إن المفهوم الإيجابي للسكينة الإيمانية الضرورية لفهم تجارب العمل الحركي لا يسمح لأحد أن يهبط بمستواها ومعناها إلى نوع من الانعزالية والركود يكسوهما بغلاف من نوافل الصلاة وخلوات التفكر، فإن ذلك نمط سلبي مفضل، إن لم يكن مبتدعا.
سكينتنا أرفع، وألصق بحركات الحياة، ولها نبضات لا تتيح ارتخاء، بله الجمود، وحقيقتها: طمأنينة تغمر القلب وتحتله، بعد صراع داخلي فيه، تغلب به القناعة وشدة التصديق ما هنالك من هواجس تشكك في الغيب الذي بلغنا به الوحي، فيدفع الجوارح وكل البدن إلى بذل الجهد في تنفيذ فرائض العبادة، وأعمال الفضائل، والنهي عن منكر الظالمين، وقتال الكافرين، في غيرها ما وجل ولا حرص على ملذت العيش، توكلا، ونظرًا إلى ثواب آجل.
ولهذا فإنك تجد الأبدان في الحركات دائبة، وتحتها القلوب وادعة ساكنة.
انتصار المؤمن المراغم
وتبدأ مسيرة الداعية لاكتساب هذه السكينة الإيمانية القلبية بصراع مع الشيطان متواصل، معاندة له، وعصيانا لتزيينه، وإزاحة لتسلطه، حتى يجليه عن مواضع ستة يحتلها.
وتسمى هذه بمعركة المراغمة، قد كشف ابن القيم طبيعتها، ووضع خارطة موقعها، وبين المدارج التي يسلكها المؤمن لنيل النصر فيها على هذا العدو الذي يجري منه مجرى الدم.
· وفي أول تماس في هذه المعركة الأبدية يحاول الشيطان أن يستغل عنصر المفاجأة، فيوقع في القلب شبهات الكفر الكامل، ويصرع بذلك أكثر البشر في كل جيل، إلا أن صراعاه قلائل في اتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد إذ تخالط بشاشة الإيمان القلوب، وهم أقل وأندر في الماشين مع ركب الدعاة، وإن كان ثمة نكوص فإنما يكون بأوهام تصاحب التفلسف، تغرى باعتقاد وحدة الوجود، وأمثالها، إن هذا الوجود حقيقة إلهية واحدة، ليس ثم خالق ومخلوق.
· فإن لم يظفر الشيطان بالمسلم هنالك: دعاه إلى شبهات من الابتداع، زيادة ونقصا في الاعتقاد والعمل، والمتورطون في ذلك من الأمة كثير، ولا يخلو مجتمع الدعاة من جديد لم يكمل فقهه، أو قديم لم يتمحض ومصاحبة الصحيحين تكفل البراءة وتجاوز بالداعية، تقربه نحو النصر.
· إلا أن الشيطان طويل الأنفاس، فيقتحم على المسلم مزينا الكبائر من الشهوات، وله في ذلك انتصارات، لكن نمط التربية عند الدعاة جعلهم بحمد الله تعالى في حماية.
· إنما صغائر الشهوات هي ساحة الشيطان الرابعة التي تتسع صولاته فيها، وما ينجو مسلم ولا يكاد، أما الغافل فيخرج طريحا مثخنا بالجراح، وأما الداعية فقائم منافح، غير أنها الخدوش.
· فيعرف الشيطان أن عليه أن لا يصادم الداعية جباها، إذ فيه من صفات الفطنة والذكاء فوق الهمة والحمية ما يتاح له بها التملص إن لم يتقن الطعان، فيجري على خطته التحوير، ويندس له بأسلوب الناصح، يحثه أن يستكثر من مباح لم يختلف الفقهاء في حله، لينغمس، فيثقل ويركن، فيبرد، ولذلك كانت التربية على معاني التقلل من المباحات الملهية من ضرورات العمل الحركي الإسلامي، فإن الدعاة ثلة مستنفرة أبدًا، متأهبة للجهاد دومًا، ولا بد أن تكون سريعة الاستجابة لمتطلبات الظروف، ومن شأن المباح إذا كثر أن يزداد تفكير صاحبه به، ويأنس قلبه له، فيقعده عن نجدة واجبة، أو فرصة سانحة.
ولقد تعلم الدعوات هذا الخطر، فترسلها مواعظ ووصايا للدعاة، ولكن المباح يدب دبيبا خفيا.
· فإن تملص الداعية وسل نفسه: لم يك استعلاؤه على الراحة والرغد كافيا لحصار الشيطان في زاوية اليأس، بل للشيطان محاولة سادسة، فيكون له التفاف واقتحام من ثغرة أخرى، فينثر ترتيب قائمة الأولويات النسبية، ويعكس القواعد الشرعية في تفاضل الأعمال الإيمانية، ويلهي المؤمن بالمفضول المرجوح، فيقصى من له علم نافع عن جمهور المنتفعين منه، ويشغله بزيادة ركوع وسجود، هما جليلان، لكن التعليم أوجب عليه بعد الفرض منهما، وينقل آخر له وفرة قوة وبسطة في الجسم والذكاء، وخبرة في السياسة والإدارة من تفاعله المنتج مع يوميات الخطة الجماعية، ومن صولاته في ساحةالفكر، إلى إشراف على بناء مدرة أو إغاثة منكوب.
فمن استمسك بالفاضل الراجح، وزهد، وأبى تلبية نداء الشهوات، ولم تستز له الشبهات، فقد راغم الشيطان أبلغ المراغمة.
ويحكم بيننا الخلق الجميل
لكن تبقى على الداعية بقية لتكمل سكينته: أن يتخلق مع إخوانه الدعاة بخلق العفو والتجاوز، فإن الصدور وإضمار الانتقام وانتظار الرد بالمثل لن تنفك تزيد حرارة القلب حتى تدعه قلقا مضطربا.
إن دعوى المراغمة لن تستقيم دون حلم، إذ ما تزال التقوى تدور بين تنفيذ فرض ومندوب يحاول الشيطان تخذيلنا إزاءهما، أو الكف عن حرام ومكروه يستدرجنا الشيطان نحوهما ويفرح إذا زلت أقدامنا إليهما، وللشيطان نشوة عند غيظ يراه من مؤمن أو غضب يعتيره يستتم به عليه ذهول وإغلاق، يحجبانه عن خلق في السماحة أمثل، وينزعان عنه رداء من المهابة قشيبا.
وفي الالتفاتات الإنسانية المتأملة لأسرار الحياة والعلاقات الاجتماعية نظرات رائعة، صادقة، وتتيسر لها في كثير من الأحيان إطلالة على حقائق النفس من زاوية معينة تريك منها إذا صحبتها ما لا ترى مجابهة، حتى ليأسرك جمال ما هنالك أو يخفيك، تبعا لواحدة من حالتين طبعت عليها: ذكاء أو فجور، والمستزيد يرى في مجموع هذه الالتفاتات رصيدا من الحكمة يشارك في تفسير الوحي، فيحرص عليه.
وما هي بأول الحكمة ولا آخرها، ولكنها لمحة من على ثنية في طريقها، لمحها الخليفة المأمون، فرأى أن (من لم يحمدك على حسن النية: لم يشكرك على جميل الفعال)().
وإنما اكتشف ذلك لما فيه من نبل وافر، إذ هو تربية خلافة، ووارث رشيد، والذي بدر منه من ظلم لأهل الحديث ونصر للبدعة استزلال شيطان لم يجتث الفضل كله، بل أبقى منه بقية.
وأهمية قول المأمون تكمن في أنه يحيلك على ابتداء من النية لا ينبغي إهماله إذا أردت قياس الفعل في النهاية، فإن الفعل الخطأ تشفع له النية الصالحة حتى تثنيك عن الملامة، والفعل الصائب بمقابله: واجب عليك شكره، لا يصرفك عن الشكر إنه قدر مقضى، فإن صاحبه قد امتحن قلبه بنيتين، فاختار الطيبة دون السوء.
فالأظهر من قوله: إنها همسة لك خفية، لكنها قوية، أرادك بها إذ أنكر على غيرك، ونصحك ظالما في صورة مظلوم، وجاحدًا في هيئة واهب.
بشاشة المهدي
لكن هذا ليس أكثر من العدل وما يقتضيه الإنصاف، وفوقه منزلة في الفضل أسمى: أن يكون تقويم النكوب بإقبال، وأن يبذل الإحسان ردًأ على العدوان.
وما يذوق أحد للحياة من حلاوة، ولا يرى لها من زينة، إلا يوم يوجد هذا الباذل، فيملؤها حبا كما امتلأت عبوسا.
وذهب المأمون في ذلك مذهبا نادرًا، ففضل صحبه مثل هذا على مكث في خلافته ليس في الدنيا في عصره أعز منها، وشهد عليه بذلك نديمه مخارق حين أنشده قول أبي العتاهية:
وإني لمحتــاج إلى ظل صاحب يروق ويصفو إن كدرت عليـه
قال مخارق: (فقال لي: أعد. فأعدت سبع مرات، فقال لي: يا مخارق :خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب)().
وذلك لأنها اعوجت الحياة يوم ولي المأمون، فتبدلت موازين الخير، من بعد ما كان ثم الصفاء، وبيده حرم نفسه من جمال الحياة، وعلى نفسه جني وما درى، لما جعل المبتدعة وعتاة الشعوبية رؤوسا وقادة، ومن مثل خطئه عرفنا الذي قلناه آنفا، حين ربطنا صلاح الحياة بصلاح المجموعة التي تقود.
وكلانا نرثي للمأمون حاله، نحن والسائبون، إلا أن السائب ترهبه حسرة المأمون، فينقلب يائسا، وتائها، ونسارع نحن الحركيين إلى إصلاح عرفنا طريقه، هو ممكن وقريب ممن سعى.
لم ينفذ جمال الحياة، لكنه غطى وستر بحجاب، سترته أخلاق الحكام المنحرفين، ويم يزولون: ينجلي الغبار، فيشع بهاء من المحبة أصيل، جوهرته مركوزة في فطرة الناس، أكثر الناس.
وذاك توغل حقا. وإسراء إلى الأقاصي، يتدرب الدعاة عليهما منذ البداية، فما تدري إذ تسمع نغمتهم وطربهم: أأنفسهم يعظون وبينهم يتواصون؟ أم صاحبهم يلقنون وله يقولون:
سامح أخاك إذا خلــط منه الإصابة بالغلــط
وتجــاف عن تعنيفهـه إن زاغ يوما أو قسـط
وأ‘لم بأنك إن طلبـــ ـت مهذبا رمت الشطط
من ذا الذي ما ساء قــ ـط ومن له الحسنى فقط
لا أحد، لا أحد، لا أحد.
وتلك عودة في النهاية، من بعد الحكمة، إلى هيبة البديهات الواضحة المكملة لنظرات النبلاء العزيزة، قد تغفل عنها حينا، لكنها تعود تنتصب وتستهدف لك، تتحداك بساطة صراحتها أن تصوب لها سهمك، كما يتحدى الواثق القوى الرامي المتردد، ويبرز له صدره، فيسقط القوس من يد أطالت بريه.
إن الاعتداء عليك قد يحفزك لرد بمثل، فتحوم حول طلب الانتصار لنفسك وتتعالى كبرياؤك، ولكن تذكر انتفاء العصمة عن جملة البشر تسرع بك إلى الإبطاء، فإن لم تفعل: رجع بصرك إلى التحديق نحو هذه البديهية الشاخصة له كرتين، فينقلب القلب راعشا، ثم مذعنا لصدق الحقيقة، بعد إذ أبى سكون الإقرار لمنطق الفضل.
حكمة الدعاة وعدل القضاة.. معًا
وآداب الشرع من بعد الفطرة والبديهة تضيق عليك، وتحدو بك نحو إتمام، بل الأمر صريح أن (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)().
ولذلك استثناهم الشافعي أن تسري عليهم بسبب عثرة يعثرونها عقوبة تعزيزية يقدرها القضاة.
(وحكي الماوردي في ذوي الهيئات وجهين:
أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر، دون الكبائر.
وثانيها: أنهم الذين إذا أتوا الذنب ندموا عليه وتابوا منه.
ونص الشافعي على أنهم الذين لا يعرفون بالشر)().
وتفسير الشافعي أقرب إلى مقصود الحديث دون شك، وشروط الانضمام إلى صفوف الدعوة، أو شروط قبول إعانة المعين، قد تجاوزت مجرد هذا الستر وشهرة الخير إلى حالة من اجتماع طبائع المروءة، ورفعة الهمة، ونبل المقاصد، والإقالة لمثل هؤلاء أولى وأوجب.
أم تريد أن ينجو الأشراف من تعزيز القضاة ليكسر نفوسهم تعزيز الدعاة؟
إن الغلظة لم يشر عليك بها الناصحون لمعاملة مثل هؤلاء الذين تدلك فراستك أنهم قد يتوبون من قريب، لكنها الرد المناسب لأنفار يقعون في هاوية الفتنة، فما يزالون في وساوسهم من بعد، حتى يخرجوا إلى (تقبيح المحاسن، وصدع الملتئم، وحل المعقود).
وحتى هؤلاء ليسوا سواء، وعليك أن تنتبه لنفسك، فتعتدل إذا دعتك الحماس لتطرف في التعامل مع المخالف، ما لم يكن ملحاحا جريئا في الهجوم، إذ الاعتدال يوجبه أكثر من نظر فقهي واحد.
§ فمن ذلك: قاعدة التأويل، وهي من القواعد الفقهية الصحيحة التي سدت أبوابا من الأذى، أن تتأول للمخطئ، وأنه ضحية شبهة غير متعمد، مجتهد غير منحرف، ركبته ساعة غفلة غير مبيت للأمر، ولقد اقتتل الصحابة رضي الله عنهم فتأ,لوا لهم، والقضاة يجتهدون في درء الحدود بالشبهات، واحتاطوا أبعد الاحتياط في تكفير المسلم ما لم يكن قد أتى أمرًا لا يمكن صرفه عن معنى الكفر، وأشياء من هذا الجنس تجعل تأنيك ورفقك ليس بغريب على الحس الفقهي.
§ ومن ذلك: ترك مجال التوبة لمرتكب الإثم، وفتح باب الأوبة للمخالف، لكنك إن قطعت كل الجسور التي بينك وبينه: ملكه اليأس، أو حكمه الانتصار للنفس، فاترك له معبرا ما أمكنك.
§ ومن ذلك: سد الذريعة، فإن النصوص الشرعية التي تندب لبعض الخير يتعطل العمل بها في حالة تولد ضرر عنها، والقرارات التنفيذية في الجماعة المسلمة العاملة شأنها أ÷ون، في وضوح لا يحتاج إلى جدل وإتيان ببرهان، ولربما أدى الجمود في تطبيقها إلى ضرر لم يكن مقصودًا حين اتخاذها، وعلى الداعية أن ينبه مسؤولية إلى استثناء الحالات الخاصة، وأن يجذب اللجام، لا يرخيه، ألا تسبق حماسته حماسة قادته.
§ ومن ذلك: جواز الجمع بين المصلحتين والخيرين، فتقرن بين مصلحة الجماعة في إخراج المخالف عن صفها، حفاظًا لوحدتها ابتعادًا عن جدل يعوق تسارع انطلاقتها، وبين مصلحة المخالف في احتمال أوبته إذا رفقت به وأصغيت لبعض الحق الذي معه، مما أساء التعبير عنه وجنح عن الصواب إذ ابتغي الدلالة عليه.
إننا قد ننسى البديهات أحيانًا في غمرة التفتيش عما يحل المعضلات، حتى لنكاد نجهل منطق الجمع بين المصالح في زحمة البحث مع الفقهاء عن المخرج عند تعارضها.
في التجارب علم مستأنف
فذلك خبر سكينة القلب في الصدر الواسع، وبها يؤذن لداعية الإسلام أن يفهم تجربة سلفه، ليطورها، ويدفعها إلى خلف ينتظر.
فللناس في الماضي بصائر يهتـدي عليهن غاو، أو يسير رشيد
هكذا هي التجارب، بصائر هادية، تهبك الاتزان إذا أوقعتك الغفلة في غواية، وترسم لك الطريق إذا أردت الصعود.
إنها علم أصيل، واضح في إشارته، قوى في برهانه، ولذلك زادك الشاعر فأوصاك أن:
اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضاع قوم ليس يدرون الخبر
إنه خبر من قبلنا يصوغ خبرنا لمن بعدنا، فيريهم مدى اتعاظنا بالذي يرويه، ومن انقطع سنده وفقد الاتصال: تاه وتخبط، بما يهدر من طاقته في محاولات فاشلة طرقت بابها زمرة سابقة فلم يفتح لها، أو بما صرف نظره عن علامات في الطريق هاديات إلى الغاية، نصبها له من اقتحم آنفا.
ولذلك فإن الوعي يظل ناقصا ما لم يكن إضغاء من طالبه لقصص الرواد، والأصل أن:
كل ما علـك الدهــر أعلم فالتجاريب علوم الفهم
وذاك أساس تنبني عليه مواعظ فقه الدعوة، ومجرى يتنقل بك في أودية الانتفاع، يمنعك أن تتفلت تفلت الضياع، ويدع قضية الإسلام عزيزة بك، إذ أنت في مسالك الانسياب، هادئًا تارة، وتيارًا مجتمع الزخم تارة أخرى.
قم عاند الأصنام واهزز كبرها
وفي هذا ما يعيدك إلى الممارسة الجهادية من بعد سكينة الإخبات وهدوء الحلم، لتنتهي إلى معركة مراغمة لأعداء الله من بعد معركة مراغمة للشيطان بدأت بها السير.
(وهي تسمى: عبودية المراغمة، ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التامة، ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له)().
كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، وقال تعالى في مثل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه: (وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)().
(فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له، فموافقته فيها من كمال العبودية، وشرع النبي -صلى الله عليه وسلم- للمصلى إذا سها في صلاته سجدتين وقال: إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان، وفي رواية: ترغيما للشيطان، وسماهما: المرغمتين.
فمن تعبد الله بمراغمة عدو فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه، يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولأجل هذه المرغمة حمد التبختر بين الصفين)().