الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب السابع عشر - في فصول شتى

الباب السابع عشر

في فصول شتى

 

هذا الباب فصوله شتى ولكن يجمعها أنه لا بد من إشارة إليها في رسالة تعرف على علم التصوف وتدل الإنسان على أن يأخذ حظه من هذا العلم سلوكاً وعملاً.

 

"فصل: في أن السير إلى الله لا يعني قطع احتياجات النفس ولا يعني شل الطاقات".

كثيراً ما يقع السالكون فضلاً عن غيرهم في خطأ كبير، هذا الخطأ هو تصورهم أن السلوك هو قطع لإحتياجات النفس البشرية وإنهاء لها أصلاً وتعطيل للطاقات بينما الحقيقة هي أن السلوك هو الوصول إلى حالة تعاد فيها الأمور كلها إلى حجمها وإلى أن تنبثق عن وضع صحيح. فمثلاً العلاقة الزوجية تنبثق في حالة من الحالات عن وضع شهواني بحت ولكن بعد الوصول تنبثق العلاقة الجسدية نفسها عن معان في النفس نورانية الأصل كثيرة الإشعاعات العاطفية المتكاملة ومن ثم فاللذات والمتع تزداد بعد الوصول بعد أن حدث انقلاب جذري في التركيب العام للنفس البشرية وللقلب البشري وما يقال في هذا الجانب يقال في جوانب أخرى، إنه بعد السير الكامل إلى الله عز وجل أي عندما يصبح التركيب العام للإنسان كله سليماً تنبثق الأشياء كلها على ضوء العلم وإذا بالتصرفات كلها في غاية السلامة والاستقامة والحكمة فالسير إلى الله منتهاه أن يصبح الإنسان حكيماً يضع الأمور في مواضعها. الحزم في محله والشجاعة في محلها والتأني في محله والمخاطرة في محلها وبذل النفس في محله وبذل المال في محله فالسير إلى الله يوصل إلى أن تنفجر الطاقات البشرية كلها في إطارها الصحيح طاقة العقل وطاقة الروح وطاقة الجسم وطاقة القلب وطاقة النفس في الحياة الاجتماعية وفي الحياة السياسية وفي الحياة الاقتصادية وفي دائرة الأسرة والحي والقطر والأمة والإنسانية. إن من لم يفهم السير إلى الله على أنه كذلك يكون خاطئاً ومن عرف حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم القدوة في كل شيء أدرك بداهة ما نقول.

 

"فصل في الإرادة والنية وتصحيحهما":

رأينا أن نقطة البداية في السير إلى الله هي إنبعاث الهمة أو توجه الإرادة نحو السير إلى الله عز وجل ومن ثم فلا بد من تصحيح لقضية الإرادة من ناحية ولا بد من تحسين النية وإصلاحها كذلك فالإرادة لا بد أن تكون خالصة لوجه الله وأن تكون متحررة من أي أمر من أمور الدنيا قال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} فإرادة وجه الله مع عبادته هي المقام الذي يجب أن نحرص عليه وألا نتخلى عنه وأن نصححه بشكل دائم فالصوارف دائماً كثيرة والقواطع كبيرة فالدنيا تحاول أن تصرفك عن إرادة وجه الله والشيطان يحاول أن يصرفك عن إرادة وجه الله والنفس لها تطلعاتها التي تنسيك بها إرادة التوجه إلى الله وأنت مكلف بتصحيح الإرادة وتحديد وجهة التوجه {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} وجرت سنة الله عز وجل أنه عندما يصدق إنسان بالتوجه إلى الله ويطلب ما يقربه إليه أن ينيله الله عز وجل ذلك، يقول صلى الله عليه وسلم "لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من أبناء فارس" (متفق عليه) والسالكون على يد الشيوخ أنواع فمنهم من يسلك وهمه أن يكون مرشداً للخلق إلى الحق ومنهم من همه أن يصل في نفسه إلى مرضاة الله وحسبه ذلك دون أن تكون عنده تطلعات أخرى ومنهم من تجذبهم حلقات السير إلى الله وليس لديهم وضوح لا في الهدف ولا في العمل ولكل من هؤلاء طريقه. وواجب الشيوخ أن يرتقوا دائماً من همة أدنى إلى همة أعلى وعلى الجميع أن يلاحظوا قضية الإخلاص لله تعالى في البدايات والنهايات ولابن عطاء كلام كثير في قضية الإرادة وتصحيحها ومن كلماته "ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك ولا تبرجت ظواهر المكونات لتصرفه عن السير إلى الله إلا ونادته حقائقها" {إنما نحن فتنة فلا تكفر}.

 

"فصل في الخدمة ومحلها في السير إلى الله":

في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كثير من مظاهر الخدمة في الله خدمة الصغار للكبار وخدمة الكبار للصغار وخدمة الأصحاب لبعضهم بعضاً "وحتى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته يعمل في مهنة أهله" وخدم بعض الوفود بنفسه صلى الله عليه وسلم تكريماً لحالة خاصة ووفاء لوضع معين وكان يشارك أصحابه العمل عليه الصلاة والسلام وهذا أصل كبير في الحياة الإسلامية يوجه المسلمين في تواضعهم لبعضهم ورحمتهم لبعضهم وذلتهم لبعضهم فلا يأنف أحدهم من خدمة الآخر بل رحمة الكبير في الصغير تجعله يرعاه وتوقير الصغير للكبير تجعله يخدمه وتواضع الإخوان لبعضهم ومحبتهم في الله تزيل الأنفة والكبرياء في التعامل فيما بينهم وهذا هو الجو الإسلامي الصافي وقد فطن أهل السير إلى الله إلى أهمية الخدمة في تهذيب النفس فلاحظوا أن الإنسان الذي لا يأنف من خدمة الكبار والصغار إنسان تحرر من أمراض كثيرة كالعجب والخيلاء والكبر وغير ذلك وتحققه بأن واحد بمجموعة من الأمور كالتواضع والرحمة والإحترام والإكرام للمسلمين والذلة على المؤمنين وغير ذلك لذلك اعتبروا خدمة الإخوان والشيوخ في الله من أقرب الطرق التي توصل إلى الله لما يتحقق به المتبرع بالخدمة من مشاعر مخلصة مخبتة لله عز وجل ومن ثم كانت الخدمة أدباً عاماً عندهم لا يأنف منه الكبير ويندفع فيه الصغير فتبقى أجواؤهم في هذا المقام عذبة صافية خالية من الزخارف الكاذبة والبهارج الخادعة وبعيدة عن أجواء عنفوان النفوس وكبريائها، "ولقد كان بعض شيوخنا وهو في سن الثمانين يقدم لنا أحذيتنا ونحن في أول طلبنا للعلم مما كان له في أنفسنا أثر حميد في تعويدنا الخدمة والتواضع لجميع الخلق" إن طبيعة الخدمة في الله لا تستطيعها نفس إلا إذا اجتمع فيها إيمان بالله واليوم الآخر وثقة بأن المعز المذل هو الله وأن من تواضع لله رفعه الله وإيمان بأن الإنسان مأجور عند الله على خدمته لإخوانه وهكذا نجد أن الخدمة في الله دواء للنفس وغذاء للقلب من جهات متعددة.

 

"فصل في الخلوة":

قد يرغب المريد أن يقفز قفزة كبيرة في تنوير قلبه وقد يرى الشيخ أن مريداً ما يحتاج إلى وجبة روحية كبيرة كغذاء لقلبه أو كدواء لهذا القلب من وسوسة أو شكوك وريب أو غلبة نفس وهذا وغيره دعا بعض شيوخ الصوفية إلى اعتماد مبدأ الخلوة كاعتكافٍ مركّز يحقق فيه المريد أكبر قدر من المردود ويختلف الشيوخ في نوع من الأعمال المفضلة في الخلوة ومدتها المفضلة ولكن بشكل عام يكون الذكر والمذاكرة بعد القيام بفرائض الوقت هي محور الخلوة أما الزمن فالأصل أنه تابع لحال المريد ووقته وفراغه واحتياجات قلبه أو تحقيق الهدف الذي من أجله كانت الخلوة ونحن نفرق بين خلوة يعتمدها الإنسان لنفسه وبين خلوة تحت اشراف شيخ بصير فقيه فالخلوة التي تكون تحت اشراف شيخ يحدد الشيخ ما ينبغي أن يكون فيها من أذكار ومذاكرات ومكان. وأما إذا اختار الإنسان لنفسه أن يقوم بخلوة فإننا نفضل له أن يكون برنامجها: عشرات الآلاف من الإستغفار وعشرات الآلاف من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعشرات الآلاف من لا إله إلا الله ثم بعد ذلك يستغرق. إما في كلمة التوحيد أو في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينهي خلوته. وكثيرون من الناس يناقشون قضية الخلوة والأمر لو وجد الانصاف لا يحتاج إلى هذا الاختلاف فلو أن إنساناً رأى أن يخلو بنفسه في غرفة ليقوم بأعمال مباحة دون أن يؤثر ذلك على واجب لما كان للإنكار عليه محل فكيف إذا خلا الإنسان لنفسه ليقدم لنفسه دواءاً أو غذاءاً. إن الأمر واضح في كونه جائزاً ولقد كانت حياة الصحابة في غير أوقات الجهاد والعمل وإعطاء الحقوق خلوات على قراءة قرآن أو ذكر مع البعد عن الغلو أي في رمضان وفي خلوة الرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء قبل النبوة وبعدها ما يستأنس به لهذا الموضوع. وإن كثيرين من مفكري العالم فطنوا لما للخلوة الطويلة من تأثير كبير على صفاء الفكر والنفس وجودة القرارات فإعتمدوها وإنا لنتمنى للحركة الإسلامية أن تعتمد مبدأ الخلوات ذات العمل العبادي الروحي المركز وخاصةً للعناصر التي ترشحها لأمور التنفيذ ليكون اعتماد هذه العناصر للتنفيذ وقلوبهم منورة وحالهم صالح واستعداداتهم للتضحية في سبيل الله عالية وراقية بل إني أرى أن إعتماد مبدأ الدورات الروحية والخلوات المكثفة هي البداية الصحيحة للتربية الإسلامية الجهادية وما الخلوة إلا دورة روحية مكثفة في عصر غلب فيه الإنسان على أمره أمام طواحين الوقت والقلب والفكر والأعصاب.

 

"فصل في أدوية مناسبة لأوضاع معينة:"

"أخرج الإمام أحمد بسند صحيح كما في الترغيب والترهيب عن أبي هريرة أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال: امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين". تجد في هذا الحديث كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى لهذا الإنسان: الشاكي الدواء المناسب لحاله وفي حديث صحيح رواه مسلم "أن عمر قال يا رسول الله: لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي فقال: الآن يا عمر" ههنا حالة ذكرها عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حالة تنافي أحد مضامين ما يدخل في الحديث "لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين" (متفق عليه). ولذلك أفهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الحالة ليست هي الكمال وبمجرد التذكير بالوضع الكامل من رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقل عمر إلى هذا الحال فهنا حالة بسيطة اقتضت علاجاً سريعاً هو الكلمة المبينة... ووافق العلاج استعداداً عالياً فإنتهت الحالة مباشرة. ولا ننسى أن لحال رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعداد عمر الدور الأعظم بعد البيان. وهناك ناس صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم منافقون وماتوا وهم منافقون، وهناك ناس كانوا منافقين ندرك أن أمراض القلوب والنفوس أحياناً تكون معقدة وأحياناً تكون بسيطة وأحياناً يكون الدواء كلمة وبياناً وأحياناً لا يكفي البيان وحده دون أن يبذل المريض جهداً خاصاً. فقد نجد إنساناً عاش في بيئة معينة اعتاد فيها العجرفة والكبر والعجب والإسراف والتطاول على الناس وغير ذلك. في مثل هذه الحالة لو جاء هذا الإنسان لشيخ وكان صادقاً في مجيئه فقد يأمره الشيخ بأمر ما يكون علاجاً لكل هذه الأحوال دفعة واحدة ومن ثم لا بد أن يكون الشيخ خبيراً بأمراض النفوس وطرق علاجها وأن يعالج هذه الأمراض بالأدوية الشرعية وقد رأينا في هذه الرسالة نماذج يكون فيها السفر أو العزلة أو السؤال أو غير ذلك علاجاً لبعض الحالات ثم إن القلوب نفسها تختلف واستعداداتها تختلف ولا بد للشيخ أن يلاحظ أنواع القلوب وأنواع استعداداتها ويسير بكل إنسان بما يوافق حاله. فقد يكون إنسان مرشحاً للنجاح في أمر فعليه أن يوجهه له ولذلك نلاحظ أن بعض فروض الكفايات يصبح في حق بعض الناس فرض عين لأنهم وحدهم المرشحون لأدائها فالله عز وجل جعل المسلمين يكمل بعضهم بعضاً فما أجهل من يريد أن يقصر المسلمين كلهم على بعض المعاني معطلاً معاني أخرى، عند قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} ذكر ابن كثير الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وغيره والذي فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة" من هذا النص ندرك أن القلوب نفسها تختلف وإن كانت جميعها في الذروة من الكمال ومن ثم فلا بد أن يلاحظ الشيخ استعدادات القلوب وأنواعها فيوجه كل قلب فيما هو مناسب له. فقلب غلبت عليه الرحمة يوجهه نحو التفرغ لدعوة الخلق إلى الله، وقلب غلب عليه حب التأديب للكفار يوجهه نحو التفرغ لقضية الجهاد. وبمناسبة الكلام عن مداواة القلوب أقول: إن كثيرين حتى من علماء المسلمين والعاملين للإسلام لا تقبل ذوقيتهم العامة كثيراً من تصرفات الشيوخ في معالجات بعض الأمراض كما أن بعضهم يشمئز أن يرى إنساناً ما يتصرف تصرفاً ما لا يتفق مع المألوف في علاج نفسه. إلى هؤلاء أنقل هاتين الروايتين:

أخرج الترمذي بسند قال عنه: "حسن غريب عن جُبير بن مطعم قال: يقولون فيّ التيه / أي العجب والاختيال والكبر / وقد ركبت الحمار ولبست الشملة وحلبت الشاة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "من فعل هذا فليس فيه من الكبر شيء" وأخرج الشيخان ومالك "وكان أبو هريرة يستخلف على  المدينة فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيشق السوق ويقول: "طرّقوا للأمير حتى ينظر الناس إليه" أقول إنما كان يفعل ذلك أبو هريرة من باب مداواة نفسه ومعالجتها وهذا شيء نجد أمثلته كثيرة في حياة الصحابة حتى إن عمر رضي الله عنه كان يتصرف التصرف فيعاتبه عليه ابنه فيذكر له كيف أنه فعل ذلك علاجاً. إنه لا بد من عودة كاملة لحياة إسلامية كاملة تظهر فيها بشكل كامل أخلاقية جيل الصحابة في كل شيء.

 

"فصل في اللباس":

حاول بعض الصوفية أن يربطوا بين التصوف وبعض الأمور المرتبطة في اللباس والذي يقال في هذا المقام إن المسألة إن كان لها أصلها في السنة فالعبرة للسنة وإن كانت كعلاج مشروع لا يصل به الإنسان إلى ارتكاب مكروه أو محرم فلذلك كذلك وجهه. فإذن نحن ههنا لا نقيد أنفسنا بغير الأحكام المتعلقة باللباس ومما يمكن أن يقال في هذا المقام:

1-               إن هناك نوعاً من اللباس محرماً على الرجال كالحرير أو ما كان لباساً خاصاً للنساء وهناك لباس محرم على المرأة وهو ما كان لباساً خاصاً بالرجال إلا لمصلحة قتال وهناك تفصيلات في مثل هذه المقامات يراها الإنسان في كتب الفقه.

2-               بشكل عام لباس المرأة المسلمة ينبغي أن يكون ساتراً سابغاً لا يصف ولا يشف وأن لباس الرجل لا ينبغي أن يصف عورة وهناك تفصيلات محلها كذلك كتب الفقه.

3-               الإسراف في اللباس لا ينبغي في حق الرجال والنساء والإسراف قضية نسبية تختلف بإختلاف أحوال الناس.

4-               للزي العربي المتمثل بصور والمتمثل بمكملات أخرى فضل خاص لأنه به تتحقق مجموعة من المعاني لا تتحقق في غيره من كونه لا يصف عورة ومن كونه يستطيع الإنسان بشكل مريح أن يحقق سنناً كثيرة كالأكل جالساً وكالبول جالساً وغير ذلك.

5-               يمكن أن يكون للإنسان لباس عمل يناسب عمله كالطيار والجندي وعلى هذا فلباس الراحة هو الذي نحرص أن يكون ذا وضع خاص، فالقميص / الذي يسميه الناس الآن كلابية في بعض الأقطار / هو أحب اللباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن يكون لباس راحتنا كلابية وأن يكون هناك غطاء رأس كالقلنسوة أو العمامة أو الحطة فوق العمامة فذلك أكمل شيء.

6-               أن يعتاد الإنسان على ألا يستعبده اللباس فذلك من أخلاق المسلم ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعس عبد الخميصة، وقال عليه الصلاة والسلام: "البذاذة من الإيمان..." رواه أحمد وابن ماجة، ومن مظاهر البذاذة أن نستعمل الثوب ولو تقادم وألا نلقي به بمجرد أن يكون أصابه شيء ما ولذلك أثر عند بعض الصحابة أنهم كانوا يرقعون ثيابهم وهو موضوع ينبغي أن يعطى أهميته لما يترتب عليه من فساد في الحياة الإقصادية والإجتماعية أن يلقي الإنسان ثوبه القديم ويلبس دائماً جديداً إن هذا إرهاق والموضوع يقيده ما إذا تصدق الإنسان بالقديم أو كان القديم لا يذهب هدراً بل يستفاد منه بشكل ما.

7-               إن  موضوع اللباس موضوع معقد يرتبط بأمور كثيرة فلكل أمة لباسها المرتبط بثقافتها وعادتها وكثيراً ما يكون لبس الإنسان لباس أمة أخرى هو أثر عن إعجاب بها وبحضارتها ونوع احتقار لأمته وهذا الموضوع ينبغي أن يعالج بمنتهى الحكمة في عصرنا فلا نتشدد فيه التشدد الذي يجعلنا نضخم المكروه فنجعله حراماً ولا نتساهل في التربية عليه حتى ننسى أن لنا زياً خاصاً هو المفضل وهو الأفضل. إنه لا يوجد لباس يرتاح فيه جسم الإنسان وترتاح منه أعضاؤه كزينا الذي ورثناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك "كان عمر رضي الله عنه يرسل إلى الجيوش الإسلامية موصياً أن يميتوا زي العجم الكافرين وقتذاك ويحيوا زي العرب". ولقد عرجنا على موضوع الزي والهيئة أكثر من مرة في هذه السلسلة لأهميته في موضوع ذاتيه الأمة.

8-               يقول عليه الصلاة والسلام "من تشبه بقوم فهو منهم" رواه أحمد والعلماء حملوا هذا الحديث على من تشبه بقوم في أمر هو من باب الخصوصيات الدينية عندهم أما ما كان مشتركاً بين بني الإنسان أو كان في نوع التشبه في أمر عادي لا يهدم شعيرة إسلامية أو لا يتعارض مع سنة فالأمر واسع.

9-               هناك حالة سنتحدث عنها فيما بعد وهي حالة يرى فيها الشيخ أن نوعاً من اللباس ضروري في حق إنسان إما لمقام أو كعلاج وهناك حالة يرى فيها الإمام أو الأمير أو جماعة المسلمين لإنسان أن يلبس لباساً ما كعملية تمويهية لتحقيق مصلحة فهاتان قضيتان لهما وضع خاص والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً والفتوى ههنا هي التي تحدد الحكم في حق الإنسان.

 

”فصل في العفة عن سؤال الناس":

ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم وأبو داوود والنسائي عن عون بن مالك الأشجعي قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلى ما نبايعك قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وتصلوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتطيعوا وأسر كلمة خفية قال: ولا تسألوا الناس شيئاً فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه". فهذه هي الحالة العليا في التربية الإسلامية وقد سمح للإنسان في بعض الحالات أن يسأل الناس حاجاته إما لوضع خاص أو لحالة اضطرارية وبقدر الحاجة. أخرج الإمام مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر"، وفي كل الأحوال جعل العمل هو الحالة الأكمل للإنسان وسمح بالسؤال كعلاج لحالة إستثنائية "واليد العليا خير من اليد السفلى"، هذا هو الأصل العام في هذا الموضوع ومحل التفصيلات في كتب التفسير والحديث والفقه وإنما عرجنا على هذا الموضوع هنا بسبب فهم خاطئ لتصرفات بعض الشيوخ فقد حدث مثلاً أن وجدت حالة معقدة لبعض أمراض القلوب عالجها بعض الشيوخ بأن طلب من صاحبها أن ينزل إلى السوق ويسأل الناس أن يعطوه، والواجب في هذا المقام أن يسأل الناس وهو ينوي أن يوصل صدقتهم لمستحقيها وإنما يفعل ذلك من باب الدواء فتوسع بعضهم في هذا الشأن وهو موضوع ينبغي أن يطوى بساطه في عصرنا وأن يرجع إلى المسألة في أصلها الصحيح كما ذكرناه.

 

"فصل في السفر":

كان للرحلة في الماضي وضع خاص إذ كانت أدب العالم لتحصيل العلم وأدب الصوفي لتحصيل العام والتربية عند أهل ذلك إذ يبدأ الإنسان فيأخذ ممن عنده علم أو حال في محيطه ثم يرحل لإستكمال الأمر، وأحياناً يكون السفر علاجاً لبعض الأحوال النفسية والقلبية فمثلاً قد يقع الإنسان في عشق أو في إثم بسبب وجوده في بيئة فيعالج الشيخ مثل هذه الحالات بأن يأمر المريد أن يسافر ليغير بيئته أو ينسى، وفي الحديث الذي قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الرجل الذي قتل مائة شخص كيف أن العالم أمره أن يترك أرضه إلى أرض أخرى رواه البخاري... في هذا الحديث ما يمكن أن يستأنس به لهذا الموضوع، فلصلة الرحلة بهذه القضايا التي ذكرناها وغيرها دأب علماء التربية أن يتحدثوا عن موضوع السفر في كتبهم فلننقل بعض عباراتهم مع شيء من التعليق عليها، يقول صاحب المباحث الأصلية "مذهبهم في جولة البلدان" "زيارة الشيوخ والإخوان"، أي هذا من مقاصدهم في السفر الزيارة في الله للإخوان في الله وللشيوخ العارفين بالله وذلك لنيل مقام ما أشار إليه الحديث الصحيح "وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ" (رواه أحمد وابن حبان بلفظ مقارب أوله (حققت محبتي...)). "ثم اقتباس العلم والآثار"، أي هذا كذلك مقصد من مقاصدهم في السفر وهو طلب العلم عامة وطلب علم الحديث خاصة وهو المراد هنا بكلمة الآثار "أو رد ظلم أو للاعتبار"، أي ومن مقاصدهم في السفر رد المظالم إن كانت على واحد منهم وذلك فرض كما إذا كانت على الفقير دين أو قصاص أو حق من حقوق العباد فيسافر إليه ليرده أو يتحلل منه وقد اعتبر الشيخ زروق أن مما يدخل في باب رد المظالم رد ظلم العباد بعضهم عن بعض وجعله من تغيير المنكر وقال: "هذا على من يمكنه ذلك من غير نقص في دينه" وهذه لفتة كريمة من الشيخ زروق وما أجود أن يعتاد المسلمون على الخروج لمثل هذا ولجماعة الدعوة والتبليغ في عصرنا باع طويل في مثل هذا فجزاهم الله خيراً، وأدخل الشيخ زروق في هذا الباب فراراً من ظلم يلحق بالإنسان أو فراراً من أرض فيها ظلم وهو موضوع له صلة بقضية الهجرة ومن مقاصدهم في السفر السفر بقصد التأمل وأخذ العبرة، قال ابن عجيبة في شرح هذا المعنى: "الإعتبار بما يرى في سفره من جبال وعيون وبحار وأشجار وثمار وأصناف المخلوقات وضروب الكائنات" "أو للخمول أو لنفي الجاه" أي من مقاصدهم في السفر أن يسافروا فراراً من الشهرة أو فراراً من التعظيم وذلك يفعله المريد في ابتداء أمره ليستنى له الكمال وذلك لأن الشهرة والتعظيم في ابتداء أمر المريد قد تمنعانه من الكمال في العلم والسلوك فيكون السفر في حقه من باب الدواء والأخذ بالأسباب للوصول إلى الكمال ليستطيع إفادة خلق الله بشكل أكمل وليتمكن الإخلاص في قلبه بشكل أعمق، قال ابن عجيبة: "والمراد / أي في هذا المقام / بالجاه المضر أو الجاري على غير وجه مستقيم أو الذي يخشى منه نقماً أو شغلاً أو الذي تميل إليه النفس وتركن إليه" "أو للرسول أو لبيت الله"، أي من مقاصدهم في السفر زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وكذلك من مقاصدهم الحج والعمرة وزيارة بيت الله الحرام فهذه مجموعة الوجوه التي من أجلها أو من أجل واحد منها يسافر السالك إلى الله، قال الشيخ زروق: "كل هذه الوجوه تحتاج لتصحيح النية وتحقيق القصد فإن النفس خادعة وللأمور آفات"، وقال ابن عجيبة: "وبقي من فوائد السفر صحة البدن والقلب فقد قال عليه السلام: "سافروا تصحوا وتغنموا" (رواه البيهقي والطبراني في الأوسط).

ولنرجع إلى كلام صاحب المباحث "ولم تكن أسفارهم تنزهاً، بل كان لله فيها نحوه التوجها" وذلك أن الصوفي يحاول ألا يتصرف تصرفاً ولو كان مباحاً إلا بنية صالحة لأن النيات تجعل العادات عبادات "ولم تكن أيضاً بلا استئذان، للشيخ والآباء والإخوان" لينال دعواتهم ويأخذ وصاياهم ويستفيد من ملاحظاتهم وربما كانت لهم حاجة فقضاها وربما ترتب على سفره مضرة فيفطنونه لها "ولم يكن ذلك للفتوح" المراد بالفتوح في إصطلاحهم ما يعطيه الناس للإنسان من هدايا وصدقات فهذا مما لا ينبغي أن يفكر فيه الصوفي أصلاً. قال ابن عجيبة: "ولم تكن أسفارهم لقصد الدنيا فإن ذلك من الهمة الدنية" "أو لامرئ مبتذل ممدوح"، أي أن الصوفي لا يسافر من  أجل أن يمدح الناس كفعل الشعراء في الماضي فهذا مما لا يخطر على بال سالك إلى الله وبعد ذلك ذكر صاحب المباحث بعض آداب السالك إلى الله إذا وصل بلداً.

 

          فحيث ما حلوا بلداً فبالحرا             أن يقصدوا الشيخ وبعد الفقرا

 

أي من آدابهم إذا حلوا بلداً أن يقصدوا شيوخها وصالحيها والفقراء إلى الله فيها والمراد بهم السالكون إلى الله فيها، قال ابن عجيبة: "وقوله فبالحرا: أي بالأحروية والأولوية أن يقدموا الشيخ ثم بعد ذلك الفقراء وقال: وهذا الترتيب الذي ذكرنا هو مع الإختيار فإن تعذر لقاء المشايخ أولاً قدم الفقراء والفقراء كما قلنا اسم يطلقه الصوفية على أنفسهم أخذاً من قوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله}، ثم ذكر صاحب المباحث آداب لقاء الأشياخ والجلوس معهم:

 

                   وإن للقوم هنا آداباً                   إذ جعلوا كلامهم جواباً

          أي أن الأصل عندهم السكوت إلا إذا سئلوا فيجيبون

                   فإن تعاطى الشيخ منهم قولاً قالوا وإلا فالسكوت أولى.

 

بمعنى إن طلب الشيخ  منهم أن يتكلموا تكلموا وإلا فإن أدبهم السكوت ومن آدابهم انتظار خروج الشيخ من غير نداء عليه ولا رسول إليه وحسن الأدب في المجالسة والمؤانسة ومن آدابهم المشاركة في المذكرات العلمية مع حسن الأدب وكماله وحسن انتقاء العبارات بين يدي الكلام وفي حالة المخالفة في الرأي أو سماعه أو رؤيته خطأ شرعياً ثم ذكر صاحب المباحث أدب أهل البلد مع الوافد عليهم فقال: "وواجب علي أولي الإقامة" أي على الذين وفد عليهم المسافر "تفقد الوافد بالكرامة" قال ابن عجيبة في تفسير التفقد بالكرامة: وهو الذهاب إلى لقائه وإظهار المسرة في وجهه والفرح به وإراحته من شؤونه وتعلقاته وإنزاله في محل... "وهو يزور القوم في الحرام"، أي في البلد الحرام أي في مكة أي الوارد أحق أن يزار في محله إلا أن يكون بمكة فإن  عليه أن يزور المجاورين لبيت الله الحرام لحرمة بيت الله الحرام وذلك "وإنما ذاك للإحترام" أي هو يبتدئ زيارة أهل الحرام احتراماً لهم لأنهم سكان بيت الله الحرام والمسألة ذات أوجه فالأصل أن العلم يؤتى، ثم ذكر الشيخ بعض آداب المضيف "ويبدأ الوارد بالسلام وبالطعام ثم الإكرام، وكلموه بعدها تكليماً، تأسياً بفعل إبراهيم"، عليه السلام أي يبدأون بالسلام ثم بالطعام والإكرام ثم بعد ذلك يكون الكلام كما فعل إبراهيم عليه السلام مع أضيافه سلام فإطعام فكلام، ويقدم من الطعام ما لا كلفة فيه وإذا أمكن الإكرام فلا مانع من غير تكلف مفرط ولا تفريط لأن التكلف يقطع طريق الكرم ويتعب الأهل والناس لدرجة أن الضيف بذلك يصبح ثقيلاً وهذا سبب كبير في انقطاع كثير من الخير لذلك كان أدب الصوفية في هذا المقام عدم التكلف وهو الكرم الإسلامي بعينه لأنه وحده الذي يسع الناس وبه يستمر خلق الكرم في هذه الأمة أما إذا بدأ التكلف فقد وجد العنت في المال وإعنات الأهل والإتعاب لهم. والتكلف مسألة تختلف من إنسان لإنسان فمن كان غنياً لا يعتبر ما يقدمه وإن كان كثيراً وغالي الثمن كلفة في حقه على عكس الفقير "وكرهوا سؤال هذا الوارد إلا عن الشيخ أو التلامذ" أي أنهم لا يسألونه عن أحوال الدنيا وأحاديثها فإن ذلك مما لا ينبغي ويقسي القلب بل يسألونه عن الشيخ والتلاميذ والسائرين إلى الله وحال الناس ليطمئن على صلاح أمر الإسلام والمسلمين فسؤالهم يلحظ فيه معنى شرعي وهو باب واسع إذا وجدت النية الصالحة إذ حتى السؤال عن الأمور الدنيوية إذا رافقته نية صالحة فإن ذلك يؤجر عليه الإنسان "وكرهوا تضييعه أوراده، كيف وقد جاء إلى الزيادة" أوراد الإنسان ما وظفه عليه شيخه أو ظفه على نفسه والمراد هنا ما كان يعمله في إقامته فإذا سافر بقي على ما كان عليه إلا إذا شق عليه ومن رحمة الله عز وجل بالإنسان أنه إذا كان له عمل وشغله عنه مرض أو سفر فإنه يكتب له أجر عمله فإذا لم يكن يشق عليه عمل الأوراد فإنه يداوم عليها أو على بعضها ولذلك قال في البيت: "كيف يترك أوراده بالكلية وهو إنما سافر لطلب الزيادة في حاله القلبي أو غير ذلك" "ومن يسافر في هوى النفوس فإنما يؤمر بالجلوس"، أي من لم يستحضر نية صالحة لسفره بحيث يحقق سفره مقصداً شرعياً فإن أهل التصوف لا يرون له السفر لأن من آدابهم ما ذكرناه سابقاً من أنهم يرغبون ألا يكون لهم عمل إلا إذا كانت لهم نية صالحة فيه حتى ولو كان مباحاً لتصبح أعمالهم كلها عبادات، هذا مجموع ما ذكره صاحب المباحث في فقرة السفر وقد ذكر بعضهم جوانب أخرى فلنذكر بعضها.

1-               يفضل أن ينزل المسافر على أهل مشربه وألا يشق عليهم بأن يطيل المكث إلا إذا كان قد نزل في مكان أعد لذلك وأصروا عليه أما إذا كان هدفه الإقامة فعليه أن يسارع إلى محل إستقراره.

2-               ينبغي لمن أراد السفر أن يتعلم أحكامه كأحكام القصر للصلاة والتيمم والقبلة وغيرها.

3-               إذا كانوا جماعة فينبغي أن يؤمروا أحدهم ومن أدبه أن يستشيرهم.

4-               قال ابن عجيبة ناقلاً: "ومن آدابهم ألا يجري بينهم في حديثهم هذا لي وهذا لك ولو كان كذا لم يكن كذا ولعل وعسى ولم فعلت ولم لم تفعل وما يجري مجراها فذلك من أخلاق العوام، ولا تجري بينهم المخاصمة ولا المجادلة ولا الاستهزاء ولا الإزدراء ولا المراجعة ولا المغالبة ولا الغلبية والتقصية لا تكون بينهم بل يكون كل واحد منهم للكبير كالإبن وللصغير كالأب وللنظير كالأخ..." وهذا ليس خاصاً بالسفر وإنما هو من أدبهم في الصحبة على الدوام، وفي السفر يكون أكبر همهم فيلاحظونه بشكل أوسع لأن السفر يسفر عن كل المعايب ولا يبقى على حاله في حال السفر إلا الصديق.

5-               ومن آدابهم أن يدعوا بأدعية السفر ذهاباً وإياباً وأدعية الركوب ويكثروا من التكبير والتهليل والتسبيح وغير ذلك من الأذكار.

6-               إن تيسر له أن يستصحب في عوده هدية لأهله وأقاربه وجيرانه فإنه طيب.

7-               إذا استطاع أن يدخل بلده في النهار فذلك هو السنة والأدب ألا يطرق أهله ليلاً إلا إذا كان على موعد معهم أو أعلمهم بذلك لما في ذلك من مشقة عليهم أو لما يحتمل أن يحدثه لهم من إرباكات من وجل التساؤل عن سبب طرق الباب ومن الطارق وقد يكونون مستغرقين في النوم استغراقاً يتعبهم أو يتعبه.

 

"فصل في مقام الإحسان":

ذروة السير إلى الله أن يصل السائر في سيره إلى مقام الإحسان الذي عبر عنه الحديث الشريف "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك" من حديث رواه مسلم فهذان مقامان كل منهما يسمى إحساناً ويختلف الصوفية في أي المقامين أرقى، وظاهر الحديث أن العبادة وأنت في مقام "أن تعبد الله كأنك تراه" هو الأرقى وكل طريقة من الطرق اعتمدت بعض المعاني لتوصيل السالك على يد شيوخها إلى هذا المقام. والعلم والذكر هما الركنان ولكن هناك نوع من العلم له صلة بهذا المقام وهناك معان لا بد أن يلحظها السائر إلى الله أثناء ذكره ليصل إلى هذا المقام.

وبشكل عام فإن السائر إلى الله ليصل إلى مقام الإحسان فإنه يمر على ما يسميه الصوفية الفناءات والفناء في الأفعال بأن يحس الإنسان أن كل شيء فعل الله، والفناء في الصفات بأن يستشعر الإنسان صفات الله عز وجل والفناء في الذات وهو أن يستشعر الإنسان أولية الذات الإلهية وصمدانيتها. ومتى استقر في هذا المقام أحس بمقام الإحسان، ويحاولون في هذه الحالة أن ينقلوه إلى مقام المشاهدة مع رؤيته الخلق وهذا الذي يسمونه مقام البقاء وقد تكون النقلة سريعة إلى الفناء في الصفات مباشرة أو قد تكون إلى الفناء في الذات مباشرة ثم يبدأ السائر يستشعر ما سوى ذلك وكما قلنا فلكل طريقة ما تعتمده من ملاحظات أثناء الذكر أو أثناء السير لتصل بالمريد إلى هذه النتيجة ومجموع الملاحظات هذه إما أنها ملاحظات تجريبية دلت عليها التجربة وإما أنها نوع تطبيق لبعض الآيات القرآنية، وبإجماع الصوفية أن ذكر اسم الله (الله) هو أقوى أنواع الذكر تأثيراً في الإيصال إلى مقام الإحسان.يقول ابن عابدين: لا ذكر عند العلماء لصاحب مقام فوق الذكر بالاسم المفرد وأقول: وبإجماع العلماء كذلك أنه لا يشترط الاسم المفرد للوصول إلى الله ومن ظن غير ذلك فقد أخطأ وخالف الإجماع ولنا عودة على ذكر اسم الله المفرد في فصل مستقل غير أنا ههنا نحب أن نذكر نموذجين على الوصول إلى مقام الإحسان عند الشيوخ:

أ-                  من الأشياء التي يذكرها الشيخ الغزالي أنها موصلة إلى المراقبة أن يجتمع للإنسان المحاسبة الدائمة لنفسه مع الاستغفار فإن ذلك طريق كاملة للوصول إلى الإحسان ومما يذكره الغزالي كذلك أن يلازم الإنسان ذكراً واحداً / كسبحان الله / أو / الله / ويستمر في الذكر حتى يستقر الاسم في القلب ثم يستقر الشعور بمعناه في القلب.

ب-               بعض الصوفية يُدخلون المريد في مرحلة الخلوة ويطالبونه بذكر اسم الله المفرد / الله / ويلفتون نظره في المرحلة الأولى أن يقرأ الكون الظاهر كله باسم الله تحقيقاً لقوله تعالى – في رأيهم - {اقرأ باسم ربك الذي خلق}. ثم في مرحلة لاحقة يطالبونه بقراءة الكون المغيب كذلك بهذا الاسم، ثم في مرحلة لاحقة يطالبونه وهو يذكر اسم الله / الله / أن يلاحظ أولية الله وصمدانيته من خلال بعض المعاني وبذلك يكونون قد أعطوه بذور مقام الإحسان ويطالبونه بعد ذلك بالاستمرار على الذكر والأوراد حتى تفرع هذه البذور فتملأ القلب وتخرج عنها بعد ذلك ثمارها، وعلى كل فإن الوصول إلى الله ليس مرتبطاً بصيغة بعينها، ولله طرائق على عدد الخلائق وقد يصل الإنسان إلى مقام الإحسان بصيغة أو بأخرى ما دامت الفرائض مؤداة والإقبال على الله موجوداً والعلم إمام والشيخ الكامل يختصر الطريق.

 

"فصل في ذكر الاسم المفرد":

الاسم العلم على الذات الإلهية هو لفظ الجلالة / الله / ولذلك أسموه الاسم المفرد لأنه الاسم الوحيد الذي يدل على الله ذاتاً وصفات وأسماء وأفعالاً بينما غيره يدل على ذات وصفة ثم هو لا يسمى به غير الله الله فهو مفرد من بين الأسماء كلها. ومن قال / الله / لا شك أنه ذكر الله عز وجل وحقق الأمر القرآني {واذكر اسم ربك}. فاسم ربنا هو الله فمن قال / الله / فقد ذكر الله عز وجل بلا شك ولا  ريب ومن نازع في ذلك فإنه مخطئ كائناً من كان، إنه عندما نقول "سبحان الله" نكون قد سبحنا الله ونزهناه وبالتالي كذلك ذكرناه، وعندما نقول "الحمد الله" نكون قد حمدنا الله وشكرناه وبالتالي ذكرناه. ولكن عندما نقول / الله / نكون قد ذكرناه وكما أن التنويه في حد ذاته مطلوب وكما أن الشكر في حد ذاته مطلوب فذكر الله كذلك مطلوب ومن ذكر أي اسم لله عز وجل فقد ذكر الله. إن بعضهم يغالط في هذا المقام فيقول: لو أنك بدأت تذكر اسم إنسان / فلان فلان فلان / أو / يا فلان يا فلان يا فلان / فإنه يتضايق من ذلك ولا يكون لفعلك معنى وهذا قياس خاطئ  فإن مجرد ذكر الله نحن مطالبون به ونفع ذلك لنا كبير وكثير إذ أن ذكر الله هو الذي يوقظ قلوبنا ويحييها فأن نقول / الله الله الله / فذلك ذكر الله وذلك نافع لقلوبنا لتبقى متذكرة ربها، إن ذكر الله بذكر أسمائه كلها هو ذكر والإنسان مأجور عليه، قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} وقد رأينا في القرآن كيف أن الله عز وجل يذكرنا بأسمائه مرات ومرات وكل ذلك لتبقى أسماؤه على ذكر منا وأن يدخل مع ذكر اسم الله صيغة من صيغ الدعاء أو معنى مرافقاً كالاستغفار والتسبيح والتوحيد والحمد والتكبير والتعظيم فذلك ذكر وزيادة ومن خالف في جواز هذا أو هذا أوقطع الطريق على هذا أو هذا فإنه خاطئ فمعرفة الله تتعمق في قلوبنا من خلال كل الأذكار ومن خلال كل الدعوات المأثورة ومن خلال ذكر أسماء الله عز وجل كلها. ترى لو قال قائل / الله رحيم / وكررها ليعمق في قلبه الشعور برحمة الله ولو قال قائل: / الله بصير / وكررها ليعمق في قلبه الشعور بأن الله يراه وهكذا في كل اسم لله عز وجل ليعمق في قلبه الشعور بالأسماء كلها هل يكون مأجوراً أو مأزوراً؟ إن من يخالف في مثل هذا من الأفضل ألا يدخل الإنسان معه في نقاش فإذا استقر هذا فإن اسم الله المفرد هو الذي تنطوي فيه كل الأسماء فلو أن إنساناً كرره ليستقر في قلبه الشعور بالذات الإلهية وصفاتها وأسمائها فمن أين يكون الإثم؟ إن الأجر لا شك حاصل بإذن الله والأثر في القلب موجود بإذن الله. قد يقول قائل نحن لا نجد في السنة تركيزاً على ذكر اسم الله عز وجل المفرد. ونقول: إن في الكتاب والسنة حضاً عاماً على الذكر وفي حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ذكر الصحابة بصيغ لم يتلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم حبذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكرها فأي ذكر لله عز وجل سواء من خلال ذكر اسم أو تسبيح أو من خلال دعاء أو صلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك فإنه داخل تحت العموميات العامة، وصاحبه منفذ للأمر ومأجور ومشكور، قال تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً}. لماذا يعتبر أئمة السير إلى الله ذكر اسم الله المفرد أقرب طريق للوصول إلى المعرفة الذوقية لله وللوصول إلى مقام الإحسان؟ إنهم يقولون: إنك عندما تسبح الله تتعمق في قلبك قضية التنزيه، وعندما تحمد الله تتعمق في قلبك قضية الشكر، وعندما تقول / لا إله إلا الله / تتعمق في قلبك قضية التوحيد وهي قضايا كلها متفرعة عن استقرار معرفة الله في القلب فإذا قلت / الله / وكررت ذلك حتى استقرت معرفة الله في القلب فإن تسبيحك وشكرك وتوحيدك يكون أكمل بكثير من تسبيح وتحميد دون أن يكون قلبك مستيقظاً على اسم الله الله ونحن مطالبون بأن نعمق في قلوبنا معرفة الله وتنزيهه وشكره وتوحيده وهذا كله يؤدي بشكل كامل إذا ذكرنا لفظ الجلالة / الله / مع ذكرنا لبقية الأذكار الواردة في السنة بل بعضهم يعتبر أن ذكر اسم الله المفرد إنما هو ذكر مرحلة لنصل إلى المعرفة الذوقية التي نصل فيها إلى أن نؤدي العبادات والأذكار والدعوات على كمالها. دعنا الآن ننظر إلى حكمة صيغ الذكر: لقد حضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملازمة الاستغفار وعلى ملازمة الصلاة عليه وعلى الإكثار من صيغ بعينها. إنك لو تأملت في حكمة تكرار صيغة من هذه الصيغ فإنك تجد احدى جوانب ذلك أن يستقر في القلب معنى معين، فهذا القلب تحتاج المعاني لكي تتعمق فيه إلى تكرار كثير.

إن القلب الذي لم تستقر فيه معرفة الله يحتاج إلى أن يذكر أسماء الله حتى تتعمق هذه المعرفة. ويقول أئمة السير إلى الله إن الجلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الإنسان من نورانيته ما لا يمكن أن يأخذه هذا الإنسان من أحد ومن ثم فنحن لإيصال القلب إلى قريب من هذه النورانية نطالب بمثل هذا النوع من الذكر على أن من لم يرتح قلبه إلى هذا النوع من السير فأي نوع من الذكر سواء كان قراءة قرآن أو أذكار بأي صيغة يوصله في النهاية إلى معرفة الله الذوقية وإلى مقام الإحسان وإنما في هذا اختصار طريق وإني بفضل الله عز وجل مع أني مأذون على طريقة الصوفية بتلقين الأوراد عامة بتلقين الاسم المفرد أقول: إن الشيخ لا ينبغي أن يقيد نفسه إلا بالسنة وأنه ينبغي أن يبقى المريد دائماً مرتاحاً إلى العمل الذي يكلفه فيه. وأنا إذ عرضت قضية الاسم المفرد هذا العرض المختصر لم أرد أن ألزم المسلمين فيه بل أردت أن أبين وجهات النظر في شأنه فإذا وجد قلب لا يرتاح الاعتماد إلا ما ورد فيه ندب خاص عن رسولنا عليه السلام في العمل فإني أجله وأحترمه بل وأدفع فيه في هذا الطريق ولكني لا أرى له ولا لنفسي الإنكار على ما ينبغي اعتباره معروفاً، إن ذكر اسم الله المفرد للوصول في القلب إلى حالة معينة ثم للاستمرار بهذا القلب على هذه الحالة هو بمثابة الدواء والغذاء المركزين للقلب لا أكثر ولا أقل على أنه في غير الذكر بهذا الاسم يوجد الغذاء والدواء كذلك، فإذا اتضحت وجهة النظر في أصل ذكر الاسم المفرد بقي أن نذكر أن هناك من يذهب إلى مندوبيه ذكر الاسم المفرد ولكنه لا يرى جواز القصر في نطقه بأن يحذف حرف المد فلا يقال "الله" بدون مد وبعضهم لا يرى جواز مده أكثر من ست حركات في الوقف ونقول إن نطق لفظ الجلالة بالقصر في تكبيرة الإحرام خاصة يبطل الصلاة على رأي أكثر العلماء فهم لا يكتفون باعتبار ذلك لحناً في هذا المقام بل يجعلونه لحناً مبطلاً للصلاة، لكن في حاشية الشهاب على البيضاوي ما يلي "وقال الأسنوي رحمه الله: إنه لغة حكاها ابن الصلاح عن الزجاج فلا لحن فيه حنيئذ وفي التيسير إنه لغة جائزة في الوقف دون الوصل والأفصح اثباتها وإنما تملح به المولدون في أشعارهم كثيراً... الخ". وأما مد لفظ الجلالة فقد توسع فيه الفقهاء حتى إن بعض فقهاء الشافعية أجازوا مدها في تكبيرة الإحرام حتى الأربع عشرة حركة وبعضهم أجاز مدها أكثر من ذلك ولنكتف بهذا القدر من الكلام عن ذكر الاسم المفرد وقد ذكرنا من قبل كثيراً عن الذكر بشكل عام... وزيادة في التأكيد فإن الفصل القادم سنخصصه للذكر عامة ومحل الصلاة خاصة في قضية الذكر.

 

"فصل في الذكر":

قال تعالى عن الصلاة: {وأقم الصلاة لذكري} [البقرة: 185] وقال أثناء الكلام عن عبادة الصوم: {ولتكبروا الله على ما هداكم} [طه: 14]، وقال تعالى أثناء الكلام عن الحجج {ويذكروا الله في أيام معلومات} وقال تعالى في معرض الكلام عن رمي الجمار {واذكروا الله في أيام معدودات} وهكذا نرى أن العبادات إما ذكر وإما معنى لإقامة الذكر وإما معنى يساعدنا على الوصول إلى الذكر، ولذلك قلنا من قبل إن ركني السير إلى  الله إنما هما الذكر والعلم وإذا أردنا أن نتبين ذلك بدقة نقول: إن المطلب الأعلى من الإنسان هو التقوى والتقوى لا تنال إلا بعلم وعبادة لأن العبادة تابعة للعلم ولقد قالوا:

 

          وكل من بغير علم يعمل               أعماله مردودة لا تقبل

 

والعبادة هي الطريق إلى التقوى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} والتقوى هي التي بها ننال رضوان الله. قال تعالى: {لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} والعبادة كما قلنا إما ذكر أومعنى يقام به الذكر ومن ههنا ندرك أهمية الذكر في دين الله"... ثم إن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه الذكر {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العارفين والواصلين، على أن سيره ووصوله غير سير السائرين وغير وصول الواصلين وإن كان للسائرين حظ من السير والوصول، ولئن كان جزء السير التحقق بأسماء الله، ولئن كانت مراحل السير تتم بالانتقال من فناء إلى فناء فإن الذكر هو وسيلة ذلك كله وقد رأينا أن الله عز وجل عندما ذكر الحكمة في الأمر بالصلاة قال {وأقم الصلاة لذكري}، فالحكمة في الأمر بالصلاة هي ذكر الله عز وجل وعندما ذكر فريضة الصوم ذكر أثناء عرضها قوله تعالى {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} فمن الحكم التي يحققها الصوم أن يعظم الإنسان الله عز وجل على هدايته وذلك ذكر فهو من  حكم عبادة الصوم... وعندما ذكر الله عزو جل الحج قال: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} فالذكر مراد من فريضة الحج على الإنسان، ثم ان الله تعالى قال: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} وقال واصفاً المنافقين {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً} وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت" رواه البخاري وإذا كان هذا شأن الذكر في السير إلى الله وفي العبادة فلا بد من مسح شامل لقضية الذكر وحديث شامل عنها:

1-               نلاحظ ملاحظة أولية أن كل أمر لله عز وجل في نوع من الذكر قد تضمنته الصلاة ومن ثم فإن الصلاة هي أكمل مظهر من مظاهر تنفيذ الأوامر القرآنية بالذكر فهي المظهر الأعلى والأكمل لذكر الله عز وجل عدا عن كونها المظهر الأعلى للعبادة العملية بما تضمنته من ركوع وسجود وقنوت ومن ثم فالكلام عن الصلاة في موطن الكلام عن الذكر يعتبر البداية الصحيحة لكل كلام، لقد أمر الله عز وجل المسلم بالتسبيح والتكبير وقراءة القرآن والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلام عليه والحمد والإستغفار والدعاء وكل ذلك ذكر ولكل ذلك أثره على النفس البشرية وتزكيتها وتعرفها على الله عز وجل وكل ذلك في الصلاة أو في الأذكار المحيطة بها ومن ثم فإن الصلاة هي أداء كامل للذكر ومن ثم جعل الله عز وجل الصلوات الخمس فريضة وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنن والنوافل للراغب في مزيد الخير ما يكمل... من الأوامر القرآنية في الذكر قوله  تعالى: {وكبره تكبيراً} وقد جعل الله تكبيرة الإحرام في الصلاة فريضة وتكبيرات الإنتقال من القيام إلى الركوع ومن القيام إلى السجود ومن السجود إلى الجلوس سنناً، وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكبر الله عز وجل ثلاثاً وثلاثين بعد كل فريضة وفي ذلك كله تعليم وتأكيد للنفس وللعالم أن الله أعظم من كل شيء ومن الأوامر القرآنية قوله تعالى {سبح اسم ربك الأعلى} وقوله تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم}. ومن التقريرات القرآنية {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وهي تظهرون، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون} وتبدأ الصلاة بدعاء الثناء "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" وفي الركوع نقول "سبحان ربي العظيم" وفي السجود نقول "سبحان ربي الأعلى" ونسبح بعد كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة ولما كانت الصلوات الخمس والنوافل المطلقة تسع ساعات كثيرة من الليل والنهار فإنك تجد كيف أن الصلاة تحقيق عملي لهذه الأوامر ومن خلالها يتعمق في النفس البشرية وفي العالم تنزه الله سبحانه وعلوه وعظمته واستحقاقه الحمد لأنه هو المنعم... ومن الأوامر القرآنية قوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر منه} أي من القرآن ومن المعلوم أن القرآن ذكر، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} والصلاة ركن من أركانها، قراءة القرآن، والله عز وجل أمرنا أن نحمده قال تعالى: {وقل الحمد لله..} ومن أذكار الصلاة "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد"، والله عز جل أمرنا أن نصلي ونسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصلاة "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" "اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد" والله عز وجل أمرنا بالاستغفار {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} وقد سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول بعد كل فريضة أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله وهكذا نجد أن الصلاة وأذكارها قد كانت استيعاباً لأمهات الآيات القرآنية في باب الذكر فهي فريضة تحقق أوامر في الذكر وهي تحقيق أوامر أخرى لله عز وجل كالأمر بالركوع والسجود والقنوت وغير ذلك ومن ثم كانت الصلاة عمود هذا الدين الذي لا يقوم إلا به كما قال عليه الصلاة والسلام "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد..." من حديث رواه أبو داوود ومن ثم لا يكون الإنسان ذاكراً إلا بالصلاة وبالصلاة يكتب الإنسان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. فالصلاة تنزيه لله عز وجل وشكر له وعبودية له وخضوع له وتذلل له والمظهر الأول للقيام بالتكليف، وبمجرد أن تفعلها النفس البشرية فإنها مباشرة تنتقل من طور إلى طور، من طور الكبر والعجب والعنجهية والغرور إلى أضدادها من الصفات المجيدة فهي نقلة للنفس البشرية من إطار إلى إطار ومن وضع إلى وضع وإذا كان هذا مقام الصلاة في الإسلام ومقامها من الأمر بالذكر فلا بد من أن تأخذ صورة عنها كركن ركين في قضية الذكر. الصلاة منها الفرائض ومنها النوافل ومنها الذي يتكرر يومياً ومنها الذي يأتي أسبوعياً ومنها الذي يتكرر سنوياً ومنها الذي يكون بمناسبة وللصلاة أذكارها التي هي جزء منها وأذكارها التي تتبعها أو تأتي بعدها وكل ذلك يصب في موضوع معرفة الله عز وجل وتزكية النفس البشرية مما يعمق موضوع القيام بالتكاليف الربانية كلها {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها عرض شامل للصلاة وأذكارها والأذكار عامة وإذا عرفنا محل الصلاة في قضية الذكر فلنعرف أن الذكر خارج الصلاة مكمل للصلاة ولمقاصدها وفي الوقت نفسه هو عامل تنعكس آثاره على القيام الحق في الصلاة فمن خلال الحالة القلبية في الصلاة يعرف الإنسان حاله الحقيقي مع الله عز وجل، وبقدر ما يرتقي قلبه وتتعرف روحه على الله تكون صلاته مؤداة حقاً ومن ثم كانت الصلاة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم قرة عين "وجعلت قرة عيني في الصلاة" رواه الطبراني في الأوسط وغيره من حديث فبين الصلاة والأذكار تكامل فلا ذكر بدون صلاة والصلاة بدون أذكار يحيا بها القلب وترتقي بها الروح لا تكون خاشعة، والأذكار إذا لم تكن جزءاً من سير صحيح إلى الله عز وجل لا تؤدي الحكمة الكاملة منها ومن ثم ولقلة السير الحق إلى الله عز وجل ضاع علم الخشوع الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أول علم يرفع من الأرض ومن ثم ندرك أهمية علم التصوف في الحياة الإسلامية عامة ولنتم الكلام عن الذكر: بعد أن عرفنا أن الصلاة ذكر وعرفنا أن للصلاة أذكارها الداخلة فيها أو التابعة لها كالأذان والإقامة والدعاء بين الأذان والإقامة ينبغي أن تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحواله ومن ثم سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أذكاراً تسع أحوال الحياة كلها فمنها الأذكار المرتبطة بزمان ومنها الأذكار المرتبطة بمكان ومنها الأذكار المرتبطة بفعل، ومنها الأذكار المرتبطة بحوادث ومنها الأذكار اليومية ومنها الأذكار السنوية ومنها الأذكار الشهرية ومنها الأذكار العمرية ومنها الأذكار المطلقة عن العدد والزمان والمكان ومنها الأذكار المقيدة بعدد وأدب المسلم أن يعرف هذا كله وأن يحفظه وأن يأخذ حظه منه وقد ألفت في هذا كتب خاصة، وفي كتاب / الأساس في السنة وفقهها / عرض شامل لهذا كله. والملاحظ أن الذكر والدعاء يندمجان في بعض الحالات وكل ذكر دعاء عملي وكل دعاء ذكر لله لأنه يجمع مع الاعتراف المعرفة والافتقار إلى الله عز وجل ومن ثم كان الدعاء كما ورد في الحديث "مخ العبادة" رواه الترمذي وهو ضعيف ولفظ أبي داوود والترمذي (الدعاء هو العبادة) وهو حديث حسن صحيح ولما كان الهم الأول للسالك إلى الله عز وجل هو المداومة على الذكر ولما كان لا يسهل على كل إنسان أن يحفظ الكثير من الابتداء درج أهل السير إلى الله عز وجل على اعتماد أذكار بعينها يأمرون بها المبتديء لتكون ورده اليومي ومحل دأبه الدائم ومن ثم تعددت الطرق... فطريقة اعتمدت أذكار بعينها وأخرى أذكاراً أخرى ولكل طريقة قولها: إن أذكارها لها ميزاتها في موضوع السلوك والحقيقة أن المرشد الكامل وارث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الإرث يقتضيه أن يحيى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الذكر كما يحييها في غير ذلك والتركيز على ذكر بعينه ليس عليه مأخذ ولكن ما يشيع في بعض الدوائر أن فعل ذكر آخر غير الذكر المعتمد في الطريق يكاد يكون من الخطايا، غلو في دين الله مهمة الوارث الإخراج منه ونحب أن نقول: أن نقدنا ليس منصباً على حالات خاصة تعتبر ملازمة ذكر واحد من باب الدواء أو من باب الإيصال إلى معنى معين إلا أن هذه مرحلة قليلة بالنسبة إلى مجموع الزمن أما أن يعتبر ذلك هو الأصل الذي يكاد يحرم أن يرافقه غيره فهذا الذي نعنيه بكلمة / الغلو / والذي نحب أن نؤكده هو أن الوارث مهمته الإحياء وطريقته يجب أن تكون طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى كل إنسان ما يناسبه وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم المسلمين أنواع الأذكار بمناسباتها وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبقى لنا تراثاً في كل شيء فعلى الوارث أن يلاحظ ذلك، إن مجموع العبادات المفروضة والمسنونة ومجموع الأدعية والأذكار تعمق معرفة الله عز وجل في القلب كما أنها تؤدي واجبات الشكر له جل جلاله وأن القرآن هو المذكر بالله عز وجل وهو المعرف عليه وهو المعلم لنا في كل شيء ومن ثم كان ذكراً خالصاً وعلينا أن نعطي أرواحنا حقوقها من هذا كله لكي نكون ذاكرين لله حقاً عارفين حقاً عبيداً له حقاً.

 

"فصل في التوسل":

عقد المنذري في كتابه الترغيب والترهيب فصلاً عنوانه "الترغيب في صلاة الحاجة ودعائها" وكان أول حديث ذكره في هذا الفصل هذا الحديث (عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري قال "أو أدَعُك" قال يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري، قال "فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري اللهم شفعه في وشفعني في نفسي" فرجع وقد كشف الله عن بصره رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب والنسائي واللفظ له وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صححي على شرط البخاري ومسلم وليس عند الترمذي "ثم صل ركعتين" ورواه الطبراني وذكر في أوله قصة، وهو أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد تصلّö فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي وتذكر حاجتك، ورح إليّ حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على طنفسة وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو تصبر؟ فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم أدع بهذه الدعوات، فقال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط" قال الطبراني بعد ذكر طرقه والحديث صحيح، والطنفسة: اسم للبساط وتطلق على حصير من سقف يكون عرضه ذراعاً. يلاحظ من هذه النقول أن عثمان بن حنيف في زمن خلافة عثمان علم إنساناً أن يتوجه إلى الله برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن الصحابة كانوا يرون جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله بعد وفاته وقد رأينا قول الطبراني إن الحديث صحيح وهو حجة في باب جواز التوسل إلى الله برسله بعد وفاتهم، قال تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} أي فسموه بها ونادوه بها، حاول بعضهم أن يفهم من هذه الآية أن الله عز وجل لا يدعى إلا بأسمائه وألا يتوسل إليه إلا بها وحرم أن يتوسل إلى الله عز وجل بأحد من خلقه كائناً من كان إلا إذا كان التوسل به صالحاً وكان حياً وفهموا التوسل في هذا المقام على أنه هو الدعاء وبناء عليه فقد حرموا التوسل بالأنبياء والرسل والصالحين ما داموا متوفين وقام جدل في هذا الشأن كثير وحاول بعضهم أن يعطي هذا الجدل مضموناً اعتقادياً فاعتبر التوسل بغير الأحياء شركاً واعتبر بعضهم أن عدم رؤية التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء والصالحين أمواتاً أو أحياء زيفاً وضلالاً والرواية الصحيحة التي مرت معنا تدل على أن فكرة التوسل إلى الله برسوله عليه السلام كانت موجودة في جيل الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي احدى صيغ متعددة في كيفية الدعاء فإن يستعمل أحد الصحابة صيغة من الصيغ فذلك لا يدل على حرمة غيرها، وبالتالي فإن مجموع هذه الصيغ جائزة شرعاً ولكن إذا ارتاح إنسان لصيغة من هذه الصيغ فلا عليه أن يلتزمها وإذا رأى أن الدليل لا يجيزها فلا عليه لو ناقش في ذلك كما يناقش في أي قضية فقهية ليست إلا، ولذلك فإن الأستاذ البنا رحمه الله في هذا الموضوع اعتبر الخلاف من باب الإختلافات الفقهية وليس من باب الخلافات الاعتقادية فهي إذن في رأيه مسألة فقهية تتسع فيها وجهات النظر ويطالب بها الإنسان بما تطمئن إليه نفسه إن كان من أصحاب الدليل وإن كان من غير أهل الدليل فإنه يستطيع أن يقلد فيها أي مجتهد، يقول الأستاذ البنا رحمه الله في رسالة التعاليم في الفقرة / 15 / من بند الفهم: والدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة" وقد اشتدت الأطراف المتنازعة في هذا المقام على الأستاذ البنا بسبب موقفه هذا وهو موقف ظالم من الجميع، ولو أن الجميع أنصفوا لاعتبروا كلام الأستاذ البنا هو النهائي في هذا الموضوع إذ أن هذا الموضوع ليس من باب الأمور المعلومة من الدين بالضرورة والأدلة فيها تبقى من نوع الظنيات، ظنيات الدلالة أو ظنيات الثبوت وإذن للاجتهاد في هذا المقام نصيب ولكل مجتهد أجره وما اطمأنت إليه نفس الإنسان في هذا الشأن فلا عليه لو سار عليه وله أن يناقش غيره ولكن التكفير والتضليل في هذا الشأن خطأ وغلو في هذا المقام أكرر ما قلته أكثر من  مرة في هذه السلسلة: من أنه من توفيق الله عز وجل للأستاذ البنا رحمه الله أن استطاع أن يطرح صيغة للفهم ببنود قليلة هذه الصيغة هي الوحيدة التي يمكن أن تشكل القاسم المشترك الذي يمكن أن يلتقي عليه المنصفون في هذه الأمة، وكل صيغة غير هذه الصيغة لا يمكن أن تكون المنطلق الصحيح لعمل إسلامي مشترك نحو أمة إسلامية واحدة ودولة إسلامية واحدة وجماعة للمسلمين واحدة وإن إنساناً لم يدرك هذه النقطة وأهميتها ولم يعرف حتى الآن إيجابيات دعوة الأستاذ البنا بينه وبين الوعي الإسلامي المعاصر وبينه وبين احتياجات العمل الإسلامي المعاصر هوة كبيرة، وإنه لجدير به أن يبكي على نفسه بدلاً من أن يحمل على هذا الإنسان أو يسفه اتجاهاً له تالله لم أجد ولا أتصور أن أجد أنه يمكن أن تكون انطلاقة صحيحة إلى الله وإلى خدمة دينه وإلى تصحيح أوضاع المسلمين المعاصرة ووضع قدمهم على طريق المستقبل بشكل سليم مراعى فيه كل ما تلزم مراعاته من أوضاع معاصرة ومن دروس مستقاة من تاريخ أمتنا وكل ذلك على ضوء فهم مستقيم إلا باعتماد اجتهاد الأستاذ البنا رحمه الله مجدد هذا العصر بلا نزاع عند العارفين وأهل الفضل.

 

"فصل في استغاثات الصوفية":

ألف في بعض دوائر الصوفية وغيرهم أن ينادى بعض الناس الصالحين من أحياء وأموات مستغيثاً بهم في تفريج كرب أو إزالة مكروه أو استجلاب نفع أو دفع ضرر. نرى مظاهر ذلك في الحياة العادية ونراه بشكل واضح أثناء الأزمات ونراه بشكل دائم في بعض حلقات الذكر. ويستعملون في حلقات الذكر كلمة / مدد / فتجد هذه الكلمة تتكرر مرات كثيرة في حلقة الذكر أثناء النشيد وأثناء الذكر والنشيد وفيما بين فقرات النشيد "مدد يا سيدي فلان" "مدد يا سيدي فلان" ومن مظاهر هذا الاتجاه ما نجده في بعض الدوائر عند العامة إذ ينادون الخضر عليه السلام "يا خضر" "خضر الحي يرعاك" تقولها المرأة لطفلها أو لغيره وبعض الشيعة تتوسع في هذا الموضوع حتى ليكاد يكون خطابهم لبعض الأئمة له مظهر الدعاء الخالص ولعل ما وجد في دوائر الشيعة هو الذي منه تسللت هذه الأمور إلى دوائر من الناس بعد أن أعطوها مضموناً آخر وفسروها تفسيرات أخرى، وإني أفرق في هذا الموضوع بين النداء الذي فيه طابع التوسل إلى الله فذلك له صلة في المسألة السابقة التي عرضناها في الفصل السابق فقد رأينا الحديث يقول: "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي" فهذا دعاء ثابت علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعمى وقد خاطب الأعمى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على البعد بعد أن توضأ وصلى ثم علمه عثمان بن حنيف لصاحب الحاجة إلى عثمان فما كان من هذا القبيل فالخلاف فيه هو الخلاف في المسألة السابقة، ومن ثم فإنني أفرق بين قول القائل "يا محمد إشفع لي إلى ربك" وبين قوله (يا محمد أشفعني) فالصورة الأولى جزء من موضوع التوسل وهذه صورة داخلة في موضوع فصلنا هذا وجزء من هذا الموضوع ما نجده عند بعض من يزورون قبور الصالحين إذ نجدهم يطلبون منهم طلبات مباشرة (يا فلان زوجني) (يا فلان اشفني) (يا فلان بع لي غرضي) وأمثال ذلك مما تتعدد صورة وتكثر مسائله والأستاذ البنا كان جازماً في هذا الموضوع فقال في الفقرة / 13 / و /14 / من بند الفهم: والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى {الذين آمنوا وكانوا يتقون} والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً في حياتهم أو بعد مماتهم فضلاً عن أن يهبوا شيئاً من ذلك لغيرهم. وزيارة القبور أياً كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة ولكن الإستعانة بالمقبورين أياً كانوا ونداؤهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشييد القبور وسترها وإضاءتها والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها ولا نتأول لهذه الأعمال سداً للذرائع" إن من يدرس حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى فيها أن حماية جناب التوحيد هي أهم قضية على الإطلاق ولا شك أنه حتى في حالة وجود نوع من التأويلات لمثل هذه النداءات فإنها على الأقل باب من أبواب الشرك في حق بعض الناس، أنا أعلم أن بعضهم يعتبر أن مثل هذه النداءات تسلل لها موضوع النداءات للأولياء والشيوخ من بعض دوائر التشيع بدليل أن لفظة / مدد / التي يستعملها الصوفية من باب التبرك بذكر أسماء الصالحين وأن بعضهم يستند على إمكانية أن يكون للأرواح صلة بعالم الشهادة ولكن هذا وهذا ليسا كافيين لتبرير مثل هذه الأعمال التي يمكن أن تؤثر على أصل التوحيد، إن الله عز وجل أمرنا أن ندعو لمن سلف لا أن ندعوهم فوصف المؤمنين بقوله {والذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاتنا أن نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فعندما تصبح المسألة معكوسة فبدلاً من أن ندعو لهم ندعوهم فذلك هو الخطأ الذي لا شك فيه وإننا نقول: الخطأ دون أن نتوسع أكثر من ذلك لما سنراه فيما بعد وفي رأيي الذي جعل هذا الخطأ ينتشر في بعض الدوائر شيئان:

الأول: أن بعض البلدان حكمتها الدولة العبيدية وبعض الناس تأثروا في الدعوة الباطنية بشكل عام وعند هؤلاء تصور عام حول الإمام من معرفته للغيب وسماعه لنداءات الخلق وإنك لتجد في كلام هؤلاء الكثير من مثل هذا وللأسف فإن كثيرين من تلاميذ شيوخ الصوفية يعتبرون شيوخهم كذلك، نحن لا ننكر الكشف ولكن أن يعتبر الشيخ عالماً بكل شيء وأنه في كل الحالات مستشرف على شؤون العالم... إن مثل هذه الاتجاهات لو ادعاها إنسان فإنه يكون قد ادعى مقاماً فوق مقام النبوة والرسالة أصلاً ومن درس حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومجموعة أقواله ومجموع ما قاله القرآن في رسولنا عليه الصلاة والسلام أدرك أن ما ذكرناه هو من باب البديهيات نحن لا نستعظم على قدرة الله شيئاً ولكن من باب الواجبات الشرعية ألا نعطي مخلوقاً أكثر مما أعطاه الله عز وجل فأن يدعي إنسان من المقامات ما لا يعطاه الأنبياء والمرسلون فهذا هو الضلال بعينه، إن تصوري العام أن حلقات الصوفية تسلل لها موضوع النداءات للأولياء والشيوخ من بعض دوائر التشيع بدليل أن لفظة / مدد / التي يستعملها الصوفية هي لفظة شيعية في الأصل والعجيب أن تجد بعضهم إذا قال الشيعي: / مدد يا علي / كفره وهو يقولها بكل راحة زاعماً أن تصوراته غير تصورات ذلك وصحيح قد تكون التصورات مختلفة ولكن جناب التوحيد مخدوش في الحالتين ومما تعجب منه الشيخ أبو الحسن الندوي وسجله في كتاب / مذكرات سائح في الشرق العربي / أنه رأى على باب أحد شيوخ الطرق في السودان حلقة ذكر يقول أهلها: / مدد يا سيدي حسن أنت سلطان الزمن / فعجب كيف يسكت الشيوخ على مثل هذا الذي يخدش جناب التوحيد.

في رأيي أن التأثر ببعض دوائر التشيع هو السبب الأول في انتشار هذه العادة في دوائر الصوفية وإن البديل عن ذلك كله هو / مدد يا رب / مدد يا الله / اللهمم مدد / وهكذا...

وأما السبب الثاني: في وجود هذه الأمور في دوائر الصوفية فهو وجود روايات قيس عليها حيث لا ينبغي القياس فلنر مثل هذه الروايات:

1-               أخرج الطبراني في الكبير بإسناد قال عنه صاحب مجمع الزوائد: ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة: عن عتبة بن غزوان رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد أحدكم عوناً وهو بأرض وليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أعينوني، يا عباد الله أعينوني، يا عباد الله أحبسوا فإن لله عباداً لا نراهم وقد جرب ذلك.

2-               وأخرج الطبراني والبزار بإسناد قال عنه صاحب مجمع الزوائد ورجاله ثقات: عن ابن عباس رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد وأعينوني عباد الله".

3-               أخرج أبو يعلى والطبراني في الكبير بإسناد قال عنه صاحب مجمع الزوائد: وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله أحبسوا فإن لله حاضراً في الأرض سيحبسه" هذه مجموعة الروايات التي استند إليها الصوفية في توسعاتهم في قضية نداءات الشيوخ والأولياء والطلب منهم وهي روايات إذا حققتها لا تصلح لهم حجة في شيء فالحديث الأول منقطع ولا يصلح للإحتجاج به خاصة في قضية مرتبطة بالعقائد والحديث الثالث ضعيف لا تقوم به حجة في قضايا الفقهيات فضلاً عن قضية مرتبطة بالعقائد وأما الحديث الثاني وهو الذي يرتقي إلى رتبة الحسن فإنه يتحدث عن الملائكة. فالنص فيهم فأن نحمله على غيرهم فذلك خطأ ثم إن قضايا الغيب تحتاج إلى نصوص وأين النصوص التي تقول: إن فلاناً كذا أو ان فلاناً كذا وقضايا الغيب لا تدخل في باب القياسات الفقهية أصلاً، إن هذا الموضوع يجب أن يستأصل من دوائر التصوف وغيره استئصالاً لما يترتب عليه من خدش لجناب التوحيد على أنه لوجود التأويل وما رأيناه من بعض متكآت لأصحاب ذلك علينا أن لا نتسرع في التفكير والرمي بالشرك إلا حيث كان الرمي في محله واضحاً برهانه بينة حجته ولذلك استعملنا كلمة الخطأ في بداية هذه الكلمة احتياطاً ولكن كلمة الخطأ بمعناها العام قد يدخل فيها ما هو كفر.

 

فصل في "ما يسمى شطحات الصوفية":

من أعظم المآسي ومن أفظع الانحرافات في تاريخ الإسلام والمسلمين ما أدخله الناس تحت عنوان / شطحات الصوفية / فإنه من الطامّات الكبرى والدخن الفظيع والبلاء الأعظم نتبرأ إلى الله ممن لا يبرأ من ذلك سئلت عائشة رضي الله عنها كما ورد في حديث صحيح: هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل قالت سبحان الله لقد وقف شعري لما قلت...

مع أن هذه القضية خلافية ومع ذلك أقشعر من ذكرها جلد أمنا رضي الله عنها فبالله عليكم لو أن عائشة رضي الله عنها سمعت من يقول إن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الله فكيف يكون موقفها فبالله لو أن أحداً من الصحابة سمع إنساناً يقول عن نفسه / أنا الله / فماذا يكون الموقف فوالله لا يكون الموقف معه إلا السيف يقطع رقبته، ولقد كان موقف المسلمين من هذا الموضوع هو هذا في كل العصور المشهود لها بالخيرية عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين بل حتى فيما بعد ذلك حتى قتلوا الحلاج. ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء وفيها: أي في سنة / 301 / هجرية أدخل الحسين الحلاج مشهوداً على جمل إلى بغداد فصلب حياً ونودي عليه: "هذا أحد دعاة القرامطة فأعرفوه ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع" ويقول كذلك السيوطي في نفس الكتاب "وفي سنة تسع أي بعد الثلاثمائة قتل الحلاج بإفتاء القاضي أبي عمرو والفقهاء والعلماء أنه حلال الدم وأنه في أحواله السيئة أخبار أفردها الناس بالتصنيف" والملاحظ أن ما بين سجنه وقتله كان حوالي تسع سنين مما يدل على أنه لم يتسرع في قتله فإذا كان الأمر كذلك حتى مقتل الحلاج وقد أجمعت الأمة على وجوب قتله أليس ذلك دليلاً على أن صدر هذه الأمة مجمع على لعنة من يتجرأ على الله بمثل ذلك وللأسف الكبير فإن هذا الذي قاله الحلاج فأجمعت الأمة على قتله به أصبح فلسفة تقرر وعلماً يدرس حتى وجد من يذكر أنه متى يجوز للإنسان أن يقول / أنا الله / ومتى لا يجوز ألا لعنة الله على من لا يتبرأون ممن لا يتبرأ من مثل هذا، أن يشاهد الإنسان أن كل شيء فعل الله ومن جملة ذلك أفعال الإنسان نفسه هذا شيء وأن يقول الإنسان عن نفسه أنه الله فهذا شيء آخر. أن يشهد الإنسان أن كل شيء قائم بالله هذا شيء وأن يقول إنسان عن نفسه / أنه الله / هذا شيء آخر، إنه لمن عمى القلب والبصر والبصيرة أن تستمر مثل هذه الطامات في الأمة مهما كانت التبريرات والتأويلات: ألا يخجل هؤلاء من الله ومن عباد الله وهم يتشدقون بمثل هذا الكلام لقد قال ربنا {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} وهؤلاء يريدون أن نسلم للواحد حاله وهو يقول / أنا الله / فأي جهل هذا وأي كفر هذا وأي دخن وأي دغل؟ وكيف يستريح قلب لسماع مثل هذا الدنس النجس ويعتبر هذا علماً تالله ما هو إلا تلبيسات الشيطان ووساوسه، ومع أنني في سيري إلى الله أذاقني الله من فضله من معاني اسمه الصمد جل جلاله وهو المقام الذي زل به هؤلاء وتالله لا أرى لهؤلاء إلا القتل إن أصروا على هذه التشدقات والدعاوي ولنر بعض ما يتمسك به هؤلاء الضالون: يقولون إن الحديث القدسي الصحيح يقول: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه التي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي فيها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" رواه البخاري أقول: هل هذا مما يتمسك به كدليل على أنه يجوز للإنسان أن يقول عن نفسه إنه الله والحديث نفسه يقول: وما يزال عبدي يتقرب إلي... أيعمون عن كلمة العبد ويتمسكون بقضية مجازية ليقولوا كلمة هي الكفر بعينه، ويقولون إن الحديث القدسي "يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني: قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي..." رواه مسلم أقول: هل هذا مما يتمسك به كدليل على مثل هذا والحديث نفسه يقول: مرض عبدي فلان، أيعمون عن كلمة / عبدي / ويتجرأون على الله هذه الجرأة، لقد قال الله عز وجل مبيناً أن خلافته عليه السلام عن الله كاملة {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} وقال جل شأنه {من يطع الرسول فقد أطاع الله } فهل قائل يقول بأن محمداً هو الله أو قال محمد صلى الله عليه وسلم عن نفسه ذلك يا ويلاه يا ويلاه كيف يقر لمسلم قرار وهو يسمع مثل هذا الكفر؟ وكيف سيتروح قلبه لسماع مثل هذا، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنزله الله عز وجل هذه المنزلة بأمره أن يقول {قل إنما أنا بشر مثلكم} وهؤلاء يقولون / أنا الله / فمتى تثور في قلوب المسلمين عقيدة الحق الصافية التي كانت عليها الأجيال الأولى فيقتلون من تجرأ على مثل هذا الكلام لينقطع دابر هذا الكفر اللعين، إن اجماع الأمة منعقد حتى مقتل الحلاج على أن قائل مثل هذا الكلام واجب القتل فكيف يصبح مثل هذا الكلام وكأنه اللغة العادية في كثير من الدوائر إنه لشيء مؤسف مؤسف وإنه لشيء يجب أن تطهر منه هذه الأمة وذلك بإقامة حلقات التصوف المحرر من الزيغ والدغل: قال حجة الإسلام الغزالي في إحيائه: وأما الشطح: فنعني به صنعين من الكلام أحدثهما بعض الصوفية: أحدهما الدعاوي الطويلة العريضة في العشئق مع الله تعالى والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا كذا ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل اطلاقه كلمات من هذا الجنس ويستشهدون بقوله / أنا الحق / وبما حكي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: سبحاني سبحاني وهذا فن من الكلام عظيم ضرره على العوام حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوي فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل والعلم حجاب والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق. فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة وأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز وجل في كلام يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني" فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.

الصنف الثاني من الشطح: كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائعة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل وتلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أن يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان أو يحمل على أن يفهم منها معان ما أريدت ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه. ثم بعد كلام يقول الشيخ الغزالي: وأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة كدأب الباطنية في التأويلات فهذا أيضاً حرام وضرره عظيم فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها من غير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى وهذا أيضاً من البدع الشائعة العظيمة الضرر، وإنما قصد أصحابها الإغراب لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذة له وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم كما حكيناه من مذاهبهم في كتاب المستظهري المصنف في الرد على الباطنية ومثال تأويل أهل الطامات قول بعضهم في تأويل قوله تعالى {إذهبا إلى فرعون إنه طغى} إنه إشارة إلى قلبه وقال: هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان وفي قوله تعالى {وأن ألق عصاك} أي كل ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز وجل فينبغي أن يلقيه، وفي قوله صلى الله عليه وسلم تسحروا فإن في السحور بركة" متفق عليه أراد به الاستغفار في الأسحار وأمثال ذلك حتى ليحرفون القرآن من أوله إلى آخره عن ظاهره وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس وسائر العلماء وبعض هذه التأويلات يعلم بطلانها قطعاً كتنزيل فرعون على القلب فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا النقل بوجوده ودعوة موسى له كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفار وليس من جنس الشياطين والملائكة مما لم يدرك بالحس حتى بتطرق التأويل إلى ألفاظه وكذلك حمل السحور على الإستغفار فإنه كان صلى الله عليه وسلم يتناول الطعام ويقول "تسحروا" متفق عليه "وهلموا إلى الغذاء المبارك" رواه أبو داوود والنسائي فهذه أمور لا يدرك بالتواتر والحس بطلانها نقلاً بعضها يعلم بغالب الظن وذلك في أمور لا يتعلق بها الإحساس فكل ذلك حرام وضلالة وإفساد الدين على الخلق ولم ينقل شيء من ذلك عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الحسن البصري مع إكبابه على دعوة الخلق ووعظهم فلا يظهر لقوله صلى الله عليه وسلم "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" الرواية المعروفة لهذا الحديث: من قال في القرآن بغير علم وفي رواية برأيه فليتبوأ مقعده من النار، رواه الترمذي وغيره وقد صححه الترمذي وضعفه غيره معنى إلا هذا النمط وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر وتحقيقه فيستجر شهادة القرآن إليه ويحمله عليه من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظية لغوية أو نقلية ولا ينبغي أن يفهم منه أنه يجب ألا يفسر القرآن بالاستنباط والفكر فإن في الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين خمسة معان وستة وسبعة وعلم أن جميعها غير مسموع من النبي صلى الله عليه وسلم فإنها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع فيكون ذلك مستنبطاً بحسن الفهم وطول الفكر ولهذا دعا صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه فقال "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" رواه أحمد والطبراني "ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنها يغر مرادة بالألفاظ ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هو في نفسه حق ولكن لم ينطق به الشرع كمن يضع في كل مسألة يراها حقاً حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فذلك ظلم وضلال ودخول في الوعيد المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم لأنه مبطل للثقة بالألفاظ وقاطع طريق الاستفادة والفهم من القرآ، بالكلية فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الحق عن القوانين المحمودة إلى المذمومة فكل ذلك من تلبيس علماء السوء بتبديل الأسامي فإن اتبعت هؤلاء اعتماداً على الاسم المشهور من غير التفات إلى ما عرف في العصر الأول كنت كمن طلب شرف الحكمة باتباع من يسمى حكيماً فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر وذلك بالغفلة عن تبديل الألفاظ. (انتهى). كلام الغزالي.

 

"فصل في بعض ما يصادفه السائرون إلى الله":

1-               مما يصادفه السائرون إلى الله عز وجل حالة الملل والكلل وهي حالة تواجه العاملين إذا لم يعطوا لأنفسهم راحة في العمل وقد أشار إلى هذه الحالة الحديث الشريف الصحيح "خذوا من الأعمال ما تطيقونه فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل" متفق عليه وإذن هناك حالة من الملل تصيب القلب وقد قال الإمام علي رضي الله عنه "روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت" وهذا كله يفيد أن حالة الملل حالة ينبغي أن يحتاط لها السالك إلى الله أولاً بأن لا يحمل نفسه فوق طاقتها وثانياً بأن يروح عن نفسه بإعطاء نفسه بعض حظوظها المباحة والحكيم ينوي نية صالحة وهو يعطيها هذه الحظوظ فتكون حتى راحته استجماماً وعبادة كما أن الحكيم إذا ملت نفسه من عمل فإنه يمكن أن ينقلها إلى عمل آخر فإذا شبعت نفسه من التلاوة مثلاً اشتغل في الذكر وإذا شبعت من الذكر اشتغل في العلم وإذا ملت من نوع من العلوم اشتغل في نوع آخر وإذا شبعت من العلوم الشرعية اشتغل في المطالعة العامة وإذا شبعت من هذا كله أعطى للتفكر والتأمل لنفسه نصيباً وبعد إعطاء الأهل حقوقهم من واجبات الوقت وهذا موضوع يلفت النظر إليه وتصعب الإحاطة في شأنه فليلاحظ ولاحظ هذه النقول قال ابن عطاء: "لما علم منك وجود الملل لون لك الطاعات وعلم ما فيك من وجود الشره فحجرها عليك في بعض الأوقات ليكون همك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة فما كل مصل مقيم.

2-               ومما يصادفه السائرون إلى الله حالتا القبض والبسط وهما حالتان متعاقبتان على القلب تعاقب الليل والنهار ويفرق أئمة السلوك بين القبض والبسط النفسي الذي سببه الحزن على فوات شيء وبين القبض القلبي الذي هو حالة سببها روحي، وبين البسط النفسي الذي سببه تمتع النفس بأمر دنيوي وبين البسط القلبي الذي سببه روحي وعلى السالك إلى الله أن يتنبه كثيراً لهاتين الحالتين وأن يحسن استقبالهما وعلاجهما فقد يجره القبض إلى سوء أدب مع الحق أو الخلق وقد يجره البسط إلى سوء أدب مع الحق أو مع الخلق. وضبط الإنسان نفسه عند البسط أشق لذلك قالوا: ولا يحافظ على حدود الأدب في البسط إلا قليل". وفي حكمة القبض والبسط يقول ابن عطاء: "بَسَطَك كي لا يبقيك مع القبض وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه، العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل، البسط تأخذ النفس منه حظها بوجود الفرح والقبض لا حظ للنفس فيه". والقبض النفسي سببه الجهل في الله وهو عقوبة. قال تعالى: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله}. ولذلك قالوا: "لا تأتينا الهموم والغموم إلا من جهلنا بالحي القيوم". وأما القبض القلبي فقد يكون تعريفاً بالله وقد يكون أثراً من استشعار القلب لخشية الله والبسط النفسي هو أثر من آثار جهل بالله أو أثر من تلذذ النفس بمتعة حلال أو حرام وهذا النوع من البسط على الانسان أن يحتاط في شأنه كثيراً لأنه قد يكون أحياناً سبباً من أسباب مقت الله، وفي قصة قارون درس: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}. وأما البسط القلبي فهو أثر عن طاعة أو شعور بأنس أو غير ذلك من معان قلبية. قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}. وعلى كل حال فلا بد أن يراعي الإنسان حالتي القبض والبسط فيدرك أسبابهما ويتحكم فيهما فقد يكون القبض أثراً من آثار تضييع حقوق الوقت ولذلك قالوا: "من لم يراع الوقت فوقته كله مقت".

3-               مما يصادفه السائرون إلى الله حالتا الفرق والجمع والمراد بالجمع أن يكون قلب الإنسان مجموعاً على الله، والمراد بالفرق الحالة التي لا يكون فيها القلب مجموعاً على الله أو أن يحس القلب بنوع من التشويش العام أو عدم الاطمئنان، وهو على أنواع منها أن يحس الإنسان بالخلق ويغفل عن الحق أو أن يحس الإنسان بقلق أو اضطراب أو تشويش أو شيء من هذا وأحياناً يعرف سبب ذلك وأحياناً لا يعرف. هاتان الحالتان تمران على السالك كثيراً أما غير السالك فإنه يكون في حالة فرق دائم لأن الأصل في حقه الغفلة حتى إذا استيقظ القلب وبدأ يستشعر حالات الفناء في الأفعال والفناء في الصفات والفناء في الذات عندئذ يمكن أن يحس بهذه الحالة حالة الفرق أو الجمع وأحياناً يصل الفرق إلى حالة من القوة يجد الإنسان نفسه فيها شبه عاجز عن أي عمل وأحياناً ينتقل الإنسان من حالة في الجمع تعتبر هي المقام الأرفع أو الرفيع إلى حالة في الفرق تكاد تكون وسوسة خالصة وفي مثل هذا المقام يقول ابن عطاء "ربما وردت الظلمة عليك ليعرفك قدر ما منّ به عليك". ومن النصوص التي ندرك بها قضية الفرق والجمع وتعاقبهما على القلب هذا النص:

"عن أبيّ قال كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعاً على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن هذا قرأ قراءة فأنكرتها عليه فدخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما صلى الله عليه وسلم فقرأ فحسن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى ما قد عشيني ضرب في صدري ففضت عرقاً وكأني أنظر إلى الله تعالى فرقاً فقال لي: يا أبيّ أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف.... الخ". ففي هذا النص نجد فرقاً كبيراً أعقبه جمع عظيم.

ومن هذا النص ندرك أن للفرق أسبابه وللجمع أسبابه ومن هذه الأسباب ما نستطيع التحكم به ومنه ما لا طاقة لنا به والله عز وجل يقول: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} والسالك إلى الله يحاول إذا وقع في الفرق أن يعرف أسبابه وأن يتلافاها ويحاول ما استطاع أن يبقى في حالة جمع على الله. وبهذا ينتهي الباب الأخير في هذه الرسالة ولم يبق إلا كلمة ختام.

 

|السابق| [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca