الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: أصول الدعوة
المؤلف: عبد الكريم زيدان
التصنيف: سياسي
 

الباب الرابع - أساليب الدعوة ووسائلها

الفصل الثالث - وَسَائل الدّعوَة - المبحث الثاني- وسائل تبليغ الدعوة

تمهيد

721-  تبليغ الدعوة الى الله تكون بالقول وبالعمل وبسيرة الداعي التي تجعله قدوة حسنة لغيره فتجذبهم الى الاسلام، ونتكلم عن هذه الوسائل في ثلاثة فروع متتالية:

 

الفرع الأول - التبليغ بالقول

اهمية القول في التبليغ

722-  القول هو الأصل في تبليغ الدعوة الى الله فالقرآن – وفيه معاني الدعوة الى الله – هو قول رب العالمين نزل به الروح الامين على محمد صلى الله عليه وسلم ليكون به التبليغ قال تبارك وتعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} سورة التوبة الآية: 6 وكان تبليغ رسول الله لرسالة ربه للناس بالقول، قال تعالى مخاطباً رسوله وآمراً له أن يقول للناس: {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم} سورة يونس الآية: 108 {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} سورة الأعراف الآية: 158. وكذلك أمر الله رسله أجمعين بتبليغ أقوامهم رسالة ربهم بالقول المبين قال تعالى: {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إليه غيره} سورة الأعراف الآية: 59 {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين} سورة الأعراف الآية: 104 فلا يجوز للداعي أن يغفل مكانة القول في تبليغ الدعوة ولا أثر الكلمة الطيبة في النفوس. فالقول اذن هوالوسيلة الأصيلة في ايصال الحق للناس.

 

الضوابط العامة في القول

723-  يجب أن يكون القول واضحاً بيناً لا غموض فيه ولا إبهام، مفهوماً عند السامع لأن الغرض من الكلام ايصال المعاني المطلوبة الى من يكلمه الداعي فيجب أن يكون الكلام واضحاً غاية الوضوح، ولهذا أرسل الله رسله بألسنة أقوامهم حتى يفهموا ما يدعونهم إليه ويستطيعون بيانه إليهم قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}. وجعل الله تعالى وظيفة الرسل الكرام التبليغ المبين الواضح لتقوم الحجة على المخاطبين، قال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} ومقياس الوضوح ليس نفس الداعي وفهمه فقد يكون الكلام واضحاً بالنسبة له غامضاً بالنسبة إليهم. وكذلك ليس المقياس وضوح القول بذاته فقد يكون الكلام واضحاً بنفسه ولكنه غير واضح بالنسبة إليهم. فالمقياس إذن هو أن يكون واضحاً عندهم وهذا هو الذي يشير اليه قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} فالبيان لهم، لا للداعي ولا للكلام بذاته. وفي الحديث عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاماً فصلاً أي بيناً ظاهراً يفهمه كل من يسمعه"[1].

724-  ويجب ان يكون الكلام خالياً من الألفاظ المستحدثة التي تحتمل حقاً وباطلاً وخطأ وصواباً. وعلى الداعي ان يحرص على استعمال الالفاظ الشرعية المستعملة في القرآن والسنة وعند علماء المسلمين لأن هذه الألفاظ تكون محددة المعنى واضحة المفهوم خالية من أي معنى باطل قد يعلق في ذهن المدعو. وقد أشار القرآن الكريم إلى ضرورة هذا النهج في الكلام قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} لأن في كلمة (راعنا) في لسان اليهود معنى باطلاً كانوا يقصدونه عند مخاطبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة فأمر الله المسلمين أن يتركوها ويستعملوا كلمة انظرنا بدلاً منها حتى لا يتحجج اليهود فيستعملوا كلمة راعنا يريدون بها الشتيمة والتنقيص. وإذا اضطر الداعي الى استعمال بعض الألفاظ المستحدثة فعليه أن يبين مقصوده منها حتى لا يتبادر الى الآذهان المعاني الباطلة التي تحملها هذه الألفاظ أوالتي يفهمها الناس منها.

 

الضوابط العامة للقائل

733-  يجب أن يتأنى الداعي في الكلام فلا يسرع بل يتمهل حتى يستوعب السامع كلامه ويفهمه، جاء في الحديث الذي رواه البخاري "ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه"[2].

734-  وعلى الداعي أن يبتعد عن التفاصح والتعاظم والتكلف في نطقه جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "هلك المتنطعون قالها ثلاثاً"[3]. والتنطع في الكلام التفاصح فيه والتعمق فيه، وفي حديث آخر: "إن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون"[4].

735-  أن يبتعد الداعي عن روح الاستعلاء على المدعو واحتقاره وتحديه وإظهار فضله عليه، وإنما عليه أن يكلمه بروح الناصح الشفيق المخلص المتواضع الذي يدل غيره على ما ينفعه ويعرفه به، على الداعي أن يكلمه كمبلغ له معاني رسالة الله لا ان يكلمه كمبلغ له فضله وعلمه. إن ملاحظة هذه الأمور ضرورية جداً للداعي وإذا لم يراعها انقطع ما بين قوله وبين قلب المدعو فلا يتأثر بشيء مما يسمع بل وينفر المدعو ولا يطيق سماع قول الداعي وإن كان حقاً.

736-  وعلى الداعي أن يتلطف بالقول، فيستعمل في كلامه وخطابه ما يثير رغبة المدعو الى السماع ويقمع فيه نوازع الجهل والنفور. وفي القرآن الكريم كثير من الآيات التي تشير الى هذا التلطف المفيد، قال تعالى عن ابراهيم عليه السلام: {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً} سورة مريم الآية: 42 فذكر ابراهيم عليه السلام في خطابه لأبيه رابطة الأبوة التي من شأنها أن تجعل الابن حريصاً على مصلحة الأب، وتجعل الأب جديراً بأن يصغي الى خطاب ابنه وقال تعالى عن هود عليه السلام: {وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} سورة الأعراف الآية: 65 فهود عليه السلام خاطبهم بكلمة يا قوم لأن هذا الخطاب ادعى الى استجابتهم والى تحسيسهم بأن من يخاطبهم هو منهم في النسب وانه يريد الخير لهم. وفي السنة النبوية ما يدل أيضاً على ما قلناه فقد ذكر ابن هشام في سيرته أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الى بطن من بطون كلب في منازلهم يقال لهم (بنو عبدالله) فدعاهم الى الله وعرض عليهم نفسه حتى أنه كان يقول لهم "يا بني عبدالله ان الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم"[5]. أي فاحسنوا الاجابة واقبلوا الدعوة وآمنوا بالله ورسوله.

737-  وعلى هذا يجوز للداعي أن يستثير في خطابه همم المدعوين بما يذكرهم به من طيب أصلهم وكرم عائلتهم وشرف نسبهم وان ذلك لا يتفق وجريهم مع العصاة وانعماسهم في الرذائل والشهوات، وان اللائق بهم أن يكونوا مع الاخيار المطيعين لله، فهذا ونحوه سائغ إن شاء الله لا نرى فيه شيئاً على ألا يسرف فيه الداعي وان يكون قصده منه التشويق والحمل على الطاعة لا المداهنة والنفاق، والأعمال بالنيات.

738-  والتلطف في القول لا يعني المداهنة والنفاق ولا اخفاء الحق او تحسين الباطل اوالرضى به، وإنما هو تشويق للمدعو لقبول الحق واعانته على هذا القبول وليس فيه إخفاء مرض المدعو، فان الداعي كالطبيب فكما ان الطبيب لا يخفي على المريض علته وضرورة العلاج له فكذلك الداعي قال تعالى حكاية عن بعض رسله: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكمك قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين} سورة هود الآية: 52 وقال تعالى عن صالح وما قال لقومه: {فاتقوا الله وأطيعون، ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} سورة الشعراء الآية: 150-153.

 

أنواع القول

739-  والقول في مجال التبليغ أنواع، منها: الخطبة، والدرس، والمحاضرة والناقشة والتحديث أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر والكتابة فانها أيضاً من القول باعتبارها أداة من أدوات التبليغ وتؤدي ما يؤدي إليه القول بالنسبة لمن لا يمكن للداعي المشافهة معهم.

 

الخطبة

740-  وهي وسيلة جيدة للتبليغ وتكون عادة لجمع من الناس قد لا يعرفهم الداعي أو يعرف بعضهم فقط. ويشترط للخطبة الناجحة أن يكون لدى الداعي معنى أو معان معينة يريد بيانها ولفت الانظار إليها. ومن المستحسن أن يكون موضوع الخطبة مما له علاقة في أحوال الناس مع ربط ذلك بمعاني العقيدة الإسلامية، كأن يكون الذين يخطب فيهم ممن تكثر فيهم العصبية القبلية، فيحدثهم عن أضرارها وحكم الإسلام فيها، وان المؤمن لا ينصر قريبه إلا بالحق، وان على المسلم أن يرضى بما قضى به الإسلام من التآخي بالاسلام ونبذ العصبية الجاهلية. وعلى الداعي الخطيب ان يلاحظ في خطبته الأمور التالية:

1-    الاستشهاد بالآيات القرآنية والاحاديث النبوية والتطبيقات العملية لها من قبل الرسول الكريم والرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم. والصحابة الكرام، فان ذكر التطبيق يجعل معنى الآية والحديث مشهوداً محسوساً.

2-    يستعين بالقصص الوادرة في الكتاب والسنة ولا بأس من تصوير المعاني بشكل قصص وضرب الأمثال كما في الحديث الشريف: "أرأيتم لو أن في باب أحدكم نهراً يغتسل فيه في اليوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يا رسول الله، قال كذلك الصلاة".

3-    ان لا يطيل في الخطبة، جاء في الحديث الشريف "ان طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة"[6] وهذا الحديث ورد في خطبة الجمعة فيقاس عليها سائر الخطب إلا إذا اقتضت الضرورة اطالتها.

4-    أن لا يكثر الخطب مخافة السآمة، يدل على ذلك أن أبا وائل شفيق بن سلمة، قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا في كل خميس مرة. فقال له رجل: يا ابا عبد الرحمن لوددت انك ذكرتنا كل يوم. فقال: أما انه يمنعني من ذلك كراهية ان املكم واني اتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا[7].

5-    أن يكون كلام الداعي بسيطاً واضحاً لأن الذين يسمعونه ليسوا في مستوى واحد من العلم والقدرة على فهم الخطاب. فإذا اختار الأسلوب البسيط الواضح والعبارات القصيرة انتفع بها الجميع وفهمها الجميع.

6-    من المفيد للخطيب أن يبدأ خطبته بما يذكر الناس بربهم، ويبين لهم، وينذرهم وان لا يقصد المباراة في خطبه، ولا مدح الناس وقولهم: ما أعلمه وأقدره على الخطب. وإنما يقصد نشر معاني الدعوة الى الله، فإذا رأى حاجة الى ما بينه في مكان معين إلى اعادته في مكان آخر اعاده وكرره. ودليلنا على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكرر دعوته الى الله، ويقول للناس: اعبدوا الله وحده واتركوا ما دونه. كما أنه عليه الصلاة والسلام كان يكرر في خطبته في المسلمين لزوم التقوى والعمل للآخرة، وفي القرآن الكريم تكرير لقصة موسى عليه السلام وتكرير لكثير من أصول العقيدة ومعانيها.

7-    من المفيد للخطيب أن يبدأ خطبته بما يجلب انتباه السامعين من حادثة صادفها أو قصة قرأها، أو خاطر انقدح في نفسه، فإذا ما جلب انتباه السامعين مضى الخطيب في كلامه مترسلاً مشوقاً ومنذراً.

8-    على الداعي أن يتفرس في نفوس الحاضرين وأي مرض يغلب عليهم وأي شيء يحتاجونه أكثر من غيره، فيبدأ به ويربطه بالعقيدة الإسلامية فإذا كانوا بحاجة إلى التخويف والترهيب لما يلمسه فيهم من الجرأة على المخالفات الشرعية ذكر لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وخوفهم من طول الأمل وأن الحزم يقضي بأخذ العدة قبل حلول الأجل، والعدة هي تقوى الله فإنها خير ما يتزود به المسافر الى الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} وان لذة المعصية وهي قصيرة تعقبها مرارة الندم والعذاب مدة طويلة. والعاقل من صبر نفسه عن لذة حرام لا تدوم ليظفر بلذة حلال تدوم ولينجو من عذاب دائم مقيم. وإذا رأى في القوم الذين يخطب فيهم شعوراً باليأس والقنوط وصعوبة الرجوع الى الله ذكرهم بعظيم رحمة الله وان الله يقبل التائبين الصادقين وقال فيهم: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} ويذكر لهم قصة القاتل مائة نفس وكيف أن الفقيه دلَّه على طريق التوبة إلى الله والتحول الى القرية الصالحة.

9-    على الداعي أن يحذر من ذكر الآيات والأحاديث التي قد يساء فهمها دون شرح وبيان لها مثل قوله صلى الله عليه وسلم "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة". فعلى الخطيب أن يشرح الحديث حتى يفهمه السامعون الفهم الصحيح.

10-      وعلى الداعي أن لا يسرع في كلامه ولا يرفع صوته بلا حاجة.

11-      يستحسن أن تكون الخطبة ارتجالاً لا في ورقة مكتوبة وان تكون معانيها حاضرة في ذهنه، أي: أعدها من قبل.

 

الدرس

741-  الغالب في الدرس أن يكون شرحاً لآية من القرآن، أو لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بياناً لمسألة أو مسائل من الفقه كما أن الغالب في الدرس أن يحضره عدد قليل من الناس جاؤوا قاصدين سماع الدرس مما يعطي فرصة طيبة للداعي أن يتعرف عليهم عن كثب ويوثق علاقته بهم. ويشترط للداعي في درسه أن يحضر مادته مسبقاً تحضيراً جيداً وأن لا يستطرد كثيراً وهو يلقي موضوعه لأن الاستطراد يبعد السامع عن أصل الموضوع ويبعث في نفسه السآمة. وفي تفسير القرآن يستحسن أن يكون بالقرآن نفسه فما أجمله القرآن في موضع فصله في موضع آخر، فإن لم يجد هذا البيان في القرآن تحول إلى السنة فإن لم يجد ففي أقوال المفسرين من الصحابة والتابعين وكذلك يفعل في تفسيره الحديث النبوي وعند كلامه في الفقه الإسلامي يستحسن أن يبين الحكم الفقهي الراجح إن كان من ذوي القدرة على تمييز الأقوال الفقهية الراجحة من المرجوحة فإن لم يستطع ذلك فعليه أن يبين الحكم وفقاً لاتجاه أحد المذاهب الإسلامية دون أن يذكر الخلافات الفقهية في كل مسألة يتعرض لها لأن ذكر هذا الخلاف يشتت أذهان السامعين.

 

المحاضرة

742-  والغالب في المحاضرة أنها تعالج موضوعاً معيناً باستقصاء وإحاطة وذكر الأدلة والبراهين، وذكر ما قيل حول الموضوع، والصواب من هذه الأقوال، والمحاضرة الناجحة ما كانت تهدف إلى هدف معين ومحدد وتجلي هذا الهدف وتبينه البيان الشافي المقنع. ويجب على المحاضر أن يكون دقيقاً في كلامه لا يلقي القول جزافاً ولا يكثر من العبارات العاطفية، لأن مجالها الأصلي الخطبة وليس المحاضرة وأن يشرك السامعين معه في الوصول إلى ما يريده بأن يبين مقدمات النتيجة التي وصل إليها في بحثه فإذا ما استطاع اقناعهم بها كان وصولهم إلى النتيجة ميسوراً. وعلى المحاضر أن يقيم المقدمات لما يريد الوصول إليه على مسائل واضحة جلية مشهورة وأن يتجنب المسائل الدقيقة والمشتبهة والتي تقبل الأخذ والرد، أوالتي هي في نفسها تحتاج إلى إثبات، ومن هذه المسائل ما تعورف على تسميته بالمعاني الفلسفية، فإذا أراد المحاضر أن يعرض بعض الحقائق الدينية وأصول العقيدة الاسلامية مثل البعث بعد الموت فيكفيه أن يلفت الأنظار الى ما نشاهده من موت وبعث في عالم الحيوان والنبات وأن يضرب الأمثلة على ذلك لتقريب هذه الحقيقة الى الأذهان. وهذا النهج ورد في القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} فالحياة بعد الموت أثر مشاهد محسوس، أرض ميتة لا نبت فيها ولا حياة ينزل الله عليها المطر فتهيج ويخرج منها نبات حي بألوانه المختلفة وطعومه المتنوعة، ان الله الذي أحيا هذه الأرض هو الذي يحيي الموتى بعد أن خلقهم من ماء مهين من نطفة نعرفها ونراها، فإن الإعادة كما هو معلوم أسهل من الابتداء قال تعالى: {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}. وهذا وعلى الداعي في محاضرته أن لا يكون جافاً بل عليه أن يضفي على محاضرته شيئاً من التحريك العاطفي الوجداني بما يذكره من حقائق الاسلام ومعاني العقيدة الاسلامية. وهذا التحريك الوجداني يقوم على أساس اثارة ما في النفوس من معاني الايمان.

 

المناقشة والجدل

743-  الناقشة والجدل يكونان بين شخصين أو أكثر يعرض كل جانب وجهة نظره فيما يراه ويعتقده من أمور. والداعي عندما يدعو غيره الى الله قد لا يقبل المدعو دعوته فيقبل على جدال الداعي ومناقشته. وقد ذكر القرآن الكريم بعض صور المناقشات التي جرت بين الرسل الكرام وبين أقوامهم من ذلك قوله تعالى: {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين، قال يا يوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون}. فالمدعو في مناقشته وجداله مع الداعي قد يصل الى حد اتهام الداعي بالضلال المبين، فلا يعجب الداعي من ضلال المدعو ولا يخرجه عن هدوئه واتزانه وشفقته عليه كما هو واضح من جواب نوح عليه السلام. فعلى الداعي أن يلاحظ ذلك دائماً وان يكون كلامه في الجدال والناقشة بالحسنى وبالكلام الطيب والأدب الجم والتواضع والهدوء وعدم رفع الصوت وعدم اغاظة المقابل والاستهزاء به وليبق كلامه معه على مستواه العالي الرفيع الرقيق اللين المحبوب الخالي من الفظاظة والخشونة، ولكن فيه قوة الاقناع ووضوح الحق، ومثل هذا يستفاد من قوله تعالى: {ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} فإذا أصر المدعو على باطله ولج في عناده وأصبح الكلام معه عبثاً فليقطع الداعي الجدل معه ويذكر قول الله تعالى: {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل} وقوله تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وهذا المسلك هو قطع الجدل مسلك سديد، لأن بعض الناس لا ينفع معهم الجدل لانهم لا يريدون من جدلهم الوصول الى الحق وإنما يريدون المكابرة والعناد والجحود قال تعالى: {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إنْ هذا إلا سحر مبين}.

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

744-  والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غالباً ما يكون بالقول، كما أنه قد يكون بدعوة غير المسلم الى الاسلام. أو بدعوة المسلم العاصي الى طاعة الله سبحانه وتعالى والاقلاع عن مخالفة شرعه، كما أن هذا الأمر والنهي بأنواعه قد يكون موجهاً الى شخص بعينه أو الى عدة أشخاص أو الى طائفة من الناس أو بشكل دعوة عامة الى الناس لاتباع ما جاء به الاسلام وترك ما يخالفه. والقواعد الجامعة في هذا الباب والتي يجب أن يفقهها الداعي هي ما يلي:

 

قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

745-  القاعدة الأولى: لا بد من العلم بالمعروف الذي يدعو إليه وبالمنكر الذي ينهى عنه. جاء عن بعض السلف "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به فقيهاً فيما ينهى عنه" وهذا واضح فكما أن من يعالج المريض يحتاج الى فهم بالمرض والدواء أي يكون طبيباً جيداً فكذلك الداعي ويستفاد ذلك من قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} والبصيرة تشمل ما قلناه.

746-  القاعدة الثانية: الرفق، والأصل فيه الكتاب والسنة قال تعالى مخاطباً موسى وهارون عليهما السلام: {اذهبا الى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} سورة طه الآية: 24 والقول اللين الذي أشارت اليه هذه الآية الكريمة ذكره الله تعالى في سورة النازعات قال تعالى: {فقل هل لك الى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى} فهذا الخطاب صريح في بيان الحق ولكنه رقيق لا يجد المبطل فيه إثارة لنفسه المثقلة بالباطل. ثم يبلغ اللين والرفق في الخطاب الى مدى أبعد من ذلك فيقول موسى كما حكاه الله تعالى عنه: {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} فهذا تحذير لطيف وصادق الى فرعون إذ لم يوجه موسى عليه السلام العذاب الى فرعون مباشرة وإنما قال: {على من كذب وتولى} وهذا فيه ما فيه من لين القول والتلطف في التحذير. وإذا كان الله تعالى قد أمر موسى عليه السلام بالقول اللين مع عصمته وحفظ الله له فغيره أولى بالأخذ باللين والتلطف في الخطاب فان القائل باللين ليس بافضل من موسى والمقول له ليس بأخبث من فرعون. وفي السنة النبوية "ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان العنف في شيء إلا شانه" "ان الله يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف" ولا شك أن القول اللين في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل في مفهوم الرفق المأمور به. ولا شك أن الداعي المسلم قد يخرج في بعض الأحيان عن هذا النهج اللين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن عليه دائماً أن يحمل نفسه عليه لأنه هو السبيل القويم الذي دلت عليه السنة النبوية وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم فعلاً فمن هذه التطبيقات ما جاء عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال "بينما أن أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمّöيَاه ما شأنكم تنظرون اليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال "ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس انما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"[8].

747-  القاعدة الثالثة: النظر الى المصالح والمفاسد، ومعنى ذلك: أن يكون قول الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بفقه ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح وما يقدر عليه وما لا يقدر عليه فإذا تعارضت المصالح والمفاسد فيما يأمر به او ما ينهى عنه نظر: فإن كان فيما يقوله أمراً ونهياً مصالح أعظم من المفسدة التي تحصل في أمره ونهيه وجب عليه الأمر والنهي وان كان العكس أي المفاسد أعظم لم يجب عليه بل قد يحرم[9].

748-  القاعدة الرابعة: اختلاط المعروف بالمنكر، الداعي بالنسبة لأنواع المعروف يدعو اليها دعوة مطلقة وكذا بالنسبة لأنواع المنكر ينهى عنها نهياً مطلقاً. ولكن بالنسبة لشخص معين أو طائفة معينة إذا كانوا جامعين بين معروف ومنكر، وهم إما أن يفعلوهما معاً أو يتركوهما معاً فعلى الداعي أن ينظر فان كان مصلحة المعروف أكبر وأرجح أمر به وإن جاؤوا بالمنكر المغمور في الخير. وإن كان الشر أكثر نهى عنه وإن فات الخير الكثير المغمور فيه. وإذا اشتبه الأمر على الداعي توقف حتى يتبين له الامر فلا يقدم الا بعلم واخلاص.

749-  القاعدة الخامسة: التبليغ حسب الامكان، وليس من شروط أداء واجب التبليغ ان يصل أمر الآمر ونهي الناهي الى كل إنسان مكلف في العالم اذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة فكيف يشترط فيما هو من توابعها؟ بل يشترط ان يتمكن المكلفون من وصول ذلك اليهم ثم اذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله اليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه فان التفريط منهم لا منه[10].

 

الكتابة

750-  الكتابة وهي من أنواع القول في الدعوة الى الله كما أشرنا من قبل. والكتابة إما أن تكون كتابة رسائل الى من يريد الداعي دعوتهم الى الاسلام ونبذ ما يخالفه وإما أن تكون بتأليف الكتب والأبحاث والمقالات في المجلات وغيرها. وكلها وسيلة جيدة للدعوة الى الله، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة الرسائل الى حكام البلاد غير الاسلامية يدعوهم فيها الى  الله واعتناق دين الاسلام كرسائله عليه الصلاة والسلام الى كسرى في العراق، وهرقل في الشام، والمقوقس في مصر، وكذلك علماء الاسلام يرسلون الرسائل الى الحكام المسلمين يدعونهم فيها الى ما أمرهم الله به مثل رسالة الأوزاعي الى الوالي العباسي في الشام حول أهل الذمة ولزوم رعاية حقهم المشروع. وتأليف الكتب في معاني الاسلام وكتابة الأبحاث والمقالات والرسائل، من الوسائل المفيدة جداً في الدعوة الى الله لا سيما إذا ترجمت الى لغات من يراد تعريفهم بالاسلام ودعوتهم إليه فيمكن بهذه الوسيلة تبليغ الاسلام الى ملايين الناس الذين لا يعرفون اللغة العربية ولم تصلهم معاني الاسلام. ويلاحظ في كتابة الرسائل والابحاث والكتب أنها توجه الى العموم يقرؤها كثير من الناس على اختلاف مستوياتهم في العلم والفهم فيجب على الداعي أن يكتبها بأسلوب بسيط مفهوم واضح يدركه أقل الناس قدرة على فهم الخطاب وان تكون المعاني التي يبينها مما لا يسع أي إنسان يريد الاسلام أن يجهلها. وأن تكون خالية من ذكر المسائل الدقيقة والخلافية وان تكون مختصرة دون اخلال بالمعنى ومقتضيات التفهيم.

 

الفرع الثاني - التبليغ بالعمل

 

751-  المقصود بالعمل: نريد بالعمل هنا في مجال التبليغ إزالة المنكر فعلاً وهذا هو الغالب ويجوز أن لا يكون في العمل إزالة منكر وإنما فيه إقامة معروف مثل بناء مسجد أو مدرسة أو نحو ذلك مما يسهل أو يحقق اقامة شرع الله في جانب من جوانبه ويكون هذا العمل كدعوة صامتة الى الاسلام ووسيلة فعالة من وسائل نشر الدعوة الى الله.

 

القواعد العامة إزالة المنكر

752-  والأصل في إزالة المنكر قوله صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وإزالة المنكر فعلاً إزالة لما يمنع الخير أوالحق فان المنكر في الأرض يدفع من الحق بقدره أو أكثر، فكان زواله أو إزالته تيسيراً لتحقيق الحق والخير بين الناس وكان هو من تمام الامر بالمعروف ووجه من وجوهه.

 

القواعد العامة في إزالة المنكر

753-  ذكرنا في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القواعد العامة وهذه تسري هنا أيضاً فلا بد من فقه وعلم بما يراد إزالته من المنكر من جهة كونه منكراً تجب إزالته، وكذلك الرفق في إزالته، لأن المقصود إزالة المنكر فعلاً وليس المقصود الانتقام ونحو ذلك فقد روى البخاري أن اعرابياً بال في المسجد فقام الناس ليقعوا فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم "دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء او ذنوباً من ماء فانما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".

وتجب ملاحظة المصالح والمفاسد وتزاحمها قبل الاقدام على إزالة منكر بعينه ليعرف الداعي ما يترتب عليه من أضرار او منافع، وكذلك ملاحظة ما جاء في القاعدة الرابعة من اختلاط المعروف والمنكر في شخص ما، وأنه إما أن يفعلهما، وإما أن يتركهما سوية، وما يترتب على الازالة في هذه الحالة في حق هذا الشخص المعين.

 

754-  ونضيف هنا الى القواعد العامة في إزالة المنكر ما يأتي:

القاعدة الأولى

أن تكون عند المزيل القدرة الكافية على هذه الازالة. ولا شك في تفاوت الدعاة في هذه القدرة وأعظمهم قدرة الامير أي من بيده السلطة والأمر والنهي، ولهذا فهو مسؤول أكثر من غيره عن إزالة المنكر في بيته لأنه مسلط شرعاً على هذه الازالة وله الولاية على بيته فيكون قادراً على الازالة، وبالتالي تجب عليه إلا إذا عارضها معارض شرعي في بعض جزئيات المنكر من جهة ما قد عسى أن يترتب على إزالة هذه الجزئية من مفاسد أكبر من المصالح في ضوء القواعد السابقة.

755-  فإذا عدم الداعي القدرة على الازالة اواستطاع الازالة ولكن يترتب على ذلك منكر أكبر أو يلحقه ضرر جسيم، ومن الضرر تعطيل عمله المبرور في الدعوة الى الله، ومنعه الانتقال الى الازالة بالقول فإذا لم يستطعه ايضاً لهذه المحاذير انتقل الى التغيير بالقلب كما جاء في الحديث الشريف الذي ذكرناه.

756-  ومن تطبيقات هذه القاعدة إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن ابيّ وأمثاله من ائمة النفاق لما لهم من اعوان، فازالة منكره بنوع من عقابه تستلزم إزالة معروف أكبر من ذلك بغضب قومه وحميتهم وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمداً يقتل أصحابه[11].

القاعدة الثانية

757-  كره المنكر لا رخصة فيه وإزالته حسب القدرة. ومما يجب أن يعلم جيداً أن كره المنكر يجب أن يكون تاماً كاملاً، لأن الأصل في المؤمن أن يكون حبه موافقاً لحب الله. وبغضه موافقاص لما يبغضه الله، وأي نقص في هذه الموافقة في جانبيها أو في أحد جانبيها حرده نقص الايمان قطعاً. لأن بغض المنكر في القلب لا ضرر فيه مطلقاً فمن لم يفعله أي لم يكره المنكر بقلبه كان ذلك دليلاً على ضعف إيمانه بل وموت قلبه وعدم ايمانه لأن الحديث ورد في آخره "ليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل". بعد أن ذكر مراتب تغيير المنكر باليد واللسان والقلب. أما إزالة المنكر باليد أي: فعلاً فهذه تكون بحسب القوة والقدرة فان الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}. ومتى كانت كراهية القلب للمنكر كاملة وارادته للتغير كاملة وفعل المسلم منها بحسب قدرته، أو لم يفعل لعجزه، فإنه يعطى ثواب الفعل.

القاعدة الثالثة

758-  الاستعانة ببعض المباح لتغيير المنكر، والأصل في ذلك مشروعية تأليف القلوب حتى تقبل الخير وتقلع عن الشر، ولو كان هذا التأليف بمال يبذل، وقد روي عن الامام الفقيه عمر بن عبد العزيز أنه قال "والله ما استطيع أن أخرج لهم شيئاً من أمر الدين إلا ومعه طرف من الدنيا استلين به قلوبهم خوفاً أن ينخرق عليّ منهم ما لا طاقة لي به"[12]  وعلى هذا يجوز للداعي أن يعوض المتلبس بالمنكر بشيء مباح جزاء تركه أو تغييره فعلاً كما لو كان له ولد أو صديق يلعب القمار فيعوضه بتخصيص جائزة له على سبق غيره في مباح كركض أو فروسية أو رمي، أو حفظ ما يستحب حفظه. وإذا كان متلبساً بمنكر ارتياد الملاهي عوضه بالسفرات البريئة، أو كان ميالاً الى الرشوة أوالتساهل في أكل مال الغير عوضه بزيادة أجرته أو راتبه ونحو ذلك.

 

الفرع الثالث - التبليغ بالسيرة الحسنة

أهمية السيرة الحسنة

759-  من الوسائل المهمة جداً في تبليغ الدعوة الى الله وجذب الناس الى الاسلام، السيرة الطيبة للداعي وأفعاله الحميدة وصفاته العالية وأخلاقه الزاكية مما يجعله قدوة طيبة وأسوة حسنة لغيره، ويكون بها كالكتاب المفتوح يقرأ فيه الناس معاني الإسلام فيقبلون عليها وينجذبون اليها، لأن التأثر بالافعال والسلوك أبلغ وأكثر من التأثر بالكلام فقط.

760-  إن الإسلام انتشر في كثير من بلاد الدنيا بالسيرة الطيبة للمسلمين التي كانت تجلب أنظار غير المسلمين وتحملهم على اعتناق الاسلام فالقدوة الحسنة التي يحققها الداعي بسيرته الطيبة هي في الحقيقة دعوة عملية للاسلام يستدل بها غير المسلم على أحقية الاسلام وانه من عند الله، لا سيما إذا كان سليم الفطرة سليم العقل.

761-  ومن السوابق القديمة في أهمية السيرة الحسنة للداعي وأثرها في تصديقه والايمان بما يدعو إليه أن خديجة بنت خويلد رضي الله عنها عندما أخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدث له في غار حراء قالت له "ابشر والله لا يخزيك أبداً انك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر – في أوصاف أخر جميلة عدتها من أخلاقه تصديقاً منها له واعانة على الحق"[13].

وروي أيضاً أن أعرابياً جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: من أنت؟ قال أنا محمد بن عبد الله؟ قال الاعرابي أأنت الذي يقال عنك انك كذاب؟ فقال أنا الذي يزعمونني كذلك فقال الاعرابي: ليس هذا الوجه وجه كذاب، وما الذي تدعو إليه؟ فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدعو إليه من أمور الإسلام فقال له الأعرابي آمنت بك وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. فالاعرابي استدل بسمت رسول الله ووجهه المنير الكريم الذي يكون عليه أهل الصدق والاخلاق الكريمة، استدل بذلك على صدقه فيما يدعو إليه صلى الله عليه وسلم.

 

أصول السيرة الحسنة

762-  وأصول السيرة الحسنة التي بها يكون الداعي المسلم قدوة طيبة لغيره ترجع الى أصلين كبيرين: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول. فإذا تحقق هذان الأصلان حسنت سيرة الداعي وكانت سيرته الطيبة صامتة الى الاسلام. وإن فاته هذان الاصلان ساءت سيرته وصارت دعوته صامتة منفرة عن الاسلام، فليتق الداعي ربه في هذا الأمر الخطير ولا يكون منفراً عن دين الله بسيرته وهو يريد الدعوة إليه بقوله.

 

الأصل الأول للسيرة الحسنة

763-  الأصل الأول هو حسن الخلق وقد تكلمنا في فصل سابق عن نظام الأخلاق كما تكلمنا عن أخلاق الداعي فلا نعيدهما هنا وإنما نحيل عليهما وما ذكرناه هناك يقال هنا في تجلية هذا الاصل. ونحب أن نكرر ونذكر هنا بخلق الصبر والعفو فان الداعي لا بد أن يكون حليماً صبوراً على الأذى لأنه لا بد أن يحصل له أذى أومضايقات فان لم يحلم ويصبر كان كما يقول ابن تيمية "ما يفسد أكثر مما يصلح" ولهذا قال تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} ولهذا أمر الله الرسل – وهم أئمة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر – بالصبر قال تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} بل إن الصبر مقرون بتبليغ الرسالة مما يدل على أهميته ولزومه للداعي الى الله تعالى فان أول ما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغ الرسالة سورة {يا أيها المدثر} وفيها {يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر} سورة المدثر الآيات: 1-7 فافتتح آيات الارسال الى الخلق بالأمر بالنذارة وختمها بالأمر بالصبر ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر[14].

والحقيقة أن الداعي بسماحته وعفوه وإعراضه عن الجاهلين وصبره على أذاهم ينال منهم مالا يناله بدون هذه الصفات بل أقول لا بد أن تحملهم هذه الصفات العالية الى قبول الحق ولو بعد حين إلا من سبق عليه الكتاب ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

الأصل الثاني للسيرة الحسنة

764-  والأصل الثاني موافقة العمل للقول فليحذر الداعي من مخالفة أفعاله لأقواله فإن النفس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا يوافق فعله قوله ولهذا قال شعيب عليه السلام لقومه كما جاء في القرآن الكريم {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} ولهذا حذرنا الله سبحانه من مخالفة أفعالنا لأقوالنا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} فليحمل الداعي نفسه دائماً على موافقة أفعاله لأقواله فان هذا ادعى للاقبال عليه وقبول قوله.



[1]  رياض الصالحين ص 296.

[2]  رياض الصالحين ص 296.

[3]  تيسير الوصول ج 3 ص 317.

[4]  رياض الصالحين ص 274: والثرثار هو كثير الكلام تكلفاً، والمتشدق المتطاول على الناس بكلامه ويتكلم بملء فيه تفاصحا وتعظيما لكلامه. المتفيهق هو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه ويغرب به تكبرا وارتفاعا واظهارا للفضيلة على غيره.

[5]  سيرة ابن هشام ج 2 ص 33.

[6]  رياض الصالحين ص 297.

[7]  رياض الصالحين ص 297. ويتخولنا معناها يتعهدنا.

[8]  رياض الصالحين ص 297-298.

[9]  مجموع فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 128.

[10]  مجموع فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 125-126.

[11]  فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 131.

[12]  سيرة عمر بن عبد العزيز، تأليف عبد الله بن الحكم ص 60.

[13]  إمتاع الأسماع ص 3 – 14.

[14]  مجموع فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 136-137.

|السابق| [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

أصول الدعوة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca