الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربية الأولاد في الإسلام - الجزء الأول
المؤلف: عبد الله علوان
التصنيف: قضايا الأسرة
 

القسم الثاني - مسؤوليات المربين

الفصل الخامس - مسؤولية التربية النفسية - ظاهرة الشعور بالنقص

الشعور بالنقص حالة نفسية تعتري الأولاد لأسباب خَلْقية ومرضية، أوعوامل تربوية، أو ظروف اقتصادية..

وهذه الظاهرة هي من أخطر الظواهر النفسية في تعقيد الولد  وانحرافه وتحوّله إلى حياة الرذيلة والشقاء والإجرام...

وإذا كنا نبحث في أسباب كل ظاهرة وعلاجها على ضوء الإسلام.. فعلينا أن نخصّ هذه الظاهرة بالتفصيل أسباباً وعلاجاً، لأهميتها وخطرها وآثارها..

عسى أن يولي الآباء والأمهات والمربون جميعاً اهتمامهم في اتخاذ الأسباب الوقائية، والوسائل العلاجية في تحرير الولد من كل مركبات النقص، والعُقد النفسية.. ليضمنوا لأولادهم تربية نفسية صحيحة، وتكويناً خلقيّاً سليماً!!..

والعوامل التي تسبب ظاهرة الشعور بالنقص في حياة الولد هي كما يأتي:

 

1- التحقير والإهانة                            2- الدلال المفرط

3- المفاضلة بين الأولاد              4- العاهات الجسدية

5- اليُتْم                              6- الفقر.

 

وإن شاء الله في هذا البحث فسنفند كل عامل بشيء من التفصيل، ثم نعرّج إلى ذكر العلاج على ضوء الإسلام، والله المستعان، ومنه نستمد التأييد والسداد.

o   أما عامل التحقير والإهانة فهو من أقبح العوامل في انحرافات الولد النفسية، بل هو من أكبر العوامل في ترسيخ ظاهرة الشعور بالنقص لدى الأطفال.. فكثيراً ما نسمع أن الأم أوالأب (شهّر بالولد حين ينحرف أول مرة عن سنن الأخلاق الكريمة، فإذا كذب مرة ناديناه دائماً بالكذاب، وإذا لطم أخاه الصغير مرة واحدة ناديناه بالشرير، وإذا احتال على أخته الصغيرة فأخذ منها تفاحة كانت بيدها ناديناه بالمحتال، وإذا أخذ من جيب أبيه قلماً ناديناه بالسارق، وإذا طلبنا منه كاس ماء للشرب فأبى ناديناه بالكسول، وهكذا نشهّر به أمام إخوته وأهله من الزلّة الأولى...)[1].

ومن مظاهر التحقير والإهانة في بيئاتنا مناداة الولد بكلمات نابية، وعبارات قبيحة أمام الإخوة والأقارب، وفي بعض الأحيان أمام أصدقاء الولد، أو أمام غرباء ما سبق أن رآهم واجتمع بهم، وهذا – لا شك – مما يجعل الولد ينظر إلى نفسه أنه حقير مهين، ومن سقط المتاع لا قيمة له ولا اعتبار، وهذا – أيضاً – مما يولّد في نفسه العُقْد النفسية التي تدفعه إلى أن ينظر إلى الآخرين نظرة حقد وكراهية.. وأن ينطوي على نفسه فارّاً من أبناء الحياة، منهزماً من تكاليفها ومسؤولياتها!!..

ومن هنا نعلم أية جناية نجنيها على أبنائنا وبناتنا حين نزجّ بهم إلى الحياة في جو هذه التربية الفاسدة المليئة بالأخطاء والمعاملة القاسية.

فيكف نرجو من الأولاد طاعة وبراً، وتوقيراً واحتراماً، واتزاناً واستقامة.. ونحن قد غرسنا في نفوسهم وهم صغار بذور هذا الانحراف أوالعقوق أو التمرد..؟!

·    جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنّبه على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه عليه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال عمر: بلى! قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟

قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسّن اسمه، ويعلمه الكتاب (القرآن).

قال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي..، وقد سماني جُعَلاً (أي خنفساء)، ولم يعلّمني من الكتاب حرفاً واحداً.

فالتفت عمر إلى الرجل، وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عَقَقْتَه قبل أن يعُفّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

·        ومن طرائف ما ذُكر أن أباً عيّر ولده بأمه، وقال له: أتخالفني وأنت ابن أمَة؟ فقال الولد لأبيه إن أمي والله خير منك يا أبي!!.. قال الأب: لöمَ؟

قال الولد: لأنها أحسنت الاختيار فولدتني من حر، وأنت أسأت الاختيار فولدتني من أمَة!!..

ونحن لا نشك أن الكلمات النابية القبيحة التي تنزلق من الأب للولد لم تصدر إلا من غاية تأديبية إصلاحية.. لذنب كبير أو صغير وقع فيه وبدر منه!!.

ولكن المعالجة لارتكاب هذا الذنب لا تصلح بهذه الحالة الغضبية، والطريقة التعنيفية.. التي تترك آثاراً خطيرة في نفسية الولد وسلوكه الشخصي.. وبالتالي تجعل منه إنساناً يتطبع على لغة السبّ والشتائم، ويتخلق بأخلاق المنحرفين الحمقى.. ونكون بهذه المعاملة القاسية قد جنينا على الولد، وحطمناه نفسيّاً وخُلقيّاً من حيث نعلم أو لا نعلم، بدل أن نعدّه إنساناً متزناً عاقلاً سويّاً يمشي في دروب الحياة على نور العقل والاتزان والاستقامة والحق المبين..

ولكن ما هي معالجة الإسلام للولد إذا وقع منه خطأ أو صدرت هفوة؟

المعالجة الصحيحة أن ننبهه على خطئه برفق ولين، ونقنعه بالحجج الدامغة  ، وأن الذي صدر منه لا يرضى به إنسان عاقل ذو فهم وبصيرة وفكر ناضج رزين..

فإن فهم واقتنع وصلنا إلى ما نريد في إصلاح خطئه ومعالجة انحرافه.. وإلا فالمعالجة ستكون بأسلوب آخر كما سيأتي بيانه في بحث (التربية بالعقوبة) في القسم الثالث من كتاب (تربية الأولاد في الإسلام) إن شاء الله.

وهذه الطريقة الرفيعة اللينة في التأديب هي طريقة الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

وإليكم بعض النماذج في معاملته ولينه ووصاياه:

(أ) روى الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي أمامة أن غلاماً شابّاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم قربوه.. ادنُ، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبه لأمك؟ قال: لا، جعلني الله فداك! قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك! قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك؟ قال: لا، جعلني الله فداك! قال: كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم..

ثم ذكر له العمة والخالة.. وهو يقول في كل واحدة: لا، جعلني الله فداك!..

فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع على صدره، وقال: "اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه" فقام من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس شيء أبغض عليه من الزنى.

(ب) وروى مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السّلمي رضي الله عنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت له: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أمّياه!! ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمّتونني سكتّ، فلما انتهى عليه الصلاة والسلام من صلاته دعاني، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني.. لكن قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.

(ج) وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوه وأريقوا على بوله سجْلاً[2] من ماء، فإنما بُعثتُم ميسّرين، ولم تبعثوا مُعسّرين".

ومن وصاياه عليه الصلاة والسلام في الرفق واللين:

-          روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله".

-          وروى مسلم عن عائشة كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".

-          وروى مسلم عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير كله".

فالذي نخلص إليه بعد ما تقدم أن تحقير الولد وتعنيفه بشكل مستمر دائم – ولا سيما أمام الحاضرين – هو من أكبر العوامل في ترسيخ ظاهرة الشعور بالنقص.. ومن أعظم الأسباب في انحرافات الولد النفسية والخلقية.. وخير علاج لهذه الظاهرة هو تنبيه الولد على خطئه إذا أخطأ برفق ولين مع تبيان الحجج التي يقتنع بها في اجتناب الخطأ.. وعلى المربي إن أراد زجر الولد وتوبيخه ألا يكون ذلك أمام الحاضرين، كما يجب أن يسلك معه في بادئ الأمر الأسلوب الحسن في إصلاحه وتقويم اعوجاجه، وهذه الطريقة هي طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام في الإصلاح والتربية وتقويم الاعوجاج..

 

***

o   أما عامل الدلال المفرط فهو فهو أيضاً من العوامل الخطيرة في انحراف الولد النفسي والخُلقي.. لما يؤول في الغالب إلى استشعاره بمركّب النقص، ونظرته الحاقدة إلى الحياة.. ومن نتائجه في الأحوال العادية الخجل، والخنوع، وفقدان الرجولة والشجاعة، وضعف الثقة بالنفس، والتدرج نحو الميوعة، والتخلف عن الأقران..

أما كون الدلال المفرط يولد في نفس الطفل ظاهرة الشعور بالنقص، والنظرة الحاقدة إلى الحياة فللاعتبارات التالية:

يرى الناس يتقدمون وهو في ذيل القافلة.

يرى الناس في إقدام وشجاعة وهو في خوف وجبن.

يرى الناس في حركة وعراك ومجاهدة.. وهو في صمت وسكون وجمود..

يرى الناس في تلاق واجتماع وهو في انطوائية وعزلة..

يرى الناس يسمون للمصاعب.. وهو في بكاء وجزع إذا أصابته أدنى مصيبة..

فولدñ هذا شأنه، وهذه حاله.. هل يكون إنساناً سويّاً؟ وهل يكون عضواً نافعاً للمجتمع؟ وهل تكون نظرته إلى الحياة نظرة أمل وتفاؤل؟ وهل يكون إنساناً ذا شخصية استقلالية يثق بنفسه، ويعتمد عليها؟

فإذا كان الجواب لا !!..

فلماذا يغالي الأبوان في تدليل الولد؟ ولماذا يدلّعانه هذا الدَّلع؟ ولماذا يتعلقان به هذا التعلق الزائد؟ ولا سيما الأم، فإن عندها من الرعاية المفرطة لوليدها أو من الوسوسة إذا صح التعبير.. ما يدفعها إلى أن تُفرöط في احتضان ابنها وتدليله بشكل يخرجها عن المألوف وحدود الاعتدال..

وهذه ظاهرة خطيرة نراها في كثير من الأمهات اللواتي لا يعرفن قواعد التربية الإسلامية في تربية الولد:

·    فمن مظاهر هذه التربية الخاطئة عند الأم عدم السماح للولد بأن يقوم بالأعمال التي أصبح قادراً عليها اعتقاداً منها أن هذه المعاملة من قبيل الشفقة والرحمة للولد..

·    ومن مظاهر هذه التربية الخاطئة احتضان الولد بشكل دائم، فهي لا تسمح لنفسها – إن كانت فارغة – أن تتركه أبداً سواء أكان الاحتضان له مبرّراته أم لم يكن.

·        ومن مظاهر هذه التربية الخاطئة أن لا تترك الأم ولدها يغيب عن ناظريها لحظة واحدة مخافة أن يصاب بسوء.

·        ومن مظاهرها أيضاً عدم محاسبتها لولدها حينما يفسد أثاث المنزل، أو عندما يتسلق المنضدة، أو عندما يسوّد الجدار بقلمه..

وتزداد مظاهر التدليل المفرط في نفس الأبوين سوءاً عندما يرزقان الطفل بعد سنوات كثيرة، أو أنجبت الأم هذا الطفل بعد عدة اجهاضات مستمرة، أو كان الطفل ذكراً بعد عدة إناث، أو إن شُفي الطفل من مرض شديد هدد حياته بالخطر المحدق..

ولكن ما العلاج الذي وضعه الإسلام للتخفيف من هذه الظاهرة؟

1-  تعميق عقيدة القضاء والقدر في نفس الأبوين، حتى يعتقدا أن  ما يصيب أولادهم من صحة أو مرض، أو ما يعرض لهم من نعمة أو شقاء، أو ما يقدر الله عليهم من نسل أو عقم، أو يبتليهم به من غنى أو فقر.. كل ذلك بمشيئة الله سبحانه، وبقضائه وقدره..

-    قال تعالى: {ما أصابَ من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} الحديد: 22-23.

-    وقال جل جلاله: {لله مُلك السموات والأرض يخلُق ما يشاء يَهبُ لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير} الشورى: 50.

-    وقال عز من قائل: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلواتñ من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} البقرة: 155-157.

2-  التدرج في تأديب الولد، فإن كان ينفع مع الولد النصح والوعظ فلا يجوز للمربي أن يلجأ إلى الهجر، وإن كان ينفع الهجر فلا يجوز له أن يلجأ إلى الضرب.. وإذا عجز المربي عن إصلاح الولد وتقويم اعوجاجه بعد أن اتخذ كل الوسائل التأديبية والزجرية فعندئذ يلجأ إلى الضرب غير المبرّöح.

وإن شاء الله فسيكون البحث وافيّاً مستفيضاً في مبحث (التربية بالعقوبة) في فصل (وسائل التربية المؤثرة في الطفل) في القسم الثالث من كتاب (تربية الأولاد في الإسلام).

3-  تربية الولد منذ نعومة أظفاره على الاخشيشان، والثقة بالنفس، وتحمل المسؤولية، والجرأة الأدبية... حتى يشعر الولد بكيانه ووجوده، وحتى يتحسس بواجبه ومسؤوليته..

-    أما أن تكون التربية للولد قائمة على الاخشيشان فللحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: "إياكم والتنعّم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعّöمين".

-    وأما أن تكون التربية قائمة على الثقة بالنفس وتحمل المسؤولية فلعموم الحديث الذي سبق ذكره: "كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته"، فهو يشمل الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والحاكم والمحكوم..

ولتوجيه عمر رضي الله عنه فيما رواه البيهقي: "علموا أولادكم السباحة والرماية، ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثباً".. ومن المعلوم أن الولد – وهو صغير – حين يتعلم كيف يسبح؟ وكيف يرمي؟ وكيف يركب الخيل؟ يكون قد وثق بنفسه، وشعر بوجوده وشخصيته، وبالتالي تدرج على تحمل المشاق والمسؤوليات..

-    وأما أن تكون التربية قائمة على الجُرأة الأدبية فلحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة في المنشط والمكره في العسر واليسر.. وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم..". ولا شك أن هذه المبايعة تشمل الصغار والكبار، والرجال والنساء..

وسبق أن ذكرنا في فصل (مسؤولية التربية الجسمية) أهم الوصايا النبوية، وأبرز التعاليم الإسلامية في تربية أجسام الأولاد.. وكلها – لا شك – تعويد لهم على الثقة بالنفس، وتحمل الأمانة والمسؤولية وإشعار للواحد منهم أنه إنسان ذو شخصية وكرامة وكيان!!..

4-  الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو صغير إلى أن ترعرع شاباً إلى أن بعثه الله نبيّاً لأن الله سبحانه أدّبه فأحسن تأديبه، وشمله برعايته، وصنعه على عينه..

وها نحن أولاء سنسرد بعض النماذج في كل مراحل حياته – ولا سيما سن الطفولة والشباب – لتكون للمربين هداية ونبراساً، وللأجيال المؤمنة قدوة وأسوة:

-    كان عليه الصلاة والسلام في صغره يرعى الغنم، يقول صلى الله عليه وسلم عن نفسه فيما رواه البخاري: "ما بعث الله نبيّاً إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟! فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط[3] لأهل مكة".

-    وكان صلى الله عليه وسلم في صغره يلعب مع الغلمان.. روى ابن كثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب الغلمان، كلنا قد تعرّى وأخذ إزاره، وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم – ما أراه – لكمة وجيعة، ثم قال: شدّ عليك إزارك، قال: فأخذته فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري عليّ من بين أصحابي".

-    وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بعملية البناء. روى البخاري ومسلم: "ولما شبّ صلى الله عليه وسلم وبنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة مع أشراف قريش لبنائها، فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة، ففعل فخرّ إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام، فقال: "إزاري، إزاري"، فشدّ عليه إزاره، وقال "إني نهيتُ أن أمشي عرياناً"، وهذا دليل عصمته قبل النبوة.

-    وكان صلى الله عليه وسلم يخرج للسفر والتجارة، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام سافر مرتين: مرة قبل البلوغ مع عمه أبي طالب، والمرة الثانية بعد البلوغ بتوجيه خديجة رضي الله عنها.

-    وكان صلى الله عليه وسلم في صباه ذا جرأة متناهية ذكرت كتب السّيَر أنه عليه الصلاة والسلام استُحلف باللات والعزّى وهو صبيّ، فقال للمستحلف: لا تسألني بهما شيئاً، فوالله ما بغضت شيئاً بُغضي لهما.

-    وكان صلى الله عليه وسلم قد شارك في الحرب وهو دون الحلم، فمما ذكرته كتب السير أنه كان عليه الصلاة والسلام يُنْبöل على أعمامه في حرب الفجار.

-    وكان صلى الله عليه وسلم ذا رأي وحصافة، فاحتُكم إليه وهو شاب، فمما تناقلته كتب السير أن قريشاً حكّمته في وضع الحجر الأسود، ولقد أعجبت برأيه وحكمه وحصافته!!..

ويكفيه صلوات الله وسلامه عليه فخراً وشرفاً أن يتربى – وهو اليتيم الصغير – على خير ما تتحلى به النفوس من كريم الخصال، وحميد الصفات، وجميل العادات.. فلم يسجد لصنم ولم يشارك الجاهلية في مفاسدها، ولم يذق شيئاً من لحوم قرابينها.

ولا عجب أن ينسب ذلك إلى ربه الذي أحاطه بعنايته، وصنعه على عينه، وتولى تأديبه فقال عليه الصلاة والسلام: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" رواه العسكري.

فهذه اللمحات الخاطفة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في طفولته، وعن عصمته وأخلاقه في شبابه.. مشاعل هداية في تبيان المنهج التربوي الذي يجب أن يسلكه المربون مع أبنائهم.. ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام قدوة صالحة في طفولته وشبابه، وفي رجولته وكهولته، فأولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.

والذي نخلص إليه بعدما تقدم أن ظاهرة الدلال المُفرط هي من أكبر العوامل في انحراف الولد النفسي، لكونها تؤدّي في كثير من الأحيان إلى مركب الشعور بالنقص في حياة الطفولة وبعدها.

فما على الأبوين – ولا سيما الأم – إلا أن يمشوا على السنن التي وضعها الإسلام في تربية الأولاد.

والتي منها الاعتدال في محبة الولد، والتعلق به، والتسليم لله في كل ما ينوب ويروع.

والتي منها أن يكون التأديب للولد في سن التمييز على حسب ما تقتضيه مصلحة التربية بالعقوبة.

والتي منها أن تكون التربية للولد قائمة على أسس الاخشيشان، والاعتماد على النفس، وتحمل المسؤولية، وتنمية الجرأة الأدبية.

والتي منها التأسي بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم الطفل باعتبار أنه قدوة قبل النبوة وبعدها.

ويوم يسير المربون على هذه السنن، ويلتزمون هذه القواعد يكونون قد حرّروا من لهم عليهم حق التربية من العوامل التي تؤدي إلى تحطيم الشخصية، وهدر الكرامة الإنسانية، ويكونون كذلك قد رفعوا من مستوى الولد النفسي والأخلاقي والعقلي، وأصبح في الحياة إنساناً سوياً!!..

 

***

o   أما عامل المفاضلة بين الأولاد فهو كذلك من أعظم العوامل في انحراف الولد النفسي سواء أكانت المفاضلة في العطاء أم في المعاملة أم في المحبة؟..

وهذه الظاهرة لها أسوأ النتائج في انحرافات الولد السلوكية والنفسية.. لأنها تولد الحسد والكراهية، وتسبّب الخوف والحياء، والانطواء والبكاء.. وتورث حب الاعتداء والمشاجرة والعصيان.. وتؤدي إلى المخاوف الليلية، والإصابات العصبية، ومركبات الشعور بالنقص..

وكم كان المربي الأول صلوات الله وسلامه عليه حكيماً، ومربيّاً اجتماعياً عظيماً حين أمر الآباء أن يتقوا الله ويعدلوا بين أولادهم؟!.

-          روى ابن حبّان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رحم الله والداً أعان ولده على برّه".

-          وروى الطبراني وغيره: "ساووا بين أولادكم في العطية".

-    وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلتُ ابني هذا – أي أعطيته – غلاماً كان لي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكُلَّ ولدك نحلْتَه مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه.

وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال عليه الصلاة والسلام: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم". فرجع أبي فردّ تلك الصدقة.

وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. قال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تُشهöدني إذن فإني لا أشهد على جور – أي ظلم – ثم قال: أيسرّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذن.

-    وروى أنس أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبّله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنة له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا سويت بينهما؟".

فيؤخذ من هذه التوجيهات النبوية الكريمة مبدأ تحقيق العدل، والمساواة والمحبة.. فيما بين الأولاد.. دون أن يكون لعنصر التفريق أو التمييز مكان بينهم.

نعم! .. قد يكون لعدم محبة الطفل، والعناية به أسباب ظاهرة:

كأن يكون الطفل من الجنس غير المرغوب فيه جهلاً لكونه أنثى.

أو يكون قليل الحظ من الجمال أو الذكاء.

أو يكون مصاباً بعاهات جسمية ظاهرة. أو .. أو ...

ولكن كل هذه الأسباب الخَلْقية والخُلقية لا تعد مبررات – في نظر الشرع لكراهية الولد، وتفضيل إخوته عليه.

وكم يكون الأبوان ظالمين وجائرين حينما ينهجان مع الولد هذا النهج السيء، ويعاملانه هذه المعاملة القاسية؟

ما ذنب الطفل إن ولد في الحياة وهو أنثى؟

وما جريمته إن كان دميم الوجه؟

وما جريرته إن لم يخلق على ذكاء فارط؟

وما الذي جناه إن كان بطبعه كثير الحركة والتنقل والمشاغبة؟

وما مسؤوليته إذا قُدّöر له – وهو صغير – أن يصاب بعاهات جسدية ظاهرة؟

فإذا كان المربون حريصين على سلامة أبنائهم من العقد النفسية، ومركبات الشعور بالنقص، وآفات القلوب من حقد وحسد وفساد طوّية.. فليس أمامهم من سبيل سوى أن ينفذوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم"، وأن يرضوا بما قسمه الله لهم من معطيات البنين أو البنات.. وعليهم كذلك أن يسعوا جهدهم في إشعار أولادهم جميعاً روح المحبة والأخوة والتسامح والمساواة.. حتى ينعموا في ظلال العدل الشامل، والنظرة الرحيمة، والعطف الصادق، والمعاملة العادلة..

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل في الحديث الذي رواه ابن حبان: "رحم الله والداً أعان ولده على بöرّه".

 

***

o  أما عامل العاهات الجسدية فهو أيضاً من العوامل الكبيرة في انحراف الولد النفسي، لما يؤول في الغالب إلى الشعور بالنقص، والنظرة الحاقدة إلى الحياة..

فالولد حين يصاب – منذ الصغر – بعاهة جسدية كالعور، أو الصمم، أوالعته، أو التهتهة ونقص النطق.. فينبغي أن يلقى ممن يعيشون حوله من أب وأم وإخوة وأقرباء وجيران وأصدقاء وأهل.. كل رعاية وعطف ومحبة، وأخلاق سمحة رضية، وتعاطف حسن جميل.. تحقيقاً لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وأبو داود: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وقوله فيما رواه الترمذي وابن حبان: "أكَملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً".

ولكن حين يخاطب المصاب بعاهة العور يا أعور، وبعاهة الصمم يا أطرش، وبعاهة العُته يا أجدَب، وبعاهة نقص النطق يا أخرس..

فمن البديهي أن تتولّد لدى الولد الواعي المميز مركبات الشعور بالنقص وآفات العُقد النفسية.. فلا عجب أن نراه في حالة يُرثى لها من الصراع النفسي، والحقد الاجتماعي، والنظرة المتشائمة للحياة..

لهذا وجب على المربين أن يعالجوا مشكلة عاهات أبنائهم بالأسلوب الحكيم، والتربية الصالحة، والمعاملة الرحيمة، والمراقبة التامة.. على أساس أن قيمة الإنسان في دينه وأخلاقه لا في شكله ومظهره..

·    فأول خطوات هذه المعالجة أن ينظروا إليهم نظرة حب ورحمة، وأن يخصوهم بالعناية والرعاية، وأن يشعروهم أنهم متميزون عن غيرهم بالذكاء والمواهب، والعلم والخبرة، والنشاط والحيوية.. فهذه النظرة إليهم، والإشعار لهم يزيل في نفوسهم آفة الشعور بالنقص، بل يندفعون بكليتهم – بكل ثقة واطمئنان – نحو العمل البنّاء، والإنتاج المثمر.

·    وثاني خطوات هذه المعالجة أن يقوم المربون بواجب النصح والتحذير لكل من كان حول المصاب من خلطاء سواء أكانوا أقارب أم أباعد؟ حيث يحذرونهم مغبة التحقير والإهانة، ونتائج الاستهزاء والسخرية، وما تتركه من أثر سيء في نفوسهم، وما تحدثه من مضاعفات أليمة في أعماق أحاسيسهم ومشاعرهم..

وعلى المربين حين يوجهون وينصحون، أن يبينوا لكل من يجتمع بالمصاب منهج المربي الأول صلوات الله عليه في دعوته الكبرى إلى وحدة اجتماعية متينة متراصة تقوم دعائمها على الصفاء والمحبة، وتتركز أسسها على التوقير والاحترام..

وهذه أسس منهجه عليه الصلاة والسلام في تحذيراته من كل ما يمس الكرامة الإنسانية، ويحطم الشخصية المسلمة، ويمزق الوحدة الاجتماعية المتراصة..

-    فمن تحذيراته عليه الصلاة والسلام من آفات اللسان قوله فيما رواه البخاري: "وإن العبد ليتكلم بالكلمة لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم"، وقوله: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزلّ إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب".

-          ومن تحذيراته صلى الله عليه وسلم من التحقير بالشماتة قوله فيما رواه الترمذي: "لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك".

-    ومن تحذيراته صلى الله عليه وسلم من التحقير بالإشارة توجيهه لعائشة رضي الله عنها فيما رواه أبو داود والترمذي، قالت عائشة: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفيّة كذا وكذا (تشير أنها قصيرة) فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد قلت كلمة لو مُزöجت بماء البحر لَمَزجتْه[4]".

وتندرج هذه التحذيرات كلها تحت قوله تبارك وتعالى:

{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومñ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهن، ولا تَلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسمُ الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} الحجرات: 11.

·    وثالث خطوات هذه المعالجة أن يهيئ المربون لأولادهم المصابين رُفقَة من الأصحاب حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم.. حيث يجتمعون بهم، ويلعبون معهم، ويتبادلون أحاديث المحبة فيما بينهم.. ليشعروا في أعماق وجدانهم محبة للناس لهم، واهتمامهم بهم وعطفهم وعليهم. يقول ابن سينا – في عرض تنمية شخصية الطفل، وإشباع غريزة حب الاجتماع في نفسه - :"أن يكون مع الصبي في مكتبه صöبْيَة حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ، وبه أنس".

ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي في نوادره: "عُرامة[5] الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره".

والذي نخلص إليه بعدما تقدم أن المربي لا يعدم وسيلة في معالجة مشكلة العاهة الجسدية في ولده المصاب سواء ما يتعلق بنظرة الحب والرحمة، أو تخصيصه بالعناية والرعاية، أو تحذير البيئة التي يعيش فيها من الهزء والتحقير والإهانة، أو إعداد الرفقة الصالحة التي يجتمع بها، ويلتقي معها.. وبهذا يكون قد أزال من نفسه عقدة الشعور بالنقص، وهيّأه ليكون عضواً نافعاً في المجتمع، يبني بساعديه صرح الحضارة، ويشيد بعزمه مجد أمته ومستقبل بلاده..

 

***

o  أما عامل اليتم فهو عامل خطير في انحراف الولد النفسي، ولا سيما إذا وُجد اليتيم في بيئة لا ترعاه، ولا تكفكف أحزانه، ولا تنظر إليه بعين العطف والرحمة والمحبة..

والإسلام اهتم بشأن اليتيم الاهتمام البالغ من ناحية تربيته ومعاملته، وضمان معيشته.. حتى ينشأ عضواً نافعاً في المجتمع، ينهض بواجباته، ويقوم بمسؤولياته، ويؤدي ماله وما عليه على أحسن وجه وأنبل معنى..

فمن اهتمام القرآن الكريم بشأن اليتيم أمْره بعدم قهره، والحط من شأنه وكرامته..

-          {فأما اليتيم فلا تقهر} الضحى: 09.

-          {أرأيت الذي يُكذّب بالدين. فذلك الذي يدعُّ[6] اليتيم} الماعون: 01-02.

ومن اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بشأنه حضه على كفالته، وأمْره بوجوب رعايته، وبشارته الأوصياء – إن أحسنوا الوصاية – أنهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة:

-          روى الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين"، وأشار بأصبعيه – يعني السبابة والوسطى - .

-    وروى الإمام أحمد وابن حبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من وضع يده على رأس يتيم رحمة، كتب الله له بكل شعرة مرت على يده حسنة".

-    وروى النسائي بإسناد جيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم إني أحرّج حقّ الضعيفين: اليتيم والمرأة"، ومعنى أحرّج: ألحق الحرج والإثم بمن ضيّع حقهما.

ورعاية اليتيم وكفالته واجبة في الأصل على ذوي الأرحام والأقرباء، فعلى هؤلاء إن أرادوا أن يعالجوا أحوال اليتامى النفسية والخلقية.. فما عليهم إلا أن يخصوهم بمزيد من الرحمة والعطف والعناية، وأن يشعروهم أنهم كأولادهم حبّاً ومعاملة وملاطفة..

وفي حال عدم وجود الأوصياء من الأقارب والأرحام فعلى الدولة المسلمة أن ترعاهم وتتولى أمرهم، وتشرف على تربيتهم وتوجيههم، وترفع من كيانهم وقَدْرهم في الحياة..

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم – باعتبار أنه الممثل الأول للدولة الإسلامية في المدينة – كان يخصّ اليتيم بمزيد من العطف والمعاملة والرحمة، فقد روت السيدة عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأى يتيماً يوم عيد، فلاطفه، وبشّ له، وأحسن إليه، وأخذه إلى بيته، وقال له:

"أما ترضى أن أكون لك أباً، وتكن عائشة لك أمّاً؟".

وكذلك يجب على الدولة أن ترعى اللقيط، وتقوم على أمره وكفالته في حين وجوده والعثور عليه، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جاءه رجل بلقيط، فقال له: "نفقته علينا وهو حرّ".

وبهذه المعاملة الحسنة التي ينهجها الإسلام في معاملة كل من اللقيط واليتيم يكون قد قدّم للمجتمع الإسلامي مواطنين صالحين ينهضون بواجباتهم، ويضطلعون بمسؤولياتهم، فلا يشعرون بنقص، ولا يتيهون في لجة الهواجس والأفكار والتصورات المنحرفة..

 

***

o   أما عامل الفقر فهو عامل كبير في انحراف الولد النفسي، ويقوى جانب هذا الانحراف فيه حين يفتح عينيه ويرى أباه في ضائقة، وأسرته في بؤس وحرمان.. ويزداد الأمر لديه سوءاً حين يرى بعض أقربائه أو أبناء جيرانه، أو رفاقه في المدرسة.. وهم في أحسن حال، وأبهى زينة، وأكمل نعمة.. وهو كئيب حزين لا يكاد يجد اللقمة التي تشبعه، والثوب الذي يستره..

فولدñ هذه حاله ماذا ننتظر منه أن يكون نفسيّاً؟ حتماً سينظر إلى المجتمع نظرات الحقد والكراهية.. وحتماً سيصاب بأمراض من مركبات النقص، والعُقد النفسية.. وحتماً سيتبدل أمله إلى يأس، وتفاؤله إلى تشاؤم.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل – فيما رواه أحمد بن منيع والبيهقي - :"كاد الفقر أن يكون كفراً".. بل كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الفقر في دعائه، فقد روى النسائي وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر".

والإسلام عالج مشكلة الفقر بأمرين أساسيين:

الأول: احترامه الكرامة الإنسانية.

الثاني: سَنّه لمبادئ التكافل الاجتماعي.

·    أما احترامه الكرامة الإنسانية فلأنه سوّى بين جميع الأجناس والألوان والطبقات في الاعتبار والكرامة الإنسانية، وإذا كان لا بد من المفاضلة فلتكن بالتقوى والإنتاج والعمل الصالح..

والمبدأ الذي طبعه الإسلام في ضمير الزمان إلى يوم القيامة قوله تعالى:

{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ أو أنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات: 13.

ولأنه لم ينظر إلى الصور والأجسام، وإنما جعل النظرة إلى القلوب والأعمال، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: "... إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

ولأنه رفع من قدر الضعفاء والفقراء، واعتبر إغضابهم وتحقيرهم إغضاباً للرب سبحانه، فقد روى مسلم أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك"، فأتاهم فقال: يا أخوتاه أأغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي...!".

·    وأما سنّه لمبادئ التكافل الاجتماعي فلا شك أن الإسلام سن من مبادئ التكافل في حل مشكلة الفقر ما يعتبر من أرقى وأسمى ما وصل إليه الجهد البشري في العصر الحديث.

وإليكم بعض هذه اللمحات في معالجة الإسلام لمشكلة الفقر في المجتمع:

·    أنه شرع بيت مال للزكاة تتولاه الدولة المسلمة، وجعل مصارفه على المستحقين من الفقراء، والمساكين وأبناء السبيل، والمديونين، وتحرير الأرقاء.. قال تعالى:

{إنما الصدقات للفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قُلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فريضةً من الله، والله عليمñ حكيم} التوبة: 60.

وروى الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً أليماً".

·    أنه لم يعتبر المسلم مسلماً إذا بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به، فقد روى البزار والطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما آمن بي مَن بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به". بل اعتبر إسعافه وإدخال السرور عليه من أحسن القربات، وأفضل الأعمال، فقد روى الطبراني في الأوسط عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: "أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن: كسوتَ عورتَه، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجة".

·    أنه جعل إسعاف الجائع والمحروم في وقت الشدة من أهم الواجبات، فقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: أن أصحاب الصُفّة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عنده طعان اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس".

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان معه فضل ظهر (أي مركوب) فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصناف المال ما ذكره حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.

·    أنه أوجب على الحاكم أن يهيئ سبيل العمل لكل من كان قادراً عليه، فقد روى أبو داود والنسائي والترمذي: "أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عطاء، فقال له: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى يا رسول الله، حöلْس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما عليه الصلاة والسلام وقال: من يشتري مني هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يزيد على درهم: قال رجل أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانبذْه إلى أهلك، واشترö بالآخر قدّوماً فأتني به، فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال: اذهب واحتطب وبع، ولا أرينّك خمشة عشر يوماً، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وبعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من أن تجيء والمسألة نكتة في وجهك يوم القيامة".

·    إنه سنّ قانون التعويض العائلي لكل مولود يولد في الإسلام سواء أكان المولود ابناً لحاكم أو موظف أم كان ابناً لعامل أو سوقة.. فقد روى أبو عبيد في كتابه (الأموال) (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يفرض لكل مولود عطاء إلى عطاء أبيه يقدر (بمائه درهم)، وكلما نما الولد زاد العطاء، وقد جرى عليه من بعده عثمان وعلي والخلفاء..).

هذا عدا عن التربية الوجدانية التي يغرس الإسلام جذورها في قلوب المسلمين، وفي أعماق مشاعرهم، وحنايا ضمائرهم.. ليندفع الجميع إلى تحقيق التعاون، والتكافل، والإيثار عن رغبة وإيمان، وطواعية واختيار..

والواقع التاريخي أكبر شاهد على ما نقول.. وإليكم بعض النماذج في تكافل المجتمع المسلم، وفي تعاطفه وتراحمه وتعاونه:

1-  قال محمد بن إسحاق: "كان أناس بالمدينة يعيشون ولا يدرون من أين يعيشون؟ ومن يعطيهم؟ فلما مات زين العابدين بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم بالليل بما يأتيهم به، ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب (أي الكيس) إلى بيوت الأرامل والمساكين".

2-  وكان الليث بن سعد ذا غلّة سنوية تزيد على سبعين ألف دينار يتصدق بها كلها حتى قالوا إنه لم تجب عليه زكاة قط، واشترى مرة داراً بيعت بالمزاد، فذهب وكيله يتسلمها فوجد فيها أيتاماً وأطفالاً صغاراً، سألوه بالله أن يترك لهم الدار، فلما بلغ ذلك الليث أرسل إليهم أن الدار لكم، ومعها ما يصلحكم كل يوم.

3-  وكان عبد الله بن المبارك الإمام الكبير المحدّث كثير الصدقات، تبلغ صدقاته في السنة أكثر من مائة ألف دينار، خرج مرة إلى الحج مع أصحابه، فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر، فأمر بإلقائه على مزْبَلَة هناك، وسار أصحابه أمامه، وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت، فلما سألها لم فعلت ذلك، أخبرته أنها وأخاها فقيران لا يعلم بهما أحد، ولا يجدان شيئاً، فأمر ابن المبارك بردّ الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، فقال له: عُدّ منها عشرين ديناراً تكفينا إلى "مرو" وأعطها الباقي فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع فلم يحج[7].

ويوم تتضافر جهود الدولة، وجهود المجتمع، وجهود الأفراد في حل مشكلة الفقر، لا يبقى في المجتمع الإسلامي فقير ولا محتاج، وتنعم الأمة الإسلامية بظلال الأمن، والرفاهية، والتكافل والاستقرار.. ويتحرر أبناء المجتمع من كل العوامل الإجرامية، والانحرافات النفسية.. ونرى بأم أعيننا راية العزة الإسلامية ترفرف في علياء المجد والكرامة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.


[1]  من كتاب (أخلاقنا الاجتماعية) للمرحوم الدكتور مصطفى السباعي ص 159.

[2]  السجل: الدلو في البئر.

[3]  المراد بالقيراط جزء من الدرهم (عمله عصر النبوة).

[4]  أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها.

[5]  عرامة الصبي: أن انطلاقته وحيويته وقوة الاجتماع مع غيره.

[6]  أي يزجره وينهره.

[7]  ومن أراد المزيد في معالجة الإسلام للفقر فليرجع إلى كتابنا (التكافل الاجتماعي في الإسلام) فإن فيه ما يشفي الغليل.

|السابق| [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

حتى يعلم الشباب 

عقبات الزواج 

حكم الإسلام في وسائل الإعلام 

تعدد الزوجات في الإسلام 

التكافل الإجتماعي في الإسلام 

صلاح الدين بطل حطين ومحرر القدس من الصليبيين 

إلى كل أب غيور يؤمن بالله 

تربية الأولاد في الإسلام - الجزء الأول 

هذه الدعوة ما طبيعتها 

الدعوة الإسلامية والإنقاذ العالمي 

صفات الداعية النفسية 

بين العمِِِِل الفردى والعمل الجماعى 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca