ومن مارس التربية الحركية الإسلامية يدرك ندرة الكتب التي تفي بمثل هذه الحاجات من دون أن يكون بها بعض العيب، من حديث ضعيف، أو تفسير مرجوح، أو بلاغة متكلفة، أو استعانة بأقوال أهل البدع، أو استعمال لأسلوب معقد وتبويب يسرف في التقسيم يأباه الاسترسال الواجب في المخاطبات الإيمانية، أو حشر لسجع ممول متكرر، أو إيراد لكلمات وحشية غريبة واصطلاحات مخترعة مبهمة، وأمثال ذلك.
وإذا سلم كتاب من هذه العيوب، ولم يكن مطولا طولا منفرًا، أو مختصرا اختصارًا يجعله يسد القليل من الحاجة دون احتواء معظم المرحلة التربوية، أو مخلوطًا بمباحث خلافية وردود فلسفية كلامية لا يحتاجها الداعية، فإنه قد لا يخلو من نقص عام يقتصر معه مؤلفه على ذكر أخلاقيات المسلم الفرد، ويهمل ذكر مستلزمات الدعوة الجماعية والعمل الحركي.
ثم إن الكثير من الكتب الحديثة قد أغفلت إيراد أقوال الأئمة من السلف، ولم تحرص على بركة كامنة في نصوص الدعاة القدماء.
وبدأت بالاقتباس من القرآن الكريم.
ثم ولجت الصحيحين، للبخاري ومسلم، واقتصرت عليهما فلم أتعدهما إلا قليلا، وإلى حديث صحيح، وخلصت مواعظي بذلك من الحديث الضعيف والموضوع.
ونخلت كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك، وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل، وكتب أخرى في الرقائق والتعريف بطبقات الصالحين، متحريا أبلغ الأقوال معنى ومبنى، معرضا عما صح معناه ورك لفظه، فضلا عن الذي جزل مبناه واشتبه مقصده، وحريصا على ما ينسب إلى الصحابة والتابعين والأئمة القدماء، مقلا عمن بعد القرن الفاضل الثالث، وإن كانوا نجباء، إلا الدعاة منهم، كابن تيمية، وابن القيم، وابن الجوزي.