وقد تطرق الغزالي فبحث أمر جواز تكوين جماعة للأمر بالمعروف من ناحية موضوعية، ودلل على عدم اشتراط الشريعة إذن السلطة في ذلك، وأن ذلك الأوفق للقياس.
قال رحمه الله:
(قال قائلون: لا يستقل آحاد الرعية بذلك، لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن، وهيجان الفساد، وخراب البلاد.
وقال آخرون: لا يحتاج إلى الإذن –وهو الأقيس- لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف، وأوائل درجاته تجر إلى ثوان، ثم إلى ثوالث، وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب، والتضارب يدعو إلى التعاون، فلا ينبغي إلا أن نبالي بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه: تجنيج الجنود في رضا الله ودفع معاصيه.
ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار، قمعا لأهل الكفر، فكذلك قمع أهل الفساد جائز، لأن الكفار لا بأس بقتله، والمسلم إن قتل فهو شهيد، فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله، والمحتسب الحق إن قتل مظلوما فهو شهيد.
وعلى الجملة، فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الحسبة، فلا يغير به قانون القياس، بل يقال: كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك بيده، وبسلاحه، وبنفسه، وبأعوانه) ().
وهذا نص يكتب بماء الذهب.
وعلى الدعاة أن يحفظوه عن ظهر قلب.
وهو دليل على أن في كتب التراث مناجم للفقه الحركي كثيرة.
وللغزالي كلام آخر في تفنيد اشتراط إذن السلطان في الأمر بالمعروف، من المفيد أن نقرنه بكلامه هذا في تجويز الاجتماع على الأمر والنهي.
قال رحمه الله:
(قد شرط قوم هذا الشرط، ولم يثبتوا للآحاد من الرعية الحسبة، وهذا الاشتراط فاسد، فإن الآيات والأخبار التي أوردناها تدل على أن كل من رأي منكرًا فسكت عليه عصى، إذا يجب نهيه أينما رآه على العموم، فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له).
ثم قال:
(فإن قيل: في الأمر بالمعروف إثبات سلطنة وولاية واحتكام على المحكوم عليه، ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم مع كونه حقا، فينبغي أن يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من الوالي وصاحب الأمر. فنقول: أما الكافر فممنوع لما فيه من السلطنة وعز الاحتكام، والكافر ذليل، فلا يستحق أن ينال عز التحكم على المسلم، وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة، وما فيه من عز السلطنة والاحتكام لا يحوج إلى تفويض، كعز التعليم والتعريف، إذ لا خلاف في أن تعريف التحريم والإيجاب لمن هو جاهل ومقدم على المنكر بجهله لا يحتاج إلى إذن الوالي، وفيه عز الإرشاد وعلى المعرف ذل التجهيل، وذلك يكفي فيه مجرد الدين، وكذلك النهي).
ثم خلص إلى أن (استمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كل من أمر بمعروف، فإن كان الوالي راضيا به فذاك، وإن كان ساخطا له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه، فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه؟ ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة، كما روى أن مروان ابن الحكم خطب قبل صلاة العيد، فقال له رجل: إنما الخطبة بعد الصلاة، فقال له مروان: أترك ذلك يا فلان: فقال أبو سعيد، أي الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه، قال لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : من رأى منكم منكرًا فلينكره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
فلقد كانوا فهموا من هذه العموميات دخول السلاطين تحتها، فكيف يحتاج إذنهم؟)().
فهذا طرف أيها المسلم الغيور مما كان عليه السلف رضي الله عنهم من فقه الدعوة والعمل الجماعي.