إن سبب الافتراق بين دعاة الإسلام وبين جميع الحكام سبب مهم وواضح في المنطق الإسلامي، لكن الحاكمين يجهلونه أو يتجاهلونه.
ذلك أن القرآن والسنة همامصدر دين الدعاة، ومنهج تفكيرهم مستمد منهما، ومن إرشادهما يعرفون محاسن الأخلاق، وكلا هذين المصدرين، مفترق عن ما هنالك من آراء العقول، وشهوات النفوس.
أما القرآن: فقد سماه الله تعالى فرقانًا في قوله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).
أي يفرق بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، ويفصل طريق الإيمان عن طريق الجاهلية.
وأما السنة فقد تبع وصفها صاحبها -صلى الله عليه وسلم- فإن الملائكة قد أنطقها الله، فأثنت عليه، وأطنبت، ثم قالت:
(ومحمد فرق بين الناس)().
فرق فرقان بينهم، كما يكشفه هذا النص الخفي الثمين من تبعه وانقاد لكلامه، منفذا مراده: كان مسلما، حاكما أو محكومًا. ومن كسل عن ذلك ومنعته الشهوات: فسق وعصى، واستحق النصح، فالتأنيب، فالتقويم إن لم يسارع إلى ارتداع.
ومن عاند، وحرف، وضاد، وأحل الذي حرم، وحرم الذي أحل: ففي الكفر وقع، وليس للكافر أن يقود.
هذه هي منطلقات دائمة يصدر عنها دعاة الإسلام في تحديد صلتهم بالحاكمين، فيؤيدون، أو ينصحون، أو يقارعون، تبعا لمنهج الحاكم وسلوكه.
وقد صاغ إقبال ميزانهم في هذا ببيتين فصلين، فقال:
ليس هذا العقل ذو الوهــ ـن حريا بالإمامــة
فحياة الظــن والتخميــن ضعف وسقـــامـة()
فهم يعارضون الأنظمة الرأسمالية وديمقراطيتها الزائفة كمثل معارضتهم للأنظمة الاشتراكية والشيوعية وصراعها الطبقي المدمر، ويرفضون أي شكل علماني آخر، لأنها نتاج العقول والعقل يخمن، فيخطئ ويصيب، ليس كالوحي.
إنما يقود الناس البصير
وهم لا يملكن السكوت، وأن يتركوا ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، لأنهم يفهمون أن الإسلام رحمة مهداة شاملة، صفته الكمال والتكامل، ولا يمكن أن تصان عبادات الناس إلا بحاكم متعبد مثلهم يفهم عباداتهم كما يفهمونها، كما أن أخلاقه تفترض خلفية من العدل وأنواعا من العلاقات كي توجد وتنمو، وطريق ذلك السياسة، بما تعتمد من أمر مهيب، وتربية تقنع، ولذلك يدخل الدعاة أبواب السياسة، في غير ما طمع بمناصبها، وبهرجهان وإنما تكميلا للنقص، وقد صاغ أبو حيان التوحيدي ميزانا لهم آخر في ذلك، فقال:
(إن الشريعة متى خلت من السياسة: كانت ناقصة.
والسياسة مت عريت من الشريعة: كانت ناقصة)().
فمن آمن من الحاكمين أو السائرين إلى الحكم بمثل ما آمن به الدعاة فقد اهتدى، وإن تولوا فإنما هم في شقاق هم بدءوه، وسيكفي الله الدعاة أذاهم، كما أذن لهم يكف الأذى.
مناهضة الشعوبية عبادة
بهذه البساطة يرى دعاة الإسلام حقهم على جميع الحاكمين اليوم في أ، يفسحوا مجال العمل للحركات الإسلامية، وأن يعطوا لفكرها وصحابتها حرية التواجد والتعبير، ولنواب الأمة وممثليها حرية الانتخاب والاجتماع والبحث، تشبها بالأعراف العالمية إن لم يكن إيمانا بشورى الإسلام، فإنهم والكافرين قد اشتركوا في اتباع الرأي العقلي، فكانوا أقرب منهم في هذا إلى الصواب، ولو أنهم فعلوا ذلك لقضوا على أساس أي تفكير بصراع، ولأغنت الوسائل الحرة في ترويج كل ذي منهج لمبادئه، ولكن الحاكمين يتعسفون.
وكلهم في ذلك سواء، والقوميون منهم بالذات يزيدون على التعسف عدم استيعاب لمقاييسهم القومية نفسها، وشيئا من البعد عن إدراك المصلحة القومية، ذلك أن أكثر البلاد الإسلامية تسودها تيارات شعوبية تلقي في روع العامة المشاعر الإقليمية، والحنين إلى الفرعونية والفينيقية وأمثالها من الأصول الجاهلية، ويوم كان عبد الناصر ينفخ في العرب الروح القومية كانت مصر أبعد بلاد العرب عنها بسبب قوة تلك الحملة الشعوبية فيها، ولو فكر القوميون بإنصاف لأدركوا أن الساحة المصرية خاصة لم تشهد خصما للشعوبية أشد من دعاة الإسلام.
وكذلك شأنهم في بلاد العرب الأخرى، وهو شأنهم في غير بلاد العرب، إذ أن دعاة الإسلام في تركيا مثلا قد أخلصوا لمصالحها الاقتصادية أيما إخلاص يوم كان دعاة الطورانية وأتباع أتاتورك يحولون الاقتصاد إلى قبضة اليد اليهودية.
وقيادات الأحزاب الحاكمة، والملوك والأمراء، وأصحاب الانقلابات، كأنهم جميعا يجهلون ذلك، بل الأظهر من أمرهم أنهم يخضعون في فهمهم لهذه الأمور لإيحاء موتور يلقيه في روعهم من يتظاهر بحمل المعاني القومية من النصارى، أو من برع في الاقتصاد والإدارة وقربوه مستشارا لهم، ولولا هذا الإيحاء والإملاء لوعي الحاكمون ارتباط محق الاتجاهات الشعوبية بحرية الحركات الإسلامية أكثر من ارتباطها بدعاة القومية.
استقلال المحتسبين لاتبعية المكتسبين
إن مجاميع الحكام مازالت تحركها تقارير غامضة يرفعها المصلحيون المداهنون لها، ولم يستطع الحكام تجاوز الانشغال بالحيثيات اليومية الكثيفة الناتجة عن مراقبتهم للشباب المسلم إلى نظر مصلحي في أفق واسع ترى من خلاله صدق دعاة الإسلام في توجههم، وضرورة تواجدهم في الساحة، وإمكانياتهم في المساهمة بإكساب الحياة عناصر التعادل السياسي والأصالة الفكرية.
وتتكرر تسرعات بعض الحاكمين حين يشترطون لحرية العمل الإسلامي ما يشترطونه على الأحزاب الأخرى من حتمية اعترافهم بعمل جبهي تكون فيه القيادة للحزب الحاكم، وهم يقيسون هاهنا قياسا مع الفارق، فإن الأحزاب تسيرها أهواؤها واجتهادات زعمائها، والعمل الإسلامي محكوم بفرائض القرآن آداب السنة، وحدود الحلال والحرام، ويمنعه الميزان الشرعي في (تجريد الولاء) عن تبعية حاكم أو حزب آخر، إذ الولاء عند المسلم لله تعالى، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- ، ولجماعة المؤمنين، وفي المجموعة السياسية المتحالفة التي قد يعاملها دعاة الإسلام نصارى، وملاحدة، ومسلمون لم تسجد جباههم سجدة العبودية الحقة لرب العالمين، وعشرات الآيات صريحة في منع المسلم الملتزم العابد من بذل ولائه وتبعيته لهؤلاء، وإن كان لقاء بعض السياسات بينهما ممكنا، أن إذا أحسن الحاكم أو الحزب في فعله مدحوها وأسهموا فيها، وإن أخطأ في أخرى نقدوها، عن دراسة وبتعليل، في إطار من التحليل، وما هم بحاجة إلى تجريح، ولا لهم في مفردات لغة السباب إسعاف، فإن متانة الفكر الإسلامي، ووضوح المنطق الإيماني، لا تحوجان دعاة الإسلام إلى إسفاف.
إن على كل حاكم أو حزب علماني أ، يفهما نفسية الداعية المسلم التي تسيره وتضعه في مواقفه السياسية والفكرية الرافضة، وعليهما أن يميزا طبيعة رفضه عن طبيعة تشنجات محترفي السياسة وطلاب المناصب، إذ للداعية تقويم ثابت للأمور وميزان واحد ونظر كلي شامل لا يفصل فيه السيرة التربوية الأخلاقية وشكل العلاقات الاقتصادية عن الموقف السياسي.
أفيكات الأفاكين
لكن الداعية المسلم يملك في نفس الوقت مرونة في الفهم والتخريج الفقهي يراعي بهما الاعتبارات المصلحية واستثناء الضرورات، ويتمكن من خلالهما أن يكيف خطته وفقا لمتطلبات التدرج المرحلي، ليصل إلى تطبيق الإسلام عبر استعداد وظرف ملائم وتربية وعظية موجهة إلى الجماهير اللاهية، تخاطبها بمعاني الفضائل الخلقية في موازاة تامة مع التوعية السياسية.
إن هذه المرونة يفترض أنها لا تدع مجالا لجفلة تستولي على الحاكمين وتدعهم في رهبة يترقبون معها أنواعا من الإشكالات عند تنفيذ أنظمة الإسلام في مجتمع زاد ابتعاده عنها، أو عند منحهم حرية العمل والصحابة لدعاة الإسلام، والتخوفات الواردة إن هي إلا أثر تركته الحرب النفسية، ولا يليق بأحد أن يسترسل في الحذر من دين هو رحمة مهداة نم رب العالمين، وتقوم تعاليمه ابتداء على اختيار الأيسر من الأمرين، والتبشير دون التنفير.
ليست إلا حرية العمل الإسلامي، فلم الحذر؟
لم خوف الحكومات وهي في المركز الأقوى، تسندها أموالها الطائلة ووزاراتها وجيشها، وجهازها الإعلامي الإذاعي والصحافي، ومناهجها التربوية المدرسية، وانبثاثها الرقابي الأمني، أمام دعوة إسلامية فقيرة لا مال في يدها، عزل لا سلاح لها؟
أم يقولون أن الدعوة ستمد بعون خارجي، فذلك قول من لم يعرف التاريخ الحديث، وشهادته لها بالصفاء، ولم تدع الوثائق اسما ذائعا لم تدنه وتبين عمالته، إلا دعاة الإسلام، فإن قول المغرضين فيهم كثير، لكنه غير معزز بوثيقة واحدة تقنع طلاب الحقائق.
إن دعاة الإسلام يستندون إلى تاريخ طاهر وحاضر نقي، وتشهد قضايا فلسطين، ومناهضة الاستعمار، ومدافعة الشعوبية، أنهم هم الأساتذة في الجهاد والحرص على مصلحة الأمة، المعلمون لغيرهم، القدماء البادئون وينبغي أن يفسح لهم مجال القول والعمل.
فضائح الإصلاح الهامشي
إلا أن المجال لم يفتح، فحاكم تحكمه الشهوات، فيحتكر ويمنع، يظن التقويم والنقد منافسة، وآخر ينبعث من فلسفة علمانية وتحليلات عقلية، فيرفض أن تزول الحواجز بين حجج الوحي والناس، فتستيقظ الفطر.
وإلا فما ضر المهيمن أن يدع الضعاف من حوله أحرارًا وقد ملك فرصة السبق، وإذا فاز الضعيف في نهاية الشوط، والتف حوله جمهور الأمة مؤيدًا مقتنعًا، فأي ظلم في ذلك للقوى المستولي؟
وبعض الحكام ينادي الحركة الإسلامية بالتخلي عن دعوتها لمجرد إصدارهم بعض القوانين الإسلامية، مع أن مبرر وجود الدعوة لا يمكن أن ينتفي أبدًا.
· وإلا فأين بقية القوانين؟ إن الحكومات التي تبغي كسب بسطاء المصلين قد أصدرت مواد قانونية في قطع يد السارق والحرابة وأمور الحدود، كأن الإسلام دين عقاب قبل أن يكون دين هداية وعدل، وما دامت القوانين لم تخلص كلها شرعية فإن مبرر وجود الدعوة الإسلامية باق.
· ثم أين التنفيذ؟ وهل هو مجرد الإعلان؟ وإذا نفذ فهل سينفذ على كبار الملأ الذين ينهبون أموال الأمة بالرشاوى والعمولات المأخوذة من شركات المقاولات الكبرى وشركات التصنيع والتسليح أم هو الفقير تقطع يده فقط؟ إن الدعوة باقية ما دام التمييز الظالم.
· وهل هؤلاء الوزراء والموظفون وعموم جهاز الحكومة الذين لا يصلون ولم تسجد جباههم لله تعالى ولم يلتزموا حدود الحلال والحرام يصلحون لتطبيق القوانين الشرعية، أم أن داعية الإسلام المتحرق قلبيا مع معناها ومغزاها هو الأصلح؟
إن السعي نحو الأمثل والأحسن مقصد من مقاصد الإسلام، ودعاة الإسلام أمثل وأصدق من المتحللين، بإجماع الجميع، وطالما أن الدعاة قد أقصتهم الحكومات عن مراكز الثقل الوظيفية والتنفيذية فإن لهم مبررًا في تجمعهم في حركة تدعو إلى كمال الإسلام.
· ثم هل إن الإسلام مجرد قوانين تطبق أم هو عبادة وخلق يكون بهما الحاكم ووزراؤه وجهاز دولته قدوات للعامة يعلمونهم الضراعة لله، والعفة، وصيانة المرأة؟
فما دام دعاة الإسلام أبرع منهم في هذه الفرائض والمحاسن فإنهم أجدر بالصدارة منهم.
· ثم هل أن الإسلام تطبيق مجرد للأحكام في إقليم أم هو حمل لراية الجهاد ودفاع عن قضايا الأمة كلها وعن أرض الإسلام العريضة؟
فطالما أن الحكومة لا تتعدى الاهتمام المحلي فإن للدعوة الإسلامية مبررًا للتواجد.
· ثم ما ضر الحاكم المخلص أن توجد بجانبه حركة إسلامية تنصحه وتشجعه على الخير وتمده بالرأي؟
وهل يعد النقد الذي تتقدم به الدعوة على ضوء القرآن والسنة لخطط الحكومات وسياساتها جريمة حتى تبادر الحكومات لمثل هذا النداء للدعوة الإسلامية تأمرها بحل نفسها وإنهاء عملها، أم هو الاستبداد؟
إن من لم يجد في هذه الأسباب تبريرًا لاستمرار الحركة الإسلامية فهو أحد اثنين: إما أن يكون مكابرًا مغرضًا، أو أنه ساذج تلفه الغفلة.
إنها أسباب ستة تعطي الحركة الإسلامية مبرر وجودها حتى في ظل الحكومات التي لها بعض الاحترام للإسلام وسن لبعض قوانينها وفق أحكامه، ولا يجب افتراض وجود كفر صريح دوما لتصارعه حركة إسلامية، بل إن طلب الأحسن غاية شرعية، ووجود حكم ناقص الإسلام يحتم وجود حركة إسلامية تسعى لتكميله، وعلى جمهور المسلمين أن لا يطالب دعاة الإسلام بإلغاء وجودهم لمجرد صدور قوانين إسلامية مبتسرة أو لمجرد كثرة كلام الحاكم حول الإسلام، وإنما عليهم أن يكونوا أعلى وعيا وأوفر إنصافا، وإن يقيسوا أمرنا على ضوء هذا المنطق الذي ندلي به، والذي لا يجحد صوابه إلا معاند، وعلى الحاكم مثل الذي على جمهور المسلمين، وواجب عليهم أن يفسحوا للحركة الإسلامية المجال.
نحن أصحاب التقى والأدب المنتقى
لكن الحكام هاهنا، حين يصل الحوار إلى هذا الحد، يحتجون بسذاجة الجمهور، وأنهم أمناء عليه أن ينطلي عليه تدليس وتمويه رجعي، ويتسع لهم القاموس في مرادفات ذلك، إلا أن لغتهم عجزت عن وصف رجعية يمكن أن يتقمصها أتباع وحي نصعت سابقاتهم، وعلت شهاداتهم الدراسية وبحوثهم العلمية وثقافتهم العامة على شهادات وثقافة من بإزائهم من الحاكمين، وهذا العجز يغلق ولا بد باب الحوار والتفاهم المنطقي، ولو أنهم صدقوا لبينوا أن السبب الحقيقي في ذلك كامن في كون الدعاة إلى الله أهل عقل أكبر من عقول أتباعهم، وأن المواجهة الحرة لا تبقي لهم مجال تأثير.
إن داعية الإسلام يعشق الحرية عشقا، وليس هو أقل هياما بها من أي مظلوم سيم معاناة الكبت والصمت.
بل تالله إن المسلم لأعمق تفاعلا معها داخل نفسه من أي إنسان آخر تبدد النساء والخمور بعض انعكاسات الرفض التي تستولي عليه.
وإن من منطلق التناقض أن يرفض الحاكمون حرية العمل الإسلامي ابتداء، ثم يضطرون للإذعان للضغط الشعبي انتهاء.