الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود
المؤلف: توفيق الواعي
التصنيف: قضية فلسطين
 

المحتويات

الشبهة الثانية والعشرون - الموقف من البدع والبيعة

يقولون: الجماعة تساهلت في البدع الإضافية مثل: التزام المأثورات، والذكر الجماعي، والصيام الجماعي، ونحو ذلك، والبدع الإضافية هي ما له أصل في الشرع ولكن التزمت في هيئة معينة أو وقت معين لم يرد الشرع بخصوصه.

وهذه لاشك أنها أخف من البدع الحقيقية، وهل تدخل في مسمى البدع المنهي عنها في قوله صلي الله عليه وسلم:”كل بدعة ضلالة" أو لا تدخل في ذلك ؟ محل خلاف بين أهل العلم، فبعض العلماء يري أنها لا تدخل في البدع المنهي عنها، ويستدل لذلك بقول عمر بن الخطاب:”نعمت البدعة هذه”، وبإجماع الصحابة علي كتابة المصحف وتدوينه، وكذلك بكتابة العلم والرحلة فيه، ولاشك أن الانتقال في طلب العلم والحديث عبادة، ومع ذلك فإنما فعله الصحابة و التابعون وتابعوا التابعين، ولم يكن في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم.

وأما الذكر الجماعي فقد ثبت تشريعه بالنص، ومن ذلك قوله صلي الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:”ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدراسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده”، وكذلك قول النبي صلي الله عليه وسلم:”إن لله ملائكة سياحين في الأرض، فإذا رأوا حلقة من حلق الذكر حفوهم بأجنحتهم وتنادوا أن هذه طلبتكم” ، وفي هذا الحديث أنهم إذا ارتفعوا إلى ربهم سألهم وهو أعلم، فيخبرون أن هؤلاء الملأ كانوا يذكرونه ويسبحونه ويحمدونه ويهللونه، ويسألونه الجنة ويستعيذونه من النار، وكل هذا ذكر جماعي. وكذلك الصيام الجماعي فلاشك أن الجماعة الذين يراد تقارب وجهات نظرهم، وتقارب مستواهم فيما يتعلق بالتكوين والتربية وفي الإيمان يحتاجون إلف أن يتنافسوا في الخير، ويساعد بعضهم بعضأ، وقد كان كثير من السلف يتعاونون على هذا، فقد ثبت عن أيوب السخستياني أنه اجتمع مع عمرو بن عبيد قبل أن يفتن فطافا حتى  أصبحا، فلما كان من العام القادم اجتمعا فطاف أيوب حتى  أصبح، وتكلم عمرو حتى  أصبح، ونظير هذا كثير.

وقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم يوجه بعض الأسئلة إلي أصحابه، من ذلك أنه قال:”من أصبح صائما اليوم ؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال: من اتبع جنازة؟ قال أبو بكر: أنا... إلى  اخر الحديث”، وهو تنبيه علي أهمية هذه المنافسة، وكذلك قول معاذ:”تعالوا بنا نؤمن ساعة".

الذكر وأحكامه.. الشرعي والبدعى منه:

هذا وقد رد فضيلة الشيخ البنا علي ذلك في فتاواه بجريدة الإخوان فقال: الذكر قربة إلى  الله تبارك وتعالي بنص الآيات والأحاديث الكثيرة المعلومة للخاص والعام، أما كيفيته فقد أشارت إليها الآية الكريمة:” واذكر ربك تضرعا وخيفة ودون الجهر بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين” (الأعراف: 205)، وهو مطلوب علي كل حال، كما قال تعالي:” يأ أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا” * (الأحزاب: 41 - 42)، وكما قال تعالي  :” فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم”  (النساء: 103).

وكل صيغة فيها ثناء علي الله تبارك وتعالى  وترديد لاسمه الكريم، وتذكر لآلائه ونعمه وشكر له عليها فهي ذكر..  فالاستغفار ذكر والتسبيح والتهليل والتحميد والصلاة علي الرسول (صلي الله علية وسلم) كلها من أنواع الذكر.

فالاستغفار ذكر، والتسبيح والتهليل والتحميد والصلاة علي الرسول (صلي الله علية وسلم) كلها من أنواع الذكر.

بقيت الكيفية التي يذكر بها أبناء الطريق الآن من الاجتماع للذكر والاهتزاز فيه وغير  ذلك، فهذه الكيفية إن صحبها محرم كالدف أو الشبابة أو وجود نساء كما يقع أحيانا، أو كانت في موضع لا يليق فيه الذكر، أو كانت الأسماء التي يذكرون بها غير صحيحة أو كان المقصود من الاجتماع الرياء والتفاخر وتزيين ليالي الأفراح بمنظر الذاكرين والتلهي بمشاهدتهم والتفرج برؤيتهم أو أخذ الأجر علي الذكر، أو الحصول علي الطعام والمغانم الدنيوية، فذلك كله حرام لا يقره الدين ولا يوافق عليه، ولم يكن علي عهد النبي (صلي الله علية وسلم) ولا أصحابه، ولا ثواب فيه ولا بركة، وهو منكر شرعي يجب الإنكار عليه والإقلاع عنه.

وإن كان الاجتماع للذكر في مكان مناسب كمسجد أو منزل وكان الذكر بألفاظ صحيحة ولا محرم فيه مع الخشوع وحضور القلب، والاشتغال بالله تبارك وتعالى ، والتأدب في حضرته والاعتدال في الصوت، بحيث يكون كما قال تعالي:” ودون الجهر من القول”  (الأعراف:255)، مع مراعاة آداب الذكر التي قال فيها الشيوخ كثيرا، واختصره بعضهم في عشرين أدبا قبله وفي أثنائه وبعده، وكانت الغاية طاعة الله وحده، وتذكير الناس به، إذا كان كذلك فلا بأس بالاجتماع علي طاعة الله تبارك وتعالي والتقرب إليه بذكره.

نعم.. إن هذه الكيفية لم تكن علي  عهد النبي (صلي الله علية وسلم) كل واحد يذكر الله لنفسه واجتماعهم إنما كان علي مدارسة الحديث والعلم، ولكن لما قصرت الهمم، وكلت العزائم عن الطاعة، وكان الاجتماع منشطا علي العبادة والذكر، ولاسيما الاجتماع مطلوب في كثير من العبادات، ووردت في فضله أحاديث كثيرة، وفيه بركة عظيمة، لما كان الأمر كذلك، أوصي الشيوخ بالاجتماع علي الذكر، وهي وصية حسنة متقبلة، وعمل مشكور إن شاء الله تعالي، مادام قد خلا من المحرمات وروعيت فيه الآداب.

وهذا ما ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله (صلي الله علية وسلم)، فقد روي معاوية - رضي الله عنه -:”أن رسول الله (صلي الله علية وسلم) خرج علي حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم، قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده علي ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال: الله ما أجلسكم إلا هذا، قالوا: الله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة" .

وروي أبو هريرة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله (صلي الله علية وسلم):”إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تناد؟ا: هلموا إلي حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلي السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم -: ما يقول عبادي ؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك، ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني ؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني ؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدا، وأكثر لك تسبيحا، قال: فيقول: فما يسألون ؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون ؟ قال: يتعوذون من النار، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، لال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد منها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقي جليسهم” (هذه رواية البخاري)

. ورواية مسلم قال:”إن لله تبارك وتعالى  ملائكة سيارة فضلا يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم، حتى  يملؤوا ما بجنهم وبين السماء والدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى  السماء، قال: فيسألهم الله عز وجل -وهو أعلم -: من أين جئتم ؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في ا لأرض، يسبحونك ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك، قال: فماذا يسألوني ؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي ؟ قالوا: لا يا رب، قال: وكيف لو رأوا جنتي ؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومما يستجير وني ؟ قم من: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري ؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري ؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: يقولون: ربنا، فيهم فلان، عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقئ بهم جليسهم”، ؟أخرجه الترمذي نحو رواية مسلم عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري - بالشك - وفي ألفاظه تغيير وتقديم وتأخير.  أرسل أحد السائلين رسالة إلى الشيخ البنا تعليقا على ما سبق، يذكر كل طريقة يذكر لم ترد هيئتها عن السلف. رضوان الله عليهم. ويعد ذلك من البدع المحرمة المنهي عنها، فأجابه الأستاذ البنا بما يلي:

أخي السيد: فلان..

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

وبعد فما أجمل أن تتلاقى نفوس المسلمين وأقلامهم حول البحث عن الحقيقة وتجليتها للأمة في صفاء وإنصاف وإخلاص ليس لها من دافع إلا حب الحق ومناصرته، ومرحبا يا أخي بمساجلتك ومناصحتك، وليس أحب إلى  نفسي من أن يتبين لي الصواب فأعود إليه مطمئن النفس مثلج الصدر، لأني أعتقد أن كل مخلوق يؤخذ من كلامه ويترك إلا الرسل المعصومون صلوات الله وسلامه عليهم، فأدلي إليك بوجهة نظري علي هذه القاعدة راجيا أن تقنع بها نفسك أنت الاخر، لا أقولها اتهاما ولكن تذكيرا، فاسمع يا أخي:

أولاً: كل خطابك الكريم دائر حول التنفير من البدعة وبيان سوء أثرها في العقائد والعبادات وإيراد النصوص والأمثلة علي ذلك، وأنا معك في أن البدع والمبتدعين في النار، وشي أ! لهم في الإسلام بل في كل دين أسوأ الآثار، وفي الأخذ بالسنة والسير علي نهجها الواضح هو أفضل منار يهتدي به المسلمون، ولكني أحب أن يلاحظ أن هذا البحث، بحث البدعة والسنة، من أعضل البحوث في أحكام الإسلام لا يقطع فيه ببادئ الرأي، بل لابد من نظر دقيق وإحكام تام في القواعد والتطبيق، وكم زلت فيه أقدام الفحول من السابقين واللاحقين.

ما تعريف البدعة الدقيق المضبوط ؟ وما أنواعها؟وما حكم ما له أصل في الدين وأدي بكيفية لم ينص عليها؟ وما حكم فعل تركه النبي (صلي الله علية وسلم) وما الفرق الواضح بين البدعة الحقيقية والمصالح المرسلة؟ وهل لا يتغير حكم البدعة باختلاف الظروف والمقتضيات ؟ كل هذه أبحاث تتناول البدعة والسنة، خاض فيها العلماء وتشعبت آراؤهم فيها تشعباً لابد أنك تعلمه وتحس ثقل وطأته، كما يحسه كل من عالج هذا الموضوع علاجا صحيحا، وبعد هذا فهل يكفي الاتفاق علي تحديد هذه الموازين لحسم الخلاف بين الناس في الحكم علي ما يحدث من الأمور؟ إن في كله لا يكفي فإن أنظار الناس تختلف في التطبيق أكثر مما تختلف في وضع القواعد والأصول. رأيت يا أخي كيف أن هذا البحث مضلة الأقوام، ومزلة العقول والأفهام، والناس فيه بين مفرط ومفرط، اللهم إنا نسألك العصمة من الزلل، والتسديد في القول والعمل. لقد قرأت كثيرا عن البدعة وقرأت ما كتب الشاطبي وابن الحاج وغيرهما، ولكن كل ذلك لم يلهم نفسي الطمأنينة إلى  الحكم علي كثير مما يسميه الناس بدعا بهذه البدعية المطلقة وبهذا الوعيد الشديد، ولعلي أوفق في الأعداد القادمة إلى استيعاب هذه البحوث والكتابة عنها بما يزيل اللبس ويكشف الغموض -إن شاء الله تعالي.

وختام هذه النقطة أن أقول لأخي إن موضوعنا ليس تحرير أحكام البدعة من حيث هي، فإننا نكاد نكون متفقين في هذه الناحية، ولكن موضوعنا هو الحكم علي عمل خاص بالبدعية، فمن ثبت له وصف البدعية المحرمة ترتب علي ذلك ما ذكرتم في خطابكم، وهذا ما سأعرض له في النقطة الثانية.

ثانيا:  لم يعرض الأخ أيد الله به الحق - في خطابه إلى  بيان وجه البدعية المحرمة في الذكر المقيد بالشروط التي ذكرتها في الفتوى إلا من حيث أنه لم يعمل به في عهد النبي مجلا!- ولا في عهد الخلفاء الراشدين وسلفنا الصالح، وهذا القدر نحن متفقان عليه فقد قلته في الفتوى بالنص تقريبا، ولكن أليست السنة تثبت بالقول كما تثبت بالعمل ؟ والجواب: نعم، لأن تعريف السنة عندهم فعل النبي (صلي الله علية وسلم) أو قوله أو تقريره، وألسنا قد أمرنا بالذكر في قول الله تعالي:” يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا”  (أ لأحزاب: 41 42)، والجواب: نعم، وليس الحق تبارك وتعالى  قد أطلق لنا الكيفية في قوله تعالى : في فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم (النساء: 103).

والمعلوم من ذلك أي علي كل حاله من حالاتكم، والجواب: نعم، و أليس قد ندبنا الرسول (صلي الله علية وسلم) إلى  الاجتماع علي الذكر والتحلق له في مثل قوله (صلي الله علية وسلم):”إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله ؟ قال: حلق الذكر"، وفي مثل قوله (صلي الله علية وسلم):”ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات”، وفي مثل قوله (صلي الله علية وسلم):”لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى  تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى  أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة" ، والجواب: نعم..

وقد تقول: إن الذكر هنا معناه العلم، فأقول لك إن الذكر معني عام يشمل العلم وغيره، وقد ورد في بعض الأحاديث بمعني العلم، وفي غيرها بمعني التسبيح والتحميد، وفي غيرها بمعناه المطلق فقصره علي العلم تحكم، إذا تبين هذا كان الذى س الذي أعنيه ذكرا مأمورا به علي كيفية لا ينكرها الشرع ولا ينطبق عليه وصف البدعية المحرمة، وهو ما ورد في فتواك، وأرجو أن أكون بذلك قد وفقت.

ثالثا:  بقيت مسألة مهمة أحب أن تكون مسك الختام، وحبذا لو انضمت أصوات الفضلاء فيها إلى  صوت هذا الضيف إذن لوجدت الأمة سبيلا مفيدا إلى  الرجوع إلي هدي الدين الحنيف، هذه المسألة هي أنني أحب دائما أن يكون سبيلنا في الرجوع إلى  السنة المطهرة، بحيث نوجه معظم العناية إلى  دعوة الناس إلي السنة، ولا نسلك معهم سبل الجدل في إقناعهم بوجه الحق في محدثاتهم، وقد سبقني إلى  ذلك بعض السلف فقال:”لا تجادلوا أهل المحدثات في محدثاتهم فإنهم قد أعدوا لكل سؤال جوابا، ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها، وبذلك نسد باب  ندل والخلاف الذي لا يفتح علينا إلا كان سببا في دمارها، وتشعب أمرها، وفساد عقائدها"، وعلي هذه القاعدة الأخيرة، أقول لك إنه مما لا خلاف عليه أن أفضل أحوال الذكر ما كان عليه سلفنا الصالحون - رضوان الله عليهم -أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده رد السائل على الشيخ البنا:

ثم أرسل السائل برسالة أخرى تعليقا علي حديث الشيخ البنا، بنصوص عامة ومطلقة تنهي عن البدعة، ثم اتبع ذلك بصيغ مأثورة عن كيفية الذكر وردت عن السلف الصالح وهي الجلوس للذكر، أو الحلق، وأيد ذلك بحديث عن معاوية، وأنس، ثم تساءل فقال: هل غاب عن الشرع الحكيم تحديد صيغ الذكر، مثل تحديد الصلاة  والصيام ؟

فأجابه الشيخ البنا. رحمه الله بما يلي:

أخي الفاضل.. أيد الله به الحق..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أما بعد فقد قرأت خطابك وأحب قبل أن أعرض لإجابتك عنه، أن أعلن لك ولقراء الجريدة الإخوان المسلمين كبير سروري وعظيم فرحي بمظهرين رائعين تجليا في خطابك:

أما أولهما: فدقة بحثك في موضوع كسل عنه الباحثون من المتخصصين به فما بالك بالمستفيدين، وهي أمنية في النفس منذ القدم أن يلهم الله شباب الإسلام وبنيه أن يعنوا بالدراسة الدينية ويطلعوا علي البحوث الإسلامية ويتصلوا بأحكام الدين اتصالا قويا يفقههم فيها ويبصرهم بأسرارها:”ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين”.  وأما ثانيهما: فهو شعورك بالتبعة الملقاة علي  عاتق كل مسلم أن يصدع لكلمة الحق وينادي بأحكام الله، ولا يخشى في ذلك لومه لائم، ولا تلهيه المجاملة الكاذبة عن تأييد رأي يري فيه موافقة شريعة الله تبارك وتعالي علي حين ضعف هذا الشعور في نفوس المسؤولين ا لأول وكل مسؤول، ولو أن في المسلمين كثيرين ينصرفون إلي دراسة الدين ويصدعون بما يعتقدون أنه الحي في هذه الدراسة لكانت الحال الآن غير ما نراهم عليه، فالله نسأل لنا جميعا الهداية والتوفيق، ولا أشكرك فذلك واجب، ولكن أسأل الله أن يجعلك ممن أراد بهم الخير ففقهم في دينه.

وأعود بعد بيان هذه العاطفة التي أوحاها الوجدان الصادق إلى  خطابك فأجيبك عن بعض ما غمض من نقاطه تبيانا لما أري أنه الحق، فاسمع أيها الأخ العزيز:

اولاً ؟ عرضت للبدعة من حيث تحريمها وتحليلها، وليس ذلك محل خلاف بيننا، ولكن الخلاف بيننا حول البدعة في حقيقتها، وفي تطبيق ما يشبه أن محدث علي هذه الحقيقة، وإذن فلا داعي لطول القول في هذه النقطة، لأنه أمر له مجال آخر. ثانيا: عرضت للإجابة عن أسئلتي في خطابي السابق، واستغربت أن أرئ ذلك لبسا أو غموضا، أخذت تجيب عن كل سؤال منها فاعلم يا عزيزي أن الأمر أكبر من هذا، ولو كانت المسألة قاصرة علي مثل هذا الجواب لارتاحت الضمائر، وانتهي الخلاف، وكثير من طلاب الحق المخلصين وقفوا أمام هذه البحوث وقفة المتمكن المتثبت حتى  انفلق لهم صبح اليقين وأثلج الله صدورهم بمعرفة الحق فلا تعجل بالحكم، وبعض أجوبتك فيه سداد وتقريب، وبعضها فيها إيجاز وغموض، وبعضها فيه قصور يتضح أمام الاستيعاب، ولعل لك العذر في ذلك، فقد اعتذرت بما يقبل في صدر خطابك ولعلي أوفق إلى  بحث هذه الموضوعات بحثا وافيا في الأعداد القادمة إن شاء الله تعالي، وقل" أن أترك هذه النقطة ألفتك إلف أمرين أري لهما من الفائدة ما يستوجب ا لذكر:

أ- التثبث في الفتوى وطول الأناة في الحكم، وأذكر أن عبدالله بن مسعود- وهو من أحبار هذه الأمة وأعلامها سئل عن المتوفى عنها رجل قبل الدخول ولم يسم لها مهرا، فطلب إلن السائل أن يتركه حتى  يجتهد شهرا، ثم أفتى بعد ذلك في حادثة معروفة، ولا أخالك إلا جد عليم بتحرج السلف الصالح في تقرير الأحكام.

ب -أن تنزه قلمك -وهو نزيه بحمد الله -عن كل ما يشبه أن يكون لفظا جافيا أو وصفا نابيا أو عبارة جارحة، فلا لزوم لذكر العقل الضعيف، والبصر الكفيف، وسحائب الهوى في بحث شأن ديني بين أخوين كل منهما يطلب الحق للحق، وأذكر يا أخي محنة الأمة في كتابها الذين ولعوا بالمهاترة وبرعوا في الإقذاع حتى  ضجت منهم الآداب الإسلامية العفيفة، ولا أشبه ما ورد في كتابك بهذا، ولكني أحب أن نتحامى كل ما يمت إلى  هذه الناحية بصلة أو يشبه ألغ يكون منها قريبا.

ثالثا، عرض أخي بعد ذلك إلي كيفية الذكر علي عهد السلف الصالح -رضي الله عنهم - وروي في ذلك حديث معاوية، وحديث أنس، ولنا أمام هذين الحديثين الشريفين وأمثالهما وقفة نستجلي فيها أمور عدة، أولها: هل الكيفية التي وردت فيها محدودة يمكن تطبيقها تمام التطبيق ألان ؟ كيف كانوا يتحلقون ؟ وكيف كانوا يلفظون أفرادى أم جماعة؟ وما الألفاظ والصيغ التي كانوا يعظمون بها آلاء الله ويصلون بها علي نبيه (صلي الله علية وسلم) ويسألونه بها لأخرتهم ودنياهم ؟ كل هذه كيفيات لم يحددها الحديثان بل أطلقاها إطلاقا، وهو كما ترى مانع من التطبيق، وعلي  فرض أن ذلك كله محدد فهل عمل هؤلاء الصحابة الكرام أمام حكم عبادة مطلق يحدد إطلاقها مع العلم بأن الصحابة - رضي الله عنهم -كانوا أنفسهم يختلفون في هذه الكيفيات، لست متعنتا يا أخي ولكني أري أن هذه نقاط تستحق التفكير، وقد بنيت علي ذلك حكمك علي الذكر بالطرق المعروفة، وأحب أن تفرق بين الذكر بالطرق المعروفة، وبين الذكر الذي رأيته جائزا في الفتيا، ولما كان الدليل السابق غير واضح في الدلالة كان بناء هذا الحكم عليه فيه نظر.

رابعا:  تساءلت كيف غاب عن الشارع الحكيم أن يشرع لنا أحوال الذكر كما شرع لنا القيام والركوع والسجود في الصلاة.. الخ ؟ وهذا أمر مهم أحب أن يلاحظه الأخ، وقد يكون فيه حسم الخلاف إن شاء الله تعالى ، وقد يكون مقياسا صالحا يتضح لنا علي   ضوئه كثير من مشتبهات الأحكام.

هذا الأمر هو أن العبادات تنقسم إلى نوعين،

ا - نوع حدده الشارع وقتا وزمانا ومكانا وكيفية وحكما، ومثاله الحج مثلا، وصلاة الجمعة مثلا.

2 -ونوع أطلقه كالصدقة النافلة، فأنت فيها مخير في المقدار وفي الوقت بحسب وسعك، وظرفك، وكالدعاء مثلا فيه مخير ما لم يخالف هذا التخيير حكما شرعيا ورد به النص.

نعم إن المأثور أفضل من غيره، ولكن هل يقول أحد إن الدعاء بغير المأثور وفي كل وقت غير جائز، والذكر من هذا القسم أمر به الشارع وأطلقه فأنت فيه مخير ما لم يخالف هذا التخيير حكما شرعيا، ولإيضاح هذه النقطة أضرب لك هذين المثالين: أ -رجل تعود أن يتصدق كل يوم لقرش في وقت محدد يقصد بذلك وجه الله تبارك وتعالى ، وامتثال أمره في الصدقة، أتراه مبتدعا؟ وهل يشترط لجواز مثل هذا العمل أن يكون قد عمل مثله السلف الصالح.

2 -رجل تعود صباح كل يوم ومساءه أن يدعو الله تبارك وتعالي بصيغة كهذه مثلا:”اللهم فرج كربتي، واغفر ذنبي، واجعلني عندك من المقبولين، وارزقني اتباع سنة نبيك (صلي الله علية وسلم) “، أتري هذا الرجل مبتدعا؟

وهل يشترط لجواز مثل هذا العمل آن يكون واردا مأثورا ؟ أظنك معي في أن عموم الأمر بالدعاء والصدقة يجعل عمل هذين عبادة لا غبار عليها، وإذا تقرر هذا فاعلم - يا عزيزي -أن تقييد العبادة المطلقة هو البدعة، فما ورد مقيدا فالدين أن يؤتي به علي  وجهه وما ورد مطلقا بقي علي إطلاقه، فكل كيفية تدخل تحت هذا العموم ولا تتعارض مع الأحكام الشرعية جائزة.

وأخيرا أحب أن أقول لك إن الجائز لذاته قد يكون محرما لغيره سدا للذريعة إذا اتخذ وسيلة لمحرم وخير الحالات ما وافق السنة المطهرة واتباع المأثور أول وأسلم.. والله أسأل أن يلهمنا وإياك التوفيق والتسديد..

وسلام الله عليك ورحمته وبركاته.

شبهة الأناشيد:

ينقمون علي الجماعة أنها في الأنشطة تعود بعض أفرادها علي سماع الأناشيد التي يقوم بها بعض الفرق من الأولاد الصغار غالبا.

والواقع أن الأناشيد في العمل سنة من سنن الرسول (صلي الله علية وسلم) ثابتة عنه، فقد ثبت عنه !ته أنه يردد مع أصحابه النشيد في بناء المسجد وكذلك في حفر الخندق، وكان يقول:

هذا الحمال لا حمال خبير     هذا أعز ربنا وأطهر

وكذلك في إنشاده يوم حنين:

أنا النبي لا كذب          أنا ابن عبدالمطلب

وكذلك قوله:

هل أنت إلا إصبع دميت     وفي سبيل الله ما لقيت

وكذلك كان أصحابه يرددون:

نحن الذين بايعوا محمدا       علي الجهاد ما بقينا أبدا

فكان يجيبهم( صلي الله علية وسلم)  بقوله:

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة    فاغفر للأنصار والمهاجرة

وكذلك ثبت عنه (صلي الله علية وسلم)  أنه في حديث خيبر أنه أمر أصحابه يحرك الإبل بالحداء فانتدب لذلك عامر بن الأكوع فأنشد قولة ابن رواحة:

تاالله لولا الله ما اهتدينا    ولا تصدقنا ولا صلينا

إن الذين قد بغوا علينا       إن يسألونا خطة أبينا

فأنزلن سكينة علينا         وثبت الأقدام إن لاقينا

وفي صحيح البخاري أن النبي (صلي الله علية وسلم) كان ينشده فيقول: أبينا يرفع بها صوته.

وأمر أنجشة بالحداء، وكان صوته جميلا حتى  حرك ا لإبل، حتى  قال (صلي الله علية وسلم):”رفقا بالقوارير" يقصد النساء، فكان النساء نساء رسول الله (صلي الله علية وسلم) يسمعن نشيده، وابن الأكوع جميل الصوت أيضا، حتى  لقد أثر صوته في البهائم والإبل، هذا يدل علي أن صوت النشيد من دون آلة مباح حتى  للأجنبية أن تسمعه وهو أصل لمشروعية النشيد في العمل وتحريك النفوس به وأيضا هو بديل صالح عن الأغاني المحرمة التي لا تفيد وتضر.

شبهة الملابس:

إن بعض الاخوة وبالأخص إذا كانوا في السفر يلبسون الملابس الغربية وكذلك كثير من الناس يعتنون بالشكل والمظاهر.

والواقع أن لبس الملابس الغربية الآن ليسر فيه أي حرج من الناحية الشرعية، فإن رسول الله (صلي الله علية وسلم) لم يرو عنه أنه خيط له ثوب ولا نسج له، وإنما كان يلبس ملابس الكفار التي ينتزعها منهم بالسلاح أو يأخذها منهم جزية، ولذلك ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله (صلي الله علية وسلم) في غزوة تبوك كانت عليه جبة رومية ضيقة، والروم في ذلك الوقت كانوا كلهم من المشركين من أهل الكتاب، فإذن كان الرسول مجي!و يلبس ملابس الكفار وكذلك أصحابه، وليس في ذلك تشبه بهم، والمنهي عنه من ناحية التشبه هو لبس ثوب الدين، وثوب الدين بالنسبة للنصارى هو الزنار الذي يشده علي وسطه، وكذلك القبعة بالنسبة لليهود، فهذه الملابس الدينية هي التي لا يحل للمسلم أن يلبسها، وإذا فعلها يكون ذلك تشبها بالكفار، مثل لبس الصليب، وهو إن قصد به التشبه كفر بالله تعالى ، وإن لم يقصد فإنه يكون محرما شنيعا، ويعزر صاحبه، أما مجرد لبس هذه الملابس التي لا يرختص بدين فهو راجع إلي الحسن والقبح، فإذا كانت حسنة تتوافر فيها المعايير المطلوبة في لبس الرجل، وهي ألا يكون حريرا، ولا ذهبا، وألا تكون متجاوزة للكعبين بقصد الخيلاء، وألا تكون محددة للعورة، ولا فيها تشبه بالنساء، ولا تدخل في ملابس الدين بالنسبة للكفار، هذه المعايير الستة إذا اجتمعت فحينئذ يكون اللباس شرعيا مباحا، بل قد تكون إذا كانت جميلة مظهرا محمودا، ومدعاة لاستجابة المدعوين، ولهذا يقول الله تعالى :” قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة” (الأعراف: 32).

أما العناية بالشكل والمظهر: فأمر محمود شرعا، مرغوب فيه، لذلك كان الرسول (صلي الله علية وسلم) يعتني بمظهره، ومن ذلك خصال الفطرة التي حث عليها، كقلم الأظافر، وقص الشارب، وكذلك الإدهان والتطيب، وكان الرسول (صلي الله علية وسلم) يحب الطيب حبا شديدا، وكان لمج!نر يعتني بملابسه ويعتني بنظافتها، ويعتني بنظافة كل أموره حتى  المسجد، لما رأي النخامة فيه اشتد غضبه واحمرت عيناه، وقام إليها وحكها بأظافره حتى  أزالها، وأرسل إلي طيب وطيب موضعها، والعناية بالمظهر مدعاة لتقبل المدعوين وللدخول إلى  المجتمع والتغلغل فيه، فإن البذاذة والتقلل بحيث يكون الشخص سمجا عند من يخاطبه ليس مقصدا شرعيا، بل المقصد الشرعي أن يكون الشخص الذي يقصد له التأثير في الآخرين مقبولا لديهم بشكله، ولذلك ذكر العلماء في آداب اللباس أن العلماء وأئمة المساجد والمؤذنين والقضاة ينبغي أن يكون لهم زي يميزهم.

فهؤلاء يندب لهم حسن اللباس، ولاشك أن الدعاة ممن يخالطون الناس فينبغي لهم تحسين الهيئة لمخالطة الناس، ولذلك ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما رأي حلة سيراء تباع علي باب المسجد فخاطب رسول الله (صلي الله علية وسلم): لو نشتريها لك حتى  تلقي فيها الوفود، وكذلك جاء في صحيح البخاري أن رسول الله (صلي الله علية وسلم) كان يصلي في خميصة لما فرغ خلعها، وقال:”احملوا هذه إلي أبي جهم وأتوني بانبجانيته فإني نظرت في علمها في صلاتي فكادت تفتني عن صلاتي” .

فإذن: هذا يدل علي أن حسن المظهر إذا كان وفق الضوابط الشرعية المذكورة محمود ومرغوب فيه شرعا، بل هو من إبداء آثار النعم علي العبد، والله تعالى يحب إذا أنعم علي عبده أن يري عليه آثار نعمه،”إن الله يحب أن يري أثار نعمه على عباده”.

 

شبهة التصوير الفوتوغرافي:

يقولون إن بعض أفراد الجماعة يعتنون بجمع الصور، وكذلك بتصوير بعض المشاهد، وتصوير بعض الحفلات، وتصوير بعض الأنشطة، وقد حذر الرسول (صلي الله علية وسلم) ونفر من التصوير.

والجواب عن هذه الشبهة أن التصوير الفوتوغرافي مباح ولا يدخل في معني التصوير الذي جاء في الأحاديث والنهي عنه والتنفير منه، فإن الألفاظ اللغوية لا تحمل إلا علي مسمياتها عند العرب، ولذلك فإن هذا التصوير لم يكن في عهد رسول (صلي الله علية وسلم) ولا في عهد الصدر الأول كله، ولا يمكن أن يحمل التصوير الموجود في كلامهم علي  هذا التصوير الذي لم يعرفوه، وهذا من الاشتراك في الاسم الذي لا يقتضي الشبه في الحكيم، ومجرد أن الناس يطلقون علي هذا تصويرا لا يقتضي دخوله في المنهي عنه ولا في دلالة النصوص التي ورد فيها تحريم التصوير والنهي عنه والتحذير منه، والتصوير الفوتوغرافي لا تتحقق فيه العلل المذكورة في التصوير الذي كان في عهد الرسول (صلي الله علية وسلم)، فليس مضاهاة لخلق الله تعالى  بل هو نفس الخلق علي هيئته مثل الصورة في المرآة، ولا يمنع شرعا لأنه لا دليل علي منعه والأصل في الأشياء الإباحة، وكونه قد يؤدي إلي بعض الذرائع المسدودة مثل تعميم الصور وتعليقها في البيوت أو جعلها في البراويز المكبرة ونحو هذا، لا يقتضي إطلاق تحريمه، بل تمنع تلك الذرائع فقط.

فالصور الأخرى   التي لا تكون معظمة ولا تكون في البراويز وإنما تقصد للذكري لأمر معين، لحفز الهمم علي بعض الأنشطة فهذا لا يمكن تحريمه، وأدلة الشرع متوافرة علي أن الوسائل إذا حققت المقاصد ولم يكن فيها محظور شرعي بعينها ولم يرد نهي بخصوصها أنها تبقي علي أصل الإباحة والجواز، والصور الفوتوغرافية نظير النظر في المرآة والنظر في الماء، وقد كان لرسول الله لمج!نه مرآة ينظر فيها، فلو كان التصوير الفوتوغرافي مثل التصوير الآخر لما نظر الرسول (صلي الله علية وسلم) في المرآة، إذ لا فرق بين النظر في المرآة والتصوير الفوتوغرافي، إلا في تثبيت الصورة فقط، نكتفي بهذا القدر من الشبهات العملية.

هذا.. وقد رجع المعترضون عن هذه الشبهة، وفعلوا ما أنكروه بالأمس، وظهروا في التلفاز والسينما والبرامج، ونشرات ا لأخبار، وما أظنهم اليوم إلا نادمين علي التعجل في الإفتاء ولوم الآخرين بدون علم أو معرفة.. وكان بعض هؤلاء قد نسف التلفاز في بلده، وعطل البث التليفزيوني، ثم تراجع عن ذلك اليوم ولكن علي استحياء وما أظنه إلا سيتراجع في أمور كثيرة تسرع في الحكم عليها، والرجوع إلى  الحق لاشك فضيلة، وهو خير من التمادي في الباطل والاستكبار المذموم.

شبهة البيعة للمرشد:

كثير من الناس ينتقد البيعة للمرشد، ويري أن البيعة ينبغي أن تكون للحاكم فقط، وألا تتجاوز حدود ذلك.

ونقول: إن البيعة كانت معهودة منذ القدم وكانت معروفة في عهد الرسالات السابقة، وكان أصحاب الأنبياء يبايعونهم إما علي  النصرة والحماية، وإما علي إعلاء كلمة الله تعالي، وتشير إلى  هذا آية سورة الصف في قوله تعالى :” كما قال عيس ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فأمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين” (الصف: 14).

وقد ورد في ذلك بعض الأحاديث عن رسول الله (صلي الله علية وسلم)، أما في شرعنا فإن رسول الله !ته قد بايع الناس في مواقف متعددة واختلفت طرق البيعات اختلافا كثيرا، فمن أشهر البيعات السابقة علي الهجرة بيعة الأنصار ليلة العقبة، وقد بايعوه علي  نحو بيعة النساء المذكورة في سورة الممتحنة في قوله تعالى :” يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك علي أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرفن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم” ( الممتحنة، 12).

ثم بايع الرسول (صلي الله علية وسلم) بعدها الأنصار بيعة أخرى حين قدم المدينة وآخي بين المهاجرين والأنصار، وآخن بين المهاجرين أنفسهم، وتلك البيعة كتب فيها كتاب، أمر الرسول بر!ص بكتابته ولم يرد كثير من تفاصيل الأمور فيها، ثم بايعهم بيعة أخرى   عندما أراد غزوة بدر فبايعوه علي القتال، وكانوا قبل ذلك إنما بايعوه علي  الحماية، مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم، ثم من أشهر البيعات بعد هذا بيعة الرضوان التي بايع عليها أصحابه بالحديبية تحت الشجرة، وهذه البيعة التي خلدها الله تعالى  في سورة الفتح في قوله: مطر نقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة * (الفتح: 18)، وكانت بيعة علي الموت حب ما جزم به كثير من أصحاب رسول الله (صلي الله علية وسلم) الذين بايعوه عليها، وقد أنكر ذلك ابن عمر وذهب إلي أنها فقط كانت علي القتال وألا يفروا عنه، ومعني ذلك أن ابن عمر أنكر من قال بايعناه علي  الموت بزعم أن القائل لذلك أنهم سيبذلون أنفسهم حتى  الموت، والمقصود أنهم لا يفرون عنه، وهذه هي البجعة علي  الموت لأن الشخص إذا كان سيصبر مهما كلفه ذلك الأمر فمعناه أن سيستعد للموت وسيبذل نفسه في سبيل المبايع، وهذه البيعة هي التي أكدها الله في كتابه في قوله:” إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم"  * (الفتح: 10). وقد روي عن الرسول” بيعات غير هذه، من ذلك أنه بايع أبا بكر وتسعة من أصحابه آخرين بيعة خاصة، وهي ألا يسألوا أحدا شيئا، وكان أبو بكر وهو خليفة إذا سقطت عصاه لم يكن يأمر أحدا أن يناوله إياها بل ينزل إليها حتى  يأخذها، لأنه بايع رسول الله (صلي الله علية وسلم) علي ألا يسأل أحدا شيئا.

وكذلك بايعه بعض أصحابه الذين أسلموا بدون قتال بايعوه بيعة خاصة من ذلك بيعة عمرو بن العاص التي هي في صحيح البخاري بايعه علي أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، فقال له:”أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله، والهجرة تجب ما قبلها". وكذلك بيعة خالد بن الوليد، ومن ذلك بيعة جرير بن عبدالله التي رواها البخاري ومسلم في صحيحيهما أنه قال: بايعني رسول الله (صلي الله علية وسلم) علي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فشرط علي والنصح لكل مسلم، وكذلك بيعة ضمام بن ثعلبة الذي جاء من قبل نجد فقال بعد أن التزم ما علمه رسول الله (صلي الله علية وسلم) فقال:”وأنا رسول من ورائي” فكانت البيعة لنفسه وللذين أرسلوه بطريق النيابه.

وكذلك بايع النجاشي جعفر بن أبي طالب لرسول الله إلى بالنيابة عنه، وكتب إليه كتابا بذلك.

ومثل ذلك كثير من البيعات التي تكون منوعة فكل هذا التنوع يدلنا علي  أن البيعة ليست ثابتة علي منهج موحد وأنها قابلة للتغيير بحسب الحال،،بيعة النساء تختلف عن البيعة علي القتال، وتختلف عن البيعة علن الموت وهكذا.

فهذا التطور يدلنا علي أن البيعة ليست مثبتة علي  وضع واحد لا يتغير، وأنها تتطور مع المصلحة، وإذا نظرنا إلي المصلحة المتوخاة من البيعة فإننا نعلم أنها رباط وعهد بين الشخصين، وأيضا يكون الحق المترتب عليها من السمع والطاعة والامتثال والالتزام بالأوامر يكون حقا ناشئا عن عقد، وهذا أثبت الحقوق وأوثقها، فإن الحقوق تنقسم إلى  قسمين: حقوق غير ناشئة عن عقد، وهذه وإن كانت موكدة مثل حقوق الله علي عباده بأن يعبده ولا يشركوا به شيئا، ومثل حقوق الوالدين في برهما والسمع لهما وطاعتهما والدعاء لهما ونصيحتهما.

إلا أن القسم الثاني من الحقوق وهو الناشئ عن عقد أيضا تتعلق بمروءة الشخص، فإذا لم يف بها فإنه قد أخل بمروءته والتزامه، وكان كمن لا ذمة له ولا عقد، وهذه العقود منها مثلا عقد النكاح الذي سماه الله تعالى  ميثاقا غليظا، وكذلك عقد البيع، وعقد الشركة، وعقد الحلف، التي فسر بها زيد بن أسلم - رحمه الله تعالى  - قوله تعالي:” يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود”  (المائدة: 1).

فعلي هذا فإن تنوع البيعة يكون ناشئا عن المصلحة، فإذا كان المقصود بها الرباط الروحي الذي يربط المبايع والمبايع فكان ذلك مدعاة لعلاقة دنيوية سببها عقد، مع أن النسب غير موجود بين المبايع والمبايع، وإنما جاء الربط بسبب هذه البيعة والالتزام كان لذلك تسمي صفقة اليمين كما في قوله تعالي:”أيما رجل بايع أميرا فأعطاه سويداء قلبه وصفقة يمينه لا يبايعه إلا علي  عرض من الدنيا إن عطاه رضي وإن منعه سخط، فقد برئت منه ذمة الله ورسوله”، أو كما قال الرسول ج لمج!لأ في الحديث المعروف. فهذا يدل علي  أن المقصود بالبيعة هو الرباط الروحي أساسا، ولهذا قال أعطاه سويداء قلبه، فالمقصود محبة وطاعة، وكذلك قوله صفقة يمينه تدل علي أن المقصود هنا انعقد حتى  يكون الحق بين الطرفين ناشئا عن عقد، وعلي هذا فقد كان بعض الناس يشترط بعض الشروط فيه، وهذه الشروط تشترط في بعض الأحيان علي  المبايع وتشترط على المبايع، فمثلا لما طالب يزيد بن معاوية أهل المدينة بالبيعة له في واقعة الحرة، شرط علي كل من يبايع له أن يبايع أنه يطيع لأمير المؤمنين، معناه أنه مطيع طاعة التابع إلا علي بن عبدالله بن العباس فقد قام أخواله بنو الحارث بن كعب فقالوا بل يبايع علي  أنه ابن عم أمير المؤمنين، فبايع علي أنه ابن عم أمير المؤمنين.

وعلي هذا فإن تطور البيعة إذا أمر طبيعي وللنظر إلي واقعة البيعة عبر التاريخ، فلما مات رسول الله (صلي الله علية وسلم) ونقله الله إلي دار الكرامة لم يأمر ببيعة أحد من الصحابة ولا عهد بها لأحد بعده، فاتفق أن الأنصار قد اجتمعوا ورأوا أنه لا يمكن أن يترك الناس هملا دون إمام، وحاولوا أن ينصبوا إماما يبايعونه، فرشحوا لذلك سعد بن عبادة بن دليم، واجتمعوا لبيعته في سقيفة بني ساعدة، فكانت المبادرة لهم ولم تكن لقريش في ذلك الوقت مبادرة إلا بعض الآراء الفردية، فمثلا كان أبو سفيان بن حرب يميل إلى  أن يبايع علي بن أبي طالب، وقال هذا لجبر خاطر بني هاشم وفيه إصلاح لقريش وهو أولن الناس بهذا لقرابته وصهارته وخالفه المهاجرون السابقون الأولون فلم يروا أن يبايعوا قبل دفن رسول الله (صلي الله علية وسلم) فلم يتفقوا علي أحد، وفي هذا يقول أحد شعراء قريش:

حمدا لمن هو بالثناء خليق      ذهب اللجاج وبويع الصديق

كنا نقول لها علي والرضا      عمرو أولاهم بتلك عتيق

فكانوا يرشحون هؤلاء الأشخاص الثلاثة: علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأبا بكر الصديق، فلما علم المهاجرون بأن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لبيعة سعد، انطلق إليهم ثلاثة من المهاجرين هم أبو بكر، وعمر، وعبيدة بن الجراح، فكلموهم بالكلام المشهور المعروف، ثم اتفق رأي الجميع أن يبايعوا أبا بكر الصديق، وقالوا رضيك رسول الله (صلي الله علية وسلم) لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟.. فانعقدت البيعة له وبايعه المهاجرون أيضا، ثم بايعه عموم الناس في المسجد ولم يتخلف عنه إلا نفر قليل من أصحاب رسول الله (صلي الله علية وسلم)، فلم يبايعه سعد بن عبادة لما كان في السقيفة وتأخر علي بن أبي طالب شهرا ولم يبايعه، ومع ذلك فقد استمرت إمامته منذ دفن رسول الله (صلي الله علية وسلم)، ولم يضره أن بعض الأفراد لم يبايعوه فانعقدت البيعة عليهم ببيعة الجميع.

ولما حضرت أبا بكر الوفاة عهد بالأمر إلى  عمر، وكتب له كتابا بذلك وبايع الناس عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -بيعة المسجد، ثم لما جرح عمر وحضره الموت عهد بالأمر إلي أهل الشورى الستة الذين توفى رسول الله (صلي الله علية وسلم) وهو عنهم راض، وعلي أن يختاروا أحدهم للخلافة وهم أول الناس بذلك، وهم الذين يدور عليهم الأمر، فتنازل ثلاثة لثلاثة وتنازل الثالث للاثنين بشرط أن يجعل الاختيار له وهو عبدالرحمن بن عوف، فاختار بيعة عثمان، وبقيت البيعة بعده لعلي، ثم لما قتل عثمان كانت البيعة من عهد عمر لعلي بن أبي طالب، بسبب تنازل إخوانه، ثم بعد علي كانت ستعود لبقية الستة فلم يكن أحد منهم حيا وقت قتل علي بن أبي طالب غير سعد بن أبي وقاص، فكان اللازم أن يبايع سعد، ولكن قدر الله وما شاء فعل، فتجدد نوع آخر من البيعة وبايع معاوية الناس علي شروط شرطها عليهم وأيمان يقسمونها، وكذلك كما ذكرنا طالب يزيد الناس علي بيعة أخرى  ، فتطور الأسلوب عبر التاريخ.

وهكذا كانت تشترط الأيمان بالطلاق والعتاق، مع أن الرسول (صلي الله علية وسلم) نهي عن الحلف بهما وقال:”من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت”، وقال:”من حلف له بالله فليرض”، ومع هذا فقد جاء الملك العاض وأجبر الناس علي هذه الأيمان، وأفتي بعض العلماء بعدم لزوم هذه الأيمان، ورأي أن ذلك من الإكراه، ومن هؤلاء العلماء الإمام مالك أبو عبدالله رحمه الله تعالى .

وكل هذه التطورات عبر التاريخ في أسلوب البيعه وفي متضمنها وطريقتها، بالإضافة إلي بعض التطورات التي طويناها ولم نشر إليها، مثل تفريق الرسول (صلي الله علية وسلم) بين أصحابه في البيعة،كذلك في بيعة النساء فقد اختلفت الأساليب، فروي أنه كان يدخل يده في إناء فيه ماء ثم يغمس النساء أيديهن في ذلك الإناء، وروي أن عمر كان يبايع الناس بالنيابة عنه، وروي أنه كان يبايعهن من وراء ردائه، وكل هذه الأحاديث فيها مطعن لأهل العلم، والثابت عنه (صلي الله علية وسلم) أنه كان يبايعهن بالكلام، ولم يكن يبايعهن بصفقة اليد، ولذلك قال:”إني لا أصافح النساء، وإنما مقال لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة"، فهذه التطورات في البيعة كلها ترشدنا إلي أن البيعة ليست ثابتة علي منهج محدد فهي تدور مع المصلحة حيث دارت.

ولاشك أن كون القائد أو الأمير واحدا هو الأصل وهو المطلوب الشرعي والموافق للمقصد في عدم التنازع وعدم التشاكس، ولكن اقتضت الضرورة قيام بيعات أخرى  ، وأصل البيعة هي العهد علي الطاعة في المعروف شرعا. والأصل أن الإمام إذا أعطي بيعة قام بمصالح المسلمين وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر لأنه لابد من سلطة تتحمل عبء الدعوة إلي الله تعالى  لتبليغها إلي آفاق الأرض، لابد من سلطة مؤمنة مجاهدة، ترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله، سلطة تقوم على هاتين الركيزتين لتحقيق منهج الله في الأرض وإقراره في الحياة الإنسانية ومباشرة تنفيذه في الداخل والخارج.

والدعوة  إلى  الله والأمر بم المعروف والنهي عن المنكر وإقرار الخير بين الناس. تكليف شديد وليس بالأمر الهين أو اليسير، إذا نظرنا إلى  طبيعته وإلى  اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم وأهوائهم ومصالحهم ومنافعهم، وغرور بعضهم وكبرياء الآخر، وفيهم الجبار الغاشم، وفيهم الحاكم المتسلط وفيهم الهابط والمنافق الذي يكره الجد، وفيهم المسترخي الذي يكره الصعود، وفيهم المنحل الذي يكره الفضيلة، وفيهم الظالم الذي يمقت العدل، وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة. وهؤلاء وأولئك يحتاجون إلى  تكاتف ورعاية حتى  تستطيع الدعوة أن تطوعهم للخير ويستطيع الدعاة أن يجدوا منهم آذانا  صاغية وقلوبا مفتوحة تنقلهم نقلة كريمة إلى  منهج الله وهديه. إن إقامة هذه السلطة ضرورة من ضرورات قيام المنهج ذاته، فمنهج الله في الأرض لا يقوم بمجرد الوعظ والإرشاد والبيان فقط وإن كان هذا يمثل شطرا من الدعوة أما الشطر الباقي فهو قيام سلطة وقيادة تحمل منهج الله في الأرض، وتقوم به وتبلغه للناس بما ترسمه من الوسائل والخطط وبما تنظمه من إمكانات وتدربه من دعاة وتبثه من إعلام، ثم تحيط كل ذلك بسياج وحماية ورعاية كما تقوم تلك السلطة بصيانة تقاليد الجماعة وحمايتها من أن يعبث بها كل ذي هوي وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة.

علي هذا قامت الجماعة الأول في المدينة، واستمرت به الدعوة الإسلامية بعد ذلك في العصور الإسلامية المجيدة، حيث كانت يتنفس في رحابها هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية، المعروف فيها هو الخير والفضيلة والعدل، والسيادة فيها لأوامر الله، والمنكر فيها هو الشر والرذيلة والباطل والظلم، عمل الخير فيها أيسر من عمل الشر، والحق فيها أقوي من الباطل والعدل أنفع من الظلم، فاعل الخير فيها يجد علي  الخير أعوانا وصانع الشر يجد مقاومة وخذلانا.

للمحسن فيها أجر إحسانه، وللمسيء فيها جزاء بطلانه، تعطي للرجال منازلهم وللأبطال أماكنهم، ولأهل الحق درجاتهم، لا يضيع فيها أجر المحسنين أو ثواب العاملين، أو جزاء المخلصين، لهدا طوف الإسلام في أرجاء الأرض وشرق وغرب ودخل الناس في دين الله أفواجا.

ولكن إذا لم تكن هناك سلطة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر أو منعت السلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

هل يستكين الناس، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فريضة لازمة؟

وهل ينتظرون سلطان ؟

وهل يشترط للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذن الإمام أو الحاكم ؟

قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لأحاد المسلمين ولا يشترط له إذن الإمام أو الحاكم.

قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم علي التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية إذن من الإمام .

قال الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في ذلك: واستمرار عادات السلف علي  الحسبة علي  الولاة أي أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر قاطع بإجماعهم علي  الاستغناء عن التفويض أو الإذن في ذلك، بل كان من أمر بمعروف فإن كان الوالي راضيا به فذاك، وإن كان ساخطا له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه فكيف يحتاج إلي إذنه في الإنكار عليه ويدل علي ذلك عادة السلف وما روي عنهم في الإنكار علي  الأئمة”.

رأي الإمام محمد عبده في وجوب إقامة جماعة للدعوة إلى الله:

قال الإمام محمد عبده - رحمه الله -: الدعوة في الصدر الأول قد تيسر بغير تعليم صناعي ولا تأليف جمعيات معينة، أما في هذا الزمان فإنه يتوقف فهم الدين علي التعلم الصناعي، وتتوقف الدعوة إليه، والأمر بما جاء به من المعروف وما حظره من المنكر علي تعليم خاص وتأليف جمعيات خاصة تقوم بهذا العمل، ولا ينتشر الدين ولا يحفظ علي وجهه إلا بهذا كما تقدم التنويه به في قوله تعالى :"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير”، (السورة).

فالمراد التنويه به، فالمراد بالأمة التي ذ قيمها الأمة لذلك ما يعبر عنه في عرف هذا العصر بالجمعية. قال الأستاذ الإمام: ومن أعمال هذه الأمة الأخذ علي أيدي الظالمين، فإن الظلم أقبح المنكر، والظالم لا يكون قويا ولذلك اشترط في الناهين عن المنكر أن يكونوا أمة، لأن الأمة لا تخالف ولا تغلب كما تقدم، فهي التي تقوم عوج الحكومة والمعروف أن الحكومة الإسلامية مبنية علي أصل الشورى، وهذا صحيح والآية أدل دليل عليه ودلالتها أقوي من قوله تعالى :” وأمرهم شورى بينهم" * (الشوري: 38)، لأن هذا وصف خبري لحال طائفة مخصوصة أكثر ما يدل عليه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه محمود عند الله تعالي، وأقوي من دلالة قوله:” وشاورهم في الأمر" * (آل عمران: 159)، فإن أمر الرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبه عليه ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله للأمر فماذا يكون إذا هو تركه ؟ وأما هذه الآية فإنها تفرض أن يكون في الناس جماعة متحدون أقوياء يتولون الدعوة إلى  الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عام في الحكام والمحكومين، ولا معروف أعرف من العدل ولا منكر أنكر من الظلم، وقد ورد في الحديث” لابد أن يأطروهم علي  الحق أطرا".

ثم يقول الأستاذ الإمام محمد عبده رحمه الله تعالي-: ما مثاله مع شيء من التفصيل: إذا كان كل فرد من أفراد المسلمين مكلفا الدعوة إلن الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقتضى الوجه الأول في تفسير الآية، فهم مكلفون بمقتضى هذا الوجه الثاني أن يختاروا أمة منهم تقوم بهذا العمل لأجل أن تتقنه وتقدر علي تنفيذه إن لم يوجد ذلك بطبعه كما كان في زمن الصحابة، فإقامة هذه الأمة الخاصة فرض عين يجب علي كل مكلف أن يشترك فيه مع الآخرين، ولا مشقة في هذا علينا، فإنه يتيسر لأهل كل قرية أن يجتمعوا ويختاروا منهم من يرونه أهلا لهذا العمل، وعبارة الأستاذ: ويختاروا واحدا منهم أو أكثر، كأنه يريد بالواحد أن ينضم إلى  من يختار من سائر القرى والبلاد لأجل الضرب في الأرض للدعوة إلى  الإسلام في غير بلاده، أو لإقامة بعض الفرائض والشعائر، أو إزالة بعض المنكرات من بلد آخر من بلاد المسلمين، وإلا فالواجب علي أهل القرية أن يختاروا جماعة يصح أن يطلق عليهم لفظ”الأمة" ويعملوا ما تعمله بالاتحاد والقوة ليتولوا إقامة هذه الفريضة فيها، كما يجب ذلك في كل مجتمع إسلامي سواء كان في الحواضر أو البوادي، فإن معني الأمة يدخل فيه معني الارتباط والوحدة التي تجعل أفرادها علي اختلاف وظائفهم وأعمالهم - حتى  في إقامة هذه الفريضة عند تشعب الأعمال فيها -كأنهم شخص واحد كما هو ظاهر وصرح به الأستاذ في هذا المقام.

قال: وهذه الأمة يدخل في عملها الأمور العامة التي هي من شأن الحكام وأمور العلم وطرق إفادته ونشره، وتقرير ا لأحكام وأمور العامة الشخصية، ويشترط فيها العلم بذلك، ولذلك جعلت أمة، وفي معني الأمة القوة والاتحاد، وهذه الأمور لا تتم إلا بالقوة ؟الاتحاد، فالأمة المتحدة لا تقهر ولا تغلب من الأفراد، ولا تعتذر بالضف يوما ما، فشرك ما عهد إليها، وهو ما لو ترك لتسرب الفساد إلى  مجموع المسلمين .

إلي أن قال: ثم إن كون القائمين بالأمر والنهي أمة يستلزم أن يكون لا رياسة تدبرها، لأن أمر الجماعة بغير رياسة يكون مختلا معتلا، فكل كون لا رياسة فيه فاسد، فالرأس هو مركز تدبير البدن وتصريف الأعضاء في أعمالها، وكذلك يكون رئيس هذه الأمة مصدر النظام وتوزيع الأعمال علي العاملين، فمنهم من يوجهون إلى  دعوة غير المسلمين إلي الإسلام، ومنهم من يوجهون إلى  إرشاد المسلمين في بلادهم، ومقام الرياسة يختار بالمشاورة لكل عمل، ولكل بلاد من يكونون أكفاء للقيام بالواجب فيها، لتكون أعمالهم مؤدية إلى  مقصد الأمة العام، فإن معني الأمة أن يكون للأفراد الذين تتكون منهم وحدة في القصد من أعمالهم وسيرهم فإذا اختلفت المقاصد فسد العمل  باختلاف الآراء وتنكيث القوي، ولذلك جاء بجد هذه الآية النهى عن التفرق والاختلاف.

إذن فالتعاهد علي الدعوة وعلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبيعة عليه لازمة، لقوله تعالى :” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”  (المائدة: 2)، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.. هذا وقد أخذ الرسول (صلي الله علية وسلم) بيعات كثيرة علي الإسلام وعلي البر والتقوى منها:

ا - البيعة علي السمع والطاعة.

2 - البيعة ألا ننازع الأمر أهله.

3-البيعة علي قول الحق.

4 - البيعة علي القول بالعدل.

5 - البيعة علي  الأثرة.

6-البيعة علي النصح لكل مسلم.

7-البيعة علي عدم الفرار.

8-البيعة علي الموت.

9 -البيعة علي الجهاد.

10 -البيعة علي الهجرة.

11 -البيعة فيما أحب الإنسان وكره.

12 -البيعة علي ألا ننوح.

13 -البيعة فيما يستطيعه الإنسان من الخير.

14 -البيعة علي الإسلام.

15 -البيعة علي الطاعة.

16 - البيعة علي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذه البيعات روتها كتب السنة الصحاح مثل البخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي والإمام أحمد..

عن جابر بن عبدالله قال في البيعة: فقلنا يا رسول الله علام نبايعك قال: تبايعوني على السمع والطاعة فى النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومه لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة.. فقمنا نبايعه فاخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين، فقال رويدا يا أهل يثرب: إتا لم نضرب إليه أكباد المطى إلا ونحن نعلم أنه رسول الله إن إخراجه اليوم مفارت العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مشتكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه و أجركم على الله عز وجل، لم أما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر عند اسه، قالوا، يا أسعد بن زرارة أمط عنا يدك فو الله لانذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا يأخذ علينا بشرطة العباس ويعطينا على ذلك الجنه .

أخبرنا الحسن بن أحمد قال: حدثنا أبو الربيع قال أنبأنا حماد قال حدثنا أيوب عن محمد عن أم عطية قالت: اخذ علينا رسول اسه جم!ز البيعة على أن لا نوح .

بايع رسول الله (صلي الله علية وسلم) النسوة علي أن يتخلين عن النوح المحرم، وهذا شيء كان يكفي فيه الأمر، ولكنه حصلت فيه بيعة.

البيعة على النصح لكل مسلم:

أخرج أحمد عن جرير قال: بايعنا رسول الله (صلي الله علية وسلم)، علي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.

وهكذا وردت الأحاديث الكثيرة في كثير من البجعات ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الإسلام، وتحمل التبعات الجسام في سبيل ذلك، ومنها الجهاد.

ولما كان الإسلام قد جعل التخلف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كبيرة وترك فريضة، ولم يجعل في هذا إذنا لأحد ولا للسلطة كما ذكرنا، فإن إقامة أحكام الإسلام وإعادة وحدة المسلمين فريضة علي  كل مسلم، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا بتعاون المسلمين، وإقامة جماعة، ولهذا قال لمج!لأ”من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية".

وقد أورد الشاطبي في الاعتصام أن الجماعة هنا إما جماعة أهل الإسلام، أو جماعه الإمام وأهل الحل والعقد، أو جماعة المجتهدين. ولما كانت القاعدة، أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فقد انتهي الإمام حسن البنا إلى  أن إعادة الخلافة والوحدة الإسلامية، وحكم الإسلام لا سبيل له إلا عن طريق إقامة جماعة وتعاون من الجميع، حتى  تكون عصبة للحق وسندا للدفاع عنه وتحقيقه في الأمة، ولهذا يقول عمر بن الخطاب ذاكرا فضل الجماعة في الإسلام:” لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بطاعة، ولا طاعة إلا ببيعة".

فإذا كانت البيعة في المعروف وعلي  نصرة الإسلام وإقامة حدوده أفلا يكون هذا هو صلب الإسلام وصلب دعوته، وهو الحق الذي لا مريه فيه في هذا الزمان وغيره.

|السابق| [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca