الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب العاشر - في المجاهدة وأركانها

الباب العاشر

في المجاهدة وأركانها

 

قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] من هذه الآية ندرك أن الهداية إلى الطرق الموصلة إلى الله ورضوانه هي أثر المجاهدة. فالمجاهدة كسب الانسان، والهداية هبة الله للإنسان، والمجاهدة والهداية كلاهما لا يتم إلا بتوفيق الله وبمعونته لذلك علمنا ربنا أن نقول في صلاتنا {إياك نعبد وإياك نستعين} فالمجاهدة هي وسيلة الهداية القلبية إلى الله ورضوانه. والهداية هي مقدمة التقوى. قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم}. فالتسلسل إذن على الشكل التالي: مجاهدة توصل إلى هداية. وهداية توصل إلى تقوى وكل ذلك لا يتم إلا بتوفيق الله ومعونته وعطائه. ومن هنا ندرك أن نقطة البداية الصحيحة في السير إلى الله هو المجاهدة ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام "والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله". وإنما كان هذا هو المجاهد لأن الهداية إلى السبل والتي منها القتال في سبيل الله لا تكون بلا مجاهدة ومن ثم فالقتال نفسه لا يكون قتالاً مقبولاً إلا بعد هداية ولا هداية إلا بعد مجاهدة إلا إذا شاء ربك أن يعطي عبده بلا سبب... وههنا وفي هذه الدوائر توجد أغلاط كثيرة فهناك ناس تصورهم عن المجاهدة خاطئ وهناك ناس يقفون عند المجاهدة ولا يصلون إلى السبل، قال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 16]. فهم يشتغلون فيما يتصورونه مجاهدة ولا يصلون إلى السبل بأن يفهموها ويسيروا في مسالكها، وهناك ناس يتنقلون من مجاهدة إلى سير في السبل ولكنهم لا يصلون إلى حقيقة التقوى. إن في الفهم أو في الملكة أو في السلوك وكل ذلك منشؤه الجهل وكل ذلك سببه أن نقطة البداية التي هي المجاهدة ليست صحيحة وعلى هذا فلا بد من فهم لقضية المجاهدة، ولا بد من فهم لقضية التقوى ولا بد من فهم لقضية السبل. والموضوع متداخل البدايات والنهايات، كثير الوشائج. فمعرفة التقوى جزء من المجاهدة، والتقوى نفسها بعضها أثر المجاهدة وبعضها من المجاهدة. وفي كتاب "جند الله ثقافة وأخلاقاً" بيان واسع لهذه الشؤون فليراجع.

ونحن هنا بسبيل أن نرسم صورة لقضية مجاهدة النفس في أسسها العامة التي نصل بها إلى ان تتخلص النفس من أمراضها، وتتحقق بمعاني صحتها مفترضين أن السائر في هذا الطريق سائر في طريق العلم الصحيح ومستوعب لما يلزمه من العلم ابتداء وانتهاءً فليلاحظ ذلك. تبدأ المجاهدة من نقطة الإيمان بالله ووحدانيته وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لا يحس المسلم الناشئ في بيئة إسلامية بأن الأمر ههنا في باب المجاهدة يحتاج إلى ذكر وهذا خطأ كبير. فأكبر شيء على الاطلاق أن يستطيع الإنسان أن يقفز من كفر إلى إيمان أو أن يعلن إيمانه في بيئة تستنكر الإيمان أو تسخر من أهله. قال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 12]. ثم تأتي المرحلة الثانية في المجاهدة وهي القيام بفروض الوقت من صلاة إذا جاء وقتها أو صيام رمضان إن جاء أو أداء زكاة إذا حال الحول أو أداء حج إذا حضر وقته وكان الإنسان مستطيعاً، أو نكاح إذا كانت الدوافع الجنسية إليه كبيرة وتيسر ذلك للإنسان أو ضبط معاملة من بيع أو إجارة على مقتضى الشرع إن كان يمارسها أو صلة رحم وبر والدين إن كان هناك رحم ووالدان وغير ذلك من فروض الوقت ولكل إنسان فروض وقته التي قد تتفق مع فروض الآخرين وقد تختلف على حسب حاله ووضعه وغير ذلك. فهناك مريض لا يستطيع الصوم فليس الصوم في هذه الحالة فرض وقته وهناك إنسان لا يملك مالاً فهذا ليس عليه زكاة وهناك إنسان ميت والداه فهذا ليس عليه في هذا الشأن واجب بر والديه بل هناك في حقه مندوبات تلاحظ. وبعد ملاحظة فرض الوقت لا بد من ملاحظة أدب الوقت. فما هو أدب وقت الصباح ووقت السحر ووقت الغروب. وما هو أدب الكون في سفر أو في عرس أو في مأدبة أو في سجن أو مع مجموعة أو في مدرسة أو دكان أو في نزهة أو في فرح أو في ترح وهي قضايا مكملة لفروض الوقت. وكما أن هناك ملاحظة وتطبيقاً لموضوع فروض الوقت وآدابه فهناك ضبط النفس عن المحرمات والمكروهات التي تطالب فيها النفس أو يصادفها السائر خلال سيره. فهذا جانب ثان في المجاهدة.

ثم جزء ثالث في المجاهدة وهي قضية ما يرتبه الإنسان على نفسه من نوافل العبادات من صلاة وزكاة وصيام واعتكاف وحج وأدعية وأذكار وقراءة قرآن ويدخل في ذلك ما مر معنا من قضايا الدورات الروحية والأوراد اليومية فهذا الجانب الثالث. ثم تأتي القضية الرابعة: وهي التي نطلق عليها أركان المجاهدة: إن الذين تكلموا عن أركان المجاهدة ذكروا أركاناً أربعة هي: العزلة والصمت والسهر والجوع. وسنتكلم عنها بإجمال ليعود الأخ إذا أراد تفصيلاً إلى الكتب الموسعة كالإحياء وغيره. ثم تأتي القضية الخامسة وهي عملية تأمل النفس والقلب، واكتشاف الأمراض ومعالجتها. وهي القضية الأخيرة للمجاهدة واحدى ثمارها الرئيسية. والقضيتان الأخيرتان هما محل التفصيل فيما يأتي وهما اللتان تدور حولهما عبارات الكثيرين إذا تكلموا في موضوع المجاهدة وفي هذا الباب سنكتفي بذكر أركان المجاهدة. وفي الباب التالي سنعرض لقضية معالجة الأمراض، فلنبدأ الكلام عن الأركان الأربعة للمجاهدة ولنبدأ بالعزلة:

ليست العزلة هي الأصل في حياة المسلم بل الخلطة الصالحة والاجتماع الطيب والألفة للخير وأهله. هذا هو الأصل في حياة المسلم وفي الأحاديث التالية مصداق ما قلناه:

"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" رواه أحمد وغيره. "المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" رواه أحمد. "يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار" رواه الترمذي. "وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية". والجانب المكمل لهذا الأصل في حياة المسلم أنه يعتزل الكفر والنفاق والفسوق وأهل ذلك ويعتزل المجالس التي فيها استهزاء بآيات الله وغير ذلك مما ينبغي العزلة عنه قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً} [مريم: 19]. {قد كان لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء، أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 04]. وقال تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} [الأنعام: 68]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه، ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه" رواه أبو داود. وقال عليه الصلاة والسلام: "مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" لمسلم والنسائي. وقد كره الفقهاء مخالطة الفساق ورفع الكلفة معهم. من هذا كله ندرك ما هو الأصل في حق المسلم في قضية الخلطة والعزلة. ولعل أوضح شيء في هذا الباب قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة عندما سأله: فيم تأمرني إن أدركني ذاك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". قال فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام. قال: "اعتزل تلك الفرق كلها / أي فرق الضلال / ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" رواه البخاري. فلا عزلة عن الجماعة الإسلامية، والعزلة كل العزلة عن الضلال وأهله. هذا هو الأصل العام في حياة المسلم في قضية الخلطة والعزلة. فإذا اتضح هذا الأصل ندرك متى تجب العزلة المطلقة في حياة المسلم؟ وإذا وجبت فعليه أن يجاهد نفسه ليحملها عليها لأن من طبيعة النفس أنها تألف الأنس بالناس. ولكن إذا تأملنا الحديث الشريف: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق... إذا تأملنا هذا الحديث ندرك أن الحالات التي تجب العزلة المطلقة على الإنسان حالات عارضة أو طارئة أو مؤقتة ومن ثم فنحن نبحث في معرض السير إلى الله موضوع العزلة كركن من أركان المجاهدة كدواء لقلب الإنسان ونفسه وضرورة ذلك أحياناً في حياة المسلم... هذا هو ما نعنيه، وهذا أقصى ما نراه للمسلم في هذا الباب إلا إذا كان هناك ظرف خاص أو وضع عارض أو طارئ. فالتقوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً ومن ثم فمحل بحثنا ههنا إذن هو العزلة كدواء للقلب ومحلها في المجاهدة. فلنر بعض عبارات الصوفية في هذا الشأن. يقول ابن عطاء: "ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه. ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة، كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته". في هذه الكلمة لخص ابن عطاء مجموع المعاني التي يحتاج الإنسان فيها إلى عزلة كدواء. متى اشتهر الإنسان كثرت علائقه وإذا كثرت علائقه ضاع كثير من وقته بسبب هذه العلائق، وإذا ضاع كثير من وقته تعذر عليه تكميل نفسه علماً وعملاً وحالاً. فهذه حالة من أجلها تطلب العزلة وإذا خلا الإنسان بنفسه وجال بفكره في ملكوت السموات والأرض، انعكس ذلك على قلبه صلاحاً. فهذه حالة ثانية من أجلها تطلب العزلة. وما دام الإنسان يخالط فصفاء قلبه ضعيف وانطباع الأشياء في هذا القلب قوي، وعزلة معها فكر وذكر تساعده على جلاء مرآة قلبه. وما دام الإنسان في خلطة فكثير من مثيرات الشهوات يمكن أن تجر قلبه والعزلة تقطعه عن مثل هذا. وذلك يساعد قلبه على التحرر من رق الشهوات فهذا جانب آخر تساعد عليه العزلة. وما دام الإنسان على خلطة فالغفلة تغلبه فإذا أتيحت له عزلة مع ذكر وفكر فإن هذا يساعده على يقظة قلبه ما دام القلب كثير الخلطة فهو كثير الهفوات. وهذا يحول بينه وبين فهم دقائق الأسرار. والعزلة تساعده على الخلاص من هفوات القلب وعلى التأهل لصالح فهم دقائق الأسرار. هذه مجموعة من المعاني التي اعتمدت من أجلها العزلة الشاملة أو العزلة الجزئية كجزء من مجاهدة النفس، بل كركن فيها مع ملاحظة أن ذلك كله ينبغي أن يكون مرحلياً في حياة الإنسان وألا يكون على حساب واجبات الوقت وآدابه وتضييع حقوقه، ولعل في خلوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء قبل الوحي ما يمكن أن يستأنس فيه للعزلة الشاملة. وفي سنة الاعتكاف ما يمكن أن يستأنس فيه للعزلة الحزئية. وعلى كل الأحوال فالعزلة إذا لم يكن فيها تضييع حق أو واجب فهي من باب المباحات حتى ولو لم يترتب عليها أي مصلحة أما إذا ترتب عليها مصالح من إصلاح قلب أو تحصيل علم أو زيادة إيمان فإنها تنتقل من كونها مباحة إلى ما هو أرقى من ذلك. فإذا تعينت طريقاً لتحقيق فرض أو للتخلص من حرام فقد تأخذ طابع الفرضية. ولم يزل كل المفكرين في العالم يجدون في العزلة فرصة للتأمل وإنتاج الأفكار. ولذلك كان الإنكار على من يعتزل عزلة مؤقتة، شاملة أو جزئية للتخلص من داء أو لتحقيق مصلحة علمية أو إيمانية ما دام ليس على حساب حق أو أدب وقت. إن من ينكر ذلك، إبصاره للأمور ضعيف وآفاقه الفكرية ضيقة. ونكتفي بهذا القدر في الإشارة إلى الركن الأول من أركان المجاهدة في اصطلاح السائرين إلى الله.

ولننتقل إلى الركن الثاني من أركان المجاهدة في اصطلاح السائرين إلى الله، وهو الصمت. إن تهذيب اللسان في الإسلام من أهم الأمور على الاطلاق ولذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يضمن لي ما بين لحييه أي لسانه، وما بين فخذيه أضمن له الجنة" رواه أبو داوود. ويقول عليه السلام "أو لا أدلك على ملاك الخير كله". قال: "كف عليك هذا وأشار إلى لسانه". قال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به. قال: "ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم". أوكما قال عليه الصلاة والسلام. فضبط اللسان على مقتضى شرع الله من أهم الأمور على الإطلاق ومن أصعبها على الإنسان وعلى النفس البشرية. والأصل في قضية اللسان، ألا يستعمله الإنسان إلا في الخير وأن يضبطه عن كل شر بل أن يضبطه عن اللغو فضلاً عن الشر.

قال عليه الصلاة والسلام: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" رواه البخاري. وقال تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} [النساء: 114]. وقال تعالى: {وتناجوا بالبر والتقوى} [المجادلة: 10]. وآفات اللسان التي ينبغي أن يجنب المسلم لسانه إياها كثيرة جداً ذكرها الغزالي في إحيائه وعددها فلتراجع هناك. وعلى هذا فالأصل في موضوع اللسان أن يحفظه الإنسان من دائرتي الإثم واللغو وأن يستعمله في دائرة الخير، والتمييز بين ما هو خير وشر وما هو لغو وحق يحتاج إلى علم واسع وضبط كثير للنفس.

فاللسان هو أداة التعبير الأولى عن النفس، والنفس ميالة لأشياء كثيرة واللسان أقرب الطرق للتعبير عن هذه الأشياء. وما أكثر الأشياء التي تميل إليها النفس ولا يصح أن تظهر على اللسان. النفس ميالة للفخر وميالة للسباب والخصام إذا غضبت وميالة للمسامرة حتى في اللغو وميالة أحياناً لانتقاص الآخرين وميالة لأن تشعر الآخرين بفضلها، كل ذلك وأمثاله كثير مما لا ينبغي أن يعطي المسلم نفسه مداها فيه. وعليه أن يعود نفسه على الانضباط في ذلك ومقدمة ذلك كله التحكم في اللسان. ومقدمة التحكم في اللسان تعويد الإنسان نفسه على الصمت ثم الكلام المنضبط على الأصول. ومن لم يعود نفسه على الصمت صعب عليه أن يعتاد وزن كلماته قبل أن يتكلم. فهذه واحدة من جملة معان اعتمد بسببها تعويد الإنسان نفهس على الصمت جزءاً من المجاهدة وضرورة من ضرورات السير إلى الله عز وجل. وقد يحسن أن يقول الإنسان الكلمة الخيرة ولكن قد لا يحسن أن يقول الكلمة الحكيمة. فمثلاً أن تذكر الناس في الآخرة وأن تحذرهم من سخط الله وأن تذكرهم بناره هذا خير، ولكن إذا فعلت ذلك على مائدة الطعام لا تكون حكيماً. ولذلك كره الفقهاء للإنسان أن يذكر بمثل هذه الشؤون في مثل هذه الحال لأن ذلك يتنافى مع أدب المقام فهذا مثال يوضح كيف أن الكلمة قد تكون خيرة ولا تكون حكيمة وهذا موضوع واسع جداً لا يستطيعه أحد إلا بتوفيق من الله ولذلك قال تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}. وتعويد الإنسان نفسه على الصمت مقدمة لاعتياد الإنسان على أن يحاكم كلمته قبل أن يقولها. وهذه حكمة ثانية من حكم اعتماد تعويد الإنسان نفسه على الصمت كجزء من مجاهدة النفس وركن من أركان ذلك، ولا شك أن اللسان هو أحد منافذ الخطأ الرئيسية والكبرى. فإذا ما أفلح الإنسان في ضبطه يكون قد قطع شوطاً كبيراً في تهذيب نفسه واستقامتها.

والصمت مقدمة في الضبط، فمن نجح في الصمت أصلاً كان على أن ينجح في الكلام المنضبط أقدر بتوفيق الله. وأخيراً فإننا لو تذكرنا الحديث الشريف "لولا تمرغ قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" لو تذكرنا هذا الحديث لوجدنا أن التزيد في الحديث عامل من عوامل حجب القلب عن الغيب ولذلك كان الصمت طريقاً لصلاح القلب. كل هذه المعاني جعلت الصمت ركناً من أركان المجاهدة ولكن أي صمت؟ الصمت الذي هو دواء والذي هو مقدمة في ضبط اللسان فهو صمت مرحلي، والصمت حيث لا يكون الكلام واجباً أو مفروضاً. أما إذا كان الكلام واجباً أو مفروضاً كأمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تعليم واجب فالصمت عندئذ حرام. ضمن هذه الشروط يحسن الصمت كجزء من مرحلة في حياة الإنسان، فالصمت وسيلة لا غاية ولمرحلة في الحياة ريثما تستقيم النفس لا لكل الحياة... على ضوء ذلك كله نفهم قضية الصمت كركن من أركان المجاهدة للنفس. فلننتقل إلى الركن الثالث من المجاهدة وهو الجوع: يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه الطبراني بإسنادحسن: "عليكم بالحزن فإنه مفتاح القلب. قالوا يا رسول الله وكيف الحزن؟ قال: أحنفوا أنفسكم بالجوع وأظمؤوها". من هذا الحديث نرى كيف أن الجوع يمكن أن يكون دواءً للنفس في بعض أحوالها وأمراضها.

ويقول عليه الصلاة والسلام "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". رواه البخاري. وكذلك نجد في هذا الحديث كيف أن الجوع يمكن أن يكون دواء للنفس في بعض حالاتها لأن الصوم من جملة معانيه أنه جوع وعطش فإذا رافق الصوم توسع كثير في الأكل ليلاً لم يؤد الغرض منه في كسر حدة الشهوة، فالصوم نهاراً، وعدم التوسع في الطعام ليلاً هو الدواء لهذه الحالة.

إذا اتضح من هذين الحديثين كيف أن الجوع يمكن أن يكون علاجاً لبعض حالات النفس نكون قد وضعنا الأساس الذي نفهم على ضوئه فكرة اعتماد الجوع كركن من أركان المجاهدة في مرحلة من مراحل الحياة، ومراحل السير إلى الله. فلنر بشكل أوسع ما يعمق إدراكنا لهذه القضية... القاعدة العامة في الإسلام في موضوع الطعام هي: أن الأكل والشرب بالقدر الذي يقيم أود الإنسان حتى يستطيع القيام بالفروض والواجبات. الأكل بهذا القدر فرض والتوسع في الطعام لدرجة الشبع مباح، والاسراف فيه حرام، قال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، والإسراف قضية نسبية تختلف باختلاف الناس وأحوالهم واختلاف العصور والأوضاع الاقتصادية. وإذا كان الأكل حتى الشبع مباحاً فأن يعطي الإنسان نفسه كل شهواتها حتى المباحة. إن ذلك يتنافى مع الذوقية الإسلامية والروحانية العامة للإسلام. ثم إن النصوص تشير إلى السمنة كمرض في المجتمع الإسلامي. ففي الحديث في ذم خَلْفٍ طالح يأتي بعد سلف صالح "يشهدون ولا يستشهدون. ويخونون ولا يأتمنون ويظهر فيهم السمن"، متفق عليه. فالتوسع في الطعام، وإهمال قضايا الجسم حتى يصل الإنسان إلى السمنة موضوع مرضي في المجتمع الاسلامي والنصوص واضحة في ذلك من كل ذلك ندرك أنه، وإن كان الأكل حتى الشبع مباحاً فإن الشبع الدائم في حياة المسلم ليس هو الأصل ولذلك نجد الحديث الصحيح يقول "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن لم يكن فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" رواه الترمذي. أو كما قال عليه الصلاة والسلام. هذا هو الأصل الأغلبي في حياة المسلم، فإذا أهمل المسلم هذا الأصل فبطرت نفسه أو استعصى عليه ضبطها أو حتى وهو يلاحظ هذا الأصل إن استعصت عليه نفسه أو بطرت فإن عليه أن يدواي ذلك كله بالجوع، بالصوم أو بدون صوم، وكذلك الحال لو أنه أصابته سمنة مرضية نتيجة لإهمال نفسه فعليه أن يداوي نفسه بالجوع غير المضر أو بنوع من السياسة يتخلص فيها من هذا الحال، ولئن كان الجوع علاجاً والشبع مباحاً

-        فلا بد من ملاحظة الضرر في الحالية فكل ما أدى إلى ضرر جسمي أكيد فهو محرم وكل ما أدى إلى ضرر محتمل فهو مكروه ومن ثم فلا بد من ملاحظة ذلك.

وعلى ضوء ذلك كله نفهم قضية الجوع كركن من أركان المجاهدة، ولا تنس أن الصوم كجزء من المجاهدة بالجوع هو الأرقى...

وبقي الركن الرابع في باب المجاهدة وهو السهر: إن عدم تحكم المسلم في نومه قد يترتب عليه تفريط خطير في كثير من الأمور فصلاة الفجر جماعة قد تتعرض للخطر والاستغفار بالأسحار قد يتعرض للخطر، وقيام الليل والتجهد قد يضيعان وصلاة العشاء في جماعة وأوراد ما بعد الفجر وأشياء كثيرة يمكن أن يصيبها خلل نتيجة لعدم تنظيم الإنسان نومه وتعويد نفسه على التحكم في شأن النوم وخاصة في عصرنا الذي غلبت في طرائق الحياة الغريبة على بلادنا. إن الغربي ينتهي من عمله فينام ثم تأتي فرصة لهوه ومتعته فيستمر بها إلى وقت متأخر من الليل ثم ينام إلى ساعة متأخرة ليذهب إلى العمل. هذا هو الوضع الغالب هناك وهو وضع أصبح هو الغالب على الكثير منا بحكم ارتباط حياة الإنسان المعاصر بأجهزة التلفزيون ونشرات الأخبار في الراديو وغير ذلك. هذا الوضع تضيع معه كثير من الفروض والنوافل والسنن الإسلامية ولذلك لا بد له من علاج وأمر النوم في كل عصر يحتاج إلى علاج وتحكم ولكنه في عصرنا يزداد الطلب له.

وإن لليل في الإسلام لشأناً خاصاً، قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً}، فأن ينشئ الإنسان لعبادة في الليل فذلك ثقيل عليه وله بذلك أجر وإن لعبادة الليل من الصفاء ما ليس لغيرها ومن التأثير في النفس ما ليس لغيرها ومن الفهم للمعاني فيها ما ليس لغيرها وقد جاءت هذه الآية في سياق قوله تعالى: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً إن لك في النهار سبحاً طويلاً واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً}  [المزمل: 01-08]. إن لليل في الاسلام لشأناً وتكفي هذه الآيات السابقة لإدراك ذلك. ومن مظاهر هذا الشأن ما نجده في الأحاديث التالية: أخرج الترمذي بإسناد حسن "قيل يا رسول الله: أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات" وأخرج الستة إلا النسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفر فأغفر له". وإن لقيام الليل في الإسلام لشأناً وكذلك للدعاء والاستغفار في الثلث الآخر من الليل، وكذلك لصلاة العشاء وصلاة الفجر في جماعة، وكذلك لأوراد ما بعد الفجر "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما صلى الليل كله" رواه مسلم ومالك (إن هاتين الصلاتين "الصبح والعشاء" أثقل الصلاة على المنافقين ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً عل الركب) رواه أبو داوود وغيره. "من صلى الصبح جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كان له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" من كل ذلك ندرك ما هية المراد بمجاهدة النفس في شأن السهر ولما كان السهر ركناً من أركان المجاهدة ومن كل ذلك ندرك أن السهر نفسه ليس هدفاً بل قد يكون مكروهاً إذا لم يتحقق الهدف منه ففي الحديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعده" (متفق عليه). السهر الذي يرافقه لغو مكروه فكيف إذا رافقه حرام. أما السهر الهادف المليء بالعلم والعمل والذكر والقيام وقراءة القرآن بما لا تضيع معه صلاة جماعة... مثل هذا السهر هو المراد فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسهر هو أبو بكر على شؤون المسلمين (متفق عليه) وكان من سنة داوود عليه السلام أنه كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه ثم ينام سدسه. إذا أدركنا قضية السهر فلنتذكر أن النوم حاجة عادية للإنسان وعندما نطالبه بالسهر فإنما نطالبه بتعويد نفسه على حياة إسلامية كاملة ومن ثم فعلى المسلم أن يعوض احتياجات جسمة إلى النوم في أوقات أخرى إذا فاته حظه من ذلك في الليل ولذلك كان من السنة القيلولة وهي نومة ما قبل الظهر ومن فاتته يستطيع أن يعوضها فيما بعد الظهر والأمر واسع وبهذا كله أدركنا مضمون هذا الركن الرابع من أركان المجاهدة.

ومن الملاحظ أن لهذه الأركان صلة ببعضها فمن شبع كثيراً احتاج إلى النوم الكثير ومن لم يجاهد نفسه بالصمت قد يضيع عليه سهره والعزلة تساعد على التحكم في قضايا السهر والصمت والطعام. ولعله من خلال عرضنا لقضية أركان المجاهدة، عرفنا لم اعتبرت هذه القضايا الأربعة أركاناً فيها. إنه إذا استطاع المسلم أن يتحكم في كلامه وطعامه ونومه وخلطته فقد أصبح على أبواب الخير كله وقد أصبح بإمكانه أن يتحكم فيما سوى ذلك وأن يمر الإنسان على دورات في حياته ينظم فيها هذه الشؤون لينطلق بعد ذلك في حياة تنضبط فيها هذه الأمور ضمن حدين أدنى وأعلى فإن ذلك هو الوضع العادي في حياة المسلم.

ولنعد الآن إلى فكرة الدورات الروحية ليضيف إليها عنصر المجاهدة مع الأوراد والأعمال الأخرى. إفرض أنني قررت أن أقيم لنفسي دروة روحية نفسية مقدارها أربعين يوماً وليس الأربعون شرطاً كما رأينا من قبل. ولكن هناك نصوص كثيرة يمكن أن نستأنس بها لموضوع الأربعين يوماً. منها قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ومنها قوله عليه الصلاة والسلام "من صلى أربعين يوماً في جماعة لم تفته التكبيرة الأولى كتب الله له براءتين، براءة من النار وبراءة من النفاق" رواه الترمذي بإسناد حسن. ومنها هذه الرواية: قال عمر لرجل: كم رابطت؟ قال: رابطت ثلاثين. قال: ألا رابطت أربعين، فالأربعون أذن لها ما يستأنس فيه، فإذا قررت أن أقضي هذه الأربعين بأقل قدر من الخلطة مع عدم التفريط بالواجبات ورتبت أمر طعامي بحيث أكتفي باللقيمات فيها ورتبت أمر سهري ونومي في اليوم بما يحقق أهداف السهر والنوم ورتبت أمر كلامي بحيث لا أقول إلا ما يلزم هذا مع ترتيب أمور العلم والصلاة والصوم والأوراد وقراءة القرآن مما مر معنا من قبل فإنني بذلك أكون قد جمعت في هذه الدورة أنواعاً من المجاهدة والمعالجة بآن واحد فإذا رتبت هذا كله مع قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو مع قضية الدعوة إلى الله، أو مع قضية عمل جهادي أو تدريب جهادي أو مع برنامج علمي مكثف فإن الدورة يكون مردودها كبيراً، على أنه يمكن أن يكون لكل قضية دورة نلاحظ بها هذه القضية بشكل أخص مع بقية الواجبات. على أنه إذا فاتنا أن نرتب هذه الأمور من خلال دورات طويلة فلنرتب ذلك بشكل آخر. وإذا فاتتنا قضية الدورات مع التفرغ فبالإمكان أن نرتبها مع العمل الحياتي وما لا يدرك كله لا يترك جله وطريق الجنة صعب ويحتاج إلى ثمن. "ألا إن سلعة الله غالية إلا إن سلعة الله الجنة". رواه الترمذي.

 

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca