الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإستشراق والمستشرقون
المؤلف: مصطفى السباعي
التصنيف: تجاري
 

محتويات الكتاب

موازين البحث عند المستشرقين

موازين البحث عند المستشرقين:

يعتمد جمهرة المستشرقين في تحرير أبحاثهم عن الشريعة الإسلامية على ميزان بالغ الغرابة في ميدان البحث العلمي، فمن المعروف أن العالم المخلص يتجرد عن كل هوى وميل شخصي فيما يريد البحث عنه ويتابع النصوص والمراجع الموثوق بها، فما أدت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة المحتمة التي ينبغي عليه اعتقادها. ولكن أغلب هؤلاء المستشرقين يضعون في أذهانهم – كما قلت من قبل – فكرة معينة يريدون تصيد الأدلة لإثباتها، وحين يبحثون عن هذه الأدلة لا تهمهم صحتها بمقدار ما يهمهم إمكان الاستفادة منها لدعم آرائهم الشخصية، وكثيراً ما يستنبطون الأمر الكلي من حادثة جزئية، ومن هنا يقعون في مفارقات عجيبة لولا الهوى والغرض لربأوا بأنفسهم عنها، وسنضرب لذلك بعض الأمثلة:

1-   في محاولة المستشرق جولد تسيهر لإثبات زعمه بأن الحديث في مجموعه من صنع القرون الثلاثة الأولى للهجرة وليس من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ادعى أن أحكام الشريعة لم تكن معروفة لجمهور المسلمين في الصدر الأول من الإسلام، وأن الجهل بها وبتاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم كان لاصقاً بكبار الأئمة، وقد حشد لذلك بعض الروايات الساقطة المتهافتة، من ذلك ما نقله من كتاب الحيوان للدميري من أن أبا حنيفة – رحمه الله – لم يكن يعرف هل كانت معركة بدر قبل أحد أم كانت أُحد قبلها. ولا شك في أن أقل الناس اطلاعاً على التاريخ يرد مثل هذه الرواية، فأبو حنيفة وهو من أشهر أئمة الإسلام الذين تحدثوا عن أحكام الحرب في الإسلام حديثاً مستفيضاً في فقهه الذي أثر عنه، وفي كتب تلامذته الذين نشروا علمه كأبي يوسف ومحمد، يستحيل على العقل أن يصدق بأنه كان جاهلاً بوقائع سيرة الرسول ومغازيه وهي التي استمد منها فقهه في أحكام الحرب، وحسبنا أن نذكر هنا كتابين في فقهه في هذا الموضوع يعتبران من أهم الكتب المؤلفة في التشريع الدولي، في الإسلام.

أولهما – كتاب الرد على سير[1] الأوزاعي لأبي يوسف رحمه الله.

ثانيهما – كتاب السير الكبير لمحمد رحمه الله، وقد شرحه السرخسي، وهو من أقدم وأهم مراجع الفقه الإسلامي في العلاقات الدولية، وقد طبع أخيراً تحت إشراف جامعة الدول العربية برغبة من جمعية محمد بن الحسن الشيباني للحقوق الدولية.

وفي هذين الكتابين يتضح إلمام تلامذة الإمام وهم حاملو علمه بتاريخ المعارك الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين.

وجولد تسيهر لا يخفى عليه أمر هذين الكتابين، وكان بإمكانه لو أراد الحق أن يعرف ما إذا كان أبو حنيفة جاهلاً بالسيرة أو عالماً بها من غير أن يلجأ إلى رواية "الدميري" في "الحيوان" هو ليس مؤرخاً وكتابه ليس كتاب فقه ولا تاريخ، وإنما يحشر فيه كل ما يرى إيراده من حكايات ونوادر تتصل بموضوع كتابه من غير أن يعني نفسه البحث عن صحتها، ولا يخفى ما كان بي أبي حنيفة ومعاصريه ومقلديهم من بعدهم من عداء منهجي فكري، وقد كان هذا العداء مادة دسمة لرواة الأخبار ومؤلفي كتب الحكايات والنوادر لنسبة حوادث وحكايات منها ما يرفع من شأن أبي حنيفة، ومنها ما يضع من سمعته. وأكثرها ملفق موضوع للمسامرة والتندر من قبل محبيه أو كارهيه على السواء، مما يجعلها عديمة القيمة العلمية في نظر العلماء والباحثين. فجولد تسيهر أعرض عن كل ما دُوّن من تاريخ أبي حنيفة تدويناً علميّاً ثابتاً، واعتمد رواية مكذوبة لا يتمالك طالب العلم المبتدئ في الدراسة من الضحك لسماعها ليدعم بذلك ما تخيله من أن السنّة النبوية من صنع المسلمين في القرون الثلاثة الأولى.

2-   ومثال آخر عن هذا المستشرق أيضاً، فقد أعرض عما أجمعت عليه كتب الجرح والتعديل وكتب التاريخ من صدق الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمه الله (50 – 124 هِ ) وورعه وأمانته ودينه، وزعم أن الزهري لم يكن كذلك بل كان يضع الحديث للأمويين، وهو الذي وضع الحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" إلخ... لعبد الملك بن مروان، وكان حجته أن هذا الحديث من رواية الزهري، وأن الزهري كان معاصراً لعبد الملك بن مروان!... وقد ناقشت هذا الزعم مناقشة مفصلة في كتابي "السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي" ص 385 وما بعدها.

3-   يحاول المستشرقون أن يؤكدوا تعالي العرب الفاتحين عن المسلمين الأعاجم وانتقاصهم من مكانتهم، وفي ذلك يقول المستشرق "بروكلمان" في كتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية":

"وإذا كان العرب يؤلفون طبقة الحاكمين، فقد كان الأعاجم من الجهة الثانية هم الرعية أي القطيع!.. وجمعها رعايا كما يدعوهم تشبيه سامي قديم كان مألوفاً حتى عند الآشوريين". فهذا المستشرق قد أعرض عن جميع الوثائق التاريخية التي تؤكد عدالة الفاتحين المسلمين ومعاملتهم أفراد الشعب على السواء في غير تفرقة بين عربي وغيره، وتعلق بلفظ "الرعية" تعلقاً لغويّاً واستنتج منها أن المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظر القطيع من الغنم، ولو رجعنا إلى مادة "رعي" في قواميس اللغة وجدناها تقول كما في القاموس المحيط: والراعي لك ولي أمر قوم، والقوم رعية، وراعيته: لاحظته محسناً إليه، وراعيت أمره: حفظته، كرعاه. فالراعي في اللغة يطلق على راعي الغنم، وعلى رئيس القوم وولي أمرهم، والرعية تطلق على الماشية، وتطلق على القوم، ومن معاني الرعاية: الحفظ والإحسان. فلما أطلقها الإسلام على القوم لم يخص بها الأعاجم ليشير إلى أنه يراهم كالقطيع من الغنم، وإنما أطلقها على الشعب عامة، والأحاديث في ذلك كثيرة معروفة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره: "ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". قال الحافظ ابن حجر (فتح الباري 13/96) في شرح هذا الحديث: والراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه. وقد جاء في حديث آخر إطلاق الرعية على المسلمين في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: "وما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرّم الله عليه الجنة". فكيف أغمض بروكلمان عينيه عن هذا كله واستجاز لعلمه أن يدّعى بأن المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظرة القطيع وأنهم أطلقوا عليهم وحدهم لفظ "الرعية"؟ ليس له سند إلا أن لفظ الرعية يطلق على الغنم أيضاً، وقد علمت معانيها اللغوية، أما تخصيص إطلاقها بالأعاجم فليس له سند ولا شبهة يتعلق بها، وإنما هو الهوى والغرض.

4-   زعم المستشرق "مايور" كما نقله عنه "مرجليوث" أن أهل البدو كانوا كثيري الاهتمام بتعلم البلاغة وطلاقة اللسان فلا يبعد أن النبي (عليه الصلاة والسلام) مارس هذا الفن حتى نبغ فيه. وهذا يعطينا صورة عن موازين البحث عند هؤلاء، فالمسألة عنده تقوم على استنتاج وهمي من أمر لم يقع، فلا العرب كانوا يتعلمون البلاغة، ولا كانت لهم مدارس وأساتذة يضعون قواعدها، ولا النبي صلى الله عليه وسلم عرف عنه قبل النبوة فعل ذلك، وليس بين أيدينا نص واحد يثبته بل إن المؤكد أن الرسول لم ينقل عنه أثر من نثر أو شعر قبل النبوة وقبل أن يتنزل عليه القرآن الكريم. وأمر آخر يكشف لنا عن أساس ثالث من أسس النقد والبحث عند هؤلاء المستشرقين هو إفراطهم في اختراع العلل والأسباب والحوادث التي يدرسونها اختراعاً ليس له سند إلا التخيل والتحكم، ويزيد في فساد أسلوبهم هذا أنهم يتخيلون أحداث الشرق والعرب وعاداتهم وأخلاقهم بأوهامهم وخيالاتهم الغريبة عن الشرق والعرب والمسلمين، ولا يريدون أن يعترفوا بأن لكل بيئة مقاييسها وأذواقها وعاداتها. وقد أحسن المستشرق الفرنسي المسلم "ناصر الدين دينيه" في حديثه عن أسلوب المستشرقين وموازينهم في الحكم على الأشياء مما جعلهم يتناقضون فيما بينهم تناقضاً واضحاً في الحكم على شيء واحد، كل ذلك لأنهم حاولوا أن يحللوا السيرة المحمدية وتاريخ ظهور الإسلام بحسب العقلية الأوربية فضلّوا بذلك ضلالاً بعيداً لأن هذا غير هذا، ولأن المنطق الأوروبي لا يمكن أن يأتي بنتائج صحيحة في تاريخ الأنبياء الشرقيين. ثم قال: إن هؤلاء المستشرقين الذين حاولوا نقد سيرة النبي بهذا الأسلوب الأوروبي البحت لبثوا ثلاثة أرباع قرن يدققون ويمحصون بزعمهم، حتى يهدموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيهم، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة العميقة أن يتمكنوا من هدم الآراء المقررة والروايات المشهورة من السيرة النبوية، فهل تسنى لهم شيء من ذلك؟

الجواب، أنهم لم يتمكنوا من إثبات أقل شيء جديد، بل إذا أمعنا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المستشرقون، من فرنسيين وإنجليز وألمان وبلجيكيين وهولانديين.. إلخ لا نجد إلا المعمول بها في العالم الإسلامي – في معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن – وهو متخرج من كلية اللاهوت في جامعة كمبردج، وكان من أركان حرب الجيش البريطاني في مصر خلال الحرب العالمية الثانية – كما حدثني هو بذلك عن نفسه – تعلم اللغة العربية من دروس اللغة العربية التي كان يلقيها بعض علماء الأزهر في الجامعة الأميركية في القاهرة ساعة في كل أسبوع لمدة سنة واحدة. كما تعلم العامية المصرية من اختلاطه بالشعب المصري حين توليه عمله العسكري الآنف الذكر، وتخصص في دراسة الإسلام من المحاضرات العامة التي كان يلقيها المرحوم "أحمد أمين" والدكتور "طه حسين" والمرحوم الشيخ "أحمد إبراهيم". ثم انتقل من الخدمة العسكرية بعد الحرب إلى رئاسة قسم قوانين الأحوال الشخصية في جامعة "لندن" كما ذكرنا!. لا أريد أن أذكر أمثلة عن تعصبه ضد الإسلام – وقد حدّثني كثيراً عن ذلك المرحوم الدكتور "حمود غرابة" مدير المركز الثقافي الإسلامي في لندن حينذاك – ولكني أكتفي بأن أذكر ما حدثني به البروفسور "أندرسون" نفسه من أنه أسقط أحد المتخرجين من الأزهر الذين أرادوا نوال شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلامي من جامعة لندن لسبب واحد هو أنه قدم أطروحته عن حقوق المرأة في الإسلام وقد برهن فيها على أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها الكاملة، فعجبت من ذلك وسألت هذا المستشرق: وكيف أسقطته ومنعته من نوال الدكتوراه لهذا السبب وأنتم تدّعون حرية الفكر في جامعاتكم؟ قال: لأنه كان يقول: الإسلام يمنح المرأة كذا، والإسلام قرر للمرأة كذا، فهل هو ناطق رسمي باسم الإسلام؟ هل هو أبو حنيفة أو الشافعي حتى يقول هذا الكلام ويتكلم باسم الإسلام؟ إن آراءه في حقوق المرأة لم ينصل عليها فقهاء الإسلام الأقدمون، فهذا رجل مغرور بنفسه حين ادّعى أنه يفهم الإسلام أكثر مما فهمه أبو حنيفة والشافعي. هذا هو كلام هذا المستشرق الذي لا يزال حيّاً يرزق، ولا أدري إن كان لا يزال في عمله في جامعة لندن أم أحيل إلى التقاعد (المعاش). وزرت جامعة أدنبره "اسكتلنده" فكان المستشرق الذي يرأس الدراسات الإسلامية فيها قسيساً بلباس مدني، وقد وضع لقبه الديني مع اسمه على باب بيته. وفي جامعة "جلاسكو" (اسكتلنده أيضاً) كان رئيس الدراسات العربية فيها قسيساً عاش رئيساً للإرسالية التبشرية في القدس قرابة عشرين سنة حتى أصبح يتكلم العربية كأهلها، وقد حدثني بذلك عن نفسه في هذه الزيارة، وكنت قد اجتمعت به قبل ذلك في المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي انعقد في "بحمدون" (لبنان) عام 1954. وفي جامعة أكسفورد وجدنا رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية فيها يهوديّاً يتكلم العربية ببطء وصعوبة، وكان أيضاً يعمل في دائرة الاستخبارات البريطانية في ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية وهناك تعلم العربية العامية، ثم عاد إلى بلاده إنجلترا ليرأس هذا القسم في جامعة أكسفورد. ومن عجيب أني رأيت في منهاج دراساته التي يلقيها على طلاب الاستشراق: تفسير آيات من القرآن الكريم من الكشاف للزمخشري – وهو لا يحسن فهم عبارة بسيطة في جريدة عادية – ودراسة أحاديث من البخاري ومسلم، وأبواب من الفقه في أمهات كتب الحنفية والحنابلة، وسألته عن مراجع هذه الدراسات، فأخبرني أنها من كتب المستشرقين أمثال: جولد تسيهر، ومرجليوث، وشاخت، وحسبك بهؤلاء عنواناً على الدراسات المدخولة المدسوسة الموجهة ضد الإسلام والمسلمين. أما في جامعة كمبردج فكانت رئاسة قسم الدراسات العربية والإسلامية فيها للمستشرق المعروف "آربري" واختصاصه في اللغة العربية فحسب. وقد ورد اسمه آنفاً. وقد قال لي – خلال أحاديثي معه - : بأننا – نحن المستشرقين، نقع في أخطاء كثيرة في بحوثنا عن الإسلام، ومن الواجب أن لا نخوض في هذا الميدان لأنكم – أنتم المسلمين العرب – أقدر منا على الخوض في هذه الأبحاث، وربما قال هذا مجاملة أو اعتقاداً منه بحصته. وفي مانشستر (إنكلترا) اجتمعت بالبروفسور "روبسون" وكان يقابل سنن أبي داود على نسخة مخطوطة، وله كتابات في تاريخ الحديث، يتفق فيها غالباً مع آراء المستشرقين المتحاملين، وقد حرصت على أن أبين له أن الدراسات الاستشراقية السابقة فيها تحامل وبعد عن الحقيقة، وتعرضت لآراء جولد تسيهر وأثبتُّ له أخطاءه التاريخية والعلمية، فكان مما أجاب به عنه: "لا شك أن المستشرقين في هذا العصر أكثر اطلاعاً على المصادر الإسلامية من جولد تسيهر نظراً لما طبع ونشر وعرف من مؤلفات إسلامية كانت غير معلومة في عصر جولد تسيهر، فقلت له: أرجو أن تكون أبحاثكم – المستشرقين – في هذا العصر أقرب إلى الحق والإنصاف من جولد تسيهر، ومرجليوث، وأمثالهما. فقال: أرجو ذلك". وفي جامعة "ليدن" بهولندا اجتمعت بالمستشرق الألماني اليهودي "شاخت" وهو الذي يحمل في عصرنا هذا رسالة جولد تسيهر في الدس على الإسلام والكيد له وتشويه حقائقه، وباحثته طويلاً في أخطاء "جولد تسيهر" وتعمده تحريف النصوص التي ينقلها عن كتبنا، فأنكر ذلك أول الأمر، فضربت له مثلاً واحداً مما كتبه جولد تسيهر في تاريخ "السنة"، فاستغرب ذلك، ثم راجع كتاب جولد تسيهر – وكنا نجلس في مكتبته الخاصة – فقال: معك الحق إن جولد تسيهر أخطأ هنا، قلت له: هل هو مجرد خطأ؟ فاحتد وقال: لماذا تسيئون به الظن؟ فانتقلت إلى بحث تحليله لموقف الزهري عن عبد الملك بن مروان، وذكرت له من الحقائق التاريخية ما ينفي ما يزعمه جولد تسيهر. وبعد مناقشة في هذا الموضوع قال: وهذا خطأ أيضاً في جولد تسيهر ألا يخطئ العلماء؟ قلت له: إن جولد تسيهر هو مؤسس المدرسة الاستشراقية التي تبني حكمها في التشريع الإسلامي على وقائع التاريخ نفسه، فلماذا لم يستعمل مبدأ، هنا حين تكلم عن الزهري؟ وكيف جاز له أن يحكم على الزهري بأنه وضع حديث فضل المسجد الأقصى إرضاء لعبد الملك ضد ابن الزبير؟ مع أن الزهري لم يلق عبد الملك إلا بعد سنوات من مقتل ابن الزبير؟ وهنا اصفر وجه "شاخت" وأخذ يفرك يداً بيد، وبدا عليه الغيظ والاضطراب، فأنهيت الحديث معه بأن قلت له: لقد كان مثل هذه "الأخطاء" كما تسميها أنت، تشتهر في القرن الماضي، ويتناقلها مستشرق منكم عن آخر على أنها حقائق علمية، قبل أن نقرأ – نحن المسلمين – تلك المؤلفات إلا بعد موت مؤلفيها، أما الآن فأرجو أن تسمعوا منا ملاحظاتنا على أخطائكم لتصححوها في حياتكم قبل أن تتقرر كحقائق علمية. ومن الملاحظ أن هذا المستشرق كان يدرس في جامعة القاهرة – فؤاد سابقاً – وله مؤلف في تاريخ التشريع الإسلامي كله دس وتحريف على أسلوب شيخه جولد تسيهر!. وفي جامعة "أبلا" في السويد التقيت بالشيخ المستشرق "نيبرج" وهو الذي كان قد أشرف على تصحيح كتاب الانتصار لابن الخياط – على ما أظن – وطبعته قديماً لجنة التأليف والترجمة في القاهرة وجرى بيني وبينه حديث طويل كان أكثره حول أبحاث المستشرقين ومؤلفاتهم عن الإسلام وتاريخه، وجعلت جولد تسيهر محور الحديث عن المستشرقين، وذكرت له أمثلة من أخطائه وتحريفه للحقائق، فكان مما قاله بعد ذلك: إن جولد تسيهر كان في القرن الماضي ذا شهرة علمية ومرجعاً للمستشرقين، أما في هذا العصر – بعد انتشار الكتب المطبوعة في بلادكم عن العلوم الإسلامية – فلم يعد جولد تسيهر مرجعاً كما كان في القرن الماضي.. لقد مضى عهد جولد تسيهر في رأينا!.. وقد أتيح لي خلال تلك الرحلة أن أواصل زيارة الجامعات عدا ما ذكرته منها في عواصم كل من (بلجيكا) و (الدانيمرك) و (النرويج) و (فنلندا) و (ألمانيا) و (سويسرا) و (باريس) واجتمعت بمن كان موجوداً فيها حينئذ من المستشرقين. ومما ذكرته آنفاً وما دوّنته في مذكراتي عن المستشرقين الذين لقيتهم خلال تلك الرحلة اتضحت لي الحقائق التالية:

أولاً: أن المستشرقين – في جمهورهم – لا يخلو أحدهم من أن يكون قسيساً أو استعماريّاً أو يهوديّاً، وقد يشذ عن ذلك أفراد.

ثانياً: أن الاستشراق في الدول الغربية غير الاستعمارية – كالدول السكندنافية – أضعف منه عند الدول الاستعمارية.

ثالثاً: أن المستشرقين المعاصرين في الدول غير الاستعمارية يتخلون عن جولد تسيهر وأمثاله المفضوحين في تعصبهم.

رابعاً: أن الاستشراق بصورة عامة ينبعث من الكنيسة، وفي الدول الاستعمارية يسير مع الكنيسة ووزارة الخارجية جنباً إلى جنب، يلقى منهما كل تأييد.

خامساً: أن الدول الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا ما تزال حريصة على توجيه الاستشراق وجهته التقليدية من كونه أداة هدم للإسلام وتشويه لسمعة المسلمين.

ففي فرنسا لا يزال "بلا شير" و "ماسينيون" وهما شيخا المستشرقين الفرنسيين في وقتنا الحاضر يعملان في وزارة الخارجية الفرنسية كخيبرين في شؤون العرب والمسلمين. وفي إنجلترا رأينا – كما ذكرت – أن الاستشراق له مكان محترم في جامعات لندن وأكسفورد وكمبردج وأدنبره وجلاسكو وغيرها، ويشرف عليه يهود وإنجليز استعماريون ومبشرون، وهم يحرصون على أن تظل مؤلفات جولد تسيهر ومرجليوث ثم شاخت من بعدهما، هي المراجع الأصلية لطلاب الاستشراق من الغربيين، وللراغبين في حمل شهادة الدكتوراه عندهم من العرب والمسلمين، وهم لا يوافقون أبداً على رسالة لطلب الدكتوراه يكون موضوعها إنصاف الإسلام وكشف دسائس أولئك المستشرقين. وقد حدثنا الدكتور أمين المصري – وهو خريج كلية أصول الدين في الأزهر وكلية الآداب ومعهد التربية في جامعة القاهرة – عما لقيه من عناء في سبيل موضوع رسالته التي أراد أن يتقدم بها لأخذ شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعات إنجلترا. لقد ذهب إليها منذ بضع سنوات لدراسة الفلسفة وأخذ شهادة الدكتوراه بها، وما كان يطلع على برامج الدراسة – وخاصة دراسة العلوم الإسلامية فيها – حتى هاله ما رآه من تحامل ودس في كتب المستشرقين، وخاصة "شاخت" فقرر أن يكون موضوع رسالته هو نقد كتاب شاخت في تاريخ الفقه الإسلامي. وتقدم إلى البروفسور أندرسون ليكون مشرفاً على تحضير هذه الرسالة وموافقاً على موضوعها، فأبى عليه هذا المستشرق أن يكون موضوع رسالته نقد كتاب شاخت وعبثاً حاول أن يوافق على ذلك، فلما يئس من جامعة لندن، ذهب إلى جامعة كامبردج وانتسب إليها، وتقدم إلى المشرفين على الدراسات الإسلامية فيها برغبته في أن يكون موضوع رسالته للدكتوراه هو ما ذكرناه، فلم يبدوا رضاهم عن ذلك، وظن أن من الممكن موافقتهم أخيراً، ولكنهم، قالوا: له بصريح العبارة: إذا أردت أن تنجح في الدكتوراه فتجنب انتقاد شاخت، فإن الجامعة لن تسمح لك بذلك، وعندئذ حوّل موضوع رسالته إلى "معايير نقد الحديث عند المحدثين" فوافقوه، ونجح في نوال الدكتوراه – وهو الآن أستاذ في كلية الشريعة بجامعة دمشق.

هذه كلمة موجزة عما تحققته بنفسي عن المستشرقين، وخاصة كتب جولد تسيهر وآرائه، وقد أفردت لمناقشته فصلاً خاصّاً في كتابي "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، بينت فيه تحامل هذا المستشرق اليهودي، وتشويهه للحقائق، وتحريفه للنصوص، وتأويله للوقائع التاريخية وفق هدفه الذي سعى إليه، واعتماده على مصادر لا قيمة لها في نظر العلم، وتكذيبه للمصادر العلمية المعترف بها عند أئمتنا وعلمائنا المحققين. أما في أمريكا فالاستشراق فيها الآن يمثل ذروة العداء للإسلام والمسلمين، ويشرف على الدراسات الإسلامية في جامعاتها أشد أعداء الإسلام تعصباً وحقداً كما يتضح من أسماء أخطر المستشرقين ومؤلفاتهم التي ذكرناها قبل قليل. ومن المؤلم أن طلاب العالم الإسلامي الذين يدرسون باللغة الإنجليزية في بلادهم لا يزالون مضطرين إلى دخول الجامعات الإنجليزية والأمريكية، فلا يجد طلاب الدراسات الإسلامية أمامهم مراجع لدراستهم التي ينالون بها الدكتوراه غير تلك المراجع المسمومة، وهم لا يعرفون اللغة العربية، فتتقرر عندهم أن تلك الدسائس حقائق مأخوذة من كتب الفقهاء والعلماء المسلمين أنفسهم. إن هذا مما يدعو جامعاتنا العربية للتفكير في إنشاء أقسام لفروع شهادة الدكتوراه باللغة الإنجليزية، وأعتقد أن ذلك من شأنه أن يحوّل أنظار كثيرين من طلاب العالم الإسلامي عن جامعات الغرب إلى بلادنا العربية – فنصون هؤلاء من التأثر بدسائس المستشرقين المتعصبين الاستعماريين.

 



[1]  اصطلح الفقهاء على تسمية مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم بالسير جمع سيرة.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

الإستشراق والمستشرقون 

مقتطفات من كتاب من روائع حضارتنا 

المرأة بين الفقه والقانون 

نظام السلم والحرب في الإسلام 

السيرة النبوية دروس وعبر 

هكذا علمتني الحياة 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca