الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب الأول - مدخل إسلامي عام

الباب الأول

مدخل إسلامي عام

 

الإسلام كما قال الأستاذ البنا "نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو حق وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء" وقال رحمه الله "فإننا نعتقد أن الإسلام معنى كامل ينتظم شؤون الحياة جميعاً ويتفي في كل شأن ويضع له نظاماً محكماً دقيقاً ولا يقف مكتوفاً أمام المشكلات الحيوية والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس" وهذا الذي قاله الأستاذ البنا عن الإسلام هو عين الحق في شأن الإسلام وهو من أهم البديهيات التي غابت عن أذهان الكثير من المسلمين فضلاً عن غيرهم مع أن نصوص القرآن واضحة في هذا الشأن قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} فكلمة / تبياناً لكل شيء / واضحة في أن القرآن قد غطى الحياة البشرية كلها بأعطائها الجواب الشافي في شؤون الهداية في كل أمر، وإنما غطى القرآن الحياة البشرية إما بالجواب المباشر وإما بقول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وحاله الذي هو شرح للقرآن، وإما بما أحال عليه الكتاب والسنة من طرق من خلالها تستنبط أحكام الإسلام في الأحوال العادية والأحوال لاستثنائية بما يسع الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وههنا مواضيع متعددة غفل عنها الكثيرون أو جهلها الكثيرون، فكما غفل كثير من الناس أو جهلوا قضية شمول الإسلام فقد جهلوا أو أغفلوا أخرى وهي قضية الإيمان إذ الإيمان بالإسلام كله شرط لاعتبار الإنسان مسلماً فإذا كان القصور العام عن الإسلام مخدوشاً فشيء عادي أن تكون قضية الإيمان نفسها مخدوشة... وكثيراً ما يحدث لبس في موضوع الصلة بين الإسلام والإيمان وكثيراً ما يحدث خطأ في فهم النصوص التي تذكر الإيمان والإسلام فاقتضى ذلك أن نوضح هذه القضايا.

إن كلمة الإسلام تطلق على الدين الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم والذي فصلته نصوص الكتاب والسنة وهو بهذا المعنى كما رأينا نظام شامل كامل يسع مسائل الحياة البشرية كلها ففيه العقائد وفيه العبادات وفيه الشرائع وله مؤيداته فهو عقائد وشرائع وشعائر وهو تغطية كاملة شاملة لأمر الدنيا والآخرة بما يسع الزمان والمكان. وتطلق كلمة الإسلام على وضع الإنسان الذي دخل في الإسلام فيقال: فلان أسلم بمعنى دخل في الإسلام ويقال إسلام فلان بمعنى إستسلام فلان وعمله في هذا الدين ومن ثم تطلق كلمة الإسلام على العمل فإذا أسلم قلب الإنسان وجوارحه لله في كل ما كلفه الله به ظاهراً وباطناً فذلك المسلم الحق قال تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وإذا أسلمت جوارح الإنسان دون قلبه فذلك المنافق ما دام كذلك وأما الإيمان فيطلق على مجرد التصديق القلبي مع الإذعان كما يطلق أحياناً على إيمان القلب وما يقتضيه ذلك الإيمان من آثار عملية وذلك هو الإيمان الكامل الذي وقر في القلب وصدقه العمل، قال تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً} [الأنفال: 02] وقال {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 16] وعلى هذا فالإيمان الكامل تصديق القلب وإذعانه مع عمل الجوارح بمقتضيات ذلك. فالإيمان الكامل والإسلام الكامل سواء بمعنى واحد إذ الإسلام الكامل إستسلام القلب والجوارح والإيمان الكامل هو تصديق القلب وتصديق الجوارح ومن ثم نجد القرآن يقول {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} [الذاريات: 26-27] فهؤلاء مسلمون ومؤمنون إيمانهم هو عين إسلامهم وإسلامهم هو عين الإيمان الكامل وأحياناً يتخلف الإيمان عن الإسلام كأن يدخل أحد في الإسلام ويعمل بأعماله ولم يصل نور الإيمان الكامل إلى قلبه. قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 15] فههنا عمل بالإسلام وتخلف في نورانية القلب في الإيمان إلا أن الآية تشعر أن العامل بالإسلام هو على الطريق للتحقق بالإيمان القلبي، فههنا إذاً نجد فارقاً بين كلمتي الإسلام والإيمان، إذا أدركنا مبدئياً هذه المعاني أصبحنا نستطيع أن نفهم لماذا تذكر بعض الأمور أحياناً على أنها من الإسلام ولماذا تذكر نفس هذه الأمور على أنها من الإيمان ولماذا تذكر بعض الأمور في سياق الكلام عن الإيمان المحض بمعنى التصديق وأحياناً تذكر بعض الأمور في سياق الكلام بمعنى عمل الجوارح وإستسلامها وفي هذه الجوانب كلها يقع نوع من الغلط أو يوجد نوع من القصور في الفهم والتصور. والملاحظ أنه كما حدث قصور في التصورات حول الإسلام فقد وجد قصور في التصورات حول مقامات السير في دين الله، وقصور في العمل في هذه المقامات نفسها هو أثر عن القصور في التصور العام.

إنه في الأحوال العادية إذا قبلت الدخول في دين الله – الإسلام – فعلي أن أعرف ماهية دين الله وعلي أن أعرف ما هو واجب الوقت في حقي وأن أنفذه سلباً أو إيجاباً تنفيذاً لأمر أو انتهاءً عن نهي وسيترتب على عملي في الإسلام أن يتنور قلبي وأن يزداد نور الإيمان فيه وكلما زدت في العمل ازداد نور الإيمان حتى يرتقي القلب إلى مقام الإحسان "أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (رواه أبو نعيم في الحلية وهو حديث حسن) إذ مقام الإحسان هو ذروة مقام الإيمان بدليل الحديث "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله شاهدك حيثما كنت" (رواه الطبراني وأبو نعيم وهو ضعيف). وبقدر نمو الإيمان والتحقق بمقام الإحسان سنعكس ذلك على سلوكي استقامة وعملاً وإحساناً وبذلك أتحقق بالتقوى التي هي هبة الله لعباده قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} وبقدر الاستمرار على تقوى الله نكون مؤدين حق الشكر ونحن في سبيل الترقي فيه وهو أعلى المقامات وأرقاها، قال تعالى: {اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور}. وما التقوى إلا الطريق الموصل لهذا المقام، قال تعالى: {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} [آل عمران: 123] إنه بقدر وضوح قضية الإسلام وما يجب عليّ فيه من عمل هو واجب الوقت وهذا يختلف سعة وشمولاً باختلاف أحوال الناس وبقدر وضوح قضية الإيمان في جانبيه العملي والذوقي وبقدر وضوح قضية الإحسان في جانبيها القلبي والذوقي والعملي وبقدر وضوح قضية التقوى في جوانبها القلبية والتصورية والسلوكية وبقدر وضوح قضية الشكر في القيام بحقوق العبودية الكاملة لله شكراً، إنه بقدر هذا كله يكون السير في دني الله صحيحاً وهذه مواضيع كثيرة فصلت فيها في أمكنة متعددة من سلسلة / في البناء / والأخطاء في شأنها كبيرة وكثيرة والأخطاء فيها كثيرة ولكثرة الأخطاء فيها فلا علينا لو عرضنا هذه القضية بتوسع أكثر مكررين بعض المعاني كعادتنا عندما نريد من القارئ أن يتنبه لقضية ما بشكل أدق...

رأينا أن الإسلام دين الله وأن الله عز وجل لم يترك قضية إلا وقد ذكر حكمها إما صراحة أو استنباطا فالإسلام على هذا هو مجموع أحكام الله في كل قضية في العقائد والعبادات وأنظمة الحياة، ويدخل في الإسلام الإيمان بنصوص الكتاب والسنة وبطرق استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وعلى هذا فالإسلام شيء واسع إلى حد لا يتصور ويكفي لنتصور هذه السعة أن ينظر الإنسان إلى هذا الإرث الضخم من الكتب الفقهية التي تبلغ عشرات الآلاف وإلى هذا الإرث الضخم في كتب أصول الفقه وفي كتب العقائد وفي كتب التصوف وفي غير ذلك من التآليف من تفاسير وشروح لكتب السنة إلى غير ذلك. فإذا كان هذا هو الإسلام فما مجموع ما يكلف به الإنسان؟ وماذا ينبغي أن يأخذ كل فرد على حدة من هذا الدين؟ وما هي مقامات السير في هذا الدين إلى الله عز وجل؟... على الإنسان أن يقبل هذا الدين ويؤمن به فإذا قبله فعليه أن يبدأ العمل فيما هو مفروض عليه منه أو مندوب وأن يترك ما هو محرم عليه أو مكروه فيبدأ يتعلم ويتعرف ويأخذ حظه من الصلاة والزكاة والصوم وإذا جاءت أشهر الحج وكان عليه حجّñ حجَّ ويذكر الله ويقيد نفسه بالكسب فلا يأخذ إلا حلالاً فهذا حظه من الإسلام بمعنى الاستسلام العملي لله وبالمعنى الوارد في قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات] ومن الآية ندرك أن استمرار الإنسان بالقيام بأعمال الإسلام يرشحه ليأخذ حظه من مقام الإيمان القلبي، لاحظ قوله تعالى: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} يقول النحاة إن / لما / تؤذن كثيراً بتوقع ثبوت ما بعدها نحو / بل لما يذوقوا عذاب / أي إلى الآن لم يذوقوه وسوف يذوقونه. طبق هذا المعنى على قوله {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} أي إلى الآن لم يدخل وسوف يدخل إذا استمررتم على ما أنتم عليه ولاحظ أنه سيدخل إلى القلوب، والمراد بالقلوب هنا القلوب التي في الصدور قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46]. وهذا الموضوع سنتوسع فيه في ما بعد. إن الإنتقال من الإيمان العقلي إلى الإيمان القلبي الذوقي هو المقام الثاني من مقامات السير إلى الله في دين الله عز وجل إن كثيرين يبقى إيمانهم في حدود الأعمال الظاهرة والأقوال الظاهرة لاحظ هذا الحديث الصحيح: "سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". رواه الشيخان وأبو داوود والنسائي فههنا ظاهرة عبر عنها الحديث "إيمانهم لا يجاوز حناجرهم" فهو لا ينتقل من الحناجر إلى القلب أي لا يتجاوز الكلام إلى الفؤاد، إنها ظاهرة مرضية تعني انقطاع الإنسان عن السير في دين الله ووقوفه عند المرحلة الأولى منه... فإذا استطاع الإنسان أن يتجاوز هذه المرحلة فيصل عندئذ الإيمان إلى قلبه فإن هذا الإيمان يزداد ويزداد حتى يصبح شعوراً بصفات الله عز وجل وأفعاله وعندئذ يصل الإنسان إلى مقام الإحسان الذي عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (رواه مسلم). إن مقام الإحسان هذا هو ذروة الإيمان فإذا تمكن الإيمان في القلب أصبح إحساناً ولذلك ورد في الحديث "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله شاهدك حيثما كنت" (رواه الطبراني وأبو نعيم). وبالجمع بين الحديثين ندرك أن الإحسان هو أفضل الإيمان ومن تعريف الإحسان في الحديث ندرك أن الإحسان هو عبادة الله في حالة شعورية محددة. والعبادة بشكل عام في دين الله توصل إلى مقام في دين الله أرقى وهو مقام التقوى قال تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 22] والتقوى هي مرحلة النضج الكامل للتفاعل مع الإسلام والإيمان والإحسان فهي علم وعمل وهي ملكة قلبية وسلوك وهي حالة ينسجم فيها العقل مع القلب مع الجوارح وهي في النهاية هبة الله لمن أسلم وعمل وأحسن قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] فالتقوى هبة الله لمن اهتدى والهداية بدايتها الإيمان بالله قال تعالى {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 11] والطريق إليها المجاهدة، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 70] إيمان بالله يرافقه مجاهدة النفس بالقيام بالعبادة وأعمال الإسلام توصل إلى التقوى التي هي إيمان واتباع كتاب كما ورد في أوائل سورة البقرة وهو موضوع فصلنا فيه كثيراً في كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / فإذا تحقق الإنسان بالتقوى أوصلته التقوى إلى مقام الشكر وهو أعلى المقامات في السير في دين الله تعالى... ودليلنا أن التقوى توصل إلى الشكر قوله تعالى: {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} فالشكر ذروة المقامات وقليل أهله وهو مقام الرسل عليهم الصلاة والسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفلا أكون عبداً شكوراً" رواه البخاري. وقال تعالى {اعملوا آل داوود شكراً وقليلñ من عبادي الشكور} [سبأ: 13] فأن يعمل الإنسان شكراً لله على منّöه بأن يسخر كل شيء أعطاه الله إياه في الطريق الأحب إلى الله على ضوء شرع الله دون أن يهمل أمراً لله تاركاً المحرمات والمكروهات مقيماً الفرائض والواجبات والمندوبات على حالة قلبية هي حالة الشكر لله عز وجل، إن هذا هو ذروة السير في دين الله... إذا اتضحت هذه المعاني كلها أصبح بالإمكان أن ندرك مجموعة الأخطاء التي يقع الناس فيها في هذا الباب، فهناك ناس يقفون عند أن عليهم أن يصلوا ويصوموا.. ويؤمنوا ويعبدوا.. دون أن يكون عندهم تصور عام لدين الله ودون أن يصلوا إلى التقوى بمعناها الواسع الذي هو الإلتزام المطلق بشرع الله في الشؤون الفردية والشؤون العامة وفي تحقيق الإسلام في النفس وعلى الأرض، ومن ثم فمع أنهم يسلمون بالتقوى إلا أنهم لا يعرفون مضمونها الحقيقي وقد يتوهمون أنها المقام الأدنى من المقامات فهي دون الإحسان عندهم وينتج عن ذلك أن تصورهم لمقام الشكر خاطئ وبالتالي فإن تحققهم ضعيف أو قاصر، وهناك ناس يبنون تصورهم على فهم قاصر لحديث شريف يفضلونه عن سواه من النصوص ويظنون أنه قد اجتمع فيه كل شيء مع أنه تفصيل لبعض المعاني وتبيان لأهمية بعضها وله محلة في مجموع دين الله فلا يفهم منفصلاً عن النصوص بل يفهم في محله من مجموع النصوص، هذا الحديث هو الحديث المشهور الذي تحدث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان وهو موضوع توسعنا فيه في مقدمة كتابنا عن الإسلام فليراجع هناك، فالحديث بين أهمية أركان الإسلام بالنسبة لمجموع الإسلام وبين ماذا يدخل في كلمة الإيمان وأعطانا مفهوماً دقيقاً لموضوع الإحسان في دين الله فهو مبين لدين الله من حيث إنه فصّل في قضايا مهمة في دين الله ولا يعني أن هذا وحده هو دين الله.

وكما وقع الكثير من الناس في أغلاط حول ما مر فقد وقعوا في أغلاط حول قضية التكليف والمكلف وأنواع التكاليف:

1-               من بين المخلوقات المشاهدة كلف الله عز وجل الإنسان. وكلف الجن من المخلوقات المغيبة عنا قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] فما هو التكليف؟ ومن هو المكلف؟ وما هي التكاليف؟

أما التكليف فله تعريفان: التعريف الأول أنه إلزام ما فيه كلفة والتعريف الثاني أنه طلب ما فيه كلفة والفارق بين التعريفين أن التعريف الأول فيه إشارة إلى التكليف بفعل الواجب وترك المحرم وأن التعريف الثاني يدخل فيه فعل المندوبات وترك المحرمات ومن التعريف ومن اسم التكليف نفهم أن ما كلف الله عز وجل به عباده فيه شيء ما من المشقة فالذين يتصوورن أن الدين هو لصالح الراحة فقط بمعناها العامي مخطئون، وأما المكلف فهو الإنسان البالغ العاقل السليم الحواس الذي بلغته دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام وهو كذلك الجني العاقل الذي بلغته دعوة الرسل وكان سليم الحواس وقال علماؤنا: إن الجن مكلفون من لحظة خلقهم فلا يتوقف تكليفهم على البلوغ. وأما التكاليف فمنها العقلي ومنها الفكري ومنها العلمي ومنها العملي. والمكّöلف هو الله عز وجل بواسطة الرسل عليهم الصلاة والسلام فالإنسان لم يخلقه الله عبثاً بل خلقه ليكلفه ولم يخلق الله عز وجل هذا الكون بلا حكمة بل خلقه لحكمة لا تتحقق دون وجود تكليف.

2-               وأول الواجبات هو معرفة الله عز وجل ثم معرفة الرسل ثم معرفة شريعة الله عز وجل ثم معرفة ما يلزم كل مكلف من هذه الشريعة على حدة تفصيلاً ثم معرفة ما يلزم لتحقيق هذه الواجبات إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والالتزام بكل ما يقتضيه ذلك من عمل إن في التعليم أو في التطبيق كذلك من باب الواجبات وفي هذا المقام تجد  أخطاء كثيرة، فمثلاً التصور العام الصحيح عن شريعة الله فريضة يهملها الكثير ومجموع ما يطالب به كل إنسان من علم وعمل قضية لا يعرف الكثير حيثياتها فيعرضونها عرضاً قاصراً مبتوراً ومعرفة لوازم القيام بكثير من الواجبات المفروضة تغيب عن كثير من الناس فيهملون نتيجة لذلك فرائض ومن ثم كان من فرائض هذا العصر البيان المستوعب لهذه الشؤون.

3-               ويدخل في باب معرفة الله معرفة صفاته وأسمائه وأفعاله وما يجب له وما يستحيل في حقه وما يجوز وهو باب واسع فيه أكثر الخلق بأخطاء كثيرة وعصم الله أهل السنة والجماعة فيه قال تعالى: {سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين} [الصافات: 160-161] فعباد الله المخلصون هم الذين وصفوا الله عز وجل بكل كمال. ويدخل في باب معرفة الرسول معرفة ما يجب في حقه وما يستحيل وما يجوز ومعرفة مجموعة من المسائل في هذا المقام. ويدخل في باب معرفة شريعة الرسول أن يكون عند الإنسان تصور عام عن هذه الشريعة وأصولها وفروعها وبديهياتها ومعالمها، ويدخل في باب ما يلزم كل مكلف من معارف تخصه أن يعرف الإنسان ما يجب عليه من مقام الإسلام ومقام الإيمان ومقام الإحسان ومقام التقوى ومقام الشكر ويختلف ذلك من إنسان لإنسان سعة وشمولاً ويدخل في باب التعرف على الطريق لتحقيق الواجبات معرفة الطريق لأداء كل فريضة ولإقامتها سواء كانت فريضة عينية أو كانت فريضة كفائية ومن جملة ذلك في عصرنا أن يعرف الإنسان الطريق إلى جعل كلمة الله هي العليا في قطره وفي مجموع أقطار الأمة الإسلامية ومجموع العالم وهذا كله هو الأساس العملي للعمل فهناك فرائض في باب العلم وفرائض في باب العمل.

4-               وهناك تكليفات كلف الله عز وجل بها كل إنسان على حدة ولكن هناك تكليفات كلَّف بها مجموع الأمة وقد أطلق علماؤنا على هذا كله تعبير فروض العين وفروض الكفاية والناس كثيراً ما يغلطون في هذا الموضوع فكثيراً ما ينظرون إلى موضوع فروض الكفايات نظرة قاصرة هذه النظرة القاصرة تتعطل بها فروض الكفايات، فمثلاً من المعلوم أن فرض الكفاية يبقى فرض عين حتى يقوم وأحياناً يتعين إنسان ما أو  مجموعة ما بعينها لإقامة فرض كفاية وعندئذ يصبح فرض الكفاية في حق هؤلاء فرض عين وكثيراً ما يحدث أن قضية النظرة الشاملة لفروض الكفاية تنعدم عند بعض الناس فينعدم نتيجة لذلك الوجيه نحوها فتبقى الأمة الإسلامية في حال قصور أو تخلف أو تأخر، وكثيراً ما يحدث أن تغيب عن بعض الناس معرفة الطريق لتحقيق الوصول إلى فروض الكفاية كما يغيب عنهم معرفة الطريق لمعرفة الوصول إلى التحقق بفرض العين وفي ذلك ما فيه.

5-               وقد رأينا في هذا الباب أن المكلّف هو العاقل البالغ السليم الحواس الذي بلغته الدعوة فالبالغ إذن هو المكلف ولكن مرحلة ما قبل البلوغ لها أحكامها في شريعة الله عز وجل وإذا كان الإنسان نفسه غير مكلف بها فغيره مكلف في حقه بأن يؤهله لمرحلة ما بعد البلوغ، فما هي مجموع القضايا التي ينبغي أن يعطاها كل إنسان قبل البلوغ وكم من المسلمين يفطن لها؟ ويعطيها حقها؟ إن هذه كذلك من جملة المسائل التي يقع فيها الكثير في أخطاء أو في تصورات قاصرة أو ضعيفة وسبب ذلك كله ضياغ التعليم الصحيح وفقدان الإنسان المستوعب لرسالة الله عز وجل إلا القليل ممن أكرمه الله عز وجل. وكما وقع الكثير من الناس في أخطاء حول ما مر فقد وقعوا في أخطاء حول نظرتهم إلى أشياء في ذواتهم أو من ذواتهم أو بشكل عام في النظرة إلى ذواتهم. فمثلاً يعرف الإنسان عن نفسه أن له عقلاً ويتكلم الإنسان عن شيء اسمه القلب وشيء اسمه الروح وشيء اسمه النفس وشيء اسمه الحياة وهذه الأمور كلها من ألصق الأشياء في الإنسان ولكنك تجد في هذا المقام أغلاطاً لا تكاد تحصر منها أغلاط عند غير المسلمين وأغلاط عند المسلمين ولا يستغرب القصور عند الكافر إن فاته الإدراك الصحيح لهذه الأمور، ولكن المسلم الذي عنده الجواب الصحيح لهذه الأمور هو الذي يستغرب في حقه ألا تكون واضحة لديه. ومن ثم نجد خلطاً عند الكثيرين حول التصور عن العقل الشرعي والعقل الذي هو أداة التفكير وخلط في الكلام عن جهاز التفكير الذي هو الدماغ وعن القلب الذي هو شيء آخر موجود في الصدر، ونجد خلطاً بين الكلام عن القلب الحسي وعن القلب الآخر كما نجد عدم وضوح في التصورات عن النفس والروح. متى تكون النفس عين الروح ومتى تكون النفس والروح عين القلب وعين العقل ومتى تكون المسألة غير ذلك ثم الحياة وصلتها بهذه الأشياء. حياة الحيوان المنوي ثم حياة الجنين قبل نفخ الروح فيه ثم حياة الجنين بعد نفخ الروح فيه، هناك أخطاء كثيرة حول هذه الأمور بعضها صغير وبعضها لا يترتب عليه شيء وعلى كل فإنه من المناسب أن نقول كلمة في هذا الموضوع ولهذه الكلمة أهميتها بالنسبة لمجموع هذه الرسالة كما أن هذه الرسالة ستوضح بعض هذه الأمور شيئاً فشيئاً...

يختلط على الكثير فهم قضية العقل والقلب والروح والنفس في المصطلح الإسلامي فيقعون نتيجة لذلك بأغلاط متلاحقة وكثيراً ما يدخل الكتاب الإسلاميون في أبحاث ومناقشات نتيجة للغموض في هذا الشأن والسر في ذلك والله أعلم أن الشارع أعطى هذه الأمور مصطلحات خاصة يستعملها الناس على معان أخرى ومن ثم يقع اللبس في هذا الشأن وهو لبس يؤدي أحياناً إلى كفر أو إلى إنكار معلوم من الدين بالضرورة ولنضرب مثالاً على ذلك: تطلق كلمة القلب على القلب الحسي الذي محله الصدر والشارع يطلق كلمة القلب على قلب آخر محله الصدر مرتبط بالقلب الحسي هو محل الإيمان والكفر، وألف الشعراء والكتاب أن يتحدثوا عن القلب كمحل للعواطف من حب وبغض ولا شك أن الصلة قائمة بين القلب في كلام الشعراء والأدباء وبين القلب الذي هو محل الكفر والنفاق والإيمان كما سنرى ولا شك أن القلب الحسي شيء وهذا القلب شيء آخر ألا ترى مثلاً في عصرنا حيث أبدلوا قلباً حسياً بقلب حسي لم تتغير نتيجة لذلك العواطف.. إذا ادركت هذا المعنى عرفت الفارق بين القلب في اصطلاح الشارع والقلب في اصطلاح الناس والخلط في ذلك سبَّبَ أخطاءً كثيرة.. وكما حدث هذا في موضوع القلب حدث هذا في موضوع الروح والنفس والعقل وأدى ذلك إلى الوقوع في أغلاط مرتبطة في العقائد. ومن ثم كان علماؤنا يعتبرون الكلام عن هذا الموضوع جزءاً من أبحاث العقائد وهي كذلك جزء رئيسي من أجزاء علم التصوف بل هي محوره الرئيسي لأن هناك جانباً غيبياً في هذه الأمور والأمور الغيبية يكون التفصيل فيها من اختصاص الشارع فالشارع وحده هو الذي يحدثنا عنها وموقفنا منها هو الإيمان والتسليم وهذا مظهر آخر من مظاهر كونها من أبحاث العقيدة... غير أن هذه الأمور وإن كانت غيبية إلا أن لها علاماتها ويستطيع صاحبها أن يحسها كما يستطيع الآخرون أن يستشعروا آثارها ومن ثم فهي قضايا غيبية من ناحية محسة من نحاية أخرى، للتجربة البشرية والإحساسات البشرية دخل كبير في التعرف عليها ومن ثم كان هذا الموضوع متداخلاً تتداخل فيه قضايا العقائد بقضايا التصوف بقضايا المادة بقضايا العلم والتجربة ومن ثم كانت كل طائفة من الخلق عندها في هذه الأمور تصورات تختلف عن تصورات طوائف أخرى ولكل طائفة في هذا الشأن دعاوى في هذه الأمور.

والمسلم الحق العليم هو وحده الذي يضع الأمور في مواضعها في هذه الشؤون لأنه على نور من ربه، وربه دلّه على الطرق العملية التي توصله إلى معرفة كل أمر بطريقة، فما يوصل إليه التجريب فالطريق إليه التجريب وما يوصل إليه العقل فالطريق إليه العقل وما يوصل إليه بيان الشارع فالطريق إليه هذا البيان وهكذا فإذا اتضح هذا فلنبدأ الحديث عن هذه المعاني ولا يفوتنا قبل ذلك أن نسجل ههنا أمراً هو: إن أمور العقائد الإسلامية لا تنفصل عن قضايا التحقق والتذوق والسلوك وأن الكلام عنها بشكل مجرد لا بد أن يكمله كلام عنها في مكان آخر ومن ثم نجد الكلام عن القلب أو الروح أو النفس موزعاً بين كتب العقائد والتصوف. وكون التصوف أصابه ما أصابه وكون علم العقائد تعقد كثيراً حتى صعب على الإنسان العادي فهم مسائله فقد غابت معان كثيرة عن المسلم ونحن هنا بسبيل جلاء التصور العام عن النفس والروح والقلب والعقل ونبدأ بما قاله حجة الإسلام الغزالي في إحيائه: قال تحت عنوان (بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل وما هو المراد بهذه الأسامي): إعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل في هذه الأبواب. ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة ونحن نشرح في معنى هذه الأسامي ما يتعلق بغرضنا: اللفظ الأول: لفظ القلب: وهو يطلق لمعينين: أحدهما: اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم... هو منبع الروح ومعدنه ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا تتعلق به الأغراض الدينية وهذا القلب موجود للبهائم...

ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك فإنه قطعة لحم لا قدر له وهو من عالم الملك والشهادة إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلاً عن الآدميين. والمعنى الثاني: هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمعاتب والمعاقب والمطالب ولها علاقة مع القلب الجسماني وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان وشرح ذلك مما نتوقاه لمعنيين أحدهما: أنه متعلق بعلوم المكاشفة وليس غرضنا من هذا الكتاب إلا علوم المعاملة، والثاني: أن تحقيقه يستدعي إفشاء سر الروح وذلك مما لم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس لغيره أن يتكلم فيه، والمقصود أنّا إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب أردنا به هذه اللطيفة وغرضنا ذكر أوصافها وأحوالها لا ذكر حقيقتها في ذاتها وعلم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها وأحوالها ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها. اللفظ الثاني: الروح: وهو أيضاً يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنين: أحدهما: جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان والروح مثالها السراج وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه والأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى وليس شرحه من غرضنا إذ المتعلق به غرض الأطباء الذين يعالجون الأبدان فأما غرض أطباء الدين المعالجين للقلب حتى ينساق إلى جوار رب العالمين فليس يتعلق بشرح هذه الروح أصلاً و (المعنى الثاني) هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان وهو الذي شرحناه في أحد معاني القلب وهو الذي أراده الله تعالى بقوله {قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] وهو أمر عجيب رباني تعجز... العقول والأفهام عن درك حقيقته.

اللفظ الثالث: النفس: وهو أيضاً مشترك بين معان ويتعلق بغرضنا منه معنيان: أحدهما أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه، وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون: لا بد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك" رواه البيهقي في الذهن بإسناد ضعيف وله شاهد. المعنى الثاني. هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة وهي نفس الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة. قال تعالى في مثلها {يا أيتها النفس المطمئنة. إرجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 28-29] والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى فإنها مبعدة عن الله وهي من حزب الشيطان وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه، قال تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 02] وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء وقد يجوز أن يقال: المراد بالأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات.

اللفظ الرابع: العقل: وهو أيضاً مشترك لمعان مختلفة ذكرناها في كتاب العلم والمتعلق بغرضنا من جملتها معنيان: أحدهما: أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور فيكون عبارة عن صورة العلم الذي محله القلب، والثاني أنه قد يطلق ويراد به العلم المدرك للعلوم فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة ونحن نعلم أن كل عالم فله في نفسه وجود هو أصل قائم بنفسه والعلم صفة حالّة فيه والصفة غير الموصوف والعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم، وقد يطلق ويراد به محل الإدراك أعني المدرك فإذا قد انكشف لك أن معاني هذه الأسماء موجودة وهي: القلب الجسماني، والروح الجسماني، والنفس الجسمانية الشهوانية، والعلوم، بهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة ومعنى خامس، وهي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان. والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها فالمعاني خمسة والألفاظ أربعة وكل لفظ أطلق لمعنيين وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف الألفاظ وتواردها فتراهم يتكلمون في الخواطر ويقولون: هذا خاطر العقل وهذا خاطر الروح وهذا خاطر القلب وهذا خاطر النفس وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء، ولأجل كشف الغطاء عن ذلك قدمنا شرح هذه الأسامي.

وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواساطة القلب فتعلقها الأول بالقلب وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها". (انتهى). من كلام الغزالي ندرك أن النفس والعقل والقلب والروح تأتي أحياناً بمعنى واحد وإنما تختلف التسميات باختلاف الصفة التي للروح البشرية فإذا غلبت الشهوة هذه الروح سميت نفساً وإذا غلبت الروح الشهوة المحرمة سميت عقلاً وإذا أصبحت لها مواجيدها الإيمانية سميت قلباً وإذا عرفت الله حق المعرفة وأعطته العبودية الخالصة سميت روحاً، كما أن هذه الأشياء تأتي أحياناً ويراد بها شيء آخر غير ما ذكرناه فقد يراد بالنفس الدم وقد يراد بها الحياة ويطلق الناس اسم العقل أحياناً على مادة التفكير وهي الدماغ ويطلقونه أحياناً على الذكاء ويطلقونه أحياناً على المعنى المنظم للجسم وكل ذلك مرتبط بالدماغ وقد يذكرون الروح ويريدون بها مجرد الحياة ثم ما هي هذه الحياة؟ فإنهم يختلفون في الجواب، ونتيجة لهذا كله فإن مجموعة من الأخطاء في هذه المقامات تقع ومجموعة من التشويشات كذلك تقع إذ يأتي مثلاً كافر إلى نص محمول على معنى في هذه الشؤون فيحمله على معنى آخر فيها ليشوش على الجهلة، ونجد بعض المسلمين تستقر بهم أحد الملاحظ في هذه الشؤون فيحملون عليها كل هذه المعاني في كل الأحوال فمثلاً تبدأ رحلة الحياة بالنسبة للإنسان منذ تخلقه حيواناً منوياً ولكل حيوان منوي حياته الخاصة به فإذا ما اتحد الحيوان المنوي بالبويضة وجدت قطعة حية مرتبطة بحياة جسد الأم حتى إذا بلغ كذا شهراً دخلته الروح فبدأ حركته الخاصة به فالحياة الخلوية موجودة قبل وجود الروح وهي لا تناقضها ولا تعارضها. ويأتي كافر يخلط بين قضية الروح والحياة عن عمد فيحاول أن يشوش كما فعل بعضهم إذ جاؤوا إلى قوله تعالى {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} [البقرة: 29] فقالوا إن هذا النص محمول على أن الحيوان المنوي ميت بينما هو حي والمراد بالنص الحالة التي كانت لأجزاء الحيوان المنوي قبل تخلقه فإن أجزاءه ليست إلا ذرات ميتة صارت غذاء ثم منها وجد الحيوان المنوي فبدأت رحلة حياة الإنسان ثم... فالحياة الخلوية إذن شيء ومجيء الروح بعد ذلك شيء آخر ولا يتناقضان بل هما شيئان متكاملان. لاحظ أن حالة الجنون التي يسميها الصوفية الجذب، فالجنون حالة مرتبطة بالدماغ أحياناً بينما الجذب حالة مرتبطة بالقلب فللدماغ صلة بما يسميه الناس عقلاً وللقلب صلة بما يسميه الناس عقلاً والعقل الشرعي مرتبط بالدماغ من ناحية وبالقلب من ناحية أخرى ومن ثم قال العلماء: إن العقل هو القلب وتشهد لذلك نصوص كثيرة والمراد به ههنا العقل الشرعي الذي يضبط الإنسان به تصرفاته على مقتضى شرع الله، لاحظ أن نوعاً من الأدوية يسكن الأعصاب فنجد الإنسان إذا أخذها هادئاً لا يستثار ولاحظ أن نوعاً من الأدوية يجعل الإنسان في حالة هيجان كامل وهكذا نجد أن ما يلقى في الدم يؤثر على حالة الإنسان  بشكل عام ومن ثم فالدم يمكن أن يكون في بعض الحالات هو النفس وقد تطلق كلمة النفس على الذات كلها وقد تطلق على التصرفات الشهوانية والعصبية للإنسان والناس يغلطون في هذه المقامات فيسمون شيئاً باسم شيء وتكون الجهة مختلفة ونحن ههنا لسنا بسبيل التفصيل ولكنا نريد أن نوضح نقطة من النقاط التي يقع فيها الغلط ونظن أن الأمر اتضح نوع وضوح كاف لمعرفة هذا الجانب ولنختصر الكلام في هذا الموضوع بما يلي:

إن هناك حياة للجسم قبل حلول الروح فيه وإن هناك نفساً للإنسان هي أثر مجموعة العوامل الفيزيولوجية والبيئية في الجسد بعد وجود الروح فيه وإن هناك دماغاً للإنسان ينظم قضية الجسد كلها وللروح تعلق به وإن هناك قلباً حسياً للإنسان وللروح تعلق به فالجنين في بطن أمه قبل حلول الروح فيه يستمد حياته من حياة أمه ولكنه بعد حلول الروح فيه تصبح له حياته الكاملة المستقلة نوع استقلال. ومن ثم فعندما تسحب هذه الروح من الإنسان فيما بعد يموت وبهذا نفهم الفارق بين حياة الجنين بدون روح وهو في بطن أمه قبل نفخ الروح فيه وموته فيما بعد إذا سحبت الروح منه، وإذا حلت الروح في الجسد تأثرت بالعوامل الفيزيولوجية والبدنية المختلفة فأثرت عوامل الشهوة والغضب فيها فإما أن  تتغلب على ذلك بسلوك الطريق الموصلة إلى ذلك أو تغلبها عوامل الشهوة والغضب وههنا معترك الصراع بين هدي الأنبياء لإبقاء الروح على طبيعتها السليمة وبين غواية شياطين الإنس والجن في أن يجعلوا الورح تتابع الهوى، إن الفقهاء يسمون الدم نفساً فيقولون مثلاً: إذا مات حيوان ليس له نفس سائلة ووقع في الماء... ومرادهم بهذا الدم. وعَنْوَنَ صاحب المنتقى لأحد الأبواب بقوله "باب ما لا نفس له سائلة لم ينجس بالموت" لاحظ الآن هذا الكلام الطبي يقول الدكتور الطبيب خالص كنجو: وما هو السر في هذا الميل الجنسي، إنه يعود إلى عملية الإباضة الداخلية حيث ينفجر جريب صغير حامل للبويضة ليقترن بها من المبيض إلى البوق حيث يحدث اللقاح في الثلث الوحشي النهائي منه وهذه الأخيرة ظاهرة تحتاج للوقوف عليها وتندلق الهرمونات من هذه القربة الصغيرة إلى داخل الجسم بكثرة مما يرفع التوتر الجنسي عند المرأة وهذا بدوره يعود إلى الحلقة الخفية حلقة التبادل المتعاكس ما بين النفس والجسم". إذن للدم ومحتوياته صلة كبيرة بالروح وتأثير عليها. في حديث ضعيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الغضب جمرة في قلب ابن آدم" فللأشياء الموجودة في الدم صلة بقضية الشهوة وقضية الغضب وإذن فللتركيب الجسمي تأثيره على الروح وهذا التأثير يقوى أو يضعف والإنسان يستسلم لهذا التأثير أو يقاومه أو يسعى للتحكم فيه. والمهم أن هناك صلة بين الجسد وتركيبه ومواده وعالم الروح ولكل منهما تأثيره على الآخر والرسل عليهم الصلاة والسلام هم الذين دلونا على حدود التعامل ما بين الجسد والروح أو ما بين النفس الشهوانية والروح. وكما وقعت أخطاء في التصورات كما مر فقد وقعت أخطاء حول قضية التقليد والإجتهاد وقضية ما لا يسع الإنسان جهله وما يسعه جهله وما يسعه أن يقلد فيه وما لا يسعه أن يقلد فيه وما يجب عليه أن يرفضه بداهة لأنه يناقض المعلومات من الدين بالضرورة وما يمكن أن يكون للبحث والتحقيق فيه سبيل ولإدراك طرف من هذا الشأن، نقول:

1-               يفرق علماؤنا بين التقليد في أصول الشريعة وبين التقليد في فروع الشريعة وبين التقليد في الواضحات البديهيات وبين التقليد في المشتبهات وهذه قضايا (نادراً ما ندر) من يضعها في مواضعها ويعرف حدود مسائلها وقد كثر الجهل بها حتى بين الذين يتصدرون للعلم والتعليم ويعرفهم الناس باسم العلماء ومن ثم عمت البلوى وطمت ولم تعد الأمور واضحة عند الكثير من الناس فالأصل في كل ما علم من الدين بالضرورة لا يجوز على خلاف بين العلماء في حدود عدم الجواز هل يصل إلى الكفر أو إلى الفسوق والأصل عندهم أن التقليد لغير العالم في فروع الشريعة التي لا يستطيع الإنسان العادي أن يعرف حكم الله فيها بنفسه أن يقلد فيها من هو مظنة معرفتها. وهم الأئمة المجتهدون وحدود هذه المعاني واسعة، فما هي هذه العقائد التي لا يجوز التقليد فيها وما هي بديهيات الشريعة التي لا يسع مسلماً إلا أن يعرفها؟ وما هي الفروع التي يسع المسلم أن يجهلها فيقلد فيها؟ كثيراً ما يكون قصور في التعبير عن هذه الأشياء. إن معرفة الله والطريق إلى التعرف على رسل الله عليهم الصلاة والسلام ومعرفة الأدلة التي تدل على الله وصفاته ومعرفة الأدلة التي تثبت أن محمداً رسول الله. كل ذلك من الأصول ومعرفة أصول الشريعة الإسلامية وأنها الكتاب والسنة والاجماع وما اعتمده الكتاب والسنة والاجماع من معايير وموازين متفق عليها كل ذلك من الأصول وما كان واضحاً في الكتاب والسنة والاجماع من أمور إذا كان هناك تواتر لفظي أو معنوي فكله من باب الأصول. إن القرآن كله متواتر اللفظ وكثير من نصوص السنة متواتر اللفظ أو المعنى وكل ما كان من هذا القبيل إذا كان واضح المعنى قطعي الدلالة فإن مدلوله يكون من باب المعلوم من الدين بالضرورة لا يسع مسلماً جهله والتقليد فيه مما لا ينبغي.

2-               غير أن هناك فارقاً بين التقليد في بعض أنواع العقائد والتقليد في بعضها الآخر والتقليد في بعض الأصول والتقليد في الفروع فهناك قضايا تقليد الشارع وحده فيها هو الواجب وقضايا: القناعة العقلية مع الشرعية هي الواجب وفي الفروع تقليد الأئمة هو الواجب لغير المجتهد مع معرفة الدليل إذا كان المرء عالماً وتقليد الأئمة فيها هو الواجب للعامي ولا يلزم بمعرفة الدليل وهذه كذلك من غوامض المسائل في هذا المقام.

3-               ويدخل في الأصول والبدهيات الشرعية أمور كثيرة: منها معرفة الله ومعرفة السير القلبي إليه ومنها معرفة الرسول ومنها معرفة ضرورة اتباع الكتاب والسنة ومنها معرفة الواجبات والمحرمات ومعرفة أنواع من السنن الثابتة بالمتواترات ويدخل في ذلك أشياء كثيرة من جملتها معرفة وجوب تزكية النفس وقضايا الإيمان القلبي والعقلي ومنها التصور العام للإسلام ومنها وجوب الجهاد لإعلاء كلمة الله ومنها وجوب الحكم بما أنزل الله ومنها وجوب معرفة أن الأمة الإسلامية أمة واحدة وأن وحدتها السياسية واجبة وقضايا كثيرة لا تدخل تحت حصر، وفي هذا الكتاب بيان لبعض القضايا ووضعها في محلها.

4-               وهذه الأمور التي يجوز فيها تقليد الشارع وحده والأمور التي يجب أن يصل فيها الإنسان إلى قناعة عقلية لا يشترط فيها أن يحسن الإنسان تعدادها ولا ذكر التفصيلات في شأنها وإنما يكفي فيها أنه لو سئل الإنسان عنها ألا ينكرها وأن يذكر بعض الأدلة الإجمالية فيها. إذا أدركت حدود التقليد فإنك تجد محل الغلط الكثير في هذا الشأن حيث تجد إنساناً يقلد حيث لا يجوز التقليد وإنساناً يتحرج عن التقليد حيث يجوز التقليد وإنساناً تدفعه الثقة فيقلد في الأخطاء المنسوبة إلى إنسان وقد تكون مكذوبة عليه وكل ذلك لا بد للمسلم أن يحرر ذاته منه... وهكذا ومن خلال ما مر عرفنا أن هناك أغلاطاً في التصور العام عن الإسلام وأغلاطاً في التصور حول قضية الإيمان وأغلاطاً في التصور العام عن  مقامات السير في دين الله وأغلاطاً في قضية التكليف وأغلاطاً في التصورات عن النفس والعقل والقلب والروح وكل ذلك تنعكس سلبياته على المسلم وعلى الحياة الإسلامية نوع إنعكاس وإذا بحثنا عن سبب مجموعة الأغلاط التي ذكرناها فإننا نجد أن سببها يعود إلى فقدان العلم الصحيح المستوعب الشامل وخاصة عند العلماء الذين عنهم يأخذ الآخرون المفاهيم والتصورات والذين هم القدوة العملية وإليهم المرجع...

النظرة الكلية الشاملة للإسلام أحياناً نجدها مفقودة، الفهم الصحيح المستوعب للكتاب والسنة تجده قاصراً... التصور العام عن طرق استنباط الأحكام الشرعية نجده ضعيفاً... العلوم التي انبثقت عن الكتاب والسنة من فقه وتوحيد وتصوف نجد التصورات في شأنها إما قاصرة أو ضعيفة أو غير شاملة أو فيها أخطاء، ما يلزم من جوانب أخرى كلها ضروري لاستكمال الثقافة الإسلامية المتكاملة نجده مهزوزاً أو معدوماً... القدوة الصالحة في هذا كله والبيئات الصالحة لعطاء هذا كله تكاد تكون محصورة...

من أجل بعض هذا كتبنا كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / وكتبنا رسالة جولات في الفقهين الكبير والأكبر وأصولهما / وكتبنا هذه الرسالة لأن التصوف ودوائره كان من أهم الأسباب التي عن طريقها تسلل الغلط إلى كثير من الدوائر... وقبل أن نبدأ الكلام فيه نحب أن نعتذر لعلمائنا وشيوخنا الأجلاء إذ أننا ونحن نتهم بالقصور ونوزع التهم يميناً وشمالاً لم نقصد أن نمس منهم أحداً / حاشا لله / ولكن نريد أن ترتفع هممنا وهمم إخواننا طلاب العلم لنحصل جميعاً ما ينبغي لنا من كمال. وإنما فصلت في هذا المدخل في هذه الأمور التي ذكرتها حتى لا يغيب عن بال أحد محل بحثنا في هذه الرسالة بالنسبة لمجموع ما يحتاجه الإنسان وأن هذه الرسالة ليست إلا تصحيحاً لبعض الأمور في جانب واحد وكل ذلك للتنبيه على أن هذه الرسالة جزء من كل، هذا الكل هو سلسلة / في البناء / ولنبدأ الكلام في علم التصوف.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca