربهم أو جلائهم. وسمي فيئاً لأن الله تعالى أفاءه على المسلمين أي رده عليهم من الكفار، لأن الله تعالى خلق الخلق لعبادته وخلق المال للاستعانة به على عبادته، فالكافر لكفره أباح الله تعالى لعباده المؤمنين الذين يعبدونه نفس هذا الكافر وماله، لأنه لم يستعمل ماله في عبادة الله[29]، والأصل في الفيء قول الله تعالى في سورة الحشر {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير.. } فالفيء هو المال الواصل للمسلمين من المشركين بلا قتال.

 

سابعاً: الموارد الأخرى

449-  ومن موارد بيت المال الأموال التي ليس لها مالك معين مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معين، وكالغصوب والعواري والودائع التي تعذر معرفة أصحابها، واللقطة التي لم يظهر صاحبها، في بعض الحالات[30].

ومن موارد بيت المال ما يكون للدولة من أراضي تستغلها أو تؤجرها فتكون الغلة أو الاجرة لبيت المال، ومن ذلك ما اصطفاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه – باستطابة نفوس الغانمين – من أرض السواد في العراق التي كانت لكسرى وأهل بيته وما هرب عنه أربابه أو هلكوا. والامام مخير بين استغلالها رأساً لمصلحة بيت المال، كما له أن يؤجرها لمصلحة بيت المال، وقد فعل بالأول عمر بن الخطاب وبالتالي عثمان بن عفان رضي الله عنهما[31].

ومن موارد بيت المال ما يفرضه الامام في أموال الأغنياء عند الضرورة لصرفه على شؤون الدولة والرعية الضرورية عند عدم وجود مال في بيت المال، مثل نفقات الجند وسد حاجات المحتاجين.

 

الفرع الثاني - مصارف بيت المال

450-  أولاً: الزكاة

وتصرف لمن سماهم الله تعالى في كتابه في قوله تعالى: {انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} "والفقراء والمساكين" هم المحتاجون، "والعاملين عليها" هم جباة الزكاة، "والمؤلفة قلوبهم" نوعان: كافر ترجى بعطيته منفعة كاسلامه أو دفع مضرته. ومسلم يرجى حسن اسلامه أو اسلام نظيره[32]، "وفي الرقاب" يدخل فيه اعانة الارقاء الذين يكاتبون اسيادهم على مال يؤدونه اليهم حتى يعتقوا، وافتداء الاسرى وعتق الرقاب "والغارمين" هم الذين عليهم ديون في أمور مباحة ولا يجدون وفاءها فيعطون وفاء ديونهم، أما لو استدانوها في معصية الله فلا يعطون حتى يتوبوا[33] "وفي سبيل الله" وهم الغزاة فيعطون ما يغزون به او تمام ما يغزون به من خيل وسلاح ونفقة واجرة. "وابن السبيل" هو الغريب في البلد وليس عنده نفقة سفره ولا ما يوصله إلى بلده. ويجوز صرف الزكاة في أحد الأصناف الثمانية مع وجودهم. ولا يجوز دفعها إلى كافر ولا إلى ذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب.

451-  ثانياً: زكاة المعادن وخمس الركاز

ومصرف زكاة المعادن وخمس الركاز مصرف الزكاة المعتادة اي مصرف زكاة الماشية والزروع والثمار والذهب والفضة وعروض التجارة.

452-  ثالثاً: الغنيمة

الواجب في الغنيمة لبيت المال خمسها، ويقسم هذا الخمس على من ذكرهم الله تعالى في سورة الأنفال، قال تعالى: {واعلموا انما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل..} سورة الأنفال آية 41. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف سهم الله وسهمه في مصالح الاسلام وأربعة أخماس الخمس في أهلها المستحقين لها مقدماً للاهم فالاهم والاحوج فالأحوج، دون أن يقسم بينهم أربعة أخماس الخمس السوية[34].

453-  رابعاً: الفيء

ويقسم على من ذكرهم الله تعالى في سورة الحشر، قال تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب. للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون. والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم} سورة الحشر آية (7-8-9-10).

وقال الفقيه الماوردي: يؤخذ خمس الفيء، ويقسم على خمسة أسهم متساوية: سهم منها كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ينفق منه على نفسه وأزواجه ومصالحه ومصالح المسلمين، وقد صار هذا السهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مصروفاً في مصالح المسلمين كأرزاق الجيش واعداد السلاح وبناء الحصون والقناطر واعطاء رواتب القضاة والموظفين وما جرى هذا المجرى من وجوه المصالح العامة. والسهم الثاني سهم ذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب ابنا عبد مناف. والسهم الثالث لليتامى من ذوي الحاجات، واليتم موت الأب مع الصغر. والسهم الرابع للمساكين وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم. والسهم الخامس لبني السبيل وهم المسافرون الذين لا يجدون ما ينفقون. واما أربعة أخماس الفيء ففيه قولان احدهما انه للجيش خاصة، والثاني انه مصروف في المصالح العامة، ومنها ارزاق الجيش وما يلزمه[35].

والواقع ان الآية الكريمة، كما يقول الفقيه المشهور ابن القيم: إن ما أفاء الله على رسوله بجملته لمن ذكر في هذه الآيات ولم يخص منه خمسة بالمذكورين بل عمم واطلق واستوعب فيصرف الفيء على المذكورين كلهم. أما ذكر اليتامى والمساكين ونحوهم فانما يفيد العناية بهم وضرورة ادخالهم في جملة المستحقين للفيء، وان كانوا يستحقون ايضاً من خمس الغنيمة ولا يفيد حصر الاستحقاق بهم. وعلى هذا فالفيء يستحقه هؤلاء المذكورون والمهاجرون والانصار الذين جاؤوا من بعدهم من المسلمين الذي يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذي سبقونا بالايمان.. الخ، ولا يدخل معهم من يلعنهم ويتبرأ منهم، وعلى هذا فيصرف الفيء في جميع مصالح المسلمين ومنها الانفاق على ذوي الحاجات ودفع الارزاق للجند والعلماء والقضاة وسائر موظفي الدولة، كما يعطى منه الى عموم المسلمين، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين في سيرتهم وهديهم ولذلك قال عمر رضي الله عنه: "وليس أحد أحق بهذا المال من احد انما هو الرجل وسابقته، والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته". فجعلهم عمر رضي الله عنه أربعة أقسام، الأول: ذوي السوابق الذين بسابقتهم اي باسلامهم حصل المال. والثاني: من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم كولاة الأمور والعلماء الذين يجلبون لهم منافع الدنيا والآخرة. والثالث: من يبلي بلاء حسناً في دفع الضرر عنهم كالمجاهدين في سبيل الله من الأجناد والمرابطين ونحوهم. والرابع: ذوي الحاجات. كما روي عن عمر رضي الله عنه انه قال "والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه"[36]. ويفهم من هذا كله ان عموم المسلمين لهم نصيب من مال الفيء فيعطون منه بعد سد النفقات الضرورية للدولة كأرزاق الجند والولاة ونحوهم وهذا ما تدل عليه الآية الكريمة، ويقدم ذوو الحاجات على غيرهم من الفاضل بعد سد النفقات الضرورية للدولة.

ويلحق بالفيء ويكون مصرفه مصرف الفيء الأموال التي ليس لها مالك معين مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معين، وكالغصوب والعواري والودائع وغير ذلك من أموال المسلمين التي تعذر معرفة أصحابها[37].



[1]  تفسير القرطبي ج 7 ص 238.

[2]   تفسير القرطبي ج 10 ص 141.

[3]   تفسير القرطبي ج 14 ص 22-23.

[4]  رد المحتار ج 3 ص 364.

[5]  المحلى ج 6 ص 156.

[6]  المحلى ج 6 ص 158.

[7]  تفسير القرطبي ج 2 ص 241-242، تفسير الرازي ج 5 ص 24.

[8]  اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ج 2 ص 284.

[9]  المحلى ج 6 ص 156- 157.

[10]  الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية ص 226، 240.

[11]  تفسير القرطبي ج 16 ص 83.

[12]  أنظر تفصيل ذلك في كتابنا المدخل لدراسعة الشريعة الإسلامية.

[13]  المغني لابن قدامة ج 2 ص 572 وما بعدها.

[14]  المغني ج 2 ص 580 وما بعدها. أبو يعلى الحنبلي ص 99 وما بعدها. الماوردي ص 109 وما بعدها.

[15]  المغني ج 2 ص 696. والوسق يقدر بستين صاعا، والصاع يقرب من كيلو ونصف لأنه مقدر بأربع حفنات بيدي رجل.

[16]  المغني ج 8 ص 496، والجصاص ج 3 ص 92 – 93، اختلاف الفقهاء للطبري ص 199.

[17]  الخراج لأبي يوسف ص 139.

[18]  تاريخ الطبري ج 4 ص 16.

[19]  شرح الازهار ج 1 ص 571.

[20]  الماوردي ص 143 – 144، أبو يعلى الحنبلي ص 151.

[21]  كتابنا أحكام الذميين والمستأمنين ص 167.

[22]  شرح السير الكبير للسرخسي ج 4 ص 284، وشرح الازهار ج 1 ص 577، المغني ج 8 ص 519.

[23]  الاموال لابي عبيد ص 535 – 536.

[24]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 30.

[25]  أبو يعلى ص 125.

[26]  الماوردي ص 126.

[27]  الماوردي ص 126 – 127.

[28]  الأموال لأبي عبيد ص 5، الماوردي ص 132 – 133.

[29]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 36.

[30]  أنظر بحثنا في أحكام اللقطة.

[31]  الماوردي ص 185 – 186.

[32]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 34، 48.

[33]  المرجع السابق ص 34.

[34]  زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 222.

[35]  الماوردي ص 122 – 123.

[36]  السياسة الشرعية لابن تيمية ص 44 – 46، زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 221 – 222.

[37]  مجموع فتاوى ابن تيمية ج 8 ص 276 – 277.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

أصول الدعوة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca