مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

بسم الله الرحمن الرحيم  **** مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: أصول الدعوة
المؤلف: عبد الكريم زيدان
التصنيف: دعوة
 

الباب الأول - موضوع الدعوة

الفصل الرابع - أنطِمَة الإسْلام - المبحث الأول - نظام الأخلاق في الإسْلام

تمهيد

1-  قلنا في خصائص الإسلام أنه شامل، ومن مظاهر شموله، أحكامه المتعلقة بالأخلاق وبعلاقات الناس فيما بينهم، وهذه الاحكام تكوّن كل مجموعة منها نظاما خاصا في موضوع خاص، مثل احكام الأخلاق، تكوّن نظام الاخلاق في الإسلام ومثل احكام الأسرة وهي المتعلقة بالأسرة وأفرادها وهي تكون نظام الأسرة وهكذا.

ونحن في هذا الفصل نذكر أهم أنظمة الإسلام ونبين معالمها البارزة بما يجليها بالقدر الذي يحتاجه الداعية الى الاسلام. ان بياننا هذا لأنظمة الاسلام سيكون بحدود ما جاء به الاسلام لا نزيد عليه شيئا ولا ننقص منه شيئا ولا نطوعه لما نريد، فالمسلم دائما يقف وراء الإسلام ولا يتقدم عليه.

وعلى هذا سنقسم هذا الفصل الى مباحث، ونفرد لكل نظام مبحثا على حدة على النحو الآتي:

المبحث الأول – نظام الأخلاق.

المبحث الثاني – نظام المجتمع.

المبحث الثالث – نظام  الافتاء.

المبحث الرابع – نظام الحسبة.

المبحث الخامس – نظام الحكم.

المبحث السادس – نظام المال أو نظام الاقتصاد.

المبحث السابع – نظام الجهاد.

المبحث الثامن – نظام الجريمة والعقاب.

 

المبحث الأول - نظام الأخلاق في الإسْلام

تعريف الأخلاق

2-  الخلق في اللغة الطبع والسجية، وفي اصطلاح العلماء، كما يعرفه الغزالي – عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة الى فكر وروية[1].

ويمكننا تعريف الاخلاق بأنها مجموعة من المعاني والصفات المستقرة في النفس وفي ضوئها وميزانها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح، ومن ثم يقدم عليه أو يحجم عنه.

أهمية الأخلاق

3-  للأخلاق أهمية بالغة لما لها من تأثير كبير في سلوك الإنسان وما يصدر عنه، بل نستطيع أن نقول: إن سلوك الإنسان موافق لما هو مستقر في نفسه من معان وصفات، وما أصدق كلمة الإمام الغزالي إذ يقول في احيائه "فان كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك الا على وفقها لا محالة" فافعال الإنسان، إذن موصولة دائما بما في نفسه من معان وصفات صلة فروع الشجرة بأصولها المغيبة في التراب. ومعنى ذلك أن صلاح أفعال الانسان بصلاح اخلاقه، لأن الفرع بأصله، إذا صلح الاصل صلح الفرع، وإذا فسد الاصل فسد الفرع ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً﴾ [الاعراف: 58]. ولهذا كان النهج السديد في إصلاح الناس وتقويم سلوكهم وتيسير سبل الحياة الطيبة لهم أن يبدأ المصلحون باصلاح النفوس وتزكيتها وغرس معاني الاخلاق الجيدة فيها ولهذا أكد الاسلام على صلاح النفوس وبين أن تغيير أحوال الناس من سعادة وشقاء ويسر وعسر، ورخاء وضيق، وطمأنينة وقلق، وعزّ وذل كل ذلك ونحوه تبع لتغيير ما بأنفسهم من معان وصفات، قال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.

4-  وتظهر أهمية الأخلاق أيضا من ناحية أخرى، ذلك أن الإنسان قبل أن يفعل شيئا أو يتركه يقوم بعملية وزن وتقييم لتركه أو فعله في ضوء معاني الأخلاق المستقرة في نفسه فاذا ظهر الفعل أو الترك مرضيا مقبولا انبعث في النفس رغبة فيه واتجاه اليه ثم اقدام عليه، وإن كان الأمر خلاف ذلك انكمشت النفس عنه وكرهته واحجمت عنه تركا كان  أو فعلا. إن عملية الوزن هذه قد تكون سريعة جداً وغير محسوس بها إلى درجة أن الإنسان قد يفعل الشيء أو يتركه بدون روية أو تفكير، وفي بعض الأحيان لا تتم عملية الوزن والتقييم إلا بعد تأمل ومضي وقت طويل، وقد لا تتم هذه العملية فيقع الإنسان في التردد بين الفعل والترك. ولكن في جميع الأحوال لا بدّ من عملية الوزن والتقييم لكل فعل أو ترك بلا استثناء.

او وزن الأفعال والتروك بميزان الأخلاق، وصحة هذا الوزن أو فساده، ومدى التزام الإنسان بمقتضاه، وتنفيذه له، كل ذلك يتوقف على نوع المعاني الأخلاقية التي يحملها من حيث جودتها أو ردائتها، ومدى رسوخها في نفسه وانصباغها بها وحماسه لها وغيرته عليها وشعوره بضرورتها اليه، فلا يكفي لظهور أثر الأخلاق في فعل الإنسان وتركه أن يعرف الإنسان الجيد والرديء من الأخلاق ويخزن هذه المعرفة في رأسه ويتكلم بها في المناسبات بل لا بد من انصباغ كيانه بها ورسوخها في أعماق نفسه بحيث تصير له كاللون الأسود والأبيض بالنسبة للبشرة السوداء أو البيضاء، وأن تكون حاضرة في ذهنه مسيطرة على سلوكه متحمساً لها غيوراً عليها الى درجة الإيمان بأن الحياة لا تصلح عوضا للتفريط بمعنى من معاني الاخلاق الفاضلة الاسلامية التي يحملها... ومن أجل هذا أكد الاسلام على معاني الاخلاق المطلوبة وشوق اليها، وحث النفوس عليها، وكررها وأعادها حتى يتذكرها المسلم دائما وينصبغ بها، فيكون أثرها واضحاً في سلوكه..

 

مكانة الاخلاق في الإسلام

5-    للأخلاق في الإسلام مكانة عظيمة جداً، تظهر من وجوه كثيرة، نذكر منها ما يأتي:

أولاً: تعليل الرسالة بتقويم الأخلاق وإشاعة مكارم الأخلاق، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

ثانياً: تعريف الدين بحسن الخلق فقد جاء في حديث مرسل أن رجلا جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما الدين؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : "حسن الخلق".

وهذا يعني أن حسن الخلق ركن الاسلام العظيم الذي لا قيام للدين بدونه، كالوقوف في عرفات بالنسبة للحج، فقد جاء في الحديث الشريف "الحج عرفة" أي أن ركن الحج العظيم الذي لا يكون الحج الا به الوقوف في عرفات.

ثالثاً: من أكثر ما يرجح كفة الحسنات يوم الحسنات يوم الحساب حسن الخلق، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم "أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق".

رابعاً: المؤمنون يتفاضلون في الايمان، وأفضلهم فيه احسنهم أخلاقاً، جاء في الحديث: قيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل ايماناً؟ قال: "أحسنهم خلقاً".

خامساً: ان المؤمنين يتفاوتون في الظفر بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقربهم منه يوم القيامة، واكثر المسلمين ظفرا بحب رسول الله والقرب منه اولئك المؤمنون الذين حسنت اخلاقهم حتى صاروا فيها أحسن من غيرهم جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن أحبكم اليّ واقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا".

سادساً: ان حسن الخلق أمر لازم وشرط لا بد منه للنجاة من النار والفوز بالجنان، وان التفريط بهذا الشرط لا يغني عنه حتى الصلاة والصيام، جاء في الحديث أن بعض المسلمين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن فلانة تصوم النهار وتقومن الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها، قال: لا خير فيها هي من أهل النار".

سابعاً: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه بأن يحسّن خلقه – وهو ذو الأخلاق الحسنة – وأن يهديه لأحسنها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه "اللهم حسنت خَلقي فحسن خُلقي" ويقل: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فانه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فأنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت" ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدعو إلا بما يحبه الله ويقربه منه.

ثامناً: مدح الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق، فقد جاء في القرآن الكريم ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ والله تعالى لا يمدح رسوله الا بالشيء العظيم مما يدل على عظيم منزلة الأخلاق في الإسلام.

تاسعاً: كثرة الآيات القرآنية المتعلقة بموضوع الأخلاق، أمراً بالجيد منها، ومدحا للمتصفين به، ومع المدح الثواب، ونهيا عن الرديء منها وذم المتصفين به، ومع الذم العقاب، ولا شك أن كثرة الآيات في موضوع الأخلاق، يدل على أهميتها، ومما يزيد في هذه الأهمية أن هذه الآيات منها ما نزل في مكة قبل الهجرة، ومنها ما نزل في المدينة بعد الهجرة، مما يدل على أن الأخلاق أمر مهم جداً لا يستغني عنه المسلم وان مراعاة الأخلاق تلزم المسلم في جميع الأحوال فهي تشبه أمور العقيدة من جهة عناية القرآن بها في سورة المكية والمدنية على حد سواء.

 

خصائص نظام الأخلاق في الإسلام

6-  يتميز نظام الاخلاق في الإسلام بجملة خصائص، منها، تفصيل الأخلاق، وشمولها، ولزومها في الوسيلة والغاية، وارتباطها بمعاني الإيمان والتقوى، ووقوع الجزاء فيها ونبين فيما يلي هذه الخصائص بايجاز:

 

التعميم والتفصيل في الأخلاق

7-  دعا الإسلام إلى الأخلاق الكريمة دعوة عامة، من ذلك ما جاء في القرآن الكريم: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن، إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً﴾ والقول بما هو أحسن دعوة عامة للقول الطيب المطلوب بجميع أنواعه في مخاطباتهم ومحاوراتهم. وفي قوله تعالى: ﴿... وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ دعوة عامة للابتعاد عن رذائل الاخلاق. وفي السنة النبوية من هذه الدعوة العامة الى الأخلاق الشيء الكثير، ومن ذلك: "اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" والخلق الحسن يجمع أنواع الاخلاق الحسنة. وفي الحديث "ان العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".

8-  ولم يكتف الإسلام بالدعوة العامة الى التحلي بالأخلاق الجيدة والتخلي عن الأخلاق الرديئة وانما فصّل القول في الصنفين فبين أنواع كل صنف، والحكمة في هذا البيان المفصل توضيح معاني الأخلاق تحديدها لئلا يختلف الناس فيها وتتدخل الاهواء في تحديد المراد منها، ومن مظاهر رحمة الله بعبادة أن بين لهم ما يتقون وما يأخذون وما يتركون، ونذكر فيما يلي أمثلة على تفصيل الأخلاق في القرآن والسنة النبوية المطهرة.

أمثلة من القرآن على تفصيل الأخلاق

9-    أ) الوفاء بالعهد: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾.

ب) النهي عن القول بلا علم ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾.

جـ) النهي عن مشية التبختر والتمايل كما يفعل المتكبرون، ﴿ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً﴾.

د) النهي عن الاسراف والتبذير والبخل والتقتير ﴿وآت ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً﴾. ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً﴾.

هـ) الامر بالعدل في جميع الاحوال وبالنسبة لجميع الناس حتى الكفار ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾. ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.

و) التعاون على البر والتقوى وما ينفع الناس، والنهي عن التعاون على البغي والعدوان ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان﴾.

ز) الظلم ظلمات يوم القيامة، وعاقبته وخيمة، وهو أنواع، أقبحها افتراء الكذب على الله، وتعدي حدود الله. والظالم مقطوع الصلة بالله فهو مخذول غير منصور، ومن أجل هذا نهى الاسلام عنه ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون﴾ ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ ﴿وما للظالمين من أنصار﴾.

ح) الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فلا بد للمؤمن من صبر على طاعة الله وصبر على قضاء الله وبهذا يكون من المحسنين، ورحمة الله قريب من المحسنين، ولهذا أمر الاسلام بالصبر ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾. ﴿فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾.

ط) الصدق من علامات الايمان وثمراته، ولهذا أمر الإسلام به ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. ﴿وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً﴾.

ي) الكذب رذيلة لا ينال صاحبها هداية الله، ويثمر النفاق في القلب ولهذا نهى الإسلام عنه وحذر منه ﴿إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب﴾. ﴿فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾.

ك) التكبر والعجب والبخل والفخر والرياء رذائل وأمراض تصيب القلب فتطمسه وتمحق نوره وتبعد صاحبها عن الله تعالى، ولهذا جاء النهي عنها ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾. ﴿إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً. الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً. والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً﴾.

ل) الاعتدال في المشي بين البطيء والاسراع مطلوب من المسلم، وخفض الصوت وعدم رفعه بلا حاجة مطلوب أيضا من المسلم، ﴿واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير﴾.

م) الثبات على الحق والدوام على الطاعة والعبادة، أمور مطلوبة لأن الأمور بخواتيمها، وبدون الاستقامة والدوام والثبات على الحق تفوت الثمرة ولا يصل المسلم الى الغاية، وينقطع عن ركب الصالحين. ومن أجل هذا وجب على المسلم أن يكون على قدر كبير من الثبات على معاني الايمان والاستقامة عليها لينال الفوز والرضوان ﴿ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون...﴾.

ن) الجنة درا الطيبين، اعدها الله للمتقين الذين من اخلاقهم الحسنة الانفاق في جميع الأحوال في اليسر والعسر فينفقون بقدر ما لهم ولا يبخلون عن الانفاق ولو كان قليلاً، ومن أخلاقهم أنهم لا يستوفون كل حقوقهم من الناس بل يتركون منها لهم احساناً عليهم ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والطاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾.

س) النهي عن الغل والحقد: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾.

ع) علاج الجاهل الإعراض عنه وتركه وشأنه، وبهذا أمر الاسلام ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.

ف) ومن وصايا الإسلام الجامعة لعباده المؤمنين، في باب الأخلاق قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم﴾[2]

ص) ومن الآيات التي جمعت كثيرا من أخلاق المؤمنين، وجعلت هذه الاخلاق علامة على ايمانهم قوله تعالى: ﴿قد افلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين عم عن اللغو معرضون[3]. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون[4]. والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم على صلواتهم يحافظون. أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون[5]﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً[6] وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً[7]. والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً. والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً[8]. إنها ساءت مستقراً ومقاماً. والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً[9]. والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً[10] يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً. ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً. والذين لا يشهدون الزور[11] وإذا مروا باللغو مروا كراماً[12] والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً[13]. والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً[14] أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً. خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً[15]﴾.

 

أمثلة من السنة النبوية على تفصيل الأخلاق

10-      أ) في النهي عن الغضب، ان رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال: "لا تغضب".

ب) وفي الحياء، وردت أحاديث كثيرة منها: "الحياء لا يأتي الا بخير" "الحياء خير كله" "ان لكل دين خلقا وخلق الاسلام الحياء" "اذا لم تستح فاصنع ما شئت".

جـ) في التعاون، "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

د) في حقوق المسلم، والنهي عن بعض الأخلاق: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا عباد الله اخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى هاهنا – ويشير الى صدره الشريف ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه".

هـ) النهي عن اخلاق المنافقين "آية المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا اؤتمن خان" "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: اذا اؤتمن خان واذا حدث كذب، واذا عاهد غدر، واذا خاصم فجر".

و) في الحلم والاناة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاشج عبد القيس "ان فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والاناة".

ز) في الرفق: "ان الله رفيق يحب الرفق في الامر كله".

ح) في الرياء والسمعة والاخلاص: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله، ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أوامرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه".

ط) في النهي عن المراء والجدل:"من ترك المراء وهو محق بني له بيت في الجنة، ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة". "وما ضل قوم بعد أن هداهم الله الا أوتوا الجدل".

ي) في بذاءة اللسان: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء".

ك) في العجب والشح: "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب كل ذي رأي رأيه".

ل) ترك الكلام فيما لا يعنيك: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

م) ترك فضول الكلام "طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفَضْلَ من ماله".

ن) وزن الكلمة بميزان الإسلام قبل النطق بها: "ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه الى يوم القيامة وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه الى يوم القيامة".

س) في الامانة والوفاء بالعهد: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تقوم الساعة فقال له: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. فقال، وكيف إضاعتها قال اذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة".

ع) في الصدق والكذب "عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً،وإياكم والكذب فان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".

ف) في القوة والعزيمة: "المؤمن القوي خير وأحب الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وان أصابك شيء فلا تقل لو اني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".

ص) المتابعة في الخير لا في الشر: "لا يكن احدكم امعة، يقول: انا مع الناس ان أحسن الناس أحسنت وان أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن احسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم".

ش) الحزم واليقظة: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين".

ض) النهي عن الذل: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه...".

ط) في التوادد والتراحم والتعاطف: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

 

ثانياً – شمول الاخلاق

11-   ومن خصائص نظام الأخلاق في الإسلام الشمول، ونعني به أن دائرة الأخلاق الإسلامية واسعة جداً فهي تشمل جميع أفعال الإنسان الخاصة بنفسه أو المتعلقة بغيره سواء أكان الغير فرداً أو جماعة أو دولة، فلا يخرج شيء عن دائرة الأخلاق ولزوم مراعاة معاني الأخلاق مما لا نجد له نظيراً في أية شريعة سماوية سابقة ولا في أية شريعة وضعية. ونذكر هنا على سبيل التمثيل فقط مدى مراعاة الاخلاق في علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول ليتبين لنا مدى حرص الإسلام على التمسك بمعاني الأخلاق. ووجه اختيارنا هذه العلاقات هو ما شاع بين الناس، ويؤيده الواقع، ان العلاقات بين الدول لا تقوم على أساس مراعاة الأخلاق، حتى إن أحدهم قال: لا مكان للأخلاق في العلاقات الدولية. ولهذا كان الخداع والتضليل والغدروالكذب من البراعية في السياسة. إن الإسلام يرفض هذا النظر السقيم، ويعتبر ما هو قبيح في علاقات الأفراد قبيحاً أيضاً في علاقات الدول، ويعتبر ما هو مطلوب وجميل في علاقات الأفراد، مطلوباً وجميلاً أيضاً في علاقات الدول، ولهذا كان من المقرر في شرع الإسلام ان على الدولة الاسلامية ان تلتزم بمعاني الاخلاق، وهذا التقرير موجود في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة وفي أقوال الفقهاء، فمن ذلك:

أولاً: قال تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ عليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾. أي إذا ظهرت خيانة من عاهدتهم وثبتت دلائلها، فأعلموهم بنقض عهدهم حتى تستووا معهم في العلم، لأن الله تعالى لا يحب الخائنين ولو كانت الخيانة مع قوم كافرين وكانوا في نقض العهد بادين.

ثانياً: كان من شروط معاهدة الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش، ان من يأت من قريش النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً يرده النبي صلى الله عليه وسلم ولا يؤويه، وبعد الفراغ من كتابة المعاهدة جاء أو جندل من قريش مسلماً معلناً إسلامه يستصرخ المسلمين ان يؤوه ويحموه من قريش، فقال له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "انا عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا، وانا لا نغدر بهم"[16].

ثالثاً: قال الفقهاء: لا يجوز للمسلم أن يخون أهل دار الحرب إذا دخل ديارهم بأمان منهم، لان خيانتهم غدر ولا يصلح في دين الإسلام الغدر[17].

رابعاً: قال فقهاء الحنابلة: "اذا أطلق الكفار الأسير المسلم واستحلفوه أن يبعث اليهم بفدائه أو يعود اليهم لزمه الوفاء"، قال تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله اذا عاهدتم﴾ ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنا لا يصلح في ديننا الغدر"[18].

خامساً: اذا كانت دار الحرب تأخذ من رعايا دار الإسلام الداخلين الى اقليمها ضريبة على أموالهم التي معهم بحيث تستأصل هذه الأموال، أو تأخذ من أموالهم القليلة ضريبة كبيرة لا تتناسب مع أموالهم، فان دار الإسلام لا تقابلهم بالمثل، ويعلل الفقهاء قولهم هذا بأن فعل أهل دار الحرب غدر وظلم، فلا نقابلهم بالغدر والظلم، لأننا نهينا عن التخلق بمثل هذه الأخلاق وان تخلقوا هم بها[19].

 

ثالثاً – لزومها في الوسائل والغايات

12-   والخصيصة الثالثة لنظام الأخلاق في الإسلام أن الالتزام بمقتضى الأخلاق مطلوب في الوسائل والغايات، فلا يجوز الوصول الى الغاية الشريفة بالوسيلة الخسيسة. ولهذا لا مكان في مفاهيم الأخلاق الإسلامية للمبدأ الخبيث "الغاية تبرر الوسيلة" وهو مبدأ انحدر إلينا من ديار الكفر. يدل على ذلك، أي على ضرورة مشروعية الوسيلة ومراعاة معاني الأخلاق فيها قوله تعالى: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، والله بما تعملون بصير﴾ فهذه الآية الكريمة توجب على المسلمين نصرة اخوانهم المظلومين قياماً بحق الاخوة في الدين، ولكن اذا كانت نصرتهم تستلزم نقض العهد مع الكفار الظالمين لم تجز النصرة لان وسيلتها الخيانة ونقض العهد، والإسلام يمقت الخيانة ويكره الخائنين.

 

رابعاً – صلة الأخلاق بالإيمان وتقوى الله

13-   الاخلاق في الإسلام موصولة بالإيمان وتقوى الله، قال تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين﴾ فالوفاء بالعهد من تقوى الله ومحبة الله ومن الإيمان المسارعة إلى ما يحبه الله تعالى.

وفي الحديث "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" فالإيمان لا بدّ أن يورث الأخلاق الحسنة على رأسها الأمانة وحفظ العهد، فمن فقد الأمانة وضيع العهد كان ذلك ايذاناً بخلوه من معاني الإيمان المطلوبة منه وتفريطه بتقوى الله.

وفي حديث آخر "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه". فهذا الحديث الشريف يدل على أن الأخلاق السيئة تنافي الإيمان وتناقضه، وأنه لا يجتمع الايمان والخلق الرديء.

 

خامساً – الجزاء

14-   ومن خصائص نظام الأخلاق في الإسلام الجزاء، لأن الإسلام جاء بالأخلاق أمراً ونهياً، وعصيان أوامر الشرع أو ارتكاب ما نهى عنه سبب للعقاب، قال تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾. كما أن الإلتزام بحدود الشرع وطاعته سبب للثواب الحسن.

والجزاء لمن يخالف حدود الشرع في الأخلاق، قد يكون في الدنيا، فشاهد الزور، وبذيء اللسان، والخائن ونحوهم يعاقبهم القاضي المسلم بالعقوبة التعزيرية والحنث في اليمين، أي عدم الوفاء بالوعد الموثق باسم الله، يترتب عليه كفارة اليمين وفي الكفارة معنى العقوبة كما يقول الفقهاء.

وقد يكون الجزاء في الدنيا هلاك الجماعة التي يشيع فيها الخلق الرديء، وقد أشار لهذا الجزاء الحديث الشريف "انما أهلك من كان قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الوضيع اقاموا عليه الحد..."، ومثل شيوع الجبن في الأمة وترك الظلمة يعبثون في حقوق الناس دون إنكار عليهم خوفاً منهم وجبناً وإيثاراً للذل والحياة المهينة، فان هذه الأخلاق الرذيلة سبب لهلاك الأمة أو إصابتها بشر كبير أو ضرر جسيم يصيب المذنب والبريء قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.

 

هل يمكن اكتساب الأخلاق وتقويمها؟

15-   والآن وقد بينا مكانة الأخلاق في الإسلام ومدى تأثيرها في الاعمال وما يترتب عليها من ثواب وعقاب، نسأل، هل يمكن تقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها والتخلي عن قبيحها؟ أم أن الأخلاق صفات لازمة تخلق في الإنسان وينطبع عليها فلا يمكنه تغييرها ولا تبديلها ولا تعديلها كما لا يمكنه تغيير صفاته الجسمية من طول وقصر ولون؟

الجواب على هذا السؤال، كما يظهر لنا، يتلخص بما يأتي:

أولاً: إن الأخلاق من حيث الجملة يمكن تقويمها وتعديلها، كما يمكن اكتساب الجيد منها والتخلي عن قبيحها وبالعكس. ودليلنا على ذلك أن الشرع أمر بالتخلق بالاخلاق الحسنة ونهى عن التخلق بالاخلاق الرديئة، فلو لم يكن ذلك ممكناً مقدوراً للانسان لما ورد به الشرع، الاسلام لا يأمر بالمستحيل، ومن القواعد الاصولية في الفقه الإسلامي: لا تكليف إلا بمقدور أو لا تكليف بمستحيل. وعلى هذا فكل إنسان عنده أهلية وقدرة للتحلي بالاخلاق الجيدة والتخلي عن اضدادها كما أن عنده أهلية وقدرة على عكس ذلك. وقد يستأنس لهذا بقول الله تعالى: ﴿ونفس وما سواه فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. ولكن مع هذا فإن الناس يتفاوتون في مقدار أهليتهم وقدرتهم واستعدادهم لاكتساب الأخلاق أو تعديلها، كما يختلفون في مدى أهليتهم وقدرتهم واستعدادهم لتلقي العلوم المختلفة أو ادراك الحقائق الدقيقة نظراً لاختلاف عقولهم ومدى ذكائهم.

ثانياً: ان بعض الناس قد يجبل على بعض الأخلاق بحيث تكون هذه الأخلاق بارزة فيهم وظاهرة في سلوكهم، ودليلنا على هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود، وقد جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: "ان فيك خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله، الحلم والاناة". قال يا رسول الله، انا اتخلق بهما أم الله تعالى جبلني عليهما؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل الله جبلك عليهما". فقال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله[20].

ولا شك ان الناس يتفاوتون فيما يجبلون عليه من الأخلاق كما يتفاوتون في ما يجبلون عليه من قوة الإدراك والذكاء، ويترتب على ذلك أن من جبل على نوع معين من الأخلاق يسهل عليه ترسيخ هذا النوع في نفسه والبقاء عليه لأنه يجد عوناً في ذلك بما جبل عليه.

 

كيف يتحقق تقويم الأخلاق أو اكتسابها

16-      ان تقويم الأخلاق أو اكتسابها يمكن ان يتم بشكل من الأشكال التالية:

أولاً: بتقليل آثارها وعدم المضي في تنفيذ مقتضاها وما تدعو إليه، وهذا بالنسبة للاخلاق التي تعتبر من الغرائز في كل إنسان، ومنها الغضب، يدل على ذلك ما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني: فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" فردد الرجل سؤاله مراراً، فكان النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم يقول له: "لا تغضب". وقد قال العلماء في شرح الحديث: أن النهي عن الغضب ينصرف الى النهي عن العمل بمقتضى الغضب أي بلزوم دفع آثار الغضب، وليس النهي راجعاً الى نفس الغضب لأنه من طباع البشر فلا يمكن دفعه ولا استئصاله[21].. فالمطلوب في تقويم خلق الغضب ليس استئصاله بالكلية فهذا غير ممكن وانما الممكن السيطرة عليه وكظمه وعدم تنفيذ مقتضاه، يؤيد ذلك ما جاء في القرآن الكريم ﴿والكاظمين الغيظ﴾ فمدحهم الله على ضبط غضبهم والسيطرة عليه لا على استئصاله وفي القرآن أيضاً ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ فمدحهم على عدم تنفيذ مقتضى غضبهم. وفي الحديث الشريف: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب".

ثانياً: بالشتذيب والتهذيب وإزالة الكدورات عن أصل الخلق، وتوجيهه الوجهة المرضية في الشرع الإسلامي، مثل خلق الشجاعة، يستعمله صاحبه في الاعتداء وقتل الأبرياء، أو لطلب السمعة والجاه، وكالسخاء يستعمله صاحبه للمباهاة وللرياء، فهذه الأخلاق هي في أصلها محمودة وإنما ذمت لانحرافها عن الغرض الصحيح والوجهة المرضية في الشرع، فتقويمها يكون بإزالة هذه الأغراض الخسيسة عنها وبتوجيهها الوجهة الصحيحة بأن تكون الشجاعة لنجدة الضعيف وإغاثة المظلوم وقهر الظالم واعلاء كلمة الله ومحق الكفر والباطل ابتغاء مرضاة الله وحده لا لطلب سمعة ولا رياء ولا جاه ولا ثناء. وكذلك السخاء يوجه الى الوجهة المرضية عند الله بأن يكون في سبيله ولطلب مرضاته، بان ينفق المسلم ماله في أوجه البر مثل اكرام الضيف والجار وكفالة اليتيم وإعانة المحتاج أو اقراضه والقيام على الأرملة والمسكين ونحو ذلك. يدل على ما نقول الأحاديث الشريفة الكثيرة منها: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله[22] وفي القرآن الكريم ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس﴾.

وفي الحديث الشريف: "الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" لأنهم بهذا الفقه يستعملون صفاتهم وأخلاقهم الجيدة في أصلها استعمالا صحيحا، ويوجهونها الوجهة الصحيحة، فيكونون خيار الناس.

ثالثاً: استبدال الخلق الذميم بالخلق الجيد، كاستبدال الكذب بالصدق والغدر بالوفاء، والظلم والعدوان بالعدل والإنصاف. وهذا الإستبدال ممكن في كثير من الأخلاق، حيث يزول الخلق الذميم ويحل محله خلق جميل، كما نشاهد ذلك في الشخص الذي يتوب توبة صادقة.

 

وسائل تقويم الأخلاق:

129-  هناك وسائل كثيرة لتقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها والتخلي عن الرديء منها وقد يكون أهم هذه الوسائل ما يأتي:

1-  العلم، ونقصد به هنا معرفة أنواع الأخلاق الحسنة التي أمر بها الإسلام، وأنواع الأخلاق الرديئة التي نهى عنها الإسلام. ان هذا العلم ضروري لأنه بدونه لا يدري المسلم بأي خلق يتخلق، ومن أي خلق يتجرد. وقد كفى الإسلام المسلم مؤنة البحث والاستنباط فقد فصل الأخلاق بنوعيها. وما على المسلم إلا أن يعرض نفسه على الأخلاق بنوعيها ليعرف موضعه منها، ثم يعمل جاهداً لتكون أخلاقه أخلاقاً اسلامية حقاً.

2-  ولا يكفي أن يعرف أنواع الأخلاق معرفة مجردة، بل يجب أن يعرف المسلم عظيم حاجته الى الخلق الحسن، لأنه متصل بالايمان وتقوى الله وسبب للظفر برضوان الله ودخول الجنان، كما يجب أن يعرف عظيم ضرر الخلق السيء عليه لأنه من علامات النفاق وإمارات ضعف الايمان وسبب سخط الله ودخول النار. ان هذه المعرفة ستدفعه الى التخلق بالأخلاق الحسنة رغبة في رضوان الله تعالى، كما تدفعه الى الخلاص من الأخلاق السيئة خوفاً من سخط الله، لأن من رغب في شيء سعى اليه، ومن خاف من شيء هرب منه.

3-  ولا يكفي للمسلم أن يعرف أنواع الأخلاق السيئة ونتائجها، بل عليه أن يستحضر هذه المعرفة في ذهنه لئلا ينساها، فان آفة العلم النسيان، والنسيان يؤدي الى إهمال معاني الأخلاق، فيضعف أثرها في النفس، ويصدر عنها ما لا ينبغي من الأفعال، ولهذا كرر القرآن الكريم معاني الأخلاق وبين لنا أنا ما صدر عن أبينا آدم عليه السلام كان من أسبابه النسيان، قال تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً﴾. ولما غضب سيدنا عمر رضي الله عنه عندما قال له رجل انك لا تقضي بالعدل ولا تقضي بالحق، قال بعض الحاضرين: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ وهذا من الجاهلين فقال سيدنا عمر رضي الله عنه: صدقت، وذهب عنه الغضب. فالتذكر الدائم لمعاني الأخلاق وتذكر الأساس الذي قامت عليه وهو الإيمان بالله تعالى، وان الالتزام بمقتضى الأخلاق من ثمرات الايمان ومن معاني الإسلام، كل هذا يجعل سلوك المسلم في حدود الأخلاق الإسلامية.

4-  الاهتمام الكامل بتقوية معاني العقيدة الاسلامية في النفس، وعلى رأس هذه المعاني الايمان بالله وباليوم الآخر وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والاحساس بالغربة في هذه الدنيا وان المسلم عما قريب سيرحل عنها، وانه سيجازى على أعماله، ومن أعماله أخلاقه، وأن الله تعالى وعد وعد الصدق بالثواب للمتخلقين بأخلاق الاسلام، ووعد بالعقاب لمن رفض أخلاق الإسلام.

إن تقوية معاني العقيدة الإسلامية في النفس يؤدي الى انفتاح النفس وتقبلها لمعاني الأخلاق الإسلامية، لأن هذه الأخلاق موصولة بالإيمان ومعاني التقوى كما قلنا، وهذه الصلة تشتد كلما قوي الإيمان في النفس ورسخت العقيدة فيها، مما يجعل أخلاق المسلم الطيبة ثابتة راسخة لا تزول ولا تضعف لأنها موصولة بالقوي العزيز، وتجد مادة بقائها واستمرارها وصلاحها من هذا الفيض الذي لا ينضب: الايمان بالله ولوازم هذا الإيمان. فالمسلم، مثلاً، لا يمكن ان يكون ذليلاً أبداً لأنه موصول بالقوي العزيز الذي له العزة جميعاً ﴿قل لله العزة جميعاً﴾ وللمؤمنين المتصلين به نصيب من العزة ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ والمؤمن لا يخاف مخلوقاً ولا يخشاه ومن ثم لا يتملقه ولا يذل له ولا ينافق عنده لأن الأمور كلها بيد الله، ومنها النفع والضر والرزق والحياة والموت ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾ وعزة المؤمن لا يقترن بها ذرة من كبر أو طغيان أو جبروت أو خيلاء أو عجب بالنفس، لأن عزة المؤمن قائمة على الايمان بالله، والله وحده له الكبرياء والجبروت، وكل ما سواه فهو فقير مربوب مقهور، فأنى للفقير المقهور أن يتكبر أو يتجبر على غيره؟

ولهذا لا يكون المسلم إلا متواضعاً لأنه عرف قدر نفسه بعد أن عرف ربه، ومن عرف قدر نفسه لن يتكبر أبداً. ومع العزة والتواضع صبر جميل وثقة كاملة ورجاء لا يشوبه يأس، وطمأنينة لا يخالطها قلق، لأن الإيمان يثمر هذه الأخلاق الفاضلة، قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ولأن ما هو مقدر فهو كائن، فلا داعي للقلق والاضطراب ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ ولأن من يتوكل على الله فهو حسبه. والشجاعة والجرأة والإقدام والثبات على الحق ونحو ذلك أخلاق راسخة في المسلم ما دام قلبه معموراً بمعاني الإيمان، لأن إيمانه يعلمه أن الحياة لا تستحق أن يهن فيها المسلم أو يجبن أو يحجم حيث يجب الإقدام، لأن الآجال قد فرغ منها، وأن الموت لا بد أن يلاقيه كل حي، قال تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً﴾. والقناعة وعفة النفس والاستغناء عن الخلق وعما في أيديهم، ثمرات طيبات زاكيات من ثمار الإيمان، لأن المسلم يؤمن بقول الله تعالى: ﴿قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ وأن الرزق بيد الله ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾.. وهكذا بقية الأخلاق ترسخ وتدوم وتستمر ما دامت قائمة على إيمان عميق يتخلل شغاف القلب وتصبغ به النفس. فتعميق الإيمان في النفس وتقوية معاني العقيدة، وسيلة مهمة جداً للتخلق بالخلق الحسن وللتخلي عن الخلق الرديء.

5-  مباشرة الأعمال الطيبة التي تساعد أو تؤدي إلى تقويم الأخلاق أو تسهل على النفس قبول الأخلاق الزكية وطرد الخبيثة، فالعلم وحده بدون عمل لا يكفي، قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ ولم يقل ربنا تبارك وتعالى قد أفلح من تعلم كيفية تزكيتها، فلا بد من تزكية فعلية، بمباشرة الأعمال المحققة لزكاة النفس وتخليصها من أمراض الأخلاق الرذيلة. إن المريض الذي يوصف له العلاج أو يقدم له العلاج فعلاً، ولا يستعمله لن يستفيد منه وإن ظل ينظر اليه ويكرر القول في تركيبه وكيفية صنعه.

6-  ومن أنواع الأعمال الطيبة النافعة لتقويم الأخلاق، القيام بأنواع العبادات والطاعات المفروضة والمندوبة لأنها تزكي النفس وتسهل عليها اكتساب الأخلاق الطيبة وطرد الأخلاق الخبيثة، فهي لها طهرة وزكاة وقوة ووقاية، وقد أشار القرآن إلى هذه المعاني، قال تعالى في الصلاة: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ وقال عن الزكاة ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ تطهرهم من البخل والشح وتصفي نفوسهم من الكدورات والأخلاق الرديئة. والصوم يربي في الإنسان فضيلة الصبر وقوة الإرادة والعزيمة والأخلاق والخلاص من الرياء. والحج تربية عملية للروح ورياضة مؤثرة في النفس ووسيلة فعالة لاكتساب كثير من الأخلاق والتخلص من كثير من ذميم الصفات، ففي الحج تربية على الصبر والإخلاص والاستعلاء على شهوات الجسد وإنفاق المال فيما يحبه الله، والتخلص من الكبر والعجب والغرور وتجاوز الإنسان قدر نفسه وغير ذلك مما هو معروف ومذكور في موضعه في كتب الفقه. وهكذا بقية العبادات بدوامها تزكو النفس فتدوم فيها معاني الإيمان والتقوى ومنها الأخلاق الرضية، لأن هذه الأخلاق لا تنبت إلا في النفس الزكية، ولا شيء مثل العبادات بأنواعها المختلفة يزكي النفس ويهيئها لاكتساب الأخلاق الطيبة والتخلص من الأخلاق الرديئة، وفي كتاب الله إشارة إلى هذه المعاني قال تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين الذين هم علا صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾.

7-  القيام بالأعمال المضادة للأخلاق التي يراد التخلص منها أو المضادة لمقتضاها ويمكن أن نسمي هذا المسلك بمسلك التضادد أو المراغمة للشيطان، لأن الشيطان يفرح لكل خلق رديء ويعمل على بقائه في النفس ويزينه في عين صاحبه بما يلقيه من مبررات باطلة، فإذا قام الإنسان بعمل يناقض هذا الخلق ولا يتفق وما يقتضيه، كان ذلك بلا شك إغاظة للشيطان ومراغمة له، مما يدعوه إلى الكف عن تزيين هذا الخلق الرديء وعن نفث المبررات الباطلة له، فإذا خنس الشيطان أمكن لهذا العمل أن يزعزع كيان هذا الخلق الرديء أو يقضي عليه كما يقضي العلاج الفعال على المرض. ومما يدل على جودة هذا المسلك وأثره في تقويم الأخلاق ما ورد في الحديث أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلبه، فقال له رسول الله "امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين".

ومن أمثلة أعمال التضادد والمراغمة علاج الحسد بأن يبادر الحاسد إلى الاستغفار والدعاء بالخير إلى المحسود فإنه سيشعر بزوال الحسد من قلبه، ومن علاج الكبر جلوس المتكبر مع الفقراء والمساكين والصعاليك والجلوس في آخر المجلس، والقيام بالأعمال التي يعدها الناس حقيرة لا تليق بالمتكبرين مثل حمل الحطب ونحو ذلك.

ومما يمكن اعتباره من أعمال هذه الوسيلة، ما جاء في الحديث الشريف "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع"[23]. وفي حديث آخر "إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء، فإنما الغضب من النار، وإنما تطفأ النار بالماء".

8-  مسلك التكلف، فيتكلف الإنسان الأخلاق التي يريد التخلق بها كما لو أراد أن يكون حليماً فإنه يأتي به تكلفاً مراراً حتى تألفه النفس وتعتاده ويصير لها كالطبع وكالسجية. ويؤيد جودة هذا المسلك، ما ورد في الحديث – وان روي بسند ضعيف – "إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم". وهذا المسلك يحتاج إلى تكرار ودوام حتى ينتج أثره، وهذا الدوام يستلزم الصبر، فعلى الإنسان الذي يريد التخلق بنوع من الأخلاق الرضية عن طريق التكلف أن يتجمل بالصبر فإنه ضروري له ضرورته للمريض الذي يتناول الدواء المر. فإذا صبر وداوم انقادت النفس وألفت الفعل ثم يصبح الفعل لها لذيذاً، كالذي يريد أن يحسن خطه فإنه بتكرار الكتابة والخط يحسن خطه، ثم يصبح الخط بالنسبة له شيئاً سهلاً ولذيذاً.

9-  مخالطة المؤمنين ذوي الأخلاق الحسنة ومجالستهم والسماع منهم، لأن رؤية الرجل الصالح ذي الخلق الحسن ومجالسته والسماع منه يؤثر في جليسه فيدفعه إلى اقتباس بعض أخلاقه، وقديماً قيل: الطبع يأخذ من الطبع. وقد ورد في الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي" لأن المرء يقتدي بمن يعاشره ويصاحبه ويجالسه فيقتبس منه صفاته. ولهذا كان السلف الصالح يوصون أو يأمرون بهجر أصحاب البدع والمعاصي وذوي الأخلاق الرذيلة.

10-   اتخاذ القدوة الحسنة، وخير القدوة على الإطلاق رسولنا صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾ فإذا فات المسلم الآن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره فلن تفوته رؤياه ببصيرته باستحضار سيرته العطرة. وشمائله الكريمة وأخلاقه العظيمة، ولذلك نوصي كل مسلم بقراءة سيرته مراراً واستحضار شخصه الكريم في ذهنه، وتصور نفسه في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن القدوة الحسنة أيضاً استحضار سيرة أصحابه الكرام المملوءة بالخير وجليل الأعمال وكريم الأخلاق لا سيما سيرة الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرة بالجنة وأصحاب بدر وأصحاب بيعة الرضوان وسائر المهاجرين والأنصار.

11-   ترك البيئة الفاسدة والفرار كما يفر المرء من المكان الموبوء، والتحول إلى البيئة الصالحة التي تضم الجماعة الصالحة من المؤمنين الطيبين فإن هذه البيئة الصالحة تقوي في المؤمن معاني الأخلاق الفاضلة وتقيه من الأخلاق الرديئة، ولا يجوز له التعرض إلى البيئة الفاسدة ذات الناس الفاسدين بحجة أنه متين الأخلاق لا يخشى عليه التأثر بهم أو بها، فإن هذا غرور ووهم ومثاله مثال من يتعرض إلى المكان الموبوء بمرض السل ونحوه بحجة أنه قوي البنية. ونستأنس لهذا الذي نقوله بالحديث الشريف الذي جاء فيه أن رجلاً قتل مائة نفس ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه، فقال: "إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة فقال نعم. ومن يحول بينك وبين التوبة؟ إنطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء...الخ"[24] فهذا الحديث يدل على ضرورة التحول من المجتمع الفاسد إلى المجتمع الطيب أوإلى الجماعة الطيبة المؤمنة العابدة، فإن العيش معها والبقاء معها أدعىإلى استقامة الشخص وابتعاده عن السوء.

والبيئة الفاسدة كل ما يعرضك للمعصية وسوء الأخلاق، والبيئة الصالحة كل ما يعينك على طاعة الله وتقواه ومنها حسن الأخلاق.

12-   الحرص على صفة جميلة واعتبارها كالجوهرة النفيسة التي يجب صونها وحفظها وعدم التفريط بها، وعدم الاستهانة بكل صفة قبيحة وإن بدت بسيطة قليلة الشأن، لأن المسلم لا يستقل أبداً أي خلق حسن ولا يستهين بأي خلق سيء فرب صفة طيبة ترفعه إلى درجات عالية ورب صفة خبيثة تدخله النار، وقد مدح الله تعالى رسوله إسماعيل عليه السلام بصفة صدق الوعد قال تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد...﴾ وفي الحديث "اتقوا النار ولو بشق تمرة" كما أن الصفة الواحدة والمحافظة عليها والدوام عليها تؤدي إلى رسوخها فيه فإن كانت صفة خير كان ذلك خيراً له وإن كانت صفة شر كان ذلك شراً له والخير يؤدي إلى الخير والشر يؤدي إلى الشر، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً. وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".

13-   على المسلم أن يروض نفسه على قبول نصيحة المتدين الكيس الورع الصادق، فإن المؤمن يرى من عيوب غيره ما لا يرى الغير من عيوب نفسه، ومن هنا حسنت صحبة الأخيار، وكان عمر رضي الله عنه يقول: رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي. إن الناصح الصادق الذي يدلك على عيوبك وسوء بعض أخلاقك يستحق منك الشكر والتقدير. إنك تشكر من يدلك على عقرب تدب على جسمك أو تختفي تحت ثيابك وتسارع إلى إلقائها بعيداً عنك، فكذلك يجب أن تفعل نحو من ينصحك ويدلك على عيوب أخلاقك، لأن الأخلاق الرذيلة عقارب ولكنها تؤذي القلب وتفرغ فيه سمومها..

هذه بعض الوسائل المهمة في تقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها، وهناك وسائل أخرى مهمة في الموضوع نكتفي بما ذكرناه..



[1]  احياء علوم الدين للغزالي ج 3، ص 46.

[2]  السخرية بالناس: احتقارهم والاستهزاء بهم. اللمز: الطعن بهم بالقول. الهمز الطعن بهم الفعل. والهماز اللماز مذموم ملعون قال تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة. والتنابز بالألقاب أن تدعو غيرك بلقب يسؤوه سماعه. والظن كما يقول ابن كثير في تفسيره: التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعضه اثم فليجتنب كثير منه احتياطا، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا وأنت تجد لها في الخير محملا". والغيبة ذكرك أخاك بما يكره فان لم يكن فيه ما تذكره فقد غبته.

[3]  اللغو هو كل ما لا يحمد من القول والفعل.

[4]  العادون هم المجاوزون الحلال الى الحرام.

[5]  الفردوس أعلى الجنة.

[6]  هونا أي بسكينة ووقار وتواضع.

[7]  أي قالوا قولا سديداً ولا يدخلون في جدال وخصام مع الجاهلين.

[8]  غراما أي لازما ممتدا.

[9]  قواما أي عدلا وسطا بلا إفراط ولا تفريط.

[10]  اثاما أي عقابا وجزاء.

[11]  ولا يشهدون الزور أي لا يحضرون مجالس السوء والكذب والكفر والفسق والباطل.

[12]  مروا كراماً، أي مكرمين أنفسهم بالاعراض عن مشاهد الزور.

[13]  أي لا يكون حالهم مثل حال الكفار حيث يسمعون كلام الله ولا يتأثرون به ولا يعقلون ما فيه كأنهم صم عمي، وإنما حال المؤمنين عند سماعهم كلام الله فهم معناه والانتفاع به.

[14]  إماما، أي اجعلنا أئمة يقتدى بنا في الخير. او هداة مهتدين دعاة الى الخير.

[15]  حسنت مستقراً ومقاماً. أي حسنت منظراً وطابت مقيلا ومنزلا.

[16]  سيرة ابن هشام في موضوع صلح الحديبية.

[17]  المغني لابن قدامة الحنبلي ج 8 ص 458.

[18]  المغني ج 8 ص 483.

[19]  المبسوط ج 12 ص 200، وحاشية ابن عابدين ج 2 ص 56.

[20]  تيسير الوصول لابن الديبع الشيباني ج 4 ص 304.

[21]  شرح الاربعين النووية للإمام النووي ص 49، وفتح المبين لشرح الاربعين للفقيه ابن حجر الهيتمي ص 140.

[22]  تيسير الوصول ج 1 ص 231 وقال فيه: رواه الخمسة.

[23]  لأن القائم متهيئ للانتقام والجالس دونه والمضطجع دونهما.

[24]  تيسير الوصول ج 1 ص 212.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

أصول الدعوة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select
 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca