الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود
المؤلف: توفيق الواعي
التصنيف: قضية فلسطين
 

المحتويات

الشبهة الحادية عشرة الإخوان و الديمقراطية والمجالس

انبري بعض الذين لا يريدون أن يعلموا أو يفقهوا أو يتقوا الله في الناس والأمة لعيب غيرهم ، وممارسة هواية التكفير والتبديع وإطلاق الشركيات هنا وهناك ، فقالوا : أيد ا لإخوان الديمقراطية ، وهي الكفر بعينه والشرك السياسي بنصه وفصه ، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها ، يحسبون أنهم قد وجدوا ضالتهم لإشاعة حقدهم على الإخوان ، وحجتهم في ذلك أن الاسم ليسر إسلاميا ، وأنه أجنبي ، وأن الديمقراطية تعني حكم الشعب ، والحكم لله عز وجل ، وذلك تأليه للإنسان ، ونبذ للشريعة إلى  غير ذلك من الأقوال المتهافتة .

ويؤسفنا كل الأسف أن تختلط الأمور في عقولهم ، ويلتبس الحق والباطل في افهام بعض المتدينين ، والمتكلمين عن الدين وباسمه ، إلى  الحد الذي يكشف عن جهل مطبق بحقائق الأمور ، وعن جرأة عجيبة في اتهام الناس بدون روية بالكفر أو الفسق ، أو الابتداع ، حتى أصبح ذلك أمرا سهلا عليهم ، وذلك في نظر الشرع جريمة كبرى وموبقة ، يخشى  أن ترتد على أصحابها ومطلقيها، كما جاء في الحديث الصحيح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله !نه قال : "من قال لأخيه : يا كافر، فقد باء بها أحدهما ".

والغريب أن بعض الناس ممن يحكمون على  الديمقراطية بأنها منكر صراح ، أو كفر بواح ، إذا سألته عن الديمقراطية يتبين لك أنه لم يعرفها أو يقرأ عنها ، أو قرأ ولم يستطع أن يستبين نفعها أو صلتها بالأصول الإسلامية ، أو يدرك جوهرها ويخلص إلى  لبابها وما تؤديه في المجتمعات التي أخذت بها ، فضلا أن يدرك أنها ديمقراطيات متعددة ، لكل فيها أصول وأشكال توافق توجهاته وآماله .

ومن القواعد التي قرر العلماء السابقون أن الحكم على  الشيء فرع عن تصوره ، فمن حكم على شيء وهو جاهل به فحكمه خاطئ، كما ثبت في الحديث أن القاضي الذي يقضي على جهل فهو في النار كالذي عرف الحق وقضي بغيره .رواه الجماعة إلا النسائي.

ولهذا يقول الدكتور يوسف القرضاوي مستغربا قول هؤلاء وموضحا الحق في ذلك :

جوهر الديمقراطية :

إن جوهر الديمقراطية - بعيد عن التعريفات والمصطلحات الأكاديمية - أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم ، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه ، أو نظام يكرهونه ، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ ، وحق عزله إذا انحرف ، وألا يساق الناس إلى  اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها ، فإذا عارضها بعضهم كان جزاؤه التشريد والتنكيل ، بل التعذيب والتقتيل .

هذا هو جوهر الديمقراطية الحقيقة التي وجدت البشرية لها صيغا وأساليب عملية ، مثل الانتخاب والاستفتاء العام ، وترجيح حكم الأكثرية ، وتعدد الأحزاب السياسية وحق الأقلية في المعارضة وحرية الصحافة ، واستقلال القضاء . . الخ .

فهل الديمقراطية - في جوهرها الذي ذكرناه - تنافي الإسلام ؟ ومن أين تأتي هذه المنافاة؟ وأي دليل من محكمات الكتاب والسنة يدل على هذه الدعوى ؟ الواقع أن الذي يتأمل جوهر الديمقراطية يجد أنه من صميم الإسلام ، فالإسلام ينكر أن يؤم الناس في الصلاة من يكرهونه ، ولا يرضون عنه ، وفي الحديث : "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا . . " وذكر أولهم : "رجل أم قوما وهم له كارهون . . . ".

وإذا كان هذا في الصلاة فكيف في أمور الحياة والسياسة؟ وفي الحديث الصحيح : "خيار أئمتكم أي حكامكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم أي تدعون لهم ويصلون عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم" .

نبذ الإسلام للدكتاتورية :

لقد شن القرآن حملة في غاية القسوة على الحكام المتألهين في الأرض ، الذين يتخذون عباد الله عبادا لهم مثل "نمرود" الذي ذكر القران موقفه من إبراهيم وموقف إبراهيم منه : " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق  فأتي بها من المغرب .فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ) (البقرة : 258) .

فهذا الطاغية يزعم أنه يحيي ويميت ، كما أن رب إبراهيم - وهو رب العالمين - يحيي ويميت ، فيجب أن يدين الناس له ، كما يدينون لرب إبراهيم . وبلغ من جرأته في دعوي الإحياء والإماتة ، أن جاء برجلين من عرض الطريق ، وحكم عليهما بالإعدام بلا جريرة ، ونفذ في أحدهما ذلك فورا ، وقال : ها قد أمته ، وعفا عن الآخر  ، وقال : ها قد أحييته ! ألست بهذا أحيي وأميت ؟ ! . ومثله فرعون الذي نادي في قومه : " أنا ربكم الأعلى "  (النازعات : 24) . وقال في تبجح : ملأ يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري * (القصص : 38) .

وقد كشف القرآن عن تحالف دنس بين أطراف ثلاثة خبيثة :

الأول : الحاكم المتأله المتجبر في بلاد الله ، المتسلط على عباد الله ، ويمثله فرعون .

والثاني: السياسي الوصولي ، الذي يسخر ذكاءه وخبرته في خدمة الطاغية ، وتثبيت حكمه ، وترويض شعبه للخضوع له ويمثله هامان .

والثالث : الرأسمالي أو الإقطاع المستفيد من حكم الطاغية ، فهو يؤيده ببذل بعض ماله ، ليكسب أموالا أكثر من عرق الشعب ودمه ، ويمثله قارون .

ولقد ذكر القرآن هذا الثالوث المتحالف على الإثم والعدوان ، ووقوفه في وجه رسالة موسى، حتى أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر : " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين  إلى فرعون  وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب  * (غافر : 23 - 24 ) " وقارون  وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا  في الأرض وما كانوا سابقين " ( العنكبوت : 39 ) .

والعجيب أن قارون كان من قوم موسى ، ولم يكن من قوم فرعون ، ولكنه بغى على قومه ، وانضم إلي  عدوهم فرعون ، وقبله فرعون معه ، دلالة على أن المصالح المادية هي التي جمعت بينهما ، برغم اختلاف عروقهما وإنسابهما  ومن روائع القران أنه ربط بين الطغيان وانتشار الفساد ، الذي هو سبب هلاك الأمم ودمارها ، كما قال تعالى  : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد  التي لم يخلق مثلها في البلاد  وثمود الذين جاجوا الصخر بالواد  وفرعون ذي الأوتاد  الذين طغوا في البلاد  فاكثروا فيها الفساد  فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد  ) (الفجر : 6 - 14 ) .

وقد يعبر القرآن عن "الطغيان " بلفظ "العلو" ويعني به الاستكبار والتسلط على خلق الله بالإذلال والجبروت ، كما قال تعالى  عن فرعون : " إنه كان عاليا من المسرفين "  (الدخان : 31).

والسنة النبوية حملت كذلك على الأمراء الظلمة والجبابرة ، الذين يسوقون الشعوب بالعصا الغليظة ، وإذا تكلموا لا يرد أحد عليهم قولا فهم الذين يتهافتون في النار تهافت الفراش .

كما حملت على الذين يمشون في ركابهم ، ويحرقون البخور بين أيديهم ، من أعوان الظلمة .

ونددت السنة بالأمة التي ينتشر فيها الخوف ، حتى لا تقدر أن تقول للظالم : يا ظالم .

فعن أبي موسى أن رسول الله (صلي الله علية وسلم ) قال : "إن في جهنم واديا ، وفي الوادي بئر ، يقال له هبهب ، حق على  الله أن يسكنه كل جبار عنيد" وعن معاوية أن النبي أنه قال : "ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد عليهم قولهم ، يتفاحمون في النار كما تفاحم القردة" .

وعن جابر أن النبي (صلي الله علية وسلم ) قال لكعب بن عجرة : "أعاذك الله من إمارة السفهاء ياكعب " ، قال : وما إمارة السفهاء؟ قال : "أمراء يكونون بعدي ، لا يهدون بهدي ، ولا يستنون بسنتي ، فمن صدقهم بكذبهم ، وأعانهم على  ظلمهم ، فأولئك ليسوا مني ، ولست منهم ، ولا يردون على حوضي ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم ، فأولئك مني ، وأنا منهم ، وسيردون على  حوضي" .

وعن معاوية مرفوعا : "لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع "

وعن عبدالله بن عمرو مرفوعا : "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم : يا ظالم فقد تودع منهم" .

لقد قرر الإسلام الشورى قاعدة من قواعد الحياة الإسلامية ، وأوجب على الحاكم أن يستشير، وأوجب على الأمة أن تنصح ، حتى جعل النصيحة هي الدين كله ، ومنها : النصيحة لأئمة المسلمين ، أي أمرائهم وحكامهم . . كما جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة لازمة ، بل جعل أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر ، ومعني هذا أنه جعل مقاومة الطغيان والفساد الداخلي أرجح عند الله من مقاومة الغزو الخارجي  ، لأن الأول كثيرا ما يكون سببا للثاني .

الحاكم في نظر الإسلام :

إن الحاكم في نظر الإسلام وكيل عن الأمة أو أجير عندها ، ومن حق الأصيل أن يحاسب الوكيل أو يسحب منه الوكالة إن شاء الله ، وخصوصا إذا أخل بموجباتها .

فليس الحاكم في الإسلام سلطة معصومة ، بل هو بشر يصيب ويخطئ ، ويعدل ويجور ، ومن حق المسلمين أن يسددوه إذا أخطأ ، ويقوموه إذا اعوج . وهذا ما أعلنه أعظم حكام المسلمين بعد رسول الله !ذ : الخلفاء الراشدون المهديون الذين أمرنا أن نتبع سنتهم ، ونعض عليها بالنواجذ باعتبارها امتدادا لسنة المعلم الأول محمد (صلي الله علية وسلم ) .

أحدهما رجا ل الصحيح 7/ 62 2 ، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 4 / 96

يقول الخليفة الأول أبو بكر في أول خطبة له : "أيها الناس ، إني وليت عليكم ولعست بخيركم ، فإن رأيتموني على     حق فأعينوني ، وإن رأيتموني على باطل فسددوني . . أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته ، فلا طاعة لي عليكم " .

ويقول الخليفة الثاني عمر الفاروق : "رحم الله امرأ أهدئ إلي عيوب نفسي " ، ويقول : "أيها الناس من رأي منكم في اعوجاجا فليقومني . . . " ، ويرد عليه واحد من الجمهور فيقول : والله يا بن الخطاب لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا !

وترد عليه امرأة رأيه وهو فوق المنبر ، فلا يجد غضاضة في ذلك ، بل يقول : "أصابت المرأة وأخطأ عمر" ! . ويقول علي بن أبي طالب كرم اله وجهه لرجل عارضه في أمر : "أصبت وأخطأت " ! وفوق كل ذي علم عليم ) (يوسف : 76) . إن الإسلام قد سبق الديمقراطية بتقرير القواعد التي يقوم عليها جوهرها ، ولكنه ترك التفصيلات لاجتهادات المسلمين ، وفق أصول دينهم ، ومصالح دنياهم ، وتطور حياتهم ، بحسب الزمان والمكان ، وتجدد أحوال ا لإنسان . وميزة الديمقراطية أنها اهتدت - خلال كفاحها الطويل مع الظلمة والمستبدين من ا لأباطرة والملوك والأمراء - إلى  صيغ ووسائل ، تعتبر - إلى  اليوم - أمثل الضمانات لحماية الشعوب من تسلط المتجبرين .

ولا حجر على البشرية وعلى مفكريها وقادتها ، أن تفكر في صيغ وأساليب أخرى، لعلها تهتدي إلي ما هو أوفي وأمثل ، ولكن إلى  أن يتيسر ذلك ويتحقق في واقع الناس ، نري لزاما علينا أن نقتبس من أساليب الديمقراطية ما لابد منه لتحقيق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان ، والوقوف في وجه طغيان السلاطين العالين في الأرض .

ومن القواعد الشرعية المقررة : أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وأن المقاصد الشرعية المطلوبة إذا تعينت لها وسيلة لتحقيقها ، أخذت هذه الوسيلة حكم ذلك المقصد .

ولا يوجد شرعا ما  ينع اقتباس فكرة نظرية أو حل عملي ، من غير المسلمين ، فقد أخذ النبي !ذ في غزوة الأحزاب بفكرة "حفر الخندق " وهو من أساليب الفرس .  واستفاد من أسري المشركين في بدر "ممن يعرفون القراءة والكتابة" في تعليم أولاد المسلمين الكتابة ، برغم شركهم ، فالحكمة ضالة المؤمن أنئ وجدها فهو أحق بها .

فمن حقنا أن نقتبس من غيرنا من الأفكار والأساليب والأنظمة ما يفيدنا . . مادام لا يعارض نصا محكما، ولا قاعدة شرعية ثابتة ، وعلينا أن نحور فيما نقتبسه ، ونضيف إليه ، ونضفي عليه من روحنا : ما يجعله جزءا منا، ويفقده جنسيته الأولي.

وهناك أشياء كثيرة أخذ بها الإسلام ، وأخرى  أقر منها ما يتفق مع مبادئه ورفض الآخر  أو عدله ، وعلى سبيل المثال ، أقر الإسلام الطواف حول الكعبة ولكنه رفض طواف العاري وحرمه على المشركين بعد حج العام التاسع الهجري .

وأقر الإسلام ما يتفق معه من التلبية في الحج "لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك " ، ورفض الباقي مما لا يتفق معه "إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك "،  وأقر الإسلام الزواج الذي يتفق معه ورفض أنواع الزواج الأخرى  من أنكحة الجاهلية ، مثل الاستبضاع والبغايا وغيرهما مما لا يتفق معه .

والذي نريد التركيز عليه هنا هو ما نوهنا به في أول الأمر، وهو : جوهر الديمقراطية ، فهو بالقطع متفق مع جوهر الإسلام ، إذا رجعنا إليه في مصادره الأصلية ، واستمددناه من ينابيعه الصافية ، من القرآن والسنة ، وعمل الراشدين من خلفائه ، لا من تاريخ أمراء الجور ، وملوك السوء ، ولا من فتاوى الهالكين المحترقين من علماء السلاطين ، ولا من المخلصين المتعجلين من غير الراسخين .

وقول القائل : إن الديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب ، ويلزم منها رفض المبدأ القائل : إن الحاكمية لله -قول غير مسلم .

فليس يلزم من المناداة بالديمقراطية رفض حاكمية الله للبشر ، فأكثر الذين ينادون بالديمقراطية لا يخطر هذا ببالهم ، وإنما الذي يعنونه ويحرصون عليه هو رفض الدكتاتورية المتسلطة ، رفض حكم المستبدين بأمر الشعوب من سلاطين الجور و  الجبروت .

أجل . . كل ما يعني هؤلاء من الديمقراطية أن يختار الشعب حكامه كما يريد، وأن يحاسبهم على تصرفاتهم ، وأن يرفض أوامرهم إذا خالفوا دستور الأمة ، وبعبارة إسلامية : إذا أمروا بمعصية ، وأن يكون له الحق في عزلهم إذا انحرفوا وجاروا ، ولم يستجيبوا لنصح أو تحذير .

وأحب أن أنبه هنا على أن مبدأ "الحاكمية لله " مبدأ إسلامي أصيل ، قرره جميع الأصوليين في مباحثهم عن "الحكم " الشرعي ، وعن "الحاكم " فقد اتفقوا على أن "الحاكم " هو الله تعالي ، والنبي مبلغ عنه ، فالله تعالى  هو الذي يأمر وينهي ، ويحلل ويحرم ، ويحكم ويشرع .

وقول الخوارج : " لا حكم إلا لله " قول صادق في نفسه ، حق في ذاته ، ولكن الذي أنكر عليهم هو وضعهم الكلمة ، في غير موضعها ، واستدلالهم بها على رفض تحكيم البشر في النزاع ، وهو مخالف لنص القرآن الذي قرر التحكيم في أكثر من موضع ، ومن أشهرها التحكيم بين الزوجين إن وقع الشقاق بينهما . ولهذا رد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الخوارج بقوله : "كلمة حق أريد بها باطل " فقد وصف قولهم بأنه "كلمة حق " ، ولكن عابهم بأنهم أرادوا بها باطلا . وكيف لا تكون كلمة حق وهي مأخوذة من صريح القران الكريم : " إن الحكم إلا لله * (الأنعام : 57).

فحاكمية الله تعالى  للخلق ثابتة بيقين ، وهي نوعان :

1 - حاكمية كونية قدرية ، بمعني أن الله هو المتصرف في الكون ، المدبر لأمره الذي يجري في أقداره ، ويحكمه بسننه التي لا تتبدل ، ما عرف منها وما لم يعرف ، وفي مثل هذا جاء قوله تعالي : ! أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب * (الرعد : 41) . فالمتبادر هنا أن حكم الله يراد به الحكم الكوني القدري لا التشريعي الأمري .

2 - حاكمية تشريعية أمريه ، وهي حاكمية التكليف والأمر والنهي ،  والإلزام والتخيير ، وهي التي تجلت فيما بعث الله به الرسل ، وأنزل الكتب ، وبها شرع الشرائع وفرض الفرائض ، وأحل الحلال ، وحرم الحرام . . . وهذه لا يرفضها مسلم رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد لمج!تر نبيا ورسولا  و المسلم الذي يدعو إلي الديمقراطية إنما يدعو إليها باعتبارها شكلا للحكم ، يجسد مبادئ ا لإسلام السياسية في اختيار الحاكم ، وإقرار الشورى والنصيحة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومقاومة الجور ، ورفض المعصية ، وخصوصا إذا وصلت إلي "كفر بواح " فيه من الله برهان .

ومما يؤكد ذلك : أن الدستور ينص - مع التمسك بالديمقراطية - على  أن دين الدولة هو الإسلام ، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين ، وهذا تأكيد لحاكمية الله ، أي حاكمية شريعته ، وأن لها الكلمة العليا .

ويمكن إضافة مادة في الدستور صريحة واضحة : إن كل قانون أو نظام يخالف قطعيا الشرع ، فهو باطل ، وهي في الواقع تأكيد لا تأسيس . لا يلزم -إذن - من الدعوة إلى  الديمقراطية اعتبار حكم الشعب بديلا عن حكم الله ، إذ لا تناقض بينهما .

ولو كان ذلك لازما من لوزام الديمقراطية ، فالقول الصحيح لدي المحققين من علماء الإسلام : أن لازم المذهب ليس بمذهب ، وأنه لا يجوز أن يكفر الناس أو يفسقوا أخذا لهم بلوازم مذاهبهم ، فقد لا يلتزمون بهده اللوازم ، بل قد لا يفكرون فيها بالمرة .

ومن الأدلة عند هذا الفريق من الإسلاميين ، على  أن الديمقراطية مبدأ مستورد ، ولا صلة له بالإسلام : أنها تقوم على تحكيم الأكثرية ، واعتبارها صاحب الحق في تنصيب الحكام ، وفي تسيير الأمور، وفي ترجيح أحد الأمور المختلف فيها ، فالتصويت في الديمقراطية هو الحكم والمرجع ، فأي رأي ظفر بالأغلبية المطلقة ، أو المقيدة في بعض الأحيان ، فهو الرأي النافذ ، وربما كان خطأ أو باطلا .

هذا مع أن الإسلام لا يعتد بهذه الوسيلة ولا يرجح الرأي على غيره ، لموافقة الأكثرية عليه ، بل ينظر إليه في ذاته : أهو صواب أم خطأ؟ فإن كان صوابا نفذ-وإن لم يكن معه إلا صوت واحد ، أو لم يكن معه أحد- وإن كان خطأ رفض ، وإن كان معه (99)من إل (00 ا)إ!! بل إن نصوص القران الكريم تدل على أن الأكثرية دائما في صف الباطل ، وفي جانب الطاغوت ، كما في مثل قوله تعالي  : " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ! (الأنعام : 116 ) ، ! وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) (يوسف : 153 ) .

وتكرر في القران مثل هذه الفواصل القرآنية :" ولكن أكثر الناس لا يعلقون " (الأعراف : 187 ) ، " بل أكثرهم لا يعقلون " (العنكبوت : 63 ) ، " ولكن أكثر الناس لا يؤمنون * (هود : 17 ) ، " ولكن أكثر الناس لا يشكرون " (البقرة : 243 ) .

كما دلت على أن أهل الخير والصلاح هم الأقلون عددا، كما في قوله تعالى  : " وقليل من عبادي الشكور* (سبأ : 13 ) ، " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم " * (ص: 24).

وهذا الكلام مردود على قائله ، وهو قائم على الغلط أو المغالطة .

فالمفروض أننا نتحدث عن الديمقراطية في مجتمع مسلم ، أكثره ممن يعلمون ويعقلون ويؤمنون ويشكرون ، ولسنا نتحدث عن مجتمع الجاحدين أو الضالين عن سبيل الله .

ثم إن هناك أمورا لا تدخل مجال التصويت ، ولا تعرض لأخذ الأصوات عليها ، لأنها من الثوابت التي لا تقبل التغيير، إلا إذا تغير المجتمع ذاته ، ولم يعد مسلما.

فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع ، وأساسيات الدين ، وما علم منه بالضرورة وانما يكون التصويت في الأمور "الاجتهادية" التي تحتمل أكثر من رأي ، ومن شأن الناس أن يختلفوا فيها ، مثل اختيار أحد المرشحين لمنصب ما ، ولو كان هو منصب رئيس الدولة ، ومثل إصدار قوانين لضبط حركة السير والمرور ، أو لتنظيم بناء المحلاى التجاريه أو الصناعية أو المستشفيات ، أو غير ذلك مما يدخل فيما يسميه الفقهاء "المصالح المرسلة" ومثل اتخاذ قرار بإعلان الحرب أو عدمها ، وبفرض ضرائب معينة أو عدمها ، وبإعلان حالة الطوارئ أولا ، وتحديد مدة رئيس الدولة ، وجواز تجديد انتخابه أولاً ،  إلى  أي حد . . الخ . . . خ . فإذا اختلفت الآراء في هذه القضايا، فهل تترك معلقة أو تحسم ، هل يكون ترجيح بلا مرجح ؟ أو لابد من مرجح ؟ إن منطق العقل والشرع والواقع يقول : لابد من مرجح ، والمرجح في حالة الاختلاف هو الكثرة العددية ، فإن رأي ا لاثنين أقرب إلى  الصواب من رأي الواحد ،

وفي الحديث : "إن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد" .

وقد ثبت أن النبي !بته قال لأبي بكر وعمر : "لو اجتمعتما على مشورة ما خالفتكما"، إذ معني ذلك أن صوتين يرجحان صوتا واحدا ، وإن كان هو صوت النبي (صلي الله علية وسلم ) مادام ذلك بعيدا عن مجال التشريع والتبليغ عن الله تعالى  .

كما رأيناه (صلي الله علية وسلم ) ينزل على رأي الكثرة في غزوة أحد ، ويخرج للقاء المشركين خارج المدينة ، وكان رأيه ورأي كبار الصحابة البقاء فيها ، والقتال من داخل الطرقات . وأوضح من ذلك موقف عمر في قضية الستة أصحاب الشورى ، الذين رشحهم للخلافة وأن يختاروا بالأغلبية واحدا منهم ، وعلى الباقي أن يسمعوا ويطيعوا ، فإن كانوا ثلاثة في مواجهة ثلاثة ، اختاروا مرجحا من خارجهم وهو عبدالله بن عمر، فإن لم يقبلوه ، فالثلاثة الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف .

وقد ثبت في الحديث التنويه ب "السواد الأعظم " والأمر باتباعه ، والسواد الأعظم يعني جمهور الناس وعامتهم والعدد الأكبر منهم ، حديث روي من طرق ، بعضها قوي ، ويؤيده اعتداد العلماء برأي الجمهور في الأمور الخلافية ، واعتبار ذلك من أسباب ترجيحه ، إذا لم يوجد مرجح يعارضه .

وقد ذهب الإمام أبو حامد الغزالي في بعض مؤلفاته إلى  الترجيح بالكثرة عندما تتساوى وجهتا النظر.

وقول من قال : إن الترجيح إنما يكون للصواب وإن لم يكن معه أحد ، وأما الخطأ فيرفض ولو كان معه (99%) ، إنما يصدق في الأمور التي نص عليها الشرع نصا ثابتا صريحا يقطع النزاع ، ولا يحتمل الخلاف ، أو يقبل المعارضة وهذا قليل جدا . . وهو الذي قيل فيه : الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك .

أما القضايا الاجتهادية ، مما لا نص فيه ، أو ما فيه نص يحتمل أكثر من تفسير، أو يوجد له معارض مثله أو أقوى منه ، فلا مناص من اللجوء إلى  مرجح يحسم به الخلاف والتصويت وسيلة لذلك عرفها البشر ، وارتضاها العقلاء ، ومنهم المسلمون ، ولم يوجد في الشرع ما يمنع منها ، بل وجد في النصوص والسوابق ما يؤيدها .

إن أول ما أصاب الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل هو التفريط في قاعدة الشورى ، وتحول " الخلافة الراشدة " إلي " ملك عضوض " سماه بعد الصحابة "كسروية " أو قيصرية" ، أي أن عدوي ا لاستبداد الإمبراطوري انتقلت إلي المسلمين من الممالك التي أورثهم الله إياها ، وكان عليهم أن يتخذوا منهم جرة ، وأن يتجنبوا من المعاصي والرذائل ما كان سببا في زوال دولتهم .

وما أصاب الإسلام وأمته ودعوته في العصر الحديث إلا من جراء الحكم الاستبدادي المتسلط على الناس بسيف المعز وذهبه ، وما عطلت الشريعة ، ولا فرضت العلمانية ، وألزم الناس بالتغريب !لا بالقهر والجبروت ، واستخدام الحديد والنار ، ولم تضرب الدعوة لإسلامية والحركة ا لإسلامية ، ولم ينكل بدعاتها وأبنائها ، ويشرد بهم كل مشرد ، إلا تحت وطأة الحكم الاستبدادي السافر حينا ، والمقنع أحيانا بأغلفة من دعاوى الديمقراطية الزائفة ائتي تأمره القوي المعادية للإسلام جهرا ، أو توجهه من وراء ستار .

ولم ينتعش ا لإسلام ، ولم تنتشر دعوته ، ولم تبرز صحوته ، وتعل صيحته ، إلا من خلال ما يتاح له من حرية محدودة ، يجد فيها الفرصة ليتجاوب مع فطر الناس التي تترقبه ، وليسمع الآذان التي طال شوقها إليه ، وليقنع العقول التي تهفو إليه . إن المعركة الأولي للدعوة الإسلامية والصحوة الإسلامية والحركة الإسلامية في عصرنا هي معركة الحرية ، فيجب على كل الغيورين على الإسلام أن يقفوا صفا واحدا للدعوة إليها ، والدفاع عنها ، فلا غني عنها ولا بديل لها .

ويهمنا أن نؤكد بأننا لسنا من المولعين باستخدام الكلمات الأجنبية الأصل كالديمقراطية ونحوها للتعبير عن معان إسلامية .

ولكن إذا شاع المصطلح واستخدمه الناس ، فلن نصم سمعنا عنه ، بل علينا أن نعرف المراد منه إذا أطلق ، حتى  لا نفهمه على غير حقيقته ، أو نحمله ما لا يحتمله ، أو ما لا يريده الناطقون به ، والمتحدثون عنه ، وهنا يكون حكمنا عليه سليما متزنا ، ولا يضيرنا أن اللفظ جاء من عند غيرنا ، فإن مدار الحكم ليس على  الأسماء والعناوين ، بل على المسميات والمضامين . على أن كثيرا من الدعاة والكتاب استخدموا كلمة "الديمقراطية" ولم يجدوا بأسا في استعمالها ، وكتب الأستاذ عباس العقاد - رحمه الله -كتابا سماه "الديمقراطية الإسلامية" ، وبالغ الأستاذ خالد محمد خالد حين اعتبر الديمقراطية هي الإسلام ذاته .

ويقصد بذلك الديمقراطية التي لا تتنافى مع الشريعة .

وكثير من الإسلاميين يطالبون بالديمقراطية شكلا للحكم ، وضمانا للحريات ، وصماما للأمان من طغيان الحاكم ، على أن تكون ديمقراطية حقيقية تمثل إرادة الأمة ، لا إرادة الحاكم  الفرد وجماعته المنتفعين به ، فليس يكفي رفع شعار الديمقراطية ير، حين تزهق روحها ، بالمسجون تفتح ، وبالسياط تلهب ، وبأحكام الطوارئ تلاحق كل ذي رأي حر، وكل من يقول للحاكم : لم ؟ بله أن يقول : لا .

ونحن من المطالبين بالديمقراطية بوصفها الوسيلة الميسورة ، والمنضبطة ، لتحقيق هدفنا في الحياة الكريمة التي نستطيع فيها أن ندعو إلي الله وإلى  الإسلام ، كما نؤمن به ، بدون أن يزج بنا في ظلمات المعتقلات ، أو تنصب لنا أعواد المشانق. بقي أن نذكر لهؤلاء أن ديمقراطية الإسلام لها سقف لا تتعداه وهو الإسلام ، وذلك منصوص عليه في الدساتير، كما أن الأمة الإسلامية هي الضمان لذلك ، والشعب المسلم إذا خلي بينه وبين ما يريد وأعطي الحرية ، لا يبغي بالإسلام بدلا، بل عليه يحيا وعليه يموت ، وفي سبيله يجاهد حتى    يلقي الله .

إذن فالديمقراطية كنظام من هذا المنطلق ، هي آلية تنفيذ الشورى الإسلامية ، وإذا وجدنا آلية أخرى  أسلم فلا بأس من أن تأخذ بها الأمة وتسير عليها .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca