ثم إني وجدت بعض الكتب الإسلامية الحركية التربوية قد فصلت بلا مسوغبين النثر والشعر، وحرمت المربين من استعمال مئات الأبيات والقطع من شعر الرقائق، أو شعر الحماسة، أو شعر العقيدة والفكرة، مما قاله ثقات الشعراء القدامي والمحدثين، وشعراء هذه الدعوة المباركة. والمرء ربما (يسمع المعنى نثرًا، فلا يهز له عطفا، ولا يهيج له طربا، فإذا حول نظمًا، فرح الحزين، وحرك الرزين.. وقرب من الأمل البعيد) ().
و(أن من الشعر حكمه) كما يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
(وإنما الوزن من الكلام كزيادة اللحن على الصوت: يراد منه إضافة صناعة من طرب النفس إلى صناعة من طرب الفكر) ().
لهذا ملنا إلى إيراد الأشعار، والاستعانة بها في هذه المواعظ، قاصدين أن نضيف إلى المعاني التي يستحسنها فكر الداعية نوعًا من استحسان نفسه لها، ليرسخ المعنى، ويطول تأمله وتذكره.
وليس أدل على أهمية الشعر في نصر العقائد وترويجها ما كان له من دور في إسعاف أهل البدع وترويجها لدى العوام، مضادة لمساعي ابن تيمية وتلامذته عندما انبروا لتفنيدها ودمغها بحجج السنة الغراء.
(ولا ريب أن منطق ابن تيمية القوى أثر أثره، ولكن جفاف المنطق لا يقوى على مقاومة نضرة الشعر وفتنته). كما شاعر الإسلام محمد إقبال().
وهو كما قال، فإن الذي قلل من سريان كلام ابن تيمية في أوساط العامة هو ما كان عليه أئمة الضلالة الداعين إلى البدع من روعة البيان، ورقة الشعر، وتمكنهم فيه، حتى سحروا قلوب الناس بشعرهم من حيث لا يشعرون، ولم يتهيأ لابن تيمية شاعر مبدع يسانده.
إن للشعر هذه القابلية في إسعاف من يستعمله وتزيين الخطأ أو الصواب، ونصرة الحق أو الباطل، على حد سواء في كل شؤون الفكر وحقائق الحياة، إذ النفس الإنسانية تحب الجمال، والشعر جمال كله، وبإمكانه أن يزيد الحق والصواب نضرة وزهاء ورونقا ووضوحًا، أو أن يخفي ما يشين صفحة الباطل والخطأ والوهم من خروق ونتوء واعوجاج، فينطلي عيبه بالتزويق، ولا يتخلص من أسر الشعر وتأثيره إلا قلب عامر بالإيمان عمرانًا كافيًا.
إن هذه الظاهرة الشعرية هي التي دفعتني إلى الاستعانة بالشعر في هذه المواعظ، ولئن كان يقلل من تذوق بعض الدعاة لهذا الشعر العربي الرصين الواضح الذي اخترته، ما أصابهم من هذا الذي أصاب عموم الجيل العربي الجديد من ضعف الحاسة الأدبية، فإني أرجو أن يكون عملي هذا محاولة للارتفاع بهذا الذوق لدى الدعاة، ولئن كان باعي في الشعر قصيرًا، فإن في إنتاج الثقات غني وبركة، ولئن كان أكثره منشورًا من قبل، فإن في هذا الانتقاء تقوية وحفظًا وترويجًا وبعثًا جديدًا له.