الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود
المؤلف: توفيق الواعي
التصنيف: قضية فلسطين
 

المحتويات

الشبهة التاسعة الإخوان والعمل السياسي

يري بعض المتحاملين على الإخوان المسلمين أنهم جماعة سياسية لأنهم يخلطون الدين بالسياسة ، ويشتغلون بها وهذا خطأ بين ، لأن المتحدث بمثل هذا لا يعرف السياسة ولا يفقه الإسلام بشموله ، ولا يعرف العلاقة بينهما ، والحقيقة أن هذا الجهل بالإسلام قد استشري في الأمة زمن الضعف حتى أنك تجد أن الشيخ البنا-رحمه الله - يعبر عن هذه الفترة المحزنه أصدق تعبير فيقول : قلما تجد إنسانا يتحدث إليك عن الإسلام والسياسة إلا وجدته يفصل بينهما ، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب ، فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان ، ومن هنا سميت هذه جمعية إسلامية لا سياسية ، وذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه، ورأيت في صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومنهجها "لا تتعرض الجمعية للشؤون السياسية" .

ويحسن بنا لبيان هذا الجهل أن نعرف السياسة سواء عند الغربيين أو الإسلاميين حتى نعرف إن كان الإسلام يهتم بالسياسة أم لا ، أو هو السياسة . نفسها وليس شيئا آخر، ونبدأ بتعريف الغربيين للسياسة من عهد أرسطو إلى  اليوم .

فالسياسة عند فلاسفة الجونان -أرسطو خاصة - هي كل ما من شأنه أن يحقق الحياة الخيرة في المجتمع ، فهي تستوعب كافة الشؤون السائدة في المجتمع ، وهذا التحديد يعتبر السياسة فرعا عن الأخلاق ، ولعل المعني اللغوي عند العرب لهذا المصطلح يتشابه مع التحديد الأوسطي له من حيث الاتصال بالأخلاق ، ومن حيث الشمول ، فأصل كلمة "سياسة" جاء من السوس ، وهي تعني الرئاسة ، وعندما نقول : ساس الأمر ، نعني : أنه قام به ، وشرط السياسة أن يقوم بالأمر "بما يصلحه " أي أمر الجماعة أو مجموع الناس.

أما السياسة عند الإسلاميين فقد عبر عنها ابن عقيل الحنبلي حيث قال : السياسة هي ما يكون الناس معه أقرب إلي  الصلاح والفلاح وأبعد عن الفساد في أمورهم الدنيوية ، وان لم يضعه رسول أو نزل به وحي

. وقد عرف رفاعة الطهطاوي السياسة بقوله :

"هي فن الإدارة أو تدبير المملكة ونحو ذلك " ، ثم قال والبحث في هذا العلم ودوران الألسن فيه والتحدث به والمنادمة عليه في المجالس والمحافل والخوض فيه كل ذلك يسمى "سياسة"

. وعرفها مالك بن نبي بقوله .

"هي العمل المنظم الفعال الذي تقوم به الأمة ككل - الدولة والجماعات - المتفق مع عقيدة جمهورها لتحقيق التجانس والتعاون بين الدولة والفرد على الصعيد الاجتماعي والثقافي لتكون السياسة مؤثرا حقيقيا في واقع الوطن"

ويقول الدكتور زكي نجيب محمود :

" هذه الفظة تعني تحقيق المصالح المشتركة بين الناس في مجتمع معين ، وأن هذا الصالح المشترك لهو حاصل جميع المنافع التي تنتفع بها مجموعة الأفراد كل في  مجاله "

وعلى هذا فالسياسة الشرعية كما يقول الفقهاء هي : تدبير الشؤون العامة للدولة ا لإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار بما لا يتعدي حدود الشريعة وأصولها الكلية لي وإن لم يسبق إلي القول به الأئمة المجتهدون .

مفهوم السياسة عند الإخوان المسلمين :

بعد هذا العرض لمعني السياسة ننظر إلى  فهم الإخوان المسلمين لها ونأخذ هذا الفهم من عرض الشيخ حسن البنا- المرشد الأول لجماعة الإخوان المسلمين - لمفهوم السياسة عند حديثة  عن علاقة الإسلام بالسياسة ، وموقف المسلم منها ، يقول رحمه الله : "السياسة هي : النظر في شئون الأمة الداخلية والخارجية ولها جانبين : الداخلي ، وتعني السياسة - عندئذ - : (تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها ، وتفصيل واجباتها وحقوقها ، ومراقبة الحاكمين ،    والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أحسنوا ، وينقدوا إذا أساءوا) والجانب الخارجي وتعني السياسة حينئذ (المحافظة على استقلال الأمة وحريتها ، والسير بها إلى  الأهداف التي تحتل بها مكانتها بين الأم ، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شئونها) 00 الخ ، ويربط البنا بوضوح بين العقيدة والعمل السياسي بقوله : (إن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا : بعيد النظر في شؤون أمته ، مهتما بها ، فالمسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شؤون أمته ، ويقول : (إننا سياسيون بمعني أننا نهتم بشئون أمتنا وأننا نعمل لاستكمال الحرية . . الخ )

. فالسياسة عند الإخوان هي التفكير في شئون الأمة الداخلية والخارجية ، والاهتمام بها والعمل على إصلاح كافة جوانبها ، وهي ترتبط بالعقيدة والأخلاق ، وتهدف إلى  التغيير ، وهذا التحديد كان يتلاءم مع الواقع المصري وخاصة في فترة الاحتلال الأجنبي ويعطي الفرد دافعا داخليا للعمل السياسي تفكيرا واهتماما وعملا مغيرا لأوضاع الأمة ، ويجعل السياسة مسألة تخص كل مسلم لأن أمور أمته في مقدمة أولوياته ، ولأنه مفروض أن يعمل جاهدا لإصلاحها وعزتها وتقدمها .

والمقابلة بين تعريف ابن نبي وتعريف زكي نجيب محمود وتعريف الإخوان تظهر تقاربا بينها جميعا ، فهي عند الأول العمل المغير للإطار الثقافي ، وعند الثاني العمل المغير للأوضاع الاجتماعية نحو الأفضل والخير ، وعند الإخوان التفكير ، والاهتمام والعمل المصلح لشئون ا لأمة كلها داخلها وخارجها ، والإصلاح تغيير بالضرورة وعلى  الرغم من أن مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا -رحمه الله - قد وضح ذلك كما قدمنا بأسلوب لا لبس فيه إلا أن البعض ما زال لا يريد أن يقرأ، أو لا يريد أن يفهم ، أن الإسلام ما جاء بقرآنه وسنته وسيرة سلفه الصالح إلا ليصلح حياة الناس وأعمالهم ويقود الأمة ويحكمها مصداقا لقوله تعالي  : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم " (المائدة : 49) ، ولهذا فقد أكد الإمام البنا -رحمه الله - على أن مرجعية الجماعة هي الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح في الدعوة إلى  إصلاح حال الناس

والأمة بتعاليم وأحكام وهدي الإسلام دون النظر إلى  الألفاظ والمسميات وهو بهذا يبين جهل أصحاب هذه الشبهات فيقول -رحمه الله -:

نحن والسياسة :

ويقول قوم : إن الإخوان المسلمين قوم سياسيون ودعوتهم دعوة سياسية ، ولهم من وراء ذلك مآرب أخرى  ، ولا ندري إلى  متى تتقارض أمتنا التهم وتتبادل الظنون وتتنابذ بالألقاب ، وتترك يقينا يؤيده الواقع في سبيل ظن توجيه الشكوك ؟

( أ يا قومنا : إننا نناديكم والقران في يميننا والسنة في شمالنا ، وعمل السلف الصالح من أبناء هذه الأمة قدوتنا ، وندعوكم إلى  الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدئ الإسلام ، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا وان كان من يدعوكم إلى  هذه المبادئ سياسيا فنحن أعرق الناس والحمد لله في السياسة ، وان شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم فلن تضرنا الأسماء متى    وضحت المسميات وانكشفت الغايات )

. يا قومنا : أ لا تحجبكم الألفاظ عن الحقائق ، ولا الأسماء عن الغايات ، ولا الأعراض عن الجواهر ، وان للإسلام لسياسة في طيها سعادة الدنيا وصلاح الآخرة ؟ وتلك هي سياستنا لا نبغي  بها بديلا فسوسوا بها أنفسكم ، واحملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الأخروية ، ولتعلمن نبأه بعد حين ). والواقع أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الإسلام ، أو حينما أعياهم أمره وثباته في نفوس أتباعه ، ورسوخه في قلوب المؤمنين به ، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال ، لم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره وشكلياته ، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية ، وان تركت للمسلمين بعد ذلك قشورا من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تسمن ولا تغني من جوع . . فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء والاجتماع شيء أخر، وأن الإسلام شيء والقانون شيء غيره ، وإن الإسلام شيء ومسائل الاقتصاد لا تتصل به ، وأن الإسلام شيء والثقافة العامة سواه ، وأن الإسلام شيء يجب أن يكون بعيدا عن السياسة .

فحدثوني بربكم أيها المسلمون إذا كان الإسلام شيئا غير السياسة وغير ا لاجتماع ، وغير ا لاقتصاد ، وغير الثقافة ، فما هو إذن ؟. . أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر ؟ ، أم هذه الألفاظ التي هي كما تقول رابعة العدوية : استغفار يحتاج إلى  استغفار ، لهذا أيها المسلمون نزل القرآن نظاما كاملا محكما مفصلا " تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشري للمسلمين "  (النحل : 89).

أيها المسلمون أعلنها بكل صراحة ووضوح وقوة ، أن الإسلام شيء غير هذا المعني الذي أراد خصومه والأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدوه به ، وأن الإسلام عقيدة وعبادة ، ووطن وجنسية ، وسماحة وقوة ، وخلق ومادة ، وثقافة وقانون ، وأن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شؤون أمته ، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .

وأعتقد أن أسلافنا - رضوان الله عليهم - ما فهموا للإسلام معني غير هذا ، فبه كانوا يحكمون ، وله كانوا يجاهدون ، وعلى  قواعده كانوا يتعاملون ، وفي حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا العملية قبل شؤون الآخرة الروحية ، ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول : " لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله ". ،

إذن فغريب أمر هؤلاء ، ينكرون على المسلمين المشاركة في شؤون وطنهم ويعطون هذا الحق للشيوعي والعلماني و-البوذي وكل الملل ، ويطلقون يدهم في تدبير شؤون الأمة وتصريف أمورها ، في حين يمنعون على المسلمين القيام بهذا الأمر ، وهذا هو نفسه ما يريده أعداء الإسلام ؟. السياسة الداخلية، ثم يعرض الأستاذ البنا  –رحمه الله –للتفاصيل السياسية فيقول : دعوي في أيها الأخوة أسترسل معكم في تقرير هذا المعني ، فأقول إن كان يراد بالسياسة معناها الداخلي من حيث تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها وتفصيل حقوقها وواجباتها ومراقبة الحاكمين والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أحسنوا وينقدوا إذا أساءوا . . فالإسلام قد عني بهذه الناحية ، ووضع لها القواعد والأصول ، وفصل حقوق الحاكم والمحكوم ، وبين مواقف الظالم والمظلوم ، ووضع لكل حدا لا يعدوه ولا يتجاوزه . فالدساتير والقوانين المدنية والجنائية بفروعها المختلفة عرض لها ا لإسلام ، ووضع نفسه منها بالموضع الذي يجعله أول مصادرها وأقدس منابعها . وهو حين فعل هذا إنما وضع ا لأصول الكلية ، والقواعد العامة ، والمقاصد الجامعة ، وفرض على  الناس تحقيقها ، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل يطبقونها بحسب ظروفهم وعصورهم ، ويجتهدون في ذلك ما وسعتهم المصلحة وواتاهم الاجتهاد. وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها ، وأوصي بأن يكون كل مسلم مشرفا تمام الإشراف على تصرفات حكومته ، يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب ، وهو كما فرض على الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين بإحقاق الحق وإبطال الباطل فرض على المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم ما كان كذلك ، فإذا انحرف فقد وجب عليهم أن يقوموه على الحق ويلزموه حدود القانون ، ويعيدوه إلي نصاب العدالة ، هذه تعاليم كلها من كتاب الله تبارك وتعالي  ، ومن أحاديث رسوله (صلي الله علية وسلم ) في لم نتقولها ولم نخترعها ، وإلي  حضراتكم قول الله تبارك وتعالي : " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من  الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم  بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق لكل  جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم  فيما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلي الله مرجعكم جميعا فينبئكم  بما كنتم فيه تختلفون  وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم و أحذرهم أن يفتنوك عن بعض  ما أنزل الله إليك فإن  تولوا فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا  من الناس لفاسقون " أفحكم الجاهلية يبغون ومن  أحسن  من الله حكما  لقوم يوقنون "  (المائدة 48، 50)، إلي  عشرات  الآيات الكريمة التي تناولت كل ما ذكرنا بالبيان والتفصيل .

ويقول الرسول (صلي الله علية وسلم ) في تقرير سلطة الأمة وتقرير الرأي العام فيها : " الدين النصيحة" ، قالوا : لمن يا رسول الله ؟ ، قال : " لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم" . . ويقول (صلي الله علية وسلم ) أيضا : " إن من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، ويقول كذلك : " سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله."

وإلى  مئات الأحاديث التي تفصل هذا المعني وتوضحه ، وتوجب على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر ، وأن يراقبوا حكامهم ويشرفوا على مبلغ احترامهم للحق وإنقاذهم لأحكام الله .

فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يأمر بهذا التدخل ، أو الإشراف ، أو التناصح ، أو سمه ما شئت ، وحين يحض عليه ، ويبين أنه الدين وأنه الجهاد الأكبر، وأن جزاءه الشهادة العظمي . . يخالف تعاليم الإسلام فيخلط السياسة بالدين ؟ ، أم أن هذه هي طبيعة الإسلام الذي بعث الله به نبيه (صلي الله علية وسلم ) ، وأننا في الوقت الذي نعدل فيه بالإسلام عن هذا المعني نصور لأنفسنا إسلاما خاصا غير- الذي جاء به رسول الله !نه عن ربه .

لقد تقرر هذا المعني الفسيح للإسلام الصحيح في نفوس السلف الصالح لهذه ا لأمة ، وخالط أرواحهم وعقولهم ، وظهر في كل أداور حياتهم الاستقلالية قبل ظهور هذا الإسلام الاستعماري الخانع الذليل .

ومن هنا أيها المسلمون كان أصحاب رسول الله بلا يتكلمون في نظم الحكم ويجاهدون في مناصرة الحق ، ويحتملون عبء سياسة الأمة ، ويظهرون على الصفة التي وصفوا أنفسهم بها "رهبان بالليل فرسان بالنهار" حتى    كانت أم المؤمنين عائشة الصديقة تخطب الناس في دقائق السياسة ، وتصور لهم مواقف الحكومات في بيان رائع وحجة قوية ، ومن هنا كانت الكتيبة التي شقت عصا الطاعة على الحجاج وحاربته وأنكرت عليه بقيادة ابن الأشعث تسمي كتيبة الفقهاء ، إذ كان فيها سعيد بن جبير وعامر الشعبي وإضرابهما من فقهاء التابعين وجلة علمائهم.

ومن هنا رأينا من مواقف الأئمة - رضوان الله عليهم - في مناصحة الملوك ومواجهة الأمراء والحكام بالحق ما يضيق المقام بذكر بعضه فضلا عن كله .

ومن هنا كذلك كانت كتب الفقه الإسلامي قديما وحديثا فياضة بأحكام : الإمارة والقضاء والشهادة والدعاوى والبيوع والمعاملات والحدود والتعزيزات ، ذلك أن الإسلام أحكام عملية وروحية ، إن قررتها السلطة التشريعية فإنما تقوم على حراستها وإنفاذها السلطة التنفيذية والقضائية ، ولا قيمة لقول الخطيب كل جمعة على المنبر : " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه "  (المائدة :95) . في الوقت الذي يجيز فيه القانون السكر وتحمي الشرطة السكيرين وتقودهم إلي  بيوتهم آمنين مطمئنين ، ولهذا كانت تعاليم القرآن لا تنفك عن سطوة السلطان ولهذا كانت السياسة الحكومية جزءا من الدين ، وكان من واجبات المسلم أن يعني بعلاج الناحية الحكومية كما يعني بعلاج الناحية الروحية .

وذلك موقف الإسلام من السياسة الداخلية .

السياسة الخارجية:

أما إن أريد بالسياسة معناها الخارجي ، وهو المحافظة على استقلال الأمة وحريتها ، وإشعارها بكرامتها وعزتها ، والسير بها إلي الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول ، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها ، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديدا يفصل حقوقها جميعا ، ويوجه الدول كلها إلى  السلام العالمي العام وهو ما يسمونه (القانون الدولي ) . . فإن الإسلام قد عني بذلك كل العناية ، وأفتي فيه بوضوح وجلاء ، وألزم المسلمين أن يأخذوا بهذه الأحكام في السلم والحرب على السواء ، ومن قصر في ذلك وأهمله فقد جهل الإسلام أو خرج عليه . قرر الإسلام سيادة الأمة الإسلامية وأستاذيتها للأم في آيات كثيرة من القرآن منها قوله تعالي : " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله "  * (آل عمران : 110 ) ، وقوله تعالي : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " (البقرة 1430 ) ، وقوله تعالى  : " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون " (المنافقون : 8)، وأكد قوامتها وأرشدها إلى  طريق صيانتها وإلى  ضرر تدخل غيرها في شؤونها بمثل قوله تعالى  : ! يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد نجدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم * (آل عمران : 118 )،

وأشار إلى  مضار الاستعمار وسوء  أثره في الشعوب فقال تبارك وتعالى  : ! إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون * (النمل : 34) . ثم أوجب على الأمة المحافظة على هذه السيادة ، وأمرها بإعداد العدة واستكمال القوة ، حتى يسير الحق محفوفا بجلال السلطة كما هو مشرق بأنوار الهداية ! وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة* (الأنفال : 60)، ولم يغفل التحذير من ثورة النصر ونشوة الاعتزاز وما تجلبه من مجانبة للعدالة وهضم للحقوق ، فحذر المسلمين العدوان - على أية حال - في قوله تعالى  : " ولا يجرمنكم شنئنان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " (المائدة : 8) ، مع قوله تعالي  : " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " (الحج : 41 ) .

ومن هنا أيها الأخوة رأينا أخلاء المسجد ، وأنضاء العبادة ، وحفظة الكتاب الكريم ، بل وأبناء الربط والزوايا من السلف - رضوان الله عليهم -، لا يقنعون باستقلال بلادهم ، ولا بعزة قومهم ، ولا بتحرير شعوبهم ، ولكنهم ينسابون في الأرض ، ويسيحون في آفاق البلاد فاتحين معلمين ، يحررون ا لأم كما تحرروا ، ويهدونها بنور الله الذي اهتدوا به ، ويرشدونها إلي سعادة الدنيا والآخرة ، لا يغلون ولا يغدرون ، ولا يظلمون ولا يعتدون ، ولا يستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .

ومن هنا رأينا عقبة بن نافع يخوض الأطلسي بلبة جواده قائلا : " اللهم لو علمت وراء هذا البحر أرضا لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك " ، في الوقت الذي يكون فيه أبناء العباس الأشقاء قد دفن أحدهم بالطائف إلى  جوار مكة ، والثاني بأرض الترك من أقصي الشرق ، والثالث بإفريقيا من أقصي المغرب ، جهادا في سبيل الله وابتغاء مرضاته . وهكذا فهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان أن السياسة الخارجية من صميم الإسلام .

الحقوق الدولية:

وأحب قبل أن أختم هذا الاسترسال أن أؤكد لحضراتكم تأكيدا قاطعا أن سياسة الإسلام داخلية وخارجية تكفل تمام الكفالة حقوق غير المسلمين ، سواء أكانت حقوقا دولية أم كانت حقوقا وطنية للأقليات غير المسلمة ، وذلك لأن شرف الإسلام الدولي أقدس شرف عرفه التاريخ ، والله تبارك وتعالى  يقول : " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ) (الأنفال : 58) ، ويقول : " إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصئوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلي  مدتهم إن الله يحب المتقين ) (التوبة : 4)، ويقول تعالي : مطر وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله  إنه هو السميع العليم " (الانفال : 61).

ولئن كانت إيطاليا المتمدنة قد غزت الحبشة حتى استولت عليها ولم تعلن عليها حربا ولم تسبق إلى  ذلك بإنذار ، وحذت حذوها اليابان الراقية فهي تحارب الصين ولم تخطرها ولم تعلنها ، فإن التاريخ لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته أنهم قاتلوا قوما أو غزوا قبيلا دون أن يوجهوا الدعوة ويتقدموا بالإنذار وينبذوا إليه على سواء.

وقد كفل الإسلام حقوق الأقليات بنص قرآني هو قول الله تبارك وتعالى: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في  الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم  وتقسطوا إليهم  إن الله يحب المقسطين "  (الممتحنة : 8) .

كما أن هذه السياسة الإسلامية نفسها لا تنافي أبدا الحكم الدستوري السوري ، وهي واضعة أصوله ومرشدة الناس إليه في قوله تعالى  عن أوصاف المؤمنين :"وأمرهم شورى بينهم " (الشورى : 38)، وقوله تعالى  :  "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل علي الله "  (آل عمران : 159 ) ، وقد كان (يشاور أصحابه وينزل على رأي الفرد منهم ف ئ وضح له صوابه ، كما فعل ذلك مع الحباب بن المنذر في غزوة بدر، ويقول لأبي بكر عمر  : " لو اجتمعتما ما خالفتكما " ، وكذلك ترك عمر الأمر شورى بين المسلمين ، وما زال المسلمون بخير ما كان أمرهم شورى بينهم.

الفرق بين  السياسة والحزبية :

ثم يفرق الإمام البنا بين السياسة والحزبية فيقول :

( الفارق بعيد بين الحزبية والسياسة قد يجتمعان وقد يفترقان ، فقد يكون الرجل سياسيا بكل ما في الكلمة من معان وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه ، وقد يكون حزبيا ولا يدري من أمر السياسة شيئا، وقد يجمع بينهما فيكون سياسيا حزبيا أو حزبيا سياسيا على حد سواء ) .

وقد يقول قائل : هل نحن حزبيون متعصبون ؟ ، أقول لهذا القائل في صراحة ووضوح : أما أننا سياسيون حزبيون نناصر حزبا ونناهض آخر  فلسنا كذلك ولن نكونه ، ولم لا يستطيع أحد أن يأتي على  هذا بدليل أو شبه دليل . وأما إننا سياسيون بمعني أننا نهتم بشؤون أمتنا ، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه ، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه ، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك ، ونعتقد أننا لم نأت فيه بشيء جديد، فهذا هو المعروف عند كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة ، ونحن لا نعلم دعوتنا ولا نتصور معني لوجودنا إلا تحقيق هذه الأهداف . ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى  الإسلام ، والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد ، ولكنه يحدوه دائما إلي الكفاح والجهاد : " والذين جاهدوا فينا لنهد ينهم سبلنا وإن الله لمع  المحسنين ) (العنكبوت  : 69).

وعلم الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا يوما من الأيام غير سياسيين ، ولن يكونوا يوما من الأيام غير مسلمين ، وما فرقت دعوتهم أبدا بين السياسة والدين ، ولن يراهم  الناس في ساعة من نهار حزبيين متعصبين مهاترين ،  " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين  (القصص :55)، ومحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوئ فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحيف " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون " (البقرة : 138 ) .

بعد هذا التحديد العام لمعني الإسلام الشامل ولمعني السياسة المجردة عن الحزبية أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا ، بعيد النظر في شؤون أمته ، مهتما بها غيورا عليها . وأستطيع كذلك أن أقول أن هذا التحديد والتجريد للإسلام أمر لا يقره الإسلام ، وأن على  كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمتها السياسية ، وإلا كانت تحتاج هي نس!فسها إلي أن تفهم معني الإسلام.

وبعد كل هذا البيان الشافي نحب أن نقول للجاهلين بالإسلام والذين يلقون الشبه بغير علم ولا فهم ، يجب أن تتلمذوا على  العباقرة ومجددي القرون قبل أن يخيم الران على قلوبكم فتندمون وتتخلفون ، والكتيبة سائرة بحمد الله وعونه ، ولكنا نريدكم في الصف حتى لا تكون فتنة ، وتكون الدعوة قوية بالأمة والعاملين في الحقل الإسلامي جميعا ويتحقق للإسلام المنعة والقوة ويفرح المؤمنون بنصر الله .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca