الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب السادس - البداية الصحيحة في التربية الإسلامية بعد الإيمان العقلي

الباب السادس

في أنّ البداية الصحيحة في التربية الإسلامية بعد الإيمان العقلي وبعد واجب الوقت هي التركيز على القلب وخطورة الفشل في إصلاحه

 

في التربية الإسلامية نقطة البداية هي الإيمان فقد ورد في أكثر من أثر عن الصحابة هذا المعنى. "كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن" وقد تحدثنا في كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / عن السر في ذلك وهنا نقول باختصار. إن القرآن له خصائصه ومن خصائصه أنه لا يأخذ الإنسان منه حظاً إلا إذا كان مؤمناً فهو لا يلامس القلوب إلا إذا كانت هذه القلوب مؤمنة ولذلك قال تعالى {وإذا ما أُنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً على رجسهم وماتوا هم كافرون} [التوبة: 125-126]. لاحظ كيف أن السورة بالنسبة للذين في قلوبهم مرض تحدث تأثيراً عكسياً فبَدَلاً من أن تكون زيادة إيمان في حقهم تكون عامل زيادة في المرض، وعلى هذا فنحن إذا ما أردنا أن يلامس القرآنُ القلب البشري ملامسة صحيحة بحيث يستفيد هذا القلب من القرآن، فإن علينا أن نطبب هذا القلب أولاً بأن نجعله مؤمناً خالص الإيمان. وعلى هذا فأهم نقطة يركز عليها المربي منذ الابتداء هي إصلاح القلب وأي فشل في هذا الشأن فيه دليلñ إما على جهل المربي أو على عدم صدق المريد أو على أن المنهج خاطئ أصلاً. إن نقطة البداية الصحيحة هي التركيز على القلب حتى تصل به إلى الصحة لأنه بمثل هذا النوع من السير تطمئن على وضع الإنسان وعلى خروجه من دائرة إغراء الشيطان ووسوسته وفتنته سواء كان الشيطان شيطان إنس أو جن. قال تعالى: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 112-113]. لاحظ ههنا إن الذي يصغي قلبه إلى شياطين الإنس والجن ويرضى هذه الوسوسة هو الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة فإذا ما أردنا أن نخرج إنساناً عن دائرة وساوس الشياطين فإن علينا أن نبدأ بالقلب وإصلاحه. وعندما نقول القلب فلا يعني هذا إهمال الفكر بل من جملة ما يصلح به القلب العلمُ والفكر والمعرفة مع الذكر والعمل وغير ذلك مما رأيناه وسنراه في هذه الرسالة...

في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصحاب تجد ظاهرة واضحة وهي أن الصحابي إذا أسلم نجده في بداية إسلامه في غاية الإندفاع لدرجة الغلو حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان كان يتدخل لإرجاع بعض الأصحاب إلى دائرة الإعتدال. وهذه الحالة تجدها دائماً في كل حالة صدق مع الله وإذا توجه إنسان إلى الله إما بعد حياة جاهلية أو بعد قبول للفهم الحق لدين الله عز وجل في هذه المرحلة من الإندفاعية الصادقة يجب أن يكون كل جهدنا منصباً على نقل قلب الإنسان من المرض إلى الصحة لأننا إذا فشلنا في ذلك فإننا نعرض هذا الإنسان للإنقطاع عن السير إلى الله أو لترك دعوة الله أو للإنحراف عن أمر الله أو باختصار فإننا نعرضه لقبول إلقاءات الشيطان. وما أخطرها ولتوضيح هذا المقام لا بد من فهم هذه الآيات: قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يُحْكöمُ الله آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج: 52-53-54]. لاحظ في الآيات قوله تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم}. فمن كان في قلبه مرض أو كان قلبه قاسياً، هذا الذي يفتتن بالقاء الشيطان. فإذا ما أردنا أن نجنب إنساناً ما فتنة الشيطان فعلينا أن ننقل قلبه من مرضه إلى صحته ومن قسوته إلى خشوعه، ثم لاحظ في الآيات قوله تعالى: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم}. إنك تجد في هذا النص أن العلم هو الطريق لصلاح القلب وإصلاحه فأهل العلم هم الذين يخرجون من إلقاءات الشيطان بخشوع أكثر ويقين أعلى وإيمان أرقى وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل من أن أحد ركني السير إلى الله العلمُ وأن الذي لا يدرك هذا خاطئ وواهم جداً...

أسرعنا في ذكر هاتين الملاحظتين حول الآيات استعجالاً للمقصود والذي من أجله سقنا الآيات إلا أن الآيات تحتاج إلى وقفة أوسع فلنحاول عرضها لأن هذه الآيات من الآيات التي يكثر الأخذ والرد حول معناها ونحن في هذه السطور القليلة سنقدم خلاصة في شأنها لا يعثر عليها الإنسان إلا بمشقة {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى}. ماذا يتمنى الرسول أو النبي؟ إن أمنية الرسول أو النبي إنما هي في قومه وأتباعه أن يرتفع بهم إلى مقام العبودية الكاملة إلى مقام الصديقية الكبرى. إن مثل هذا هو أمنية الرسول والنبي عليهم الصلاة والسلام جميعاً فماذا يفعل الشيطان؟ إن الشيطان في مثل هذه الحالة يحاول أن يقطع الطريق على أمنية الرسول والنبي بإلقاءاته الإلقاءات الخبيثة في قلوب محل أمنية الرسول قال تعالى: {إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته}. أي في قلوب محل أمنيته وهم قومه وأتباعه وهذا الذي يدل عليه السياق فإذا ألقى الشيطان إلقاءاته فإن من سنة الله عز وجل {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} إن من سنة الله عز وجل إبطال إلقاءات الشيطان وإحكام الآيات في القلوب على مقتضى العلم والحكمة وقد بين الله عز وجل سنته هذه بالآيتين التاليتين فقال: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض}، أي المنافقين {والقاسية قلوبهم} أي المشركين أو المرضى بقسوة القلب ولو لم يكن شركاً فهؤلاء وهؤلاء هم الذين يقبلون إلقاءات الشيطان فيفتنون بها. ثم قال تعالى: {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}، دلت الآية على أن مرضى القلوب وقساتها ظالمون وأنهم في خلاف بعيد عن الحق". إن هؤلاء هم الذين يقبلون إلقاءات الشيطان ثم قال تعالى: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم}، أي إن إلقاءات الشيطان في قلوب أهل العلم لا يترتب عليها إلا زيادة إيمان بالقرآن وزيادة خشوع للقرآن واطمئناناً به ثم قال تعالى: {وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم}، أي في الفهم والسلوك. إن القلب البشري إذا قبل الحق اندفع فيه ثم تأتيه هجمة معاكسة من الشيطان، هذه الهجمة إما أن يسقط فيها إنسان أو يرتفع بسببها إنسان، يسقط مرضى القلوب وقساتها وينجح أصحاب العلم وأصحاب القلوب السليمة والمربي الذي لا يدرك أبعاد هذه الأمور فيلاحظها ويعرف كيف يتوقعها ويتصرف أمامها، مرب فاشل... إذا أدركنا معنى الآيات التي مرت معنا أصبح بإمكاننا أن ندرك مضمون الحديث الذي مر معنا أكثر من مرة في هذه الرسالة. "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين". على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مرباد كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه". فالفتن تعرض على القلوب بشكل مستمر فأي قلب هو الذي ينكر هذه الفتن فلا يقبلها؟ إن الآيات هي التي دلتنا على هذا النوع من القلوب. إنه القلب السليم من المرض والقلب غير القاسي لأن القلب المريض والقلب القاسي كلاهما قابل لإلقاء الشيطان ومن ثم ندرك بوضوح إن نقطة البداية الصحيحة في التربية الإسلامية هي التركيز على القلب للوصول به إلى حالة الصحة وأن كل فشل في ذلك إنما هو فشل في الصميم في إيجاد المسلم الحق المستقيم على أمر الله المستمر على دينه...

إن الفشل في إصلاح قلب الإنسان يخرج لنا نماذج مرضية من البشر كل منها متعب وضال. يخرج لنا نوعاً من الغلاة لا يطاقون وكلهم تعب وإتعاب كالخوارج ففي الحديث الصحيح "يخرج في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فأقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". رواه الشيخان. لاحظ هذا النوع من الناس "إيمانهم لا يجاوز حناجرهم" أي لم يصل إلى قلوبهم وكما يخرج لنا هذا النوع من الناس يخرج لنا أصنافاً من الفساق والمنافقين والكاذبين والمرتدين حتى من أبناء المسلمين إنه حيث لا قلب سليم فثم الهلاك الدنيوي والأخروي فلا تذكر بقرآن لأن القرآن يحتاج إلى قلب سليم {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 37]. وحيث لا قلب سليم فلا نجاة عند الله ولا وعظ ينفع قال تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} [محمد: 16] {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89]. إنه لا بد من جهد متواصل في أنفسنا للوصول إلى القلب السليم ولا بد من جهد متواصل مع كل مسلم بل مع كل إنسان للوصول إلى القلب السليم. وعلينا أن نركز منذ الابتداء مع كل من توجه إلى الله لكي نصل به إلى القلب السليم تلك هي البداية الصحيحة فقط...

إن الإنسان بين أمرين إما أن يوجه قلبه سلوكه كله أو يكون قلبه موجهاً بأشياء كثيرة. فالقلب عندما يكون قليل النور ضعيف الإيمان أو اليقين أو عندما يكون مريضاً أو قاسياً فإنه في هذه الأحوال كلها يكون موجَّهاً. النفس تتغلب عليه فنجده مستسلماً أمام شهوات النفس مستسلماً أمام أمراضها، الكبر يوجه قلبه ثم ذاته، والحسد يوجه قلبه ثم ذاته، وقل مثل ذلك في كل مرض. والشهوة الجنسية تسيطر على قلبه فيستسلم لها وشهوة البطن تسيطر عليه فيستسلم لها ومغريات الحياة الدنيا تسيطر عليه فيستسلم لها وإيحاءات الشياطين شياطين الإنس والجن تسيطر عليه فتوجهه ويخضع لها ويفتتن بها. وقراراته الفعلية تكون مريضة ومتأثرة بهذه المعاني كلها. إن هذا كله بعض ما يترتب على عدم صلاح القلب أما إذا صلح القلب فإنه يكون هو الموجّه، إنه من ناحية يتخلص من إيحاءات الشياطين ثم هو يرفض الإستسلام لشهوات النفس وبنفس الوقت يكون هو الموجه لسلوك الإنسان على ضوء شريعة الله عز وجل والفارق كبير جداً بين الحالتين حالة أن يكون القلب هو الموجه وحالة أن يكون القلب هو الموجَّه "إستفت قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك" (رواه البخاري في التاريخ). ولذلك فكما قلنا إن أول ما يحرص عليه المربي هو أن ينقل القلب البشري إلى آفاقه العليا في الإيمان والنور {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. ومن هنا ندرك أهمية الأوراد الكثيرة المتعددة للإنسان في إبتداء سيره وأهمية إستغراق الإنسان في الأذكار وأهمية الإعتكافات والخلوات المليئة بالتعبد والتحنث والذكر والعلم وغير ذلك ولأمر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبد الليالي ذوات العدد في غار حراء ثم جاءه الوحي وهو هناك، ولأمر ما واعد الله موسى عليه السلام أربعين ليلة على الجبل، فإذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم أصفى خلق الله فطرة وأرقاهم قلوباً سُيّروا في مثل هذا الطريق فما بال بقية الخلق. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كلفوا حوالي سنة بقيام الليل إلا قليلاً فما ذلك إلا لما تقتضيه عملية بناء أنفس ذلك الجيل العظيم {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو أنقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}، لاحظ الصلة بين قوله تعالى: {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}، وبين الأمر بقيام الليل إلا قليلاً، إن نقطة البداية الصحيحة في التربية الإسلامية التركيز على القلب ولكون الصوفية أول ما يبدأون يبدأون بما له صلة في ذلك فإنك تجدهم أنجح الناس في تربية الإنسان المستقيم على أمر الله وسواء فعلها الصوفية أو لم يفعلوها فإن السنة النبوية والوحي الإلهي قد دلنا على نقطة البداية هذه.

إنك عندما تأتي للإنسان من لحظة البداية وأنت تعلمه تقول له: يا أخي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من لازم الإستغفار جعل الله له من كل همّ فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أبو داوود. ثم تطالب هذا الأخ بملازمة الإستغفار أياماً تطول أو تقصر على حسب حاجة قلبه. ولا يظنن ظان أن المسألة تحتاج إلى مئات بل إلى الآلاف وعشرات الآلاف حتى يستقر معنى الإستغفار وحقيقته في القلب. وحتى يصبح الإستغفار خلقاً للإنسان ليؤدي دوره الدائم في جلاء القلب. قال ابن كثير: وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي ابن ماجه من طرق... عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت فذلك قول الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} قال الترمذي: حسن صحيح ولفظ النسائي: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه فإن عاد زيد فيها تعلو قلبه فهو الران الذي قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}، فإذا إشتغل الإنسان في الإستغفار حتى ظهرت عليه ثمراته لفت نظر الأخ إلى الإقبال على الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها طريقة فضلى للوصول إلى القلب المنور، فالحديث الشريف يقول: "من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً"، رواه أحمد ومسلم وأبو داوود. وإذا صلى الله علينا أخرجنا من الظلمات إلى النور قال تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43]، فيطلب منه أن يلازم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً طوالاً وأن يكررها عشرات الآلاف حتى تؤتي ثمارها في إصلاح القلب وتنوره والمسألة لا حد لها إلا ظهور الآثار فإذا ما ظهرت ثمار ذلك في تنور حال الأخ لفت نظره إلى الحديث الشريف الذي رواه أحمد والنسائي والحاكم: "جددوا إيمانكم قيل يا  رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" فيبدأ الأخ الإستغراق بذكر لا إله إلا الله أياماً طوالاً وبعشرات الآلاف حتى يصبح قلبه موحداً خالصاً مستنيراً إستنارة كاملة وهكذا. ثم يلفت نظر الأخ إلى الإستغراق بقراءة القرآن والتأمل في معانيه فقد قال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57]، لاحظ قوله تعالى {وشفاء لما في الصدور}، فيختم الختمات الكثيرة مع التأمل والتدبر، وخلال ذلك كله يعود نفسه على ورد دائم كورد الدعاء الذي ذكره الأستاذ البنا في نهاية المأثورات /100/ مرة استغفار/100/ مرة صلاة على رسول الله/ ص / 100/ مرة لا إله إلا الله. قل هو الله أحد ثلاث مرات، وهكذا مع ملازمة قراءة ما تيسر من القرآن وجزء في اليوم يعتبر ورداً معتدلاً  هذا مع شيء من قيام الليل وملازمة صلوات الجماعة وإقامة السنن الرواتب وسنة الضحى وهذا كله مع العلم أن هذا كله ربما قذف في الأخ إلى قمة القلب السليم منذ الابتداء بإذن الله وعندئذٍ فعليه أن يرتب أوراده بحيث يأخذ قلبه دواءه وغذاءه اللازمين ليبقى قلبه على إستمرارية إيمانية عالية ولعله من المناسب هنا أن نقول: إن أصلح الإخوان وأقوى الإخوان ينبغي أن يتولوا أمر التربية للأخ في نهاية سيره لأن البداية المحرقة هي التي توصل إلى النهاية المشرقة وفي حكم ابن عطاء "من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة" والملاحظ أننا لم نقيد ما ذكرناه من الأذكار الحارقة في المرحلة الأولى للسير بعدد معين لأن حالة الناس القلبية مختلفة واحتياجات كل واحد منهم تختلف عن احتياجات الآخر فالقلب الذي ظلمته كثيرة لا يكفيه القليل بينما قلب آخر. إقبال قليل على الذكر قد ينقله من حال إلى حال ثم إن التقيد بعدد فيما لا نص فيه قضية فيها أخذ ورد كثيران عند الناس والأستاذ البنا إكتفى بستجيل الخلاف في هذا الموضوع ولكنه لم يرجح شيئاً ولذلك فنحن نؤثر أن يترك هذا لفراسة الأخ المربي ورؤيته احتياجات الأخ المسلم كما يترك هذا لإحساسات الأخ نفسه وبعضهم يرى السبعين ألفاً لكل نوع من أنواع الذكر المطلق كافية في مرحلة الإبتداء لنقل المسلم من حالة إلى حالة خاصة في الأذكار الثلاثة التي ذكرناها الإستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا إله إلا الله وبعض المشتغلين بالتصوف وبعض الكاتبين فيه يعتبرون أن القفزة العالية نحو معرفة الله لا بد فيها من ذكر الإسم المفرد أي لفظ الجلالة / الله / فهم يعتبرون أن تعرف القلب على الله وصفاته وأسمائه بشكل لا يغيب فيه القلب عن الله لا بد له من ذكر الإسم المفرد ويذكرون في ذلك حججاً ويعتبرون أن ذكر هذا الإسم هو بمثابة دواء للقلب فإن تذكر لفظ الجلالة / الله / بشكل مستمر فهذا طريق تعرف القلب الذوقي على الله ثم بعد ذلك تبدأ تستشعر معنى صلاتك وأورادك وهذا موضوع سنتعرض له فيما بعد وههنا نذكره لمجرد أن نجعل هذا الموضوع يطرق سمعنا من ناحية ومن أجل أن نؤكد ههنا أن معرفة الله ليس هذا شرطاً فيها كما يقول هؤلاء فالإيمان العالي والقلب المنور يمكن أن يصل إليه الإنسان عن مثل هذا الذكر وعن طريق غيره وإن كان لهذا الذكر آثاره السريعة العملية المجربة في هذا الموضوع...

فيما مر ركزنا على أن نقطة البداية الصحيحة هي التركيز على القلب وحتى لا يفهمنا أحد فهماً خاطئاً نقول: إن الواجب الأول في حق الإنسان كما ذكره علماء التوحيد على خلاف بينهم في بعض الدقائق هو المعرفة العقلية لله ثم بعد ذلك واجب الوقت وهذا لا يتناقض مع ما ذكرناه فالمعرفة العقلية ثم واجبات الوقت هي التي عنها تصل الأنوار إلى القلوب وتبدأ عملية إصلاح القلب وبدون هذا يستحيل سير قلبي أصلاً وعلينا أن ندرك دائماً معنى واجب الوقت فهو معنى دقيق يغيب عن كثير من الناس فقد يدخل الإنسان في الإسلام في وقت ضحى مثلاً ويكون في هذه اللحظة واجب الوقت في حقه هو الجهاد فعليه أن يجاهد وقد يكون مديناً والجهاد في حقه فرض عين فيصبح واجب الوقت في حقه قضية الدين وأمر الجهاد وقد يسلم في قوت ظهر مثلاً فواجب الوقت في حقه تعلم الطهارة وكيفية أداء الصلاة وخاصة صلاة الظهر وقد يكون الوقت رمضان فواجب الوقت في حقه الإمساك عن المفطرات بقية يومه، وقد يكون على أهبة الإقدام على معصية فواجب الوقت يكون زائداً على ذلك هو ترك المعصية ومع هذا كله فقد يأتيه والده في ذلك الوقت ويطلب منه مطالب مباحة فيكون من واجبات وقته تنفيذها وقد يكون في نفس الوقت يمارس عملاً من أعمال الكسب فواجب وقته أن يعرف حكم هذا العمل شرعاً ويلتزم بما ألزمه الله عز وجل. وهكذا نجد أن قضية واجب الوقت من الأمور المهمة جداً ونادراً ما يفطن لها حتى من يتصدرون للعلم ولذلك يفوت خير كثير، إنك تلاحظ في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تفضيلاً للجهاد على غيره أو تفضيلاً للذكر على غيره أو تفضيلاً للصلاة على غيرها أو تفضيلاً للحج على الجهاد وسر ذلك كما يقول العلماء يعود إلى مجموعة حالات. حالة يكون فيها شيء هو واجب الوقت في حق إنسان فهذا هو الأفضل في حقه أو حالة يكون فيها شيء هو الواجب الأرقى في لحظة على غيره أو حالة يكون فيها شيء شرط قبول أو شرطاً لتحقيق حالة الإخلاص في شيء آخر وهي قضايا دقيقة لا يفطن لها إلا فقيه حكيم إن هناك حالات أخر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة عن وقتها بسبب الجهاد كما حدث يوم الخندق، وقال لأصحابه مرة "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، فأنت تلاحظ من الحديث الأخير كيف أن واجب السرعة في الحركة الجهادية كان واجب الوقت الذي تؤجل الصلاة بسببه وهو موضوع قد نبحثه في محل آخر. وإنما أشرنا إليه ههنا حتى لا يفهم فاهم ونحن نتحدث عن كون البداية الصحيحة في التربية الإسلامية هي التركيز على القلب أننا غافلون عن الواجبات الأولى... ولعله من خلال هذا الباب كله أدركنا مجموعة أغلاط يقع فيها الناس في مواضيع هذا الباب منها إهمال المعرفة العقلية لله ومنها الغلط في معرفة واجب الوقت وخاصة في بعض مواضيع تعتبر في عصرنا من أخطر المواضيع كواجب العمل لإقامة الحكم الإسلامي وإعادة الوحدة الإسلامية والخلافة الإسلامية فهذه من واجبات العصر ومع ذلك تجد من علماء المسلمين والعياذ بالله من يعمل في الطريق المعاكس لها من محاربة العاملين لذلك ومن موالاة الذين يعملون ليل نهار في إفساد الأموال والأعراض والقضاء على الإسلام... ومما يقع فيه الغلط ما ذكرناه في موضوع التربية القلبية وقد رأينا ذلك كله في هذا الباب.

 

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca