الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود
المؤلف: توفيق الواعي
التصنيف: قضية فلسطين
 

المحتويات

مناهج أصحاب الشبهات

سهل على عطيل المواهب، وكليل الأعمال أن يعيب الناس، وينتقد العاملين، ويسفه المخلصين، فإذا نظرت في فعله، وجدته خاوي الوفاض، وإذا تمعنت في عقله تبين لك ضحالة التفكير، وضآلة الفهم، وإذا خبرت عزمه رأيته خائر النفس منهار القوى، واذا بحثت له عن منهاج أو خطة للإصلاح، وجدت العجب العجاب، ورأيت هزيانا يدعو إلى الرثاء، وأفكارا تدعو إلى الشفقة، وخلطا ينذ بالويل والثبور للأمة وللناس.

وحينما اطعلت على هذه الأفكار وتلك المبادئ التي تحرك هؤلاء وتكون فكرهم واعتقادهم، قلت: من هنا جاءت رياح السموم، ومن هذه الينابيع جاء السيل الأسود الذي يحتاج إلى ا لإشفاق والنصح والبيان والعلاج، حتى تعتدل المسيرة، وقد رأينا أن نعرض لمناهج هؤلاء، وندع لأحدهم مهمة العرض والبيان، ونكتفي نحن بالتعليق والإيضاح، ثم ندع الحكم للكل كائنا من كان.

أولا: مناهج أهل الشبهات تتحدث عن نفسها

في ساحة المناهج:

كان لابد في هذا الشأن أن ننظر في مناهج أهل الشبهات الذين يثيرون الشبه حول منهج الإخوان، ثم ننظر إلى منهج الإخوان، لا لنحكم فإن الحكم يجب أن يكون للقارئ الكريم بعد الإطلاع على المنهجين، وبعد الاطلاع على الشبه التي أوردها وما صاحبها من إيضاح وبيان وردود على تلك الشبه.

ورأينا أن ندع بيان أصول مناهج هؤلاء لأحدهم وهو الدكتورعبدالرزاق الشايجى الأستاذ بكلية الشريعة جامعة الكويت وعميدها المساعد والذي ظل قي صفوفهم ردحا من الزمن يحاول التغيير والنصح ومازال، وبعد أن يئس الرجل من الإصلاح أعلن ذلك في رسالة بثها إلى قواعدهم علهم يستطيعون مواجهة قادتهم، محاولا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتغيير ما يقدر على تغييره، وللحق لقد أتت هذه الرسالة وغيرها أكلها فصاحب الدكتور عبدالرزاق جم غفير في الكويت وفي غيرها من البلاد، ونحن نسأل الله للجميع الهداية والرشاد، وندعو للجميع بظهر الغيب بالتوفيق والسداد، وها نحن ننشر تلك ا لأصول التي نشرها الدكتور عبدالرزاق الشايجي بدون أن نزيد عليها حرفا أو كلمة (بالبنط الأسود) إلا ما كان من تعليق لنا يرد الأمر إلى نصابه إسلاميا، ثم نتبعها بأقوال الشيخ ابن باز رحمه الله، الذي تبرأ من هذه العصبة التي شوهت صورة الدعوة السلفية الأصيلة التي ننتمي إليها جميعا، ثم ننشر معها أقوال كثير من العلماء المؤيدين لابن باز والمتبرئين من هذه الفئة والنابذين لها، والذين ردوا على اتهاماتهم للأستاذ الشهيد سيد قطب وغيره من الإخوان، ثم نتبع ذلك كله بأصول الإخوان المسلمين ا أرزين لم يتكلموا في حق أحد إلا بالنصح والإرشاد، ولا نزيد على أصولهم حرفا أو كلمة، ثم ندع لأولي النهى إحقاق الحق وإبطال الباطل. والله نسأل أن يهدي الجميع إنه سميع مجيب.

مقدمة الطبعة الأولى من كتاب الدكتور الشايجى الذي ذكر أصولهم، الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

أما بعد...

فهذه الخطوط العريضة لفكر جديد منتسب إلى السنة متلفع بمرط السلفية ظلما، ويتدثر برداء أهل السنة والجماعة زورا، يترتب عليه هدم كل عمل دعوي قائم، وإبطال فريضة الجهاد في سبيل الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزيادة تمزيق وحدة الأمة الإسلامية، وقد أردنا دراسة هذا الفكر وجمع أصوله، وقواعده دون الاهتمام بقائلية ومروجية، فإن ما يهمنا هو التحذير من هذا الفكر القائم على السب والتشهير والتجريح بغير جرح حقيقي، والتبديع بغير مبدع، والتكفير دون ضوابط، والانشغال بالدعاة إلى الله سبا وتجريحا، وتكفيرا، وتبديعا دون غيرهم من سائر الخلق، وتقديم حربهم على حرب الكفار والمنافقين والعلمانيين واليساريين، ونستطيع أن نسمي أصحاب هذا الفكر بالجراحين. فهذا شغلهم الشاغل، وهذا عملهم الدعوى الأساس الذي اتخذوه دينا يدينون الله به، ويفضلونه في زعمهم على الصلاة، وجميع أعمال البر والإحسان، فلا حول ولا قوة إلا بالرحمن. فمتى كان السب والشتم دينا؟ !.

إن من الواجب العمل على كشف عوار هذا الفكر ولتجنيب شباب الأمة الإسلامية عامة وشباب الدعوة السلفية خاصة من الانزلاق والانحدار إليه، والله المستعان وعيله التكلان، وعلى الله قصد السبيل.

د. عبدالرزاق بن خليفة الشايجى

مقدمة الطبعة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله:” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون مهر (آل عمرأن: 102)،” يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تتساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا” (النساء: 1)،” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لتهم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما” (الأحزاب:75- 71).

وبعد...

فهذه هي الطبعة الثانية من الخطوط العريضة لأصول أدعياء السلفية. جمعنا فيها مجموعة أخرى من أصول هذه المجموعة التي ظهرت على المسلمين بالتبديع والتفسيق والتجريم، والتكفير، واستعملت كل ألفاظ التنفير والتحقير مع دعاة الإسلام خاصة، كوصفهم بالذندقة، والإلحاد، والخروج... الخ.

وقصرت عملها الدعوي على حرب الدعاة إلف الله وتصنيفهم، ومن نظر في أصولهم التي ابتدعوها أدرك يقينا أن هؤلاء هم معطلة الشرع والحكم، فكما وجد في الفرق الإسلامية معطلة الصفات وهم الجهمية، ومن نحا نحوهم ممن اخترعوا أصولا باطلة أدت إك تعطيل صفات الرب عز وجل، فقد جاءت الطائفة الجديدة وباسم السلفية لتضع أصولا باطلة تفضي إلى تعطيل الحاكمية التي اختص الله بها أ ولا يشرك في حكمه أحدا * فزعموا: أن توحيد الحاكمية ليس من التوحيد، بل وليس هو من أصول الدين والإيمان، بل هو من الفروع، تعطيل الشرع كله ما هو إلا كفر دون كفر، وكل من اعت بهذا الأصل فهو عندهم مبتدع يحمل فكر الخوارج، ولقبوه بكل وصف قبيح لمجرد مطالبته الأمة بالعودة إلى حكم الله ورسوله، وقد تفرع عن هذا الأضل الباطل عندهم وجوب ترك الحكام وشأنهم، وعدم التعرض لهم وإن صدر منهم ما صدر من الكفر البواح، وتمكين أعداء الإسلام، ووجوب ترك الاشتغال بفقه الواقع وترك ما لله  وما لقيصر لقيصر كما صرح به أحد كبارهم، وهذه هي العلمانية بعينها، ومن ثم شنعوا على كل مجاهد في سبيل الله، وقدموا حربه على حرب أعداء الله فكانوا بذلك من دعاة التعطيل، وهم المعطلة للحاكمية والشرع كما كان الجهمية معطلة للصفات والأسماء.. وقام مذهبهم على التعطيل: تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بإذن الإمام - حسب زعمهم - وتعطيل الجهاد، وتعطيل الدعوة إلف الله، وتعطيل النظر في حال ا لأمة، وإشغالهم بحرب الصالحين، وتتبع عوارتهم وزلاتهم، وتنفير الناس عنهم. وقد نفدت الطبعة الأولئ للكتاب في أسابيع قليلة، وصورت بأعداد هائلة.. وللإلحاح في طلب نسخ الكتاب فإننا نقدم الطبعة الثانية مزيدة بأصول جديدة. والله نسأل أن يكون عملنا هذا لوجهه خالصا، وأن يكون ردعا وقضاء على فتنة هذه الطائفة، وإزاحة لها عن وجه السلفية الحقة المهتدية بهدي القرآن الكريم، وسنة سيد المرسلين، وسيرة سلفنا الصالح الطيبين الطاهرين، والسائرة في ركب علماء الأمة العاملين المجاهدين.

د. عبدالرزاق الشايجى

قال د.

أولا: الأصل الأم الجامع لكل أصولهم

الأصل الأول: خوارج مع الدعاة.. مرجئة مع الحكام.. رافضة مع الجماعات.. قدرية مع اليهود والنصارى والكفار.. (1).

هذه المجموعة التي اتخذت التجريح دينا، وجمع مثالب الصالحين منهاجاً  اتخذت التجريح دينا، وجمع مثالب الصالحين منهجاً، جمعوا شرما عند الفرق.

فهم مع الدعاة إلى الله خوارج، يكفرونهم بالت ويخرجونهم من الإسلام بالمعصية، ويستحلون دمهم ويوجبون قتلهم وقتالهم.

وأما مع الجماعات فقد انتهجوا معهم نهج الرافضة 4 مع الصحابة وأهل السنة فإن الرافضة جمعوا ما ظنوه أخطاء وقع فيها الصحابة الكرام ورموهم جميعا بها، وجمعوا زلات علماء أهل السنة وسقطاتهم واتهموا المجمتع بها.

وهم مع الكفار من اليهود والنصارى فدرية جبرية: يرون أنه لا مفر من تسلطهم ولا حيلة للمسلمين في دفعهم، وأن كل حركة وجهاد لدفع الكفار عن صدر أمة الإسلام فمصيره الإخفاق، ولذلك فلا جهاد حتى يخرج الإمام،، فواعجبا كيف جمع هؤلاء بدع الفرق ؟،،كيف استطاعوا أن يكيلوا في كل قضية بكيلين، فالكيل الذي يكيلون به للحكام غير الكيل الذي يكيلون به لعلماء الإسلام،! فلا حول ولا قوة إلا بالله،،؟

التعليق:

يقول الإمام البنا”وأما موقفنا من الهيئات الإسلامية جميعا على اختلاف نزعاتها فموقف حب وإخاء وتعاون وولاء نحبها ونعاونها ونحاول جاهدين أن نقرب بين وجهات النظر ونوفق بين مختلف الفكر توفيقا نتبصر به الحق في ظل التعاون والحب ( 1)

يقول الإمام البنا”الحاكم مسئول بين يدي الله وبين الناس وهو أجير لهم وعامل لديهم ورسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته 000 (2).

ويقول أيضا:” ومن حقها الحكومة الإسلامية متى أدت واجبها الولاء والطاعة والمساعدة بالنفس والأموال، فإذا قصرت فالنصح والإرشاد ثم الخلع والإبعاد أبا لطرق السلمية وفق ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (3).

يقول الإمام البنا” والناس عند الأخ الصادق المسلم واحد من ستة أصناف مسلم مجاهد أو مسلم قاعد أو مسلم أثم أو ذمي معاهد أو محايد أو محارب، ولكل سمه في ميزان الإسلام وفي حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص والهيئات ويكون الولاء أو العداء(4).

ويقول الإمام البنا”يظن الناس أن التمسك بالإسلام وجعله أساسا لنظام الحياة ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة الإسلامية...

ولكن الحق غير ذلك تماما. فإن الإسلام قد اشتمل على نص صريح واضح لا يحتمل غموضا في حماية الأقليات لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم كر (الممتحنة ش: 8)، فهذا نص لم يشتمل على الحماية فقط، بل أوصى بالبر والإحسان إليهم... وقد حدد الإسلام تحديدا دقيقا من يحق لنا أن نناوئهم ونقاطعهم ولا نتصل بهم فأنال تعالى بعد الآية السابقة." إنما ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين” (ارزحنة: 9)(5).

( 1) مجموعة الرسائل رسالة المؤتمر السادس ص 216 ط المؤسسة الإسلامية، (2) مجموعة الرسائل ص 318 ط المؤسسة الإسلامية. ( 3) مجموعة الرسائل رسالة التعاليم ركن العمل ص ه 39 ط دار الدعوة. ( 4) رسالة التعاليم ركن التجرد. مجموعة الرسائل ص 399 دار الدعوة. ( 5) مجموعة الرسائل، رسالة نحو النور ص 283 وما بعدها ط دار الدعوة.

ثانيا: أصولهم في التكفير والتبديع

الأصل الثاني:كل من وقع في الكفر فهو كافر وكل من وقع في البدعة فهو مبتدع.. (1).

2. هدا أصلهم الثاني، كافر المسلم إذا ما وقع في قول مكفر أو ما يظنونه مكفرا دون نظر في أن يكون قد قال هلت ا الكفر أو وقع منه خطا،،وتأولا، أو جهلا، أو إكراها”

وكل مسلم وقع في بدعة او ما يتوهمونه بدعة فهو مبتدع دون اعتباران يكون قائل البدعة أو فاعلها متاولا أو مجتهدا او جاهلا.

وهم أحق الناص بوصف المبتدع لاختراعهم هذا الأصل الذي ي هو من أصول أهل البدع، وليس من أصول أهل السنة والجماعة 2).

التعليق:

يقول الإمام البنا:”نحن لا نكفر مسلما -أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض - (برأي أو معصية) إلا إن، أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح) القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر(3).

كما يقول في الرسالة نفسها أيضا:”وكل بدعة في دين الله لا أصل لها - استحسنها الناس بأهوائهم سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه - ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما ه! شر منها".

الأصل الثالث: من لم يبتدع فهو مبتدع

3. هذا الأصل الثالث من أصولهم الفاسدة فإذا حكموا على رجل أنه مبتدع، أو على جماعة دعوية أنها جماعة بدعة ولم تأخذ برأيهم وحكمهم الفاسد فأنت مبتدع لأنك لم تبدع المبتدع. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهو اصل وقائي فإما أن تكون معنا أو تكون منهم.

ومم على شاكلة من قبلهم في التكفير الذين قالوا:

(من لم يكفر الكافر- عندهم فهو كانت. فإذا حكموا على رجل مسلم أنه كافر ولم توافقهم على ذلك فأنت كافر أيضا،لأنف لم ترفي باجتهادهم فما اشبه هذا القول بقول الخوار( 1)

التعليق:

إن الأئمة الأربعة” كغيرهم من المجتهدين - لم يدعوا لأنفسهم العصمة، ولم يقول بها أحد من العلماء، وغاية الأمر أنهم مجتهدون يتحرون الصواب ما وسعتهم أنفسهم البشرية فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأ فلهم أجر، ولهذا كانوا كثير اما يتورعون عن آرائهم، ويختارون غيرها تبعا لما ظهر لهم من الدليل، وهذا سر ورود أكثر من رواية في المسألة الواحدة عن الإمام الواحد، وقد عرف أن الشافعي كان له مذهبان: كتاب قديم في العراق، ومذهب جديد في مصر، ولا تكاد تخلو مسألة مهمة من الفقه لمالك وأحمد لا يكون فيها أكثر من رواية، وقد رجع أبو حنيفة عن بعض آرائه قبل موته بأيام، وقبلهم كان عمر يفتي برأي في عام ويفتي بما يخالفه في العام القابل، فإذا سئل في ذلك قال: ذلك على ما علمنا، وهذا على ما نعلم  وقد خالف أبا حنيفة أصحابه في مئات المسائل لما لاح لهم من الأدلة، أو وصل لهم من الآثار، أو أدركوا من مصالح الناس وحاجاتهم بعد إمامهم، ولهذا كثيرا ما يقول علماء الحنفية في المسائل الخلافية” هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان”(2).

وحين اجتمع أبو يوسف أكبر أصحاب أبي حنيفة وأفضلهم بإمام دار الهجرة مالك بن أنس، وسأله عن مقدار الصاع ومسألة الأحباس - الوقف - وصدقة الخضراوات، أفتاه مالك بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال:”رجعت لقولك يا أبا عبدالله،  ولو  رأى صاحبي -يعني أبا حنيفة - ما رأيت، لرجع كما رجعت”. وهذا هو الإنصاف الذي يثمره العلم الراسخ، والاجتهاد الصحيح. وكل ما جاء عن الأئمة رحمهم الله هذه الحقيقة الناصعة.

قال أبو حنيفة:”هذا رأي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء بي أي خير منه قبلناه".

وقال مالك:”إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا على الكتاب والسنة”.

وقال الشافعي:”إذ صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت صحة موضوعة على الطريق فهي قولي”. ومن روائع ما يروى عنه قوله:”رأي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غير خطأ يحتمل الصواب”.

لا دليل على وجوب تقليد مذهب بعينه:

إن اتباع مذهب من المذاهب، وتقليد إمامه في كل ما يقول ليس فرضا ولا سنة. فقول بعد المؤلفين: (إ إن تقليد إمام معين واجب”، قول مرفوض. أ- فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى إنما افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه إلإ رسول الله صلى الله عليه وسلم. واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوما في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا جاء عن ابن عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس أنهم كانوا يقولون: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله لمج!ته. وإذن فاتباع غير المعصوم في كل ما يقول ضلال بين، إذ يجعل كل إمام في اتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين، وشبيه بما عاب الله به النصارى في قوله ملأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله مه (التوبة: ا 3).

وما ذاك إلا أنهم كانوا يطيعونهم فيما يحللون ويحرمون، كما جاء عن الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ب - على أن الأئمة أنفسهم قد نهوا عن تقليدهم، ولم يزعموا يوما أنهم يشرعوا للناس دينا يجب أن يتبع، وحذروا من أخذ أقوالهم بغير حجة، فقال الشافعي:”مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى، تلدغه وهو لا يدري”. وقال المزني في أول مختصره:”اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى  قوله لأقربه على من أراده -مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره - لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه”. وقال أحمد:”لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي،  وخذ  من حيث أخذوا" وقال:”من قلة فقه الرجل أن يقلد في دينه الرجال”. وقال أبو يوسف:”لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا"(1). بر-إن تقليد هذه المذاهب والتعصب لها أمر مبتدع في هذه الأمة، مخالف لهدا السلف والقرون الثلاثة الأولى، يقول صاحب”تقويم الأدلة"(2): (كان الناس في الصدر الأول -أعني الصحابة والتابعين والصالحين - يبنون أمورهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم السنة، ثم بأقوال من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصح بالحجة. فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة ثم يخالفة بقول علي في مسألة أخرى، ولم يكن المذهب في الشريعة عمريا ولا علويا، بل النسبة كانت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا قرونا أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  و بالخير، فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم، فلما ذهبت التقوى عن عامة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجج، جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم، فصار بعضهم حنفيا وبعضهم مالكيا وبعضهم شافعيا، ينصرون الحجة بالرجال، ويعتمدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب).

وقال الشيخ الإمام عزالدين بن عبدالسلام: (لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد بمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين، إك أن ظهرت هذه المذاهب، ومتعصبوها من المقلدين ؟ فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له فيما قال، كأنه نبي أرسل، وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب). وإذا فالواجب على المسلم إذا تعذر عليه الأحكام من أدلتها أن يسأل أهل الذكر، ولا يجب عليه التزام مذهب معين ج إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، وهم لم يوجبوا على أحد أن يكون حنفيا أو شافعيا أو غير ذلك، قال شارح”مسلم الثبوت”: (فإيجابه تشريع شرع جديد)( 1).

مخالفة إمام ليست طعنا في إمامته 4 إن مخالفة الأئمة الأربعة كلهم أو بعضهم ليست طعنا في إمامتهم، ولا حطا من شأنهم، ولا قدحا في سعة علمهم، وصحة اجتهادهم، وصدق تحريمهم للحق، ومن ظن ذلك فقد جهل حقيقة هذه الأمة وتاريخها. بل إن حب هؤلاء الأعلام وتوقيرهم والثناء عليهم، من صميم دين الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة كتابه:”رفع الملام عن الأئمة الأعلام”: (يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القران، خصوصا للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم وروايتهم... فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا. 00)(2).

هذا وإذا كان الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة لا بأس لمجتهد أجر أن يخالفهم والأئمة المجتهدون الكثيرون على امتداد التاريخ الإسلامي مثل سعيد بن المسيب، وطاووس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وعلقمة، وإبراهيم النخعي، وحماد، ومكحول، وغيرهم كثير وعند كل علم مأخوذ من الكتاب والسنة، فهل يجوز مخالفة هؤلاء في بعض الاجتهادات، ولا يجوز مخالفة آراء بعض من غير المجتهدين وممن هذه أصولهم ؟ ! !.

الأصل الرابع: استدلالهم لمنهجهم الفاسد في التبديع والتفسيق والهجر، التحذير من المبتدعة بقولهم: إن الله سبحانه ذكر أخطاء الأنبياء..

4 - وهذا من عظائمهم ومصائبهم الكبيرة إذ ظن هؤلاء أن الله عندما يرشد نبيا إلى شيء خالف فيه الأولى توجيها له إلى الأمثل والأفضل كقوله تعالى لنوح عليه السلام” إنه ليس من أهلك" (هود: 46). وقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم:” عفا الله عنك لم أذنت لهم” (التوبة: 43). وقوله سبحانه وتعالى أيضا”“ ولولا أن ثبتناك لقد كدت ترتهن إليهم شيئا قليلا” (الإسراء: 74). ونحو هذا في القرآن.

ظن هؤلاء المجال أن هذا جار على أصلهم الفاسد الذي اخترعوه وابتدعوه وهو ذكر مثالب وسقطات الدعاة إلى الله من أجل التنفير ولتحذير الناس منهم.

فأين القياس في هذا يأهل العقول *؟، مل اصبح الأنبياء هم المبتدعة ؟،، الذين يجب التحذير منهم،،، مع العلم أن هذا الأصل لا يجوز تطبيقه عليهم من خلال إظهار مثالب دعاتهم وشيوخهم فيجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم ومن انتقدهم فقد انتقد السلف بكملهم.

فهل أصبحوا في مقام الرب الذي ى يرشد الأنبياء؟،، وهل أراد الله سبحانه وتعالى بإرشاد أنبيائه إلى بعض ما خالفوا فيه الأولى لتحذير الناس منهم كما يفعلون هم بالدعاة المهتدين ؟،،

وهل أراد الله من ذكر أخطاء الأنبياء حسب قولهم تنقيصهم، وتحقيرهم كما يفعلون هم بالدعاة إلى الله ؟،، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إن الله جلت حكمته ما ذكر الذي أرشد فيه أنبياءه إلا بيانا لعلو-منزلتهم، وأنهم بشرف يجتهدون فيسدد الله اجتهادهم، ويخاطبهم الله سبحانه ي تعالى وهو الرب العظيم بلطفه واحسانه ورحمته وحكمته وعلمه. وانظروا إلى قول الله تعالى لنبيه لمج!ته:" عفا الله عنك لم أذنت لهم” (التوبة: 43). فقبل أن يعاتب قدم العفو... وكل مواطن العتاب للرسل كان فيها من بليغ الكلام، ومن الإحسان شئ يفوق الوصف. ليتكم تعلمتم شيئا من الخطاب الإلهي الكريم لرسله الكرام. وعرفتم كيف يكون الأدب مع علماء الإسلام، وأهل الاجتهاد الذين يجتهدون فيخطئون ويصيبون، وقد كان الواجب عليكم لو كان عندكم علم أو أدب أن تنصحوا لهم وتقيلوا عثرتهم، وتغفروا زلتهم وتسددو مسيرتهم. ولكن كيف وقد اصلتم أصولا تهدم الدين، وتنسف الدعاة إلى الله رب العالمين فلا يكاد يقع أحدهم في أدنى خطا حتى تجعلوا منه وسيلة إلى هدمه وإفنائه والطعن فيه وتجريحه،، فإلى الله المشتكى ممن يدعى نصرة الدين، وعمله لهد م الإسلام والمسلمين،،.

التعليق:

هذا مع أن أحاديث ستر المسلم كثيرة إن كان على خطأ ويتم نصحه وتقويمه، وهؤلاء على اجتهاد، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:”لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة"(1).

وعن دخيل أبي الهيثم كاتب عقبة بن عامر قال: قلت لعقبة بن عامر، إن لنا جيرانا يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشرطة ليأخذوهم، قال: لا تفعل وعظهم، وهددهم، قال: إني نهيتهم فلم ينتهوا وأنا داع لهم الشرطة ليأخذوهم، فقال عقبة، ويحك لا تفعل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”من ستر عورة فكأنما استحيا موءودة في قبرها"(2).

وعن يزيد بن نعيم أن ماعزا الذي زنى جاء إلى هزالا وأخبره بما صنع فأمره أن يأتي النبي فأقر عنده أربع مرات بالزنا فأمر برجمه، وقال لهزال: لو سترته بثوبك كان خيرا لك”(3). وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال:”يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلف قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه ا أ-تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله” ونظر ابز، عمر يوما إلى الكعبة وقال”ما أعظمك، وما أعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة  عند الله منك”(4).

الأصل الخامس: لا يحمل مطلق على مقيد ولا مجمل ملي مفسر، ولا مشتبه علي محكم ألا في كلاما الله.. (1).

ه. وهدا أصلهم الخامس، وقد اتخذوا هذا الأصل حتى يحكموا بالكفر والبدعة على من شاءوا من الدعاة فبمجرد أن يجدوا في كلامه كلمة  موهملا، أو عبارة غامضة، أو قول مجمل يمكن ان يحمل على معنى فاسد فإنهم يسارعون بحمل هذا القول على المعنى الفاسد الذي يريدون، ولا يشفع عندهم ان يكون قائل هذا القول المجمل قد فسره في مكان آخر تفسيرا صحيحا، أو قال بخلاف المعنى الفاسد المتوهم في مواضع أخرى.

وهذا تصيد وترقب للخطأ من المسلم، وتحميل لكلام المسلم ما لا يحتمله، وتفسير له بما يخالف نيته وقصده، مع استثنائهم لمشايخهم وأتباعهم.

التعليق:

جعل العلماء حقا للمسلم على أخيه المسلم، ليس منها تبديعه أو تكفيره وإنما حقه على أخيه، أن يستر عورته، ويغفر ذلته، ويرحم غيرته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعن ذمته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسته، ويرد ضالته، ويواليه، ولا يعاديه، وينصره عبئ ظالمه، ويكف عن ظلمه لغيره، ولا يسلمه ولا يخذله ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. وأن يحسن به الظن وبأهل الدين أوجب، قال عليه الصلاة والسلام:”إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث” أخرجه البخاري ومسلم. وسوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة محظور، وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :”حسن الظن من العبادة" أخرجه حمد و أبو داود وابن حبان والمؤمن لا يفرط في أخوة أخيه ما دام على الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن، يكف لسانه ويعرف حقوق الناس عليه، حتى يكون من الفائزين لا من الهالكين”(2).

الأصل السادس: خطا الإنسان في اصول أدين غير مغتفر..

6 - ومن فروع التكفير المشين لهؤلاء اعتبارهم أن الإنسان أي إنسان عالما كان ام جاهلا بأمور الأحكام ومسائل الشريعة لا يغتفر له جهلة أو خطؤه في أصول الدين.

وقد جاء أصلهم هذا بناء على فهمهم السقيم لما ذكر العلماء من أن الاجتهاد لا يقبل في العقيدة. ففرعوا بهضمهم الباطل الخارجي أن من وقع في الخطأ في مسائل العقيدة فإنه غير مغفور له. وبذلك أخرجوا علماء الأمة من الملة من حيث لا يشعرون.

التعليق:

لا شك أن المذهب السليم في الاعتقاد هو ما عليه جمهور الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولكن مع ذلك فإننا نعلم أن هؤلاء قد اختلفوا في المجال العقدي، قد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في بعض المسائل العقدية، قد خالف عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عائشة فيما يتعلق برؤية رسول الله جم!ذ لربه ليلة المعراج، فعائشة رضي الله عنها لا ترى الرؤية ممكنة في الدنيا، وهذا أيضا مذهب أبي ذر، وقد ثبت عنه في صحيح البخاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم”هل رأيت ربك، فقال (نور أني أراه ؟)، فعائشة قال لا بن عباس: لقد قف شعري مما قلت، والواقع أن المسألة عقدية وهي محل خلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم، ونظيرها من المسائل العقدية كثير، فقد روي عن عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه -: أنه أنكر أن تكون المعوذتان سورتين من القران، ولاشك أن من أنكر هذا اليوم فهو مرتد، ومقصود ابن معسعود أن هاتين السورتين ليستا مما كان رسول الله في س!ذ يصلي به دائما في الفرائض وإنما رأي ابن مسعود أنها رقية نزلتا لرقية الرسول صلى الله عليه وسلم من السحر، دون أن تكونا منزلتين للقراءة في الصلاة، وهذا مذهب له، ولأنه لم يستقر في ذلك الوقت كتابة القران كله في المصحف كان العذر لا بن مسعود في إنكار أن تكون هاتان السورتان من كتاب الله، وليس العذر لمن بعده في ذلك (2).

واختلافاتهم في هذا المجال كثيرة، وكذلك اختلاف من بعدهم، فقد اختلف التابعون في كثير من المسائل العقدية، فمثلا: اختلافهم في الخروج هل هو كفر أو لا؟، وكذلك اختلافهم في قتل النفس التي حرم الله بغير حق هل هو كفر أم لا؟، وكذلك الإرجاء فقد حصل في أيام التابعين ورمي به كثير من أئمة التابعين كقتادة وهشام الدستوائي، وكثير من الأئمة الكبار من أئمة التابعين رموا بأنهم كانوا يقولون بالإرجاء، وكذلك منهم حماد بن أبي سليمان ومنهم أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -،  فكل هؤلاء نسب إليهم القول بالإرجاء، وهذا يدل على أن السلف قد اختلفوا في بعض المجالات العقدية وهؤلاء من أئمة السلف.

وكذلك القول بالقدر أيضا، روي عن بعض أئمة السلف ما يشع بميله إلى بعض الأقوال الزائفة المنهي عنها ولذلك فإن بعض الأئمة رمي بالقول بالقدر في بعض المسائل، ومنهم من لا يثبت عنه هذه، والذين ثبت عنهم أيضا التمسوا لهم العذر بأن هذا إنما كان اجتهادا في ذلك الوقت ورجعوا عنه، ومن لم يرجع منهم فلعل الحجة لم تبين له ولم تثبت له، وهم إنما يخاطبون باجتهادهم وما أداهم إليه فهمهم من النصوص”لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها”.

ولا شك أن المذهب الصواب هو ما عليه الجادة من رأي الجمهور، ولكن هذه الأغلاط تلتمس الأعذار لأصحابها إذا كانوا إنما فعلو ذلك عن اجتهاد وعن حسن نية وعن حسن طوية. ومن اختلافهم كذلك في الأمور العقيدية: هل القلم أول المخلوقات أم العرش ؟ وكلاهما له معتمدة أما أولية القلم، فمعتمدها حديث عبادة بن الصامت المروي في أبي داود ومسند الإمام أحمد، قال:”سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: أول ما خلق الله القلم”الحديث.

أما معتمد أولية العرش حديث عبدالله بن عمر الوارد في الصحيحين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كتب الله مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشة على الماء"(1).

واختلف أهل السنة، هل يكون الكفر على مراتب كفر دون كفر؟، كما اختلفوا هل يكون الإيمان على مراتب، إيمان دون إيمان ؟ وهذا اختلاف نشأ من اختلافهم في مسمى الإيمان، هل هو قول وعمل يزيد وينقص أم لا(2).

كما اختلفوا فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافا كثيرا، فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهواية، وسائر أهل الحديث وأهل المدينة، إلى: أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان.

وذهب كثير من الحنفيه إلى ماذكره الطحاوي رحمه الله، أنه الإقرار باللسان والتصديق بالجنان ومنهم من يقول إن الإقرار باللسان ركن زائد وليس بأصلي، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتوريدي رحمه الله، وهو الذي يروي عن أبي حنيفة( 1).

أهل الذنوب من أهل المله:

ثم قال الإمام الطحاوي بعد ذلك: ليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول، فإنهم لا يخرجون من الملة.

المذموم هو التعصب وحمل الناس على غير آرائهم:

ثم قال الإمام الطحاوي بعد هذا كله: ولكن أردا ما في ذلك، هو التعصب على من يضادهم والزامه لمن يخالف قوله بما لا يلزمه، ثم الغشنيع عليه، وإذا كانا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين وأن يجادلوا بالتي هي أحسن، فكجف لا يعدل بعضنا على بعض في مثل هذا الخلاف، قال تعالى” في يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بقا تعملون بر (المائدة: 8)(2).

وبعد فهل يتقي ابله هؤلاء الناس في الأمة ؟ نسأل الله الهداية. وبعد فيحسن بنا أن نبين أقوال العلماء في حقيقة الاختلاف.

الاختلاف في الشريعة حقيقة:

قال الإمام الشاطجي (3): (فإن قيل): إن كان ثم ما يدل على رفع الاختلاف فثم ما يقتضي وقوعه في السريعة، وقد وقع. والدليل عليه أمور:”منها" إنزال المتشابهات ؟ فإنها مجال للاختلاف، لتا بين الأنظار واختلاف الآراء والمدارك. هذا وإن كان التوقف فيها هو المحمود فإن الاختلاف فيها قد وقع، ووضع الشارع  لها مقصودا له، وإذا كان مقصودا له وهو عالم بالمآلات فقد جعل سبيلا إلى الاختلاف، فلا يصح أن ينفي عن الشارع وضع مجال الاختلاف جملة.

"ومنها" الأمور الاجتهادية التي جعل الشارع للاختلاف مجالا، فكثيرا ما تتوارد على المسألة الواحدة أدلة قياسية وغير قياسية، بحيث يظهر بينها التعارض ومجال الاجتهاد لما قصده الشارع في وضع الشريعة حين شرع القياس، ووضع الظواهر التي يختلف في أمثالها النظار ليجتهدوا فيثابوا على ذلك. ولذلك نبه في الحديث على هذا المقصد بقوله عليه الصلاة والسلام:”إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران” فهذا موضع آخر من وضع الخلاف بسبب وضع مجاله.”ومنها" أن العلماء الراسخين الأئمة المتقين اختلفوا: هل كل مجتهد مصيب ؟ أم المصيب واحد؟ والجميع سوغوا هذا الاختلاف، وهو دليل على أن له مساغا في الشريعة على الجملة. وأيضا فالقائلون بالتصويب معنى كلامهم أن كل قول صواب، وان الاختلاف حق، وأنه غير منكر ولا محظور في الشريعة.

وأيضا فطائفة من العلماء جوزوا أن يأتي في الشريعة دليلان متعارضان، وتحرير ذلك عندهم مستند إلى أصل شرعي في الاختلاف.

ورأى الغزالي والقاضي والمزني والمعتزلة أن الحق يصح تعدده بتعدد اختلاف المجتهدين في المسائل التي لا نص فيها ولا إجماع وهي محلات الاجتهاد والمختار أن الحق واحد. من أصابه أصاب، ومن أخطأه  أخطأ. وهو مأجور أيضا. وهو رأي الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء.

وقال في التحرير: والحق أن التعارض في الأدلة الشرعية. إنما هو في الظاهر فقط، لا في نفس الأمر، ولذلك يصح أن يقع بين القطعيين. وبهذا يرد على من قال إنه يشترط فيه الوحدات الثمانية: لأن ذلك يصح إذا كان التعارض حقيقيا وفي نفس الأمر. قال الشافعي: لا يصح عن النبي لمج!نه حديثان صحيحان متضادان ينفي أحدهما ما يثبته الأخر، ومن غير جهة الخصوص والعموم والإجمال والتفسير، إلا على وجه النسخ، وحكى ألما وردي والروياني عن كثيرين: أن التعرض على جهة التكافؤ جائز وواقع ( 1).

وطائفة أيضا رأوا: أن قول الصحابي حجه، فكل قول صحابي حجة وان عارضه قول صحابي آخر كل واحد منهما حجة، وللمكلف في كل واحد منهما متمسك، وقد نقل هذا المعنى عن النبي !ز حيث قال:” أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديى” فأجاز جماعة الأخذ بقول من شاء منهم إذا اختلفوا.

وقال القاسم بن محمد: لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي !ذ في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرا منه قد عمله. وعنه أيضا: أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شيء ومثل معناه مروي عن عمر بن العزيز، قال: ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم: قال القاسم: لقد أعجبني قول عمر بن عبدالعزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله لم يختلقوا ج لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق. وانهم أئمة يقتدي بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة. وقال بمثل ذلك جماعة من العلماء.

وأيضا فإن أقوال العلماء بالنسبة إلى المقلدين كأقوال المجتهدين ويجوز لكل واحد على قول جماعة أن يقلد من العلماء ما شاء وهو من ذلك في سعة. وقد قال ابن الطيب وغيره في الأدلة إذا تعارضت على المجتهد واقتضى كل واحد ضد حكم الآخر ولم يكن تم ترجيح فله الخيرة في العمل بأيهما شاء(1).

وقال الإمام البنا. رحمه الله. ملخصا هذه الأقوال وموضحا ذلك بيسر بفهمه كل إنسان بغير كد للذهن:

"لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض - برأي أو معصية -إلا إن أقر بكلمة الكفر، وأنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذب صريح القران، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمله تأويلا غير الكفر" انظر رسالة التعاليم الأصل العشرين.

الأصل السابع: إطلاق لفظ الذنديق على المسلم بلا دليل سوى الهوى

7. والزنديق لا يطلق في لغلا أهل العلم في الأغلب” إلا على الكافر المظهر للإسلام، وبالخصوص على الثنوية القائلين بإلهين، ومدعى النبوة والرسالة، والفرق الباطنية الذين يحملون معاني القرآن على عقائدهم الوثنية.

وقد ذب كثير من الفقهاء إلى أن الزنديق يقتل دون استتابة بمجرد إظهار كفره لأنه منافق كذاب.

وقد تساهل أصحاب هذا الفكر الجديد بإطلاق لفظ الزنديق على المسلم المتبع للقرآن والسنة بخطأ أخطا فيه،، فلا حول ولا قوة إلا بالله. لانا لله لانا إليه راجعون،، ولعل العذر لهم في ذلك هو تزاحم هذه الألفاظ في قاموسهم الذي لا يوجد فيه إلا زنديق.. وخارجي.. وكافر ومبتدع..

التعليق:

لقد وقف الأستاذ البنا رحمه الله أمام الاختلافات التي بددت جهد العاملين للإسلام فقال:

فكرت طويلا أيها الإخوان في هذا الخلاف الذي يمكن أن نقول عنه خلافا علميا بين الجماعات الإسلامية في مصر أولا وفي بلدان العالم الإسلامي ثانيا، وتلمست - طويلا - العمل على جمع القلوب حول هدف أسمى تلتقي عنده الأرواح المؤمنة وتتجه إليه القلوب العاملة، وتقوم على أساسه النهضة المنتظرة...

وقد أردت أن أضع أمام أنظار المفكرين من رجال الإسلام هذه الصيغ التي أعتقد أنها تقرب إلى أقصى حد بين وجهات النظر المختلفة... مع موافقتها للحق إن شاء الله... رجاء أن يطيلوا فيها النظر. حتى إذا رأوها صالحة لجمع الكلمة، اتخذنا منها أساسا...”.

وعليه، فإن الأستاذ البنا قد وضع الأصول العشرين التي جاءت في سياق واضح، وتتابع منقطع محدد، وتقوم بحق بوضع أساس نهضوي لتعاون الساحة الإسلامية.

وهنا، يقول الأستاذ البنا:

ا - إنها تقرب بين المتباعدين.

2 -إنها موافقة للحق من الناحية العلمية. ثم يطالب أن يطيل أهل العلم فيها النظر، وأن تصبح دستورا للوحدة الثقافية بين المسلمين، كما ألزم بها أتباعه وإخوانه بأن تصبح أول ركن في العهد بينه وبينهم على العمل أن يعوا هذه المسائل جيدا، وأن يدعوا إلى تبنيها. ويحسن بنا أن نذكر الأصول التي تناسب المقام:

أصل في انتقاء العصمة عن أقوال الرجال:

"وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فككاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكننا لا نعرض للأشخاص - فيما اختلف فيه - بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم، وقد افضوا  ما قدموا" (1).

أصل في النهى عن التفرق في الدين:”والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب”(2).

أصل في النهى عن الخوض فيما لا ينبني عليه عمل:

"وكل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها من التكليف الذي نهينا عنه شرعا، ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع، والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف”.

أصل في محظورات التكفير

" لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض - برأي أو معصية -إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر"(1).

الأصل الثامن: أقامة الحجة لا تكون الا في بلاه بعيدة من الإسلام

8. ومن دواهي القوم قول بعضهم، أن إقامة الحجة على من وقع في الكفر لا تكون إلا في البلاد النائبة والبعيدة عن الإسلام أما بلاد المسلمين فلا حاجه لمن وجد فيها إلى أن تقام الحجة عليه، وعلى  هذا الأصل الخارجي يكون كل من وقع في الكفر أو الشرك وهو في بلاد التوحيد فهو مشرف كافر ولا حاجة عند ذلك إلى إقامة الحجة عليه، وهذا الأصل  من فروع الأصل المتقدم

من وقع في الكفر فقد كفر)، باستثناء الحكام فهم عندهم بحاجة لإقامة الحجة لينطبق عليهم الكفر من عدمه أما العامة فلا حاجة عندهم لإقامة الحجة عليهم.

التعليق:

رحم الله العامة، فإنه هو وحده القادر على رحمتهم من هؤلاء البشر الذين لا يرعون فيهم إلا ولا ذمة، ثم كيف لا يعذر من وقع في الخطأ وهو في بلاد التوحيد، وكيف لا يبين له أو تقام الحجة عليه ؟ أيفترض أن كل مواطن في تلك البلاد عالم وحجة في الدين ولا يمكن أن تعتريه شبهة؟ وقد دخل بلاد المسلمين الغزو الثقافي وتعلم الكثيرون في الغرب وجاؤوا بشبه لا تعد ولا تحصى، وقد قصر العلماء وقصرت الدول في البيان ورد تلك الشبهات، فلا إعلام يرد أو يدفع، بل ينهج نهج الغرب ويكرس ويشكك، ولا حرية ولا خطة لتعليم جاد للإسلام بل تجفيف للمنابع ولفت للأنظار عن الشريعة.

ثم كيف يعذر الحاكم الذي عنده من المستشارين وغيرهم ومن المكتبات والعلماء والوعاظ ورجال الإفتاء الجمع الكبير ؟ أخوفا منهم ؟ أم محابات ومداراة، ومجاملة في دين الله تعالى ؟ ! والحق أن هذه الآراء ينبغي، الرجوع عنها، ولا يجوز أن تصدر عن رجال عاديين فضلا عن أن يكو-نوا دارسين أو علماء.

ثالثا: أصولهم في العمل الجماعي

الأصل التاسع: العمل الجماعي أم  الفتن.. ( 1)

9. حطت هذه الطائفة رحالها على عروة وثقى من عرى هذا الدين ألا وهى العمل الجماعي بغية حلها فقالوا عنه: ام الفتن. وللتدليل على حرمة العمل الجماعي قالوا إن العمل الجماعي لم يرد في الشرع بدليل أنه لو كان أمرا واجبا لوجب ان يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم  بيانا عاما قاطعا للعذر لا أن يجعله نهية للأراء، وعرضلا للأهواء وموطنا للنزاع ةالخلاف، ومستودعا للفرقة والاختلاف. وقالوا عن أدلة مشروعية العمل الجماعي 4 أنها لا تهدي إلى صواب الحق أو حق الصواب، وفيها التكلف الوعي الذي لا يعرفونه إلا في منطق الفلاسفة، وأما ما تفرضه الظروف في بعضي البلدان على الدعاة إلى الله من الإسرار بدعوتهم فاعتبروه باب ضلالة والعياذ بالله تعالى، حيث ان دينهم جلى طاهر لا خفاء فيه، ولا دس، ولا كتمان، ولأسرار

التعليق:

لا شك أن مقاومة المنكر يحتاج إلى قدرة، وتتمثل تلك القدرة إما في حاكم، وإما في كل مسؤول عمن تحت يده، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم”كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”(2)، والكل مطالب بأن يقاوم المنكر، فإذا لم يوجد من يقاوم المنكر من السلطات، بل وجد من السلطات نفسها من يحض على المنكر ويشجعه ويعين أصحابه، وجب على المسلمين نصحه وردعه وإيقافه بالطرق التي لا تؤدي إلى  فتنة وبالأساليب المشروعة والمؤثرة، ولا تكون تلك الأساليب مؤثرة إلا إذا كانت لها قدرات، قدراى شعبية، أو دستورية وقانونية أو ضاغطة ترهبها السلطات وتعمل حسابها، ولا يكون ذلك إلا إذا كان الإنكار من جميع الناس أو جماعة مؤثرة، والقول بغير ذلك يكون من قبيل القعود أو الجبن الذي يسلب الأمة قيمتها: وصد ق رسول الله بين:”إذا رأيتم أمتي تهاب أن ف قول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم” وقوله !ر:”إن الناس إذا رأو الظالم لم يأخذوا على يدية أوشك الله أن يعمهم بعقابه” مسند الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة. إلى أخر الأحاديث الكثيرة في الباب ولهذا وجب تغيير المنكر، والدعوة إلف المعروف سواء قامت الدولة بذلك أم لا، ولكن إذا لم تقم بذلك كان هذا الزم وأكد.

والحقيقة أن الإسلام لا تقوم تعاليمه وحدوده إلا بجماعة وإمام وحكومة إسلامية، ترعن شئون المسلمين، وتذب عنهم، وتحمي حماهم، وتحفظ وحدتهم، وتنشر عقيدتهم، وترد المارقين، وتقهر المتزندقين، وتنبه الغافلين عن الحق، لابد من حكومة لتعلن الإسلام في ربوع الأرض وتبلغه للمعمورة وتحمي دعاته وتحمل منهجه، وتنفذ حدوده، وهي ضرورة وفريضة لرفع مستوى النشء ثقافيا وتربويا، ورد الهجمة المسعورة الفاجرة عن ديار المسلمين، وإقامة جوانب الحياة الإسلامية السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية”إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”( 1).

ضرورة لتوحيد الكلمة وجمع الشمل وإظهار الهيبة وإقامة الحق والعدل، وتبليغ الرسالة وحفظ الأمانة، ورضاء الله في تبليغ دعوته. فإذا لم توجد هذه الجماعة وجب على المسلمين إقامتها، ولا يجوز التقاعس عن ذلك وإقامتها تحتاج إلى رأي عام وتغير بالأمة وبالمؤمنين وبجماعة مؤثرة.

هل تحتاج الدعوة إلى جماعة:

نعم تحتاج الدعوة إلن الله جماعة، والدليل على ذلك: العقل والنقل: أما عقلا: فإن العمل الفردي لا يستطيع أن يؤثر أو يغير إلا إذا كان في جماعة، وما نجحت فكرة أو سادت وعزت إلا آمنت بها جماعة وحملتها وجاهدت في سبيلها، والتاريخ خير شاهد على ذلك في القديم والحديث، علم هذا أعداء الإسلام، ولهذا فهم يحاربون كل تجمع إسلامي يحمل الفكرة ويربي عليها، ولا بأس عندهم أن يسمحوا بالاتجاه الفكري للأفراد، والعبادات والشعائر التي لا تؤدي إلى تجمع حركي، لعلمهم أنه يستحيل أن تؤدي هذه الأعمال إلى سيادة فكرة أو إنهاض أمة أو إيقاظ شعب وقيادة جيل، وقد يكون هذا الاتجاه الفردي مقصودا من قبل أعداء الإسلام لامتصاص حماس الجماهير وتفريغ شحناتهم في نشاطات وتفاعلات غير مؤثرة على كيانهم ومستقبلهم.

وأما نقلا: فسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم  خير شاهد على ذلك، حيث دعا الرسول صلى الله عليه وسلم  الناس، وربئ على الإسلام، وكون الجماعة المسلمة وحافظ عليها، وكون فيها قوة مؤثرة استطاعت أن تحمل المنهج وتبلغ الرسالة ولا تخشى في الله لومة لائم، وقد هددت هذه الجماعة عند توانيها باستبدالها بجماعة أخرى تحمل الرسالة والمنهج قال تعالى:” وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" ( محمد: 38)

هذا وقد تجمع الباطل أمام أمة الإسلام من صليبيين وصهيونيين وحاقدين ومخربين مع باطل من بني جلدتنا وسلطتنا، فلا يقاوم هذا كله إلا بجمهور وجماعة، ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:”لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة”.

وقد رأينا الشيخ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا، يقول: إن الإسلام والدعوة إليه في هذا العصر لا يصلح إلا بجماعة لأن الباطل تجمع ولا يصلح له إلا جماعة، وبهذا قال أصحاب الفكر الإسلامي في العصر الحديث.

يقول الشهيد حسن البنا:”يجب أن تحمل هذه الدعوة جماعة تؤمن بها وتجاهد في سبيلها"(1). ويقول الأستاذ المودودي:”من سنن الله في الأرض أن يحمل هذه الدعوة رجال يحافظون عليها ويسوسون أمرها" (2).

ويقول الشهيد سيد قطب:”فكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي بدون جماعة؟ لابد من طليعة تعزم هذه العزمة" معالم في الطريق ؟ فلماذا تهدم الجماعات الإصلاحية ويترك غيرها يعيش في الأرض فسادا ولحساب من ؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الأصل العاشر: الحزبية المذمومة والعمل الجماعي المشروع وجهان لعملة واحدة. 00(1)

10. اعتبر هؤلاء أن الحزبية للأزمة للعمل الجماعي غير متفككة عنه، وبالتالي اسقطوا سلبيات الحزبية على العمل الجماعي، فقالوا: إن الحزبية لا تصبح دينا إذا سميناها عملا جماعيا أو قلنا جماعة،، أو جمعية،، أو لجنة،، أو حركة،، وعليه فقس،،،

وذلك انهم يرون هذه الأسماء والمصطلحات العامة البعيدة عن الوضوح قد جنت على الإسلام والمسلمين، وهكذا هذه الحزبيات المعاصرة والتجمعات الحاضرة كانت بداياتها نيات خير... ثم أصبحت تكتلات تراد لذاتها !

التعليق:

لاشك أن من غامت في أعينهم أصول الدعوات وجهلوا تماما فوائد العمل الجماعي في إحقاق الحق، وقصرت عقولهم وجهودهم عن تنظيم شيء لهدا يستطيع أن يقود دعوة ورجال ليرد للأمة كرامتها وعزمها ومجدها التقليد، لا شك أنهم يقولون مثل هذا القول لأن الزمن قد فاتهم والإبداع الدعوى والتنظيمي قد جانبهم، وليس كل الناس يصلحون للنهضات أو لقيادة الدعوات وبعث الرسالات، ولكنك إذا نظرت إلى   عبقرية الإمام وصحبه في بناء جماعة الإخوان على مناهج وغايات استلهمت تاريخ دعوة الرسول وصحبه واستلهمت مسلمات العصر وروحه، عرفت قيمة الرجال والعقول والعزائم ورأيت بها البصائر التي استضاءت بنور الله، ويحسن بنا أن نذكر الخصائص الفكرية التي بنى عليها البنا جماعة الإخوان في هذا العصر تحت عنوان خصائص الإخوان:

1.الربانية:

في ذلك يقول الأستاذ البنا:

"أما أنها ربانية، فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعا، أن يتعرف الناس إلى   ربهم، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصماء وجحودها إلى  طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها، ونحن الإخوان المسلمين نهتف من كل قلوبنا:”الله غايتنا". فأول أهداف هذه الدعوة أن يذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى  “ والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم معه يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون” (البقرة ا 2). وهذا في الحقيقة هو المفتاح الأول لمغاليق المشكلات الإنسانية التي أوصدها الجمود والمادية في وجوه البشر جميعا، فلم يستطيعوا إلى   حلها سبيلا، وبغير هدا المفتاح فلا إصلاح” (رسالة دعوتا في طور جديد).

2 - ا لعالمية:

وعن هذه الخاصية يقرر الأستاذ البنا:”وأما أنها عالمية فلأنها موجهة إلى  الناس كافة لأن الناس في حكمها أخوة: أصلهم واحد، وأبوهم واحد، ونسبهم واحد لا يتفاضلون إلا بالتقوى وبما يقدم أحدهم للمجموع من خير سابغ شامل” يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث فيها رجالا كثيرا ونساء  واتقوا الله الذي تسألون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا بر (النساء: ا).

فنحن لا نؤمن بالعنصرية الجنسية، ولا نشجع عصبية الأجناس والألوان، ولكننا ندعو إلى  الأخوة العادلة بين بني الإنسان” (رسالة دعوتنا في طور جديد).

3.التميز:

وفي رسالة المؤتمر الخامس، يقرر الأستاذ البنا خاصية التميز فيقول:”واسمحوا لي أيها السادة أن أستخدم هذا التعبير (إسلام الإخوان المسلمين)، ولست أعني به أن الإخوان المسلمين إسلاما جديدا غير الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن ربه، وإنما أعنى   أن كثيرا من المسلمين في كثير من العصور خلعوا على الإسلام نعوتا وأوصافا وحدودا ورسوما من عند أنفسهم واستخدموا مرونته وسعته استخداما ضارا، مع أنها لم تكن إلا للحكمة السامية و فاختلفوا في معنى  الإسلام اختلافا عظيما، وانطبعت للإسلام في نفوس أبنائه  صور عدة تقرب أو تبعد أو تنطبق على الإسلام الأول الذي مثله رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأصحابه خير تمثيل. وهكذا اتصل الإخوان بكتاب الله واستلهموه واسترشدوه، فأيقنوا أن الإسلام هو هذا المعني الكلى الشامل، وأنه يجب أن يهيمن على كل شئون الحياة وأن تصطبغ جميعها به وأن تنزل على   حكمه وأن تساير قواعده وتعاليمه وتستمد منها ما دامت الأمة تريد أن تكون مسلمة إسلاما صحيحا" (رسالة المؤتمر الخامس).

4.الشمولية، وفي تحديده لهذه الخاصية، يفصل الأستاذ البنا فيقول:”كان من نتيجة هذه الفهم الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة، وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفكر الإصلاحية، وأصبح كل مصلح مخلص غيور يجد فيها أمنيته، والتقت عندها آمال محبي الإصلاح الذين عرفوها وفهموا مراميها، وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك، إن الإخوان المسلمين: دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية. وهكذا نر! أن شمول معنى   الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولا لكل مناحي الإصلاح، ووجه نشاط الإخوان إلى  كل هذه النواحي، وهم في الوقت الذي يتجه فيه غيرهم إلى  ناحية واحدة دون غيرها يتجهون إليها جميعا، ويعلمون أن الإسلام يطالبهم بها جميعا" (رسالة المؤتمر الخاص).

ويلخص الأستاذ البنا معني هذه الخاصية بقوله:

"الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كب وغنى  ، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء" (رسالة التعاليم).

ولتأكيد هذه الخاصية فكرا وسلوكا لجميع البشر إلن أن يرث الله الأرض ومن عليها يقول الأستاذ البنا:”... ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضوع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا بنتهي بأمر حتى   يرث الله الأرض ومن عليها ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين” (رسالة تحت راية القرآن).

5.العلمية:

ولتأكيد ضرورة العلم في مشروع النهضة، يقول الأستاذ البنا:

"كما تحتاج الأم إلى  القوة كذلك تحتاج إلى  العلم الذي يؤازر هذه القوة ويوجهها أفضل توجيه، ويمدها بما تحتاج إليه والإسلام لا يأبى العلم بل يجعله فريضة من فرائضه وقد وزن الإسلام مداد العلماء بدم الشهداء، ولازم القران بين العلم والقوة في الآيتين الكريمتين:” فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون * يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين” (التوبة: 122، 123)

ولم يفرق القرآن بين علم الدنيا وعلم الدين، بل أوصى بهما جميعا وجمع علوم الكون في آية واحدة، وحث عليها وجعل معرفته، وذلك في قوله تعالى:" ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها  ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام تختلف ألوانه  كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء” (فاطر ة 27:28) (رسالة نحو النور).

6. العقلانية:

وعن هذه الخاصية يقول الأستاذ البنا:”أيها الأخوان المسلمون: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا أقل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس ا لكون واستخدموها وحولوا تيارها. واستعينوا ببعض الصبر، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد” (رسالة المؤتمر الخامس).

07 الاستقلالية:

وعن هذه الخاصية، يؤكد الأستاذ البنا بأنها:”دعوة لا تقبل الشركة إذ أن طبيعتها الوحدة فمن استعد لذلك، فقد عاش بها وعاشت به، ومن ضعف عن هذا العبء فسيحرم ثواب المجاهدين، ويكون من المخلفين ويقعد مع القاعدين، ويستبدل الله لدعوته قوما آخرين:” أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم  ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، (المائدة: 54) (رسالة دعوتنا).

8. العملية:

وعن صفة”العملية"، يحدد الأستاذ البنا أسبابها الرئيسية فيقول:”وأما إيثار الناحية العملية على   الدعاية والإعلانات، فقد أثارها في نفس الإخوان ودعا إليها في مناهجهم أمور: منها جاء في الإسلام خاصا بهذه الناحية بالذات، ومخافة أن تشوب هذه الأعمال شوائب الرياء فيسرع إليها التلف والفساد، والموازنة بين هذه النظرة وبين ما ورد في إذاعة الخير، والأمر به والمسارعة إلى  إعلانه ليتعدى   نفسه، أمر دقيق قلما يعم إلا بتوفيق. ومنها نفور الإخوان الطبيعي من اعتماد الناس على الدعايات الكاذبة والتهريج الذي ليس من ورائه عمل. ومنها ما كان يخشاه الإخوان من معاجلة الدعوة بخصومة حادة أو صداقة ضارة ينتج عن كليهما تعويق في السير أو تعطيل عن الغاية" (رسالة المؤتمر الخامس).

9 -الوسطية، وعن هذه الخاصية يقرر الأستاذ البنا ضرورتها للمشروع الإسلامي فيقول:”هذا الإسلام الذي بني على   المزاج المعتدل والإنصاف البالغ... والمسلمون اليوم بحاجة أكيدة لهذه الخاصية، تمكنهم من تقديم فكرتهم ومشروعهم الإسلامي كنموذج حضاري بديل للبشرية كلها يكون شاهدا عليها، مصداقا لقوله تعالى” وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” (البقرة: 143) (رسالة نحو النور).

من هذا العرض المختصر لأساس الدعوة وخصائصها الفكرية، يتضح لنا جليا أن أساس دعوتنا بعامة، ومشروعنا النهضوي بخاصة، والخصائص الفكرية التي يتصفان بها.. تنبثق جملة وتفصيلا وفقا لفكر الأستاذ البنا، من إسلامنا العظيم كدين ونظام حياة شامل وكامل. فما هي إذن خصاى  ص دعوة هؤلاء، أهي تلك الأصول التي بين أيدينا؟ سبحان الله.. أم هي كمية من الجدليات التي أرجعت لنا عصر علماء الكلام، وزخم السفسطائية.

الأصل الحادي عشر: تحريمهم العمل الجماعي والتنظيم الدعوي على الجماعات الإسلامية وإباحته لأنفسهم وأشياعهم .

11. مع أن هؤلاء  أفتوا بحرمة العمل الجماعي والتنظيم الدعوى بحجة أنه يدعو إلى   الحزبية أعمالهم جاءت مخالفة لفتواهم، فلديهم عمل منظم كالأسابيع الثقافية والمخيمات الربيعية، وطبع الكتب، والتواصل الفكري والتنظيمي بينهم في   بقاع مختلفة، ويين قيادتهم (المدنية) المعروفة إلى غير ذلك مما لا سبيل إلى إنكاره.

التعليق

4. لا بأس بذلك عندهم لنشر هذا الفكر الذي يهدم مخالفيهم ويثبط العاملين المخلصين.

والحقيقة التي لا يستطيع أن يماري فيها أحد أن العمل الجماعي في الخير هو من التعاون على   البر والتقوى  ، أما التعاون على   الإثم والعدوان فهو ممنوع، وهو ما كانت عليه الجاهلية، وكانت تبني عليها أحلافها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم  ناهيا عن عمل الجاهلية:”لاحلف في الإسلام” أي من أحلاف الجاهلية المعارضة للإسلام، أما الموافقة له فلا بأس بها، بل الإسلام يرحب بها في الخير، وقد أخذ البعض الحديث الأول، وأرادوا منع أيما عمل جماعي في الخير، وهذا من الضلال العلمي، وإليك أراء العلماء في ذلك:

رأي الإمام ابن الأثير( 630-)،

قال الإمام ابن الأثير-رحمه الله -:  أصل الحلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على   الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم:”لا حلف في الإسلام”، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطبين وما جرى   مجراه فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم:”وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"( 1)، يريد من المعاقدة على   الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام، وقيل: المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله:”لا حلف في الإسلام” قاله زمن الفتح فكان ناسخا (1)، (2).

رأي شيخ الإسلام محيى الدين النووي (676-):

قال الإمام النووي معلقا على الحديث الذي أخرجه الشيخان عن عاصم الأحول قال:”قلت لأنس: أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: لا حلف في الإسلام ؟ فقال أنس بن مالك قد حالف النبي بين قريش والأنصار في داري”. قال رحمه الله -:

"قال القاضي قال الطبري لا يجوز الحلف اليوم، فإن المذكور في الحديث والموارثة به وبالمؤاخاة كله منسوخ لقوله تعالى:

" وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض” (الأنفال: 75). وقال الحسن: كان التوارث بالحلف فنسخ بآية المواريث، قلت -أي النووي -أما ما يتعلق بالإرث فيستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله والتناصر في الدين والتعاون على   البر والتقوى   وإقامة الحق فهذا باق لم ينسخ، وهذا معنى   قوله صلى الله عليه وسلم  في هذه الأحاديث:”وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:”لا حلف في الإسلام” فالمراد به حلف التوارث على ما منع الشرع منه، والله أعلم”(3).

رأي الحافظ ابن حجر:

قال الحافظ ابن حجر في كتاب”الأدب” باب”الإخاء والحلف” في معرض تعليقه على   حديث عاصم قال: قلت لأنس بن مالك: أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا حلف في الإسلام ؟ فقال: قد حالف النبي  صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري.

قال الحافظ ابن حجر:”وتضمن جواب أنس إنكار صدر الحديث أن فيه نفي الحلف، وفيما قاله هو إثباته، ويمكن الجمع بأن المنفي ما كانوا يعتبرونه في الجاهلية من نصر الحليف ولو كان ظالما، ومن أخذ الثأر من القبيلة بسبب قتل واحد منها ومن التوارث ونحو ذلك، والمثبت ما عدا ذلك من نصر المظلوم والقيام في أمر الدين ونحو ذلك من المستحبات الشرعية كالمصادقة والمواددة وحفظ العهد.

وقد تقدم حديث ابن عباس في نسخ التوارث بين المتعاقدين، وذكر الداودي أنهم كانوا يورثون الحليف السدس دائما   ما فنسخ ذلك، وقال ابن عيينة: حمل العلماء قول أنس (حالف) على   المؤاخاة، قلت: لكن سياق عاصم عنه يقتضي أنه أراد المحالفة حقيقة، وإلا لما كان الجواب مطابقا، وترجمة البخاري ظاهرة في المغايرة بينهما، ولقدم في الهجرة إلى  المدينة”باب كيف آخى   النبي (صلي الله علية وسلم) بين أصحابه”، و ذكر الحديثين المذكورين هنا أولا، ولم يذكر حديث الحلف، وتقدم ما يتعلق بالمؤاخاة المذكورة هناك، قال النووي: المنفي حلف التوارث وما يمنع منه الشرع، وأما التحالف على   طاعة الله ونصر المظلوم والمؤاخاة في الله تعالى  فهو أمر مرغوب فيه” .

رأى الإمام محمد بن على الشوكانى ( 1250 -):

قال الإمام الشوكاني - رحمه الله - في كتابه نيل الأوطار في باب:”وجوب نصب ولاية القضاء والإرث وغيرهما":”وفيها دليل على   أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم، لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلي التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون  القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى “ .

|السابق| [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca