الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: أصول الدعوة
المؤلف: عبد الكريم زيدان
التصنيف: سياسي
 

الباب الثاني - الِِداعِِي

الفصل الثالث - أخلاَق الداعي

أخلاق الداعي هي أخلاق الإسلام

379-  أخلاق الداعي المسلم هي أخلاق الإسلام التي بينها الله تعالى في قرآنه وفصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، وانصبغ بها صحابته الكرام في سلوكهم. وهي لازمة لكل مسلم، وما عليه إلا أن يعرض نفسه عليها ليزن نفسه في ميزانه ليعلم ما عنده منها وما لم يصل إليه بعد وقد ذكرنا جملة من هذه الأخلاق في فصل سابق، فارجع إليه إن شئت ونريد هنا أن نذكر بعض تلك الأخلاق الإسلامية التي لها صلة وثيقة بعمل الداعي ويحتاج إليها حاجة ملحة تبلغ حد الضرورة إذا أراد النجاح في عمله الطيب المبرور.

 

أولاً: الصدق

380-  في كتاب الله تعالى آيات كثيرة تتحدث عن الصدق وفضيلته وتأمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} سورة التوبة الآية: 119، وأنه في يوم القيامة ينفع العبد وينجيه من سخط الله ويؤدي به إلى الجنان {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} سورة المائدة الآية: 119. وحقيقة الصدق حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه. هكذا قال ابن قيم الجوزية في مدارجه. ويكون في القصد والقول والعمل، ومعناه في القصد كمال العزم وقوة الارادة على السير إلى الله وتجاوز العوائق ويكون ذلك بالمبادرة الى أداء ما افترضه الله عليه وفي مقدمته الجهاد في سبيله ومنه الدعوة إلى الله، والصدود عن كل معوق أو مثبط والانصراف عنهم والنفرة منهم لأنهم أناس في غفلة يعيشون ولا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم وهو في حقيقته الجهالة والهوى. والحقيقة أن قلب الصادق شديد الحساسية لا يحتمل هؤلاء المثبطين ولهذا فهو يضيق بهم ولا يستطيع مجاورتهم ولا مصاحبتهم ولا مجالستهم. انه ينشرح صدره ويهش لمن يشوقه الى الاسراع في سيره الى الله والدعوة إليه. أما صدق القول، فمعناه نطق اللسان بالحق والصواب فلا ينطق بالباطل اي باطل كان. ويكون الصدق في الاعمال بأن تكون وفق المناهج الشرعية والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا ما تحقق للمسلم الصدق في القول والقصد والعمل أدى به ذلك الى درجة أخرى في الصديقية وهي التي أمر الله عباده المؤمنين بطلبها، موجهاً جل جلاله الخطاب الى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم {وقل ربي ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً} ومعنى مدخل الصدق ومخرجه أن يكون دخول المسلم في أي شيء ومباشرته لأي عمل وخروجه منه وتركه له بالله ولله بمعنى أن أفعاله وتروكه موصولة بالله وموصلة إليه، مستعيناً على أدائها بالله ومقصوده مرضاه الله فغايته هي الله وحده {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} فاذا بلغ المسلم هذه الدرجة من الصديقية لم يعد في نظره غرض مقبول لرغبته في الحياة إلا إذا كان بقاؤه فيها وسيلة لمرضاة الله فاذا فاته هذا الغرض أو لم يستطع رغب عن الحياة وأحب الموت.

روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال "لولا ثلاث لما أحببت البقاء لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر ويريد الإمام عمر بهذه الثلاث التي ذكرها: الجهاد والصلاة والعلم النافع. وكلها ترضي الرب عزّ وجل"[1].

381-  والداعي المسلم الصادق يظهر أثر صدقه في وجهه وصوته فقد كان صلى الله عليه وسلم يتحدث الى من لا يعرفونه فيقولون: والله ما هو بوجه كذاب ولا صوت كذاب[2]. ولا شك أن ظهور أثر الصدق في وجه الداعي وصوته يؤثر في المخاطب ويحمله ذلك على قبول قوله واحترامه إلا إذا كان عمى القلب قد بلغ منه مبلغاً عظيماً. ومهما يكن من أمر فان الصدق والنفاق أساسه الكذب. فكيف يمكن أن يكون الداعي كذاباً؟ والكذب يهدي إلى الفجور كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يمكن أن يكون الفاجر داعياً إلى الله؟

 

ثانياً: الصبر

382-  الصبر من فروض الإسلام. وهو نصف الإيمان. وذكره القرآن الكريم في أكثر من ثمانين موضعاً أمر به {واستعينوا بالصبر والصلاة} ونهيا عن ضده {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} ومحبة لأهله {والله يحب الصابرين} ومعيته تعالى لهم {إن الله مع الصابرين} وعاقبته خير {وان تصبروا خير لكم} وجزاؤه عظيم {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} وأهل الصبر هم المنتفعون بالآيات والعظات {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} وهو سبب لدخول الجنان {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} وبالصبر اليقين تنال الامامة في الدين {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} هذا بعض ما في القرآن الكريم عن الصبر. وفي السنة النبوية آحاديث كثيرة في الصبر، منها "ما أعطي أحد عطاء خيراً له واسع من الصبر" "عجباً لأمر المؤمن، ان أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ان أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن اصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

383-  والصبر لغة: الحبس والكف، وشرعاً: هو على ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على المصائب والبلاء.

أما الصبر على طاعة الله، فيكون بالمحافظة عليها دوماً والإخلاص فيها ووقوعها على مقتضى الشرع. ومما يعين على تحصيله المعرفة بالله وحقه على العباد، وحسن الجزاء للمطيعين. واما الصبر على المعصية فيكون بهجر السيئات والفرار من المعاصي والدوام على هذا الفرار وذلك الهجر ومما يعين على تحصيل هذا الصبر استحضار الخوف من عذاب الله، وأعلى من هذا استحضار الحياء من الله والمحبة له، مع استحضار ثمرة هذا الصبر وهي ابقاء الايمان وتقويته وإنماؤه لأن المعصية تنقص الإيمان أو تضعفه أو تكدره أو تذهب نوره وبهاءه.

أما الصبر على البلاء والمصائب، فيكون بترك التسخط واحتمال المؤلم المكروه وترك الشكوى للناس فإن الصبر الجميل ينافيه الشكوى للمخلوق أما الشكوى لله فلا ينافيه، قال تعالى عن يعقوب عليه السلام: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} وقال عن أيوب {ربö إني مسنيَ الضر وأنت أرحم الراحمين} مع قوله تعالى عنه في آية أخرى {إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب} ومما يستدعي هذا الصبر استحضار نعم الله التي لا تعد ولا تحصى فتهون على المصاب مصيبته ويقل وقعها على نفسه ويكون مثله مثل من يعطى ألف دينار ويفقد فلساً واحداً. ومما يعين أيضاً على الصبر على البلاء تذكر الجزاء العظيم للصابرين.

 

الصبر بالله ولله

384-  والصبر بأنواعه إنما هو بالله بمعنى أن المسلم يؤمن بأن صبره إنما يكون بعون الله، فالله هو المصبر له، قال تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله} وصبر المسلم لله أي أن المسلم يصبر طاعة ومرضاة له فالباعث على صبره محبة الله وطلب مرضاته وهذا النوع من الصبر وهو يشمل الصبر على الطاعة وعن المعصية أكمل من الصبر على الابتلاء لأن في الأول اختياراً وإيثاراً ومحبة، أما الثاني فهو صبر ضرورة ولا اختيار للصابر.

 

حاجة الإنسان الى الصبر

385-  الصبر من الصفات اللازمة لكل إنسان، إذ بدونه لا يستطيع بلوغ ما يريد لأن المراد لا ينال غالباً إلا بتحمل المكاره وحبس النفس عليها. وهذا مطرد في جميع أمور الحياة، فالطالب يحبس نفسه على المذاكرة والدرس وكف نفسه عما تهواه من لذة وراحة حتى يستوعب الدروس لينجح في الامتحان، وكذلك التاجر، وكذلك أي صاحب غرض يريد نواله. وما يقال عن الافراد يقال عن الأمم، فالأمة التي تريد بلوغ ما تصبو إليه تحتاج الى صبر عظيم وتحمل للمشاق، والانتصار في الحروب يكون بجانب الذي يملك أسبابه ومن أعظم أسبابه الصبر، فالصبر إذن ضروري لكل إنسان في الحياة وإلا صار هشاً سريع الانكسار أمام الأحداث وما أكثرها في الحياة، فإنها مملوءة بالمنغصات والمشقات والصعاب والمؤلمات، فاذا لم يقابلها بشيء من الصبر انكسر وتفتت وتمزقت شخصيته في دروب الحياة فتسحقه الاقدام وتلقيه بعيدا عن طريق المارين.

386-  وإذا كان الصبر لأي انسان من لوازم بقائه وسيره في الحياة وبلوغ ما يريد، فان الصبر أشد ضرورة للمسلم من غيره، لأن المسلم مطلوب منه أن يحبس نفسه ويكفّها عن المعصية، وفي المعاصي لذة للنفس يصعب عليها فراقها، فيحتاج الى قدر كبير من ضبط النفس ومن الارادة القوية التي تكف النفس وتمنعها من مقارفة الخطيئة.

ومطلوب من المسلم أيضاً فعل الطاعات وهذا يقتضيه أن يحبس نفسه عليها وهو الصبر على الطاعة، وهو مطالب أيضاً بأن يصبر على المقدر ولا يجزع لئلا يتحمل اثماً ووزراً بالاضافة الى ضياع الأجر والثواب.

 

ضرورة الصبر الى المسلم

387-  وإذا كان الصبر ضرورياً لأي انسان، لا سيما للمسلم، فإن الصبر للداعي المسلم أشد ضرورة له من غيره، لأنه يعمل في ميدانين ميدان نفسه، يجاهدها ويحملها على الطاعة ويمنعها من المعصية وميدان خارج نفسه، وهو ميدان الدعوة الى الله، ومخاطبة الناس في موضوعها، فيحتاج الى قدر كبير من الصبر في المجالين. مجال النفس ومجال الدعوة، حتى يستطيع تجاوز العقبات وتحمل الأذى، فان فقد الصبر قعد أوانسحب من الميدان وحق عليه الحساب وفاته الثواب.

 

388-  الابتلاء لا بد منه

والابتلاء لا بد منه، فلا بد من الصبر لاجتياز الامتحان بنجاح. قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.

وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} فالإبتلاء من سنة الله في الحياة يبتلي عباده بمن يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء ليظهر ما في نفوسهم من إيمان ونفاق وهذا الابتلاء يكون بأشياء كثيرة على رأسها التكاليف الشرعية فهي ابتلاء وامتحان وقد يكون في تزاحم محبوبات الرب مع محبوبات النفس، فإذا آثر محبوبات الله عزّ وجل على محبوبات النفس، اجتاز هذا الامتحان والا رسب وفشل، وقد يكون الابتلاء في المصائب والآلام التي يصاب بها كالمرض وفقد الأعزة وتلف الأموال، فإذا صبر وسلم واسترجع ولم يجزع أثابه الله ثواب الصابرين، وكان في هذا الامتحان من الناجحين، وإلا كان من الخاسرين.

 

ابتلاء الدعاة الى الله

389-  وإذا كان الابتلاء مما قضت به سنة الله في الحياة، فإن ابتلاء الدعاة الى الله مما جرت به السنة الالهية أيضاً فهم يبتلون بأذى الكفرة والمارقين بالقول والكيد واليد. قال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك م نبأ المرسلين} سورة الأنعام الآية: 34، وقال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} سورة الحجر الآية: 97-99.

وقال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}. ومعنى يستخفنك[3]: يحملونك على الخفة والطيش بعدم الصبر، والدعاة إلى الله يكيد لهم أهل الباطل ويفترون عليهم الكذب ويؤذونهم بأنواع الأذى لانهم قوم يجهلون وضالون. وقد أوذي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مكة أشد الأذى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالصبر "صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة" فعلى الداعي المسلم أن يقابل الأذى الذي يلقاه بالصبر الجميل، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ومن قبلهم رسل الله، فان هذا الصبر مما ينعقد عليه عزم المؤمنين وتتوجه إليه إرادتهم {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} وقال تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور}.

 

استدعاء البلاء ودفعه

390-  وإذا كان البلاء والابتلاء مما يصيب الدعاة إلى الله، وبهذا جرت سنة الله، فهل معنى ذلك أن على الداعي المسلم أن يستدعي البلاء ويعمل على وقوعه ولا يجوز له دفعه؟ في المسألة تفسير وتوضيح لأن هذه المسألة مما يقع فيها الاشتباه والخلط بسبب سوء الفهم لا بسبب سوء النية والقصد. ولتوضيح هذه المسألة أذكر ما يأتي:

أولاً: المطلوب من الداعي المسلم أن يدعوالى الله على بصيرة بالوسائل والكيفيات المشروعة التي بينها القرآن الكريم وطبقها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فاذا أدت هذه الوسائل الى أذى يصيب الداعي فعليه أن يتقبله بالصبر لا بالجزع، وبالثبات لا بالفرار.

ثانياً: إذا كان للداعي المسلم مندوحة من الأذى، أي يستطيع أن يتوقاه ولا يجب عليه ان يقابله، فله أو عليه أن يتوقاه حسب الظروف والأحوال، فقد يباح له الابتعاد عنه وعدم مباشرة ما يستدعيه وقد يجب عليه الابتعاد وعدم مباشرة ما يستدعيه لأن الابتلاء صعب على النفس فلا يجوز الحرص عليه ولا الرغبة فيه لأن فيه فتنة مجولة العاقبة. وقد يحس المسلم من نفسه القدرة على الثبات ومن ثم لا يبالي بالابتلاء بل ربما رغب فيه إما طمعاً بثواب الله، وإما لتدخل وسوسة الشيطان ليقال عنه: ما أثبته وما أصبره على البلاء، فاذا نزل البلاء، ضعف عن الاحتمال ووقع في الافتتان ورسب في الامتحان كما روي عن أحدهم انه قال: يا رب امتحني بما شئت فأنا راض بقدرك صابر على ابتلائك، فابتلاه الله باحتباس البول، فأخذ يصيح ويولول ويطوف على الاولاد ويقول لهم: ارموا عمكم الكذاب بالحجارة.

ثالثاً: لا ينبغي للمسلم أن يتعرض لما لا يطيقه من البلاء، فيرسب في الامتحان، جاء في الحديث الشريف "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال يتحمل من البلاء ما لا يطيق"[4].

 

رابعاً: من الادعية المأثورة أن يسأل المسلم ربه العفو والعافية.

والعافية يدخل فيها المعافاة من الابتلاء والمؤذيات وهذا يدل على أن التخلص والخلاص من أذى أهل الباطل ممدوح ومحود غير مذموم.

 

خامساً: وفي وصيته عليه الصلاة والسلام لأسامة بن زيد وقد جعله أميراً على الجيش لغزو الروم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بأيام، قال له "ولا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكن قولوا اللهم اكفناهم وأكفف بأسهم"[5].

وقال ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {وكفى الله المؤمنين القتال} وهذا يشعر بأن عدم احتياج المؤمنين للقتال لكفاية الله تعالى يعتبر من نعمة الله على المؤنين، والقتال فيه أذى ونصب وألم فلو كان تعريض المسلم نفسه للابتلاء والأذى مطلوباً لذاته لما كان عدم الاحتياج اليه مما يمن الله به على المؤمنين.

 

سادساً: ايذاء أهل الباطل للمؤمنين غير مطلوب قطعاً بل هو من سيئات أهل الباطل، لأنه ايذاء لأهل الحق، فكيف يسوغ تسليم المسلم نفسه للمبطل يؤذيه ويهينه ويذله؟ ألا يكون في هذا التسليم اعانة على وقوع ما يسخط الله تعالى، والقاء للنفس في التهلكة والمهانة والذلة؟ وكل هذا لا يجوز.

 

سابعاً: أذöن الله للمكره أن يقول كلمة الكفر تخليصاً لنفسه من الأذى والتلف وهذا يدل على إباحة دفع الأذى وأن للمسلم أن لا يساعد على وقوعه عليه.

 

ثامناً: عند انسحاب خالد بن الوليد بمن معه من جند المسلمين في معركة مؤتة ودخولهم المدينة المنورة، جعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى" ووجه الدلالة في هذا الخبر أن خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين انسحبوا من ملاقاة العدو تخلصاً من الأذى والضرر. فعابهم المسلمون في المدينة ووصفوهم بالفرار، ولكن سيد العارفين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نظر إلى غير ما ينظرون ورأى في انسحابهم الناجح نوعاً من النصر لتخلصهم من القتل ومن أذى المشركين واحتمال أسرهم وأن انسحابهم كتحول الجند في ساحة المعركة من جهة أخرى. فدل ذلك على أن دفع البلا ء أمر مطلوب إذا أمكن المسلم دفعه وان تسليم المسلم نفسه للأذى والضرر حيث يمكنه الخلاص ليس بالأمر الممدوح بل ولا المشروع.

تاسعاً: هاجر المسلمون من مكة الى الحبشة فراراً بدينهم وتخلصاً من أذى قريش. فدل ذلك على جواز دفع البلاء والأذى وعدم الاستسلام له بحجة تحمل الأذى في سبيل الله. لأن نفس المسلم ليست ملكه وإنما هي ملك الله، فلا يجوز اتلافها بلا فائدة تعود الى الاسلام، وليس من الفائدة أن يقول الناس: ما أثبت هذا الداعي واجرأه على تحمل الأذى في سبيل الله. بل قد يكون تحمل الأذى بهذا الدافع ولهذا الغرض رياء وطلباً للسمعة والجاه عند الناس، وهذا لا يجوز.

عاشراً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير بأساً من عون عمه أبي طالب وكان على دين قومه في دفع ما يستطيعه من أذى قريش عنه ولما ماتت خديجة وعمه في عام واحد سماه "عام الحزن" وقال "ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب" لأنه لم يكن في عشريته وأعمامه حامٍ له، ولا ذاب عنه غيره[6].

وعندما رجع عليه الصلاة والسلام من الطائف وانتهى الى حراء بعث رجلا من خزاعة الى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلغ رسالة ربه، فأجاره، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فأقام بها وجعل يدعو الى الله[7].

وجه الدلالة في هذه الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي بحماية عمه أبي طالب له ودفعه الأذى عنه. وكذلك دخوله عليه الصلاة والسلام بجوار المطعمö، فدل ذلك على جواز دفع البلاء والأذى عن الداعي ولو عن طريق حماية المشرك وعدم استحباب تسليم المسلم نفسه لأهل الباطل. وكذلك فعل أصحاب رسول الله الذين هاجروا الى الحبشة فعندما رجعوا الى مكة "لم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو متخفياً"[8]، ويجب أن يعلم هنا أن الداعي المسلم في رغبته وسعيه لدفع الأذى عن نفسه إنما يقصد التمكين وإيجاد الجو المناسب لدعوته الى الله، يوضح ذلك ما جاء في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج الى القبائل أيام الموسم ويدعوها الى الاسلام ويقول "من رجل يحملني الى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، فانَ قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي"[9].

 

خلاصة القول في استدعاء البلاء ودفعه

391-  ومن هذا العرض الذي قدمته والنصوص التي ذكرتها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والسوابق القديمة في سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وهم أفقه المسلمين بشريعة الاسلام، يتبين لنا بكل وضوح ما يأتي:

أولاً: الأذى أوالضرر الذي يلحق الداعي المسلم هو بمنزلة الأمراض والمصائب التي تنزل على الانسان، فكما انه لا يحبها ولا يرغب فيها ولا يريد ايقاعها على نفسه، ولا يقدح ذلك في ايمانه، فكذلك لا يقدح في ايمانه عدم محبته ولا رغبته في وقوع أذى أهل الباطل عليه وعدم استدعاء الضرر على نفسه.

ثانياً: إن احتمال وقوع الأذى والضرر به لا يقعد به عن دعوته الى الله، ولكن الداعي لا يستدعي الأذى لنفسه. بل يعمل على عدم وقوعه وإذا وقع عمل على دفعه بكل وسيلة مشروعة في ضوء ما جاء في القرآن والسنة.

ثالثاً: إذا وقع الضرر والأذى على الداعي المسلم بالرغم من التزامه بالسير المشروع في الدعوة الى الله فعليه أن يستعين بالله ويصبر الصبر الجميل وليعلم أن الأمور كلها بيد الله تعالى وإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

ثالثاً: الرحمة

392-  من اخلاق الداعي الضرورية: الرحمة، وقبل أن أبين أهميتها للداعي، أذكر ما ورد في السنة النبوية[10].

قال صلى الله عليه وسلم: "لا يُرحم من لا يرحم الناس" "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" "الراحمون يرحمهم الله تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" "قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس. فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال من لا يَرحم لا يُرحم" "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض".

393-  ومن صفات وأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، رحمته وشفقته على أمته قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}. ومن شفقته صلى الله عليه وسلم دلالته لأمته على ما يبعدهم عن النار وقد مثل ذلك بمثل بليغ، قال صلى الله عليه وسلم: "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم وانتم تقتحمون فيه"[11.

 

ضرورة الرحمة للداعي

394-  إن الداعي لا بد أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس وارادة الخير لهم والنصح لهم. ومن شفقته عليهم دعوتهم الى الاسلام، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى. أن يحب لهم ما يحب لنفسه وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى، فهو يحب ذلك اليهم أيضاً. إن الوالد من شفقته على أولاده يحرص على إبعادهم عن الهلكة ويتعب نفسه في سبيل ذلك، وأية هلكة أعظم من الضلال والتمرد على الله؟ والداعي بدعوته إنما يسعى لتخليص المتمردين العصاة من الهلاك المحقق والخسران المبين.

إن الداعي الرحيم لا يكف عن دعوته ولا يسأم من الرد والاعراض لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة، وان إعراضهم بسبب جهلهم، فهو لا ينفك عن اقناعهم وإرشادهم، وقد ذكرنا في شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الذي ضربه لنفسه الكريمة مع أمته، وهكذا كان الانبياء رحماء بمن أرسلوا إليهم مشفقون عليهم من العذاب، قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام {لقد أرسلنا نوحاً الى قومه يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} سورة الأعراف الآية: 56 فقوله عليه السلام {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} لا يصدر إلا عن قلب رحيم وشفقة ظاهرة عليهم وكذلك قوله عليه السلام، وقد رموه بالضلالة {يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم واعلم من الله ما لا تعلمون. أوعجبتم ان جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون} سورة الأعراف الآية: 61-63. فجواب نوح عليه السلام مشحون بالرحمة والشفقة عليهم واللطف في مخاطبتهم، ولم يغضبه كلامهم لأنهم قوم يجهلون ولأن الداعي الرحيم لا يغضب لنفسه قط. وهكذا كان خلق رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فما كان يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله. ثم في جواب نوح أنه ينصح لهم، أي يخلص في القول النافع المفيد لهم، بالرغم من قولهم الباطل فيه ويبين لهم أنه رسول من رب العالمين ليعلموا أن ما يخبرهم به هو الحق الصريح الواجب قبوله، وفي قبوله رحمة بهم، دليل على ما كان في قلبه عليه السلام من عظيم الرحمة بقومه.

 

الرحمة تهون على الداعي على ما يلقاه من الجهلاء.

395-  والرحمة تهون على الداعي ما يلقاه من أصحاب الغفلة والجهالة، لأنه ينظر اليهم من مستوى عالٍ رفيع أوصله إليه إيمانه وصلته بربه، ولذا فهو ينظر اليهم كصغار يعبثون والشأن في الصغار الاطفال العبث والجهل وعدم ادراك ما ينفعهم ولذلك لا يعجب الداعي من مقابلة نصحه لهم بالاعراض والصدود والأذى كما يفعل الطفل إذا نصحته أو أبعدته مثلا عن مس النار و الشيء المؤذي فانه يصيح ويغضب وربما آذاك. إن الداعي لا يعجب من صدودهم كما قلت، ولذلك فهو يعيد الكرة معهم، ويتحمل أذاهم ويدعو لهم بالهداية وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرر دعوته الى قريش ويتحمل أذاهم ويقول "اللهم أهد قومي فانهم لا يعلمون". إن الانسان ذا القلب الرحيم لا يستكثر على الصغير أن يصدر منه الصدود عن الناصح والأذى له لأنه جاهل ومن ثم يشفق عليه ذو القلب الرحيم ولا يؤاخذه على اساءته إليه، قال تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}.

 

الرحمة تثمر العفو والصفح

396-  وما دام الداعي المسلم ينظر الى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فانه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه قال تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فان عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع قال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}.

 

الفظاظة تؤدي إلى انفضاض الناس

397-  والداعي المحروم من الرحمة الغليظ القلب لا ينجح في عمله ولا يقبل الناس عليه وإن كان ما يقوله حقاً وصدقاً. هذه هي طبيعة الناس ينفرون من الغيظ الخشن القاسي ولا يقبلون قوله لأن قبول القول الناصح يستلزم إقبال قلب المنصوح إليه ولا يحصل هذا الإقبال مع خشونة الطبع وغلظة القلب قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} فإذا كان هذا يمكن أن يقع بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو حصل ما ذكرته الآية الكريمة، والرسول لا ينطق إلا بالحق ومؤيد بالحق، فكيف يمكن تصور تخلف الانفضاض عن الداعي إذا كان فظاً غليظ القلب؟

فليتق ربهم الدعاة الى الله، وليتكلفوا الرحمة والرفق إن لم يكونوا رحماء حتى يكتسبوها ويألفوها، ولا يكونوا منفردين عن الإسلام بسوء أخلاقهم وغلظة قلوبهم وخشونة طبعهم وبذاءة كلامهم، فان عجزوا عن اكتساب الرحمة وحمل نفوسهم على أخلاق الإسلام فمن الخير لهم وللدعوة ترك الدعوة والانصراف الى علاج نفوسهم.

 

رابعاً: التواضع

          التكبر حماقة وجهل

398-  التكبر حماقة وجهل ودليل قاطع على جهل المتكبر بربه وبنفسه، فلو عرف ربه لعلم أن الكبرياء لله وحده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عزّ وجل "العز إزاري والكبرياء ردائي فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته"[12] ولو عرف المتكبر نفسه وان أوله نطفة قذرة وآخره جيفة قذرة لخجل من نفسه ووقف عند حده قال محمد بن الحسين بن علي كما ذكر صاحب "الاحياء": ما دخل قلب امرئ شيء من التكبر قط إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك قل أوكثر.

 

جزاء المتكبرين

399-  من جزاء المتكبر حرمانه من الاتعاظ والانتفاع بآيات الله لأن تكبره يمنعه من الانصياع للحق، فيطبع الله على قلبه ويصرفه عن آياته، ونتيجته الخيبة والفشل وسخط الله تعالى، ودخول جهنم داخراً، وفقده ما يناله المتواضعون لربهم من نعيم الآخرة وبهذه المعاني نطق القرآن والسنة النبوية، قال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} {إنه لا يحب المستكبرين} {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين}.

وفي السنة النبوية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم" ومعنى يذهب بنفسه يرتفع ويتكبر. وقال عليه الصلاة والسلام "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". ألا أخبركم بأهل النار: "كل عتلٍ جوّاظ مستكبر".

 

النهي عن الكبر

400-  وما ذكرناه من نصوص كلها تتضمن النهي عن الكبر، وقد جاءت نصوص أخرى فيها النهي الصريح عن التكبر منها قوله تعالى: {ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور}.

 

حقيقة الكبر

401-  جاء في الحديث الشريف الذي رواه مسلم في صحيحه "الكبر بطر الحق وغمط الناس" أي ردّ الحق واحتقار الناس. فحقيقة الكبر استعظام المتكبر نفسه واستصغار قدر غيره فيدفعه ذلك الى رذائل ومهلكات.

فالمتكبر يرد الحق ولا يقبله ولا يذعن إليه قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً}. ولا يعترف بخطئه ولا تقصيره ولا سوء عمله لأنه معجب بنفسه، وفي الحديث الشريف: "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه".

والمتكبر يحتقر الناس ولا يرى لهم قدراً ويستنكف أن يسألهم عما يجهله ولا يقبل تعليم من يعلمه، ولا يقبل نصيحة ناصح، لأنه لا يراه شيئاً ويرى أن على الناس أن يلهجوا بالثناء عليه. يأنف من مجالستهم ومحادثتهم، يرى أنه هو الناجي وهم الهلكى. إلى غير ذلك من آثار الكبر وافعال المتكبرين.

 

سبب الكبر

402-  وسبب الكبر عجب الانسان بنفسه لعلمه أو ماله أو جاهه أوحسبه أو نسبه أو سلطانه وغير ذلك مما يدعو إلى الاعجاب بالنفس ناسياً هذا المعجب أن الله تعالى هو المنعم بهذه الأشياء وان لو شاء لسلبها منه، فيؤدي به هذا الاعجاب إلى استعظام نفسه ورؤية قدره فوق اقدار الناس فيحتقرهم ويزدريهم.

 

علاج الكبر

403-  وعلاج هذا الداء العضال الصعب – الكبر – واكتساب حقيقة التواضع، يكون بالمعرفة اليقينية: معرفة المتكبر لربه ولنفسه. فيعرف أن الكبرياء هي لله وحده حصراً ولا يجوز مطلقاً لأي انسان أن يسمح لذرة من الكبر ان تتسرب إلى قلبه فانها جرثومة خطرة فتاكة كثيرة التوالد تطمس نور الإيمان وتكدر الأعمال وتحبطها. وان يعرف المتكبر قدر نفسه فهو نشأ من نطفة قذرة ثم يصير جيفة قذرة، وان كل ما عنده من علم ومال وجاه وسلطان هو محض عطاء الله له، وان لو شاء الله لسلبه ذلك كله، وان ليس له من نفسه إلا العدم. ثم يأتي المتكبر على أسباب اعجابه بنفسه ثم الى تكبره، سبباً سبباً، فينقضه. فالعلم الذي عنده قليل جداً بالنسبة إلى ما يجهله {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وهناك من هو أعلم منه {وفوق كل ذي علم عليم} فلم العجب والكبرياء؟ وان العلم الحقيقي هو الذي يثمر المعرفة بالرب جل جلاله، ويحجز النفس عن الرذائل والحماقات مثل الكبر، ويروضها على الفضائل مثل التواضع. أما العبادة التي يقوم بها المتكبر والتقوى والورع فلا تصلح سبباً للاعجاب بالنفس والادلال بها على الله والتكبر على الخلق. فما يدري هذا المسكين أن عبادته مقبولة وانه من الصالحين عند الله وخاتمته مجهولة وتزكية النفس ممنوعة {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}. والعبادة هي حق الله على العبد ولا يحق للعبد أن يمن بها على الله ولا أن يتكبر على الغير لقيامه بما هو حق الله عليه، والله هو الذي مكنه منها وهداه إليها {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} وأي تقوى هذه التي لا تقي صاحبها من منازعة الله حقه الخالص في الكبرياء، ولا تعصم صاحبها من التمرغ في رذيلة أخرجت ابليس من ملكوت السماوات وجعلته طريداً ملعوناً إلى يوم الدين؟ يوم امتنع عن السجود لآدم تكبراً منه عليه واعجاباً بنفسه حيث قال {أنا خير منه}. وهكذا القول في المال والسلطان والجاه وقوة الانصار والاتباع والتعزز بالاحساب والانساب فكلها من الأباطيل وإيحاءات من الشيطان الرجيم. فالمال غاد ورائح، والسلطان لا يبقى فالايام دول والجاه مثله. وقوة الانصار والاتباع لا تغني من الله شيئاً {يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً} والتعزز بالاحساب والانساب يعني تشبث وتعزز بعظام بالية ان بقيت العظام!! وما يغني الاباء الصالحون عن الابناء الطالحين {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت خير الحاكمين. قال يا نوح إنه ليس من أهلك انه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم اني أعظك أن تكون من الجاهلين. قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وألا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}.

 

التواضع

404-  وإذ قد بينا الكبر وأسبابه وبعض عواقبه وآثاره، ظهرت لنا حقيقة التواضع، فهو ضد الكبر وهو ثمرة المعرفة بالله وبالنفس فلا يمكن أبداً أن يتكبر ولا يتواضع إنسان عرف ربه وعرف قدر نفسه، وعلى هذا فاذا كان المتكبر جاهلا بربه فالمتواضع عارف بربه، وإذا كان المتكبر محتقراً غيره يراهم كالذباب وكالعبيد فإن المتواضع يفقه جيداً قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه "لا يحتقرن أحد أحداً من المسلمين فان صغير المسلمين عند الله كبير". وإذا كان المتكبر يستنكف عن مجالسة الصالحين والفقراء والضعفاء بالرغم من أن أحدهم يعدل ملء الأرض من أمثاله فان المتواضع يفقه جيداً معنى قوله تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم} وقد قال المفسرون في أسباب نزولها ان قريشاً قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعاً لهؤلاء من ضعفاء المسلمين مثل صهيب وعمار وبلال وخباب فاطردهم عنك ولا تبقهم في مجلسك إذا دخلنا عليك، فاذا فرغنا وخرجنا فادخلهم إن شئت. فأنزل تعالى هذه الآية واتبعها بآية عن اولئك المتكبرين المتعجرفين الذين طلبوا طرد الضعفاء من مجلس رسول الله فقال تعالى عنهم: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً}[13]. ويفقه المتواضع جيداً معنى قول الله تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} وإذا كان المتكبر يجحد الحق ويرده ولا يذعن له فان المسلم المتواضع يفقه جيداً معنى قول العارف المتواضع الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى وقد سئل عن التواضع فقال: التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من أجهل الناس قبلته.

 

حاجة الداعي الى التواضع

405-  والداعي الى الله أحوج من غيره الى خلق التواضع، فهو يخالط الناس ويدعوهم الى الحق والى أخلاق الإسلام فكيف يكون عارياً من التواضع، وهو من ركائز أخلاق الإسلام؟ ثم إن من طبيعة الناس التي جبلهم الله عليها انهم لا يقبلون قول من يستطيل عليهم ويحتقرهم ويستصغرهم ويتكبر عليهم، وان كان ما يقوله حقاً وصدقاً، هكذا جبلت طبائع الناس فانهم ينفرون عن المتكبر ويغلقون قلوبهم دون كلامه ووعظه وارشاده. فلا يصل اليها من قوله شيء بل قد يكون ذلك سبباً الى كرههم الحق منه ومن غيره. فعلى الداعي أن يفقه هذا الأمر جيداً وليتق الله ربه ولا يكون سبباً لنفرة الناس من الدعوة إلى الله. ونزيد هنا شيئاً آخر له علاقة بالموضوع وله أهميته البالغة ذلك أن من طبائع الناس أنهم لا يحبون من يكثر الحديث عن نفسه ويكثر الثناء عليها ويكثر من قول أنا، أنا، ولهذا فعلى الداعي أن يحذر ذلك وأن لا يدعي شيئاً يدل على تعاليه كأن ينسب الى نفسه المزيد من العلم أو الفصاحة أو المعرفة. إن على الداعي أن يعرف أن جميع ما عنده هو محض فضل الله عليه فليتحدث الى الناس وهو بهذا اليقين وبهذا الشعور يتحدث اليهم بفضل الله لا بفضل نفسه فاذا عرف الناس منه ذلك فتحوا له قلوبهم أو على الأقل لم يغلقوها دون كلامه فيقع فيها من معانيه الطيبة النافعة ما يشاء الله وقوعه، والله المستعان.

406-  ومن التواضع العظيم الذي قد يغفل عنه الداعي وهو مهم وضروري طاعة من أمره الشرع بطاعته كالامير ومن يتولى شؤونه أو تعليمه، وأن لا يستنكف عن هذه الطاعة ولا يحس منها بغضاضة ولا يمنعه منها كبر خفي في نفسه فيرفضها ويستثقلها أو يتهرب منها بتأويلات فاسدة هي في حقيقتها من ايحاءات الشيطان كأن يقول: هذا الامير أو المعلم غير صالح ولا كفء أو صغير أو أنا أعلم منه وأكفأ أو هذا المعلم لا يصلح أو المعلم غير صالح ولا كفء أو صغير أو أنا أعلم منه وأكفأ أو هذا المعلم لا يصلح للتعليم ونحو ذلك، وليتذكر جيداً تأمير رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وكان شاباً على جيش كان فيه سادات المهاجرين والانصار ومشايخهم وكبارهم، قال صاحب امتاع الاسماع في هذه الحادثة: "ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم – يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر – أسامة بن زيد، قال: يا أسامة، سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي الى موت أبيك فأوطئهم الخيل، وقد وليتك هذا الجيش... فلما كان يوم الاربعاء ابتدأ مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدع وحم. وعقد يوم الخميس لاسامة لواء بيده وقال: يا أسامة، اغز باسم الله في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا تتمنوا لقاء العدو، فانكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكنكم قولوا اللهم اكفناهم، واكفف بأسهم عنا فان لقوكم قد أجلبوا وضجوا فعليكم بالسكينة والصمت ولا تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم، وقولوا اللهم إنا عبادك نواصينا ونواصيهم بيدك، وانما تغلبهم أنت واعلموا أن الجنة تحت البارقة"[14] ثم يذكر صاحب امتاع الاسماع أن بعض الناس تكلموا عن تأمير أسامة على الجيش باعتباره شاباً لا خبرة له وإن هذا الجيش يضم المهاجرين والانصار وان عمر بن الخطاب رد على هذا الكلام على من تكلم به وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الذي قاله البعض، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب لذلك غضباً شديداً وأنه عليه الصلاة والسلام خرج وقد عصب على رأسه عصابة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال"أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة؟ والله لئن قلتم في أمارته لقد قلتم في أمارة أبيه من قبله وأنه لخليق للامارة وان كان أبوه لخليقاً لها"[15]. وقد ذكرت معظم ما ورد في قصة تأمير أسامة لما في هذا من دلالات وعبر وعظات واحكام، وأخيراً فان الداعي الفقيه يزداد تواضعاً لله تعالى كلما وفق في دعوته ونجح في مساعيه ونصره الله على اعدائه. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد دخل مكة فاتحاً وهو منكس الرأس تواضعاً لربه واعترافاً له بفضله.

 

خامساً: المخالطة والعزلة

          أيهما أفضل المخالطة أم العزلة؟

407-  أيهما أفضل للمسلم المخالطة مع الناس أم العزلة عنهم؟ قال بعضهم العزلة أفضل، وقال أكثرهم: المخالطة أفضل، والصواب أن يقال: الأفضل للمسلم أحبهما الى الله تعالى، فاذا كانت المخالطة أحب الى الله بالنسبة لهذا المسلم نظراً لظروف حاله ومكانه وزمانه، فهي أفضل في حقه، وإذا كانت العزلة بالنسبة إليه أحب الى الله لظروف حاله وزمانه ومكانه فالعزلة أفضل في حقه.

 

المخالطة لا بد منها

408-  والمخالطة لا بد منها فان الانسان اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش بمفرده ولو استطاعه لكان أمراً شاذاً لا يستطيع جميع الناس متابعته عليه. هذا في أمور الدنيا وحوائجها أما بالنسبة لأمور الدين فكذلك الحال فان من فرائض الاسلام ومستحباته ما لا يمكن تأديته إلا بالمخالطة مع الناس وتعاونهم، مثل صلاة الجمعة والعيدين، وتشييع الجنائز وعيادة المرضى وتعلم أمور الدين وتعليمها الى غير ذلك من المطلوبات التي تستلزم المخالطة.

 

المخالطة واجبة على الداعي

409-  الدعوة الى الله من وجائب الاسلام ومن وسائلها مخالطة الناس فتكون المخالطة واجبة لأن ما لا يؤدي الواجب إلا به فهو واجب، والواقع أن طبيعة الإسلام تقتضي المخالطة، فالإسلام ليس معنى خاصاً بالفرد بل هو أيضاً عمل المسلم خارج نفسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن أكرمه الله بالنبوة وأمره بالتبليغ عاش مع الناس وخالطهم وغشي مجالسهم يدعوهم الى الله ويحذرهم مما هم فيه وكذلك فعل أصحابه الكرام خالطوا الناس وبثوا فيهم ما تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم والدين. وما روي عن بعض التابعين من استحباب العزلة وكراهية المخالطة فهو أمر يتعلق بأحوال طارئة وظروف استثنائية فليس ما ذكروه هو القاعدة التي يستهدي بها المسلمون من بعدهم لأن وجوب الدعوة الى الله أمر ثابت في الشرع، والمخالطة هي المقدمة الى الدعوة. فلا يمكن التخلي عنها. بل إن هذا الوجوب أصبح أشد في زماننا من أي زمان مضى، لما غشي البشر من غاشية رهيبة قاسية من المادية الصماء السوداء التي حجبت عنهم أنوار الحق وقطعت صلاتهم بالله عز وجل، مما جعل لزاماً على كل مسلم أن يسهم في الدعوة الى الله بقدر طاقته وبأي نوع من أنواع القدرة يستطيعه وهذا يستلزم مخالطة الناس ليدعوهم الى الله.

 

حدود المخالطة الواجبة

410-  والمخالطة الواجبة هي ما كانت ضرورية لاعمال الدعوة الى الله تعالى أو أداء فروض الاسلام الأخرى، فاذا خلت من هذا المقصود، زالت عنها صفة الوجوب وصارت مباحة أو مكروهة أو حراماً، فالمباحة كالمخالطة لغرض تحصيل مباح دنيوي والمكروهة إذا فوتت على الداعي فائدة أخروية إذا حمّلته اثماً. وعلى هذا فان المأمول من الداعي أن تكون مخالطته كلها بدافع من الدعوة الى الله، فاذا زار شخصاً أو تعارف معه أو صادقه أو رافقه أو آخاه أو غشي مجلساً أو تكلم في جمع فانه يصدر عن رغبة في الدعوة الى الله أو بالاعداد والتهيئة لها.

 

الحب في الله والبغض في الله

411-  والداعي في مخالطته للناس يقيم علاقاته معهم على أساس الحب في الله والبغض في الله. والمقصود بهذه العبارة أن المسلم لا يحب الشخص إلا لطاعته لربه ومسارعته الى مرضاته، ولا يبغضه إلا لعصيانه ومخالفته أمر ربه وكلما اشتدت محبة المسلم لربه اشتدت محبته لأحباب الله حتى تصير موالاة ونصرة وذبا عنهم بالنفس والمال وليس هذا الذي نقوله خيالا أو مبالغة فان من أحب انساناً أحب من يحبه محبوبه، ومن يحب محبوبه يقوم بخدمته ويثني عليه، فإذا كان هذا معروفاً بين الناس فالشأن أعظم في مسألة محبة المسلم لربه وآثارها في محبة احباب الله وأوليائه. وإذا اجتمع في الشخص طاعات وسيئات أحبه المسلم لطاعته وأبغضه لسيئاته.

 

المختارون لصحبة الداعي

412-  وما دام الداعي يحب في الله ويبغض في الله فمن البديهي أنه يختار لصحبته ورفقته وأخوته، المطيعين لله القائمين بحق العبودية لله، فهم نعم الرفيق له ونعم الإخوة له، يشتد ارتباطه بهم، ويعتز بهم ويحافظ على أخوتهم، ويرفض مصاحبة ومواددة العصاة والفساق المعرضين عن أوامر ربهم قال تعالى: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} وهو إذ يرفض مصاحبة ومخالطة العصاة والفساق لا ينفك عن دعوتهم الى الله والدعاء لهم بالهداية والرحمة والرشاد.

 

سلوك الداعي مع من يصاحب ومن لا يصاحب

413-  والداعي يعرف حقوق الصحبة ويحمل نفسه على الوفاء بهذه الحقوق ومنها مواساته لاصحابه وقضاء حوئجهم وسكوته عن عيوبهم فالانسان لا يخلو من عيب، إلا إذا وجب عليه النطق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتحمل اساءتهم في حق نفسه، ويقبل اعذارهم، فالمؤمن الكريم يحضر في نفسه محاسن أخيه، والمنافق اللئيم يحضر في نفسه معايب أخيه، قال عبدالله بن المبارك رحمه الله تعالى: "المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات".

414-  أما سلوكه مع من لا يصاحبه ولا يرافقه لفسقه وعصيانه، فهو سلوك المؤمن: فلا يخاصمهم {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} ولكن ينصحهم ويعظهم، وقد يضطر الى هجرهم ومقاطعتهم إذا كانت معصيتهم تقتضي الهجر والمقاطعة، كما لو كانوا يدعون الى بدعة في الدين، أو يفرقون صفوف المسلمين أو يكيدون لهم أو يعملون لالحاق الأذى بهم، أو يسعون لظلمهم والبغي عليهم، فإنه في هذه الحالة وبعد الاعذار لهم وافراغ الجهد في نصحهم، إذا لم يكفوا عما هم فيه، يضطر الى هجرهم ومقاطعتهم وعدم الكلام معهم زجراً لهم عن بغيهم وكيدهم وعدوانهم وبدعتهم حتى يتحاشاهم الناس ويعرفونهم فيحذروهم، بل وللداعي ان لا يرد عليهم السلام إذا سلّموا، امعاناً في زجرهم واظهاراً لانكار عملهم، ويعلل الاماما الغزالي عدم رد السلام عليهم مع أن ردّه واجب بقوله "ورد السلام وان كان واجباً فانه يسقط بأدنى غرض فيه مصلحة، حتى يسقط بكون الانسان في الحمام وقضاء حاجته، وغرض الزجر أهم من هذه الأغراض لأن فيه زجراً وتنفيراً عنه"[16] وبهذا المعنى أيضاً قال شيخ الاسلام ابن تيمية[17].

 

عزلة الداعي

415-  وإذا كانت المخالطة من مقدمات الدعوة الى الله تعالى، وان الداعي لا يستغني عنها كما قلنا فانه مع ذلك يحتاج الى شيء من العزلة والوحدة والانفراد بنفسه لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه واصلاح قلبه"[18] ويلاحظ في هذه العزلة شيئان:

الأول: أن تكون في الأوقات التي ندب الشرع فيه الى نوع معين من العبادة كالاعتكاف في رمضان وقيام الليل والصلاة فيه والجلوس في المساجد انتظاراً للصلاة، فإن في هذه الأوقات والقيام فيها بعبادة الله بالصلاة والذكر والدعاء نوعاً ممتازاً من العزلة والخلوة المشروعة، وهي على قصرها ذات أثر بليغ جداً.

الثاني: إذا احتاج الداعي إلى عزلة أكثر مما ورد في النوع الأول، كأن يخلو في بيته أياماً لما يحسه من حاجة الى هذه الخلوة للراحة والاستجمام ومراجعة الحساب مع نفسه، وتدارك ما فاته، فلا بأس في ذلك بشرط أن يكون قصده من ذلك اعداد نفسه وتهيئتها الى المزيد من الدعوة الى الله، فيكون مثله في هذه الحالة مثل المجاهد الذي يتحول عن ميدان القتال ليشحذ سيفه أو يعلف فرسه أو يصلح رمحه أو يداوي جرحه وقلبه معلق بالجهاد ونيته الرجوع إليه من قريب فهو في جهاد في الحالتين، والاعمال بالنيات والله المستعان.

416-  هذا وإن للداعي عزلة أخرى من نوع آخر، وهي غياب فكره عن الحاضرين مع بقاء جسمه معهم، وهذه العزلة يحتاجها كلما وجد نفسه مضطراً بين قوم سوء ومجلس غيبة وكلام باطل لا يستطيع الخروج منه، ولا تحويل مجراه الخبيث، فيغيب عنه بروحه ويبقى جسده معهم.

417-  وهناك عزلة ثالثة للداعي، وهي مفارقة الكفرة والتحول عنهم الى غيرهم إذا بدا له أن بذل الجهد معهم عبث أو لا يجدي أو أن احتمال اجابتهم في الوقت الحاضر احتمال ضعيف أو أن أذاهم لا يطاق فيتحول عنهم الى غيرهم ويوجه جهده اليهم فيدعوهم الى الله تعالى لأن جهد الداعي محدود ووقته محدود فاذا لم يجد الاجابة عند قوم تحول الى غيرهم واعتزل الاولين بل وله أن يعتزل الجميع الى حين وقد يستأنس لهذا بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله}. وبقوله تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} وقوله تعالى عن أهل الكهف: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا الى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقاً} والله سبحانه وتعالى أعلم.



[1]  مدارج السالكين ج 2، ص 281-282.

[2]  تذكرة الداعي للبهي الخولي.

[3]  تفسير ابن كثير ج 3، ص 70.

[4]  امتاع الاسماع، ص 38.

[5]  سيرة ابن هشام، ص 330.

[6]  امتاع الاسماع، ص 18.

[7]  امتاع الاسماع، ص 28.

[8]  سيرة ابن هشام ج 1، ص 388.

[9]  امتاع الاسماع، ص 31.

[10]  تيسير الوصول ج 2، ص 12-116.

[11]  رواه الامام مسلم في صحيحه ج5، ص 911. الحجز جمع حجزة وهي معقد الازرار والسراويل والتقحم: الوقوع في الامور الشاقة من غير تثبيت.

[12]  رواه مسلم، رياض الصالحين للنووي، ص 216.

[13]  شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم لابن كثير، ص 103-104.

[14]  امتاع الاسماع، ص 536-537.

[15]  سيرة ابن هشام، ص 257-258، وامتاع الاسماع، ص 537.

[16]  احياء علوم الدين للغزالي ج 2، ص 149.

[17]  مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 8، ص 216-218.

[18]  مجموع الفتاوى، ج 1، ص 637.

|السابق| [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

أصول الدعوة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca